تعيش غزة اليوم مرحلة غامضة في تاريخها السياسي والجغرافي، فبعد عامين من العدوان والدمار، لم تتوقف المؤامرة عند حدود الحرب، بل انتقلت إلى طور 'إدارة ما بعد الحرب' تحت عنوانٍ لامع هو 'إعادة الإعمار والسلام'، بينما تُخفي وراءها خطة هندسة جديدة للقطاع تُعرف في الأوساط السياسية باسم 'غزة الجديدة'.
تشير الوثائق والتقارير الغربية إلى وجود مشروع واسع لإعادة صياغة الواقع الإداري والاقتصادي لغزة، يقوده التحالف الأمريكي- الإسرائيلي بدعمٍ من بعض الدول العربية. تقوم الفكرة الأساسية على إنشاء منطقة جديدة لإعادة الإعمار تُدار دوليا أو عبر هيئة إشرافية تضم شركات كبرى، تحت ما يُعرف بمبادرة (GREAT Trust- Gaza Reconstruction, Economic Acceleration and Transformation).
وتُطرح الفكرة باعتبارها بوابة 'السلام الاقتصادي'، لكنها في الواقع تسعى إلى تحويل غزة من كيان مقاوم إلى كيان استثماري خاضع للرقابة، مع بقاء السيطرة الأمنية الإسرائيلية على المعابر والمنافذ. التقارير المسربة تتحدث عن مخطط 'غزة ريفييرا'، وهو تصور لبناء مدن تكنولوجية ومناطق سياحية على أنقاض الأحياء المدمّرة، تُدار بشراكات دولية، مع إعادة توزيع ديموغرافي للسكان على نحوٍ يسهّل المراقبة والسيطرة.
الولايات المتحدة تمسك بخيوط المشروع سياسيا واقتصاديا، وتروّج له باعتباره خطوة ضرورية 'لضمان الأمن الدائم في المنطقة'. أما الدول الثماني المشاركة أو المراقِبة، ويُرجَّح أن تضم مصر والأردن والسعودية والإمارات وقطر وتركيا والولايات المتحدة وإسرائيل، مع إشراف أوروبي، فلكلٍّ منها حسابات مختلفة.
إن 'غزة الجديدة' ليست مدينة تُبنى، بل معركة وعي تُخاض.
في الواقع، لا توجد خطة عربية موحدة، بينما تتصرف واشنطن وتل أبيب وفق منطق 'فرض الأمر الواقع' عبر مشاريع اقتصادية تُغلَّف بعبارات إنسانية. لو حررنا القراءة السياسية الاستراتيجية يمكن أن نؤكد أن إسرائيل تسعى إلى نقل الصراع من ساحة المقاومة إلى ساحة الإعمار، أي من معركة التحرير إلى معركة التمويل والإدارة.
إنها محاولة لخلق واقعٍ جديد يُبقي غزة داخل 'القفص الاقتصادي'، بحيث يُكافأ الهدوء بالمساعدات ويُعاقَب الصمود بالحرمان. بهذا، يصبح 'السلام' أداة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي وإفراغ القضية من مضمونها المقاوم.
من منظورٍ شرعي، لا يجوز أن تُبنى خطط السلام على التنازل عن حقٍ ثابت أو تفريطٍ في أرضٍ مغتصبة. قال تعالى: 'وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ'.
إن 'غزة الجديدة' ليست مدينة تُبنى، بل معركة وعي تُخاض، فإما أن تكون بوابة لإحياء المقاومة، أو ممرّا لتصفيتها.





شارك برأيك
غزة الجديدة.. بين وهم السلام وخطة الإحلال السياسي!!