بينما لم يُفق المكلومون من صدمتهم، وطفقوا يتحسّسون جراحهم، في محاولةٍ لانتشال أرواحهم من قاع المأساة التي ألـمّت بهم، والتقاط أنفاسهم اللاهثة من وعثاء النزوح المكرور في درب الجلجلة، وجبر خواطرهم، وتفريغ فائض الأحزان المكبوتة منذ عامين في نفوسهم، جاءتهم الضربات التي عمّقت جراحهم، وأضافت أحزانًا جديدةً على أحزانهم، وركامًا فوق ركام منازلهم، في ليلةٍ طويلةٍ داميةٍ امتدت حتى مطلع الفجر، فقدوا خلالها أحبتهم الذين اطمأنت نفوسهم لتصريحات ترمب بعدم العودة إلى الحرب، فناموا ملء جفونهم قبل أن يعلموا أنها إغفاءتهم الأخيرة بين أحضان أمهاتهم.
ما شهدته غزة الليلة الماضية بدا كما لو أن الثامن من أكتوبر يعود بكل أهواله، وعظيم أفعاله، وغزير دمائه وأشلائه، معظم ضحاياه من النساء والأطفال، فالذئب لم يقضِ وطره بعد من دماء الضحايا طيلة عامين كاملين من الإبادة.
معصوب العينين، معقود الحاجبين، اندفع نتنياهو للانتقام من الأطفال والنساء النائمين في خيامٍ منصوبةٍ على تلال الركام، مدشنًا أول حملةٍ انتخابيةٍ لإعادته إلى سدة الحكم في الانتخابات المقبلة للإفلات من ظلمة السجن، مُقدّمًا القرابين من الضحايا الأبرياء لغلاة التوراتيين عربون ولاءٍ ووفاءٍ بوعده لهم بعودة الإبادة، وسحق غزة بعد تخليق الذريعة، التي جاءت على شكل قتل جنديّ أكدت "حماس" براءتها من دمه أو علمها بمقتله، فقتل المجرمون مئة نفسٍ مقابله، فيما لا يزال حبل الذرائع مرخيّاً على غاربه، مقابل كل ذريعة مئة ضحية.. وما زال الاتفاق صامدًا.. يُغرّد ترمب.
ما يتغيّاه ترمب من "حماس" ومن غزة أكبر بكثيرٍ مما يصدر عنه من تصريحاتٍ تحمل الشيء ونقيضه، فبينما يمتدح "حماس"، ويدفع عنها تُهم خرق الاتفاق، فإنه يغمز لشريكه بالعودة إلى الحرب لقتل الناس، والانتقام من أولئك الذين نصبوا خيامهم فوق ركام منازلهم، وهو الذي لم تسقط من أجنداته "ريفييرا الشرق" ولا مخططات التهجير قبل المباشرة بإعادة التعمير في "غزة المفيدة"، على حد قول كوشنر، وهي النصف المدمّر الخالي من السكان.





شارك برأيك
قتل مئة نفس بذريعة الدفاع عن النفس!