أقلام وأراء

الثّلاثاء 21 أكتوبر 2025 9:39 صباحًا - بتوقيت القدس

إلى أين تمضي غزة والمجتمع الدولي؟

نحن الآن في اليوم الثامن من وقف إطلاق النار الهشّ، الذي أتاح إطلاق سراح عشرين أسيراً إسرائيلياً وبعض الجثامين، مقابل نحو ألفي أسير فلسطيني. لقد منح هذا الهدوء النسبي وتبادل الأسرى شيئاً من التخفيف والمعاناة، سواء لعائلات الأسرى الإسرائيليين أو لأكثر من مليوني إنسان في غزة عاشوا خلال العامين الماضيين كابوساً جحيمياً متواصلاً.

السؤال الذي يتردد على ألسنة الجميع، وبخاصة في غزة، هو: هل سيصمد هذا الهدوء؟ وإلى أين سيمضي بنا؟ إن محاولة الإجابة المباشرة عن هذين السؤالين، في ظل الظروف الراهنة، تبدو مغامرة غير حكيمة.

اللافت والمثير للقلق هو أن لغة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم تتغير بعد؛ فهو لا يزال يتحدث عن عزمه على تحقيق «القضاء التام على حركة حماس»، وضرورة «إنهاء الحرب».

وما يبعث على القلق كذلك أن «خطة ترامب ذات النقاط العشرين» تخلو تماماً من أي إشارة إلى القانون الدولي أو منظومة القيم القانونية التي تأسست بعد فظائع الحرب العالمية الثانية. فهذه الخطة، بصيغتها الحالية، تُعدّ في جوهرها «إنذاراً أحادياً»، وليست نتاج عملية تفاوض شاملة كما كان الحال في «اتفاق الجمعة العظيمة» في إيرلندا الشمالية.

وعندما صرّح كير ستارمر مؤخراً قائلاً: «استناداً إلى تجربتنا في أيرلندا الشمالية، نحن مستعدون للقيام بدور رئيسي في نزع سلاح حماس وقدراتها»، كان عليه أن يتذكّر الفارق الجوهري بين العمليتين؛ فحركة "شين فين"/الجيش الجمهوري الأيرلندي قُدّم لها طريقٌ نحو تقاسم السلطة، بينما يُعرض على حماس طريقٌ نحو العزلة والنفي.

تتجاهل خطة ترامب حقيقة أن غزة– وفق القانون الدولي– جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما أنها تُغفل الحقّ الإنساني الأساسي للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وإضافة إلى ذلك، فهي تتجاهل أن إسرائيل– باعتبارها سلطة احتلال– تتحمل التزامات قانونية واضحة تجاه سكان غزة، تشمل المعاملة الإنسانية للمدنيين، وتوفير احتياجاتهم الأساسية من غذاء وأدوية وصحة عامة. كما أن العقوبات الجماعية أو إجراءات الانتقام محظورة تماماً بموجب القانون الدولي.

ومن مصلحة إسرائيل ذاتها أن تتذكّر هذه الالتزامات القانونية. كما يجب على المجتمع الدولي أن يدرك أنه لا توجد طرق مختصرة نحو سلام دائم. فبتجاهل جوهر هذا الصراع المستمر منذ سبعة وسبعين عاماً– أي الاحتلال المتواصل للأراضي الفلسطينية المعترف بها دولياً في غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية– فإننا نخاطر بتغطية الشقوق العميقة بأوراق سطحية. ولن يمضي وقت طويل حتى تعود هذه الشقوق لتتسع من جديد، ويُستأنف دوّار العنف المستمر منذ أكثر من سبعة عقود.

إن ترامب ونتنياهو يؤمنان صراحةً بعقيدة «السلام من خلال القوة»، وخطتهما المقترحة تنسجم تماماً مع هذا المنطق. صحيح أن العمل العسكري قد يحقق في بعض الأحيان استقراراً مؤقتاً، لكن التاريخ أثبت أنه لا يمكن أن يستمر. فقد تعلّم الإسكندر الأكبر وفرسان الهيكل ونابليون– وغيرهم كثير– هذا الدرس بالطريقة الصعبة عندما حاولوا حكم غزة وفشلوا. إن تاريخ غزة ذاته شاهد حيّ على أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق بالقوة العسكرية أو بالإخضاع القسري.

فالسلام الحقيقي– كما يعلّمنا أنبياء بني إسرائيل– ليس مجرد غياب الحرب، بل هو وجود علاقات صحيحة بين الناس، ومع الله، وداخل المجتمع. السلام الدائم، كما يقولون، يتطلّب قبل كل شيء فسح المجال للآخر.

ومنذ نحو ستين عاماً، عبّر البابا بولس السادس عن بصيرة الأنبياء حين كتب: «السلام هو ثمرة العناية اليومية القلقة لضمان أن يعيش كل إنسان في عدلٍ كما أراد الله» (من الرسالة العامة "تقدّم الشعوب"). والدرس بسيط: إن السيطرة على الآخر لا تصنع سلاماً أبداً.

إن وقف إطلاق النار– رغم هشاشته– يتيح فرصة لوضع أسس اتفاقٍ دائم وكسر دوامة العنف التي طالت أكثر مما يجب. لكن خوفي أن إسرائيل لن تنعم بالأمن والسلام الذي تتطلع إليه بحق، ما لم تُنهِ احتلالها للأراضي الفلسطينية، وتمنح الفلسطينيين القدرة الحقيقية على تقرير مصيرهم. وهذا يتطلب تحوّلاً جذرياً في الذهنية الراهنة التي تساوي بين الأمن والتفوق، بدلاً من أن تراه في المساواة والعدالة.

دلالات

شارك برأيك

إلى أين تمضي غزة والمجتمع الدولي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.