لم نكن نعرف أن مروان البرغوثي بنى مفاعلًا نوويًا في قلب السجن، ليس من اليورانيوم ولا من الحديد، بل من الإرادة والوقت والفكرة.
في زنزانته الصغيرة، كان يخصب الحلم بدرجاتٍ عاليةٍ من الصبر، ويفكك الذرات الخائفة من النسيان ليعيد تركيبها على هيئة حريةٍ متوهجة.
كل ساعةٍ في العتمة كانت تجربةً نووية أخلاقية، كل رسالةٍ انشطارًا في جدار المعنى، وكل نظرةٍ من نافذةٍ مسيجة كانت تسربًا ضوئيًا من داخل الحديد إلى قلب التاريخ.
لم يحتج مروان إلى مختبر، لأن الجسد صار جهاز القياس، والروح هي المفاعل، والحرية هي الطاقة التي لا تُرى ولكنها تُشعل قلوب الناس في الخارج، وحين تفاوضوا على “الصفقة”، في شرم الشيخ، لم يكونوا يدركون أنهم يفاوضون على قلبٍ مشعٍ بالكرامة، وعقلٍ أنتج نظرية جديدة في فيزياء الاحتلال تقول: إن الضغط الشديد لا يولّد الانكسار، بل يولّد الانفجار.
من زنزانةٍ واحدة، خرج إشعاعٌ لا يُقاس بالميغاوات بل بعدد الذين نهضوا من الرماد، وأشعلوا الانتفاضات، يقولون: "ما دام فينا مروان، فالقضبان تتحول إلى معادن مشعة بالحياة."
لم يفرجوا عنه، لا لأنهم لا يستطيعون، بل لأن حريته تحرر الآخرين من خوفهم وسقوطهم، ولأن الحقيقة التي يحملها أخطر على الاحتلال من أي رصاصة، وانهم يخافون من فكرةٍ تسير على قدمين، تمشي على الأرض واثقة، لا تقف عند حاجز عسكري ولا بوابة.
مروان لا يطالب بحريته كحقٍ شخصي، بل يذيب ذاته في المعنى الأكبر: حرية الوطن، ولهذا صار اسمه في كل صفقةٍ كأنه اختبار أخلاقي للعالم بأسره، وصوت في القلوب، ورعشة نار في دماء البشر.
يدركون أن خروجه ليس حدثًا سياسيًا بل بداية انشطارٍ في بنية القهر الإنساني نفسها، الأسير الذي يرى الحرية أوسع من ذاته أخطر من جيشٍ كامل، هو من يعيد تعريف السجن لا كمكانٍ مغلق، بل كمرآةٍ تكشف سجن الآخرين في أوهام القوة.
دولة تخشى رجلا أعزل حوّل السجون إلى جامعة، ويعتقدون أن غزة تخرجت من أكاديمية مروان، أنه مشروع طوفان مستقبلي لتفكيك هندسة السيطرة والاستعمار، وان توقفت الحرب في غزة لم تتوقف في عقل من قال لهم يوما: اليوم الأخير من عمر الاحتلال هو اليوم الأول للسلام في المنطقة.
الحرية عند مروان ليست بابًا يُفتح، بل طاقة تُولد، وهم يعيشون في رعبٍ من الفكرة التي لا يمكن اعتقالها، كل قفلٍ سياسي يوضع على بابه هو محاولةٌ عبثية لتقييد ضوءٍ يخترق العتمة.
في كل مرة يضعون ألف باب حديدي وسياسي على زنزانة مروان، لم يحرر لا في صفقات تبادل ولا في مفاوضات سياسية، لان من يبني دولة داخل السجون من صبر وثقافة عنيدة، يستطيع أن يبني دولة الحرية خارج الأسوار، ويهدم جدران القهر والظلم والطغيان.
استنفرت دولة الإبادة وشطبت اسم مروان من قوائم الإفراج، مع عدد آخر من القيادات كأحمد سعدات و حسن سلامة وإبراهيم حامد وعبد الله البرغوثي وعاهد غلمة وعباس السيد، والمئات من المؤبدات والأحكام العالية، لأن مفاعل مروان الوطني الوحدوي غير قابل للانطفاء، الإشعاع الانتفاضي مستمر، وحرارة الأرواح ملتهبة من غزة إلى جنين، لا مساومة على الحرية والانعتاق من قيود الاحتلال.
لم يفرجوا عن مروان، لأنهم يعرفون أن أول خطوة له في الهواء الطلق، ستعلن انهيار منظومة كاملة من الأكاذيب الأمنية والأوهام، وتبدأ تفاعلا نوويا في الشارع والبيت والمدرسة والأغنية، فهو لا يملك صاروخا ولا دبابة، لكنه يملك القدرة على خلع الأقفال، وإطلاق حجر من قصيدة تحفر نفقا تحت الأسوار.
يلاحقون مروان ويرتجفون من أسير أعزل في زنزانة ضيقة، ويضعون في ميزان الخطر رجل يقلب موازين الجيوش بمجرد حضوره في الذاكرة، عزلوه واعتدوا عليه، حطموا أقلامه وفحصوه ألف مرة، فتبين أن جسده عادي، لكنه يتوهج خارج الأسلاك الشائكة، لقد اكتشفوا أن الحرية هي أخطر المواد المشعة في التاريخ.
يا للعجب!
دولةٌ تمتلك الطائرات النووية، الأقمار الصناعية، وجيوشًا من الحديد، وكل أنواع الأسلحة، لكنها ترتجف من رجلٍ واحدٍ في زنزانةٍ بعيدة لكنها تطل على الحياة القادمة.
يتعاملون معه كأنه يخبئ تحت جلده مفاعلًا ذريًا سيشتعل لو ابتسم، يتحدثون عنه في اجتماعاتهم كأنه خطرٌ إشعاعي: "ممنوع الإفراج عنه، إشعاعه قد يصيب العقول ويقلب المعادلة.
ما أشد خوف الاحتلال الذي يلبس درع القوة ويخفي في قلاعه هشاشة الخوف، يصنع الموت ولا يحتمل رجلًا يصنع الحضور من الطمس والغياب، دولة الاحتلال تحرس السجون أكثر مما تحرس حدودها، تنتقم من الأسرى تعذيبا وتجويعا وإعداما واغتصابا، لان في كل أسير ثورة إنسانية موقوتة تتناقلها الأجيال.
هكذا تصبح الزنزانة مركز أبحاثٍ للحرية، ويتحول الأسير إلى صاحب "المفاعلات الأخلاقية"، بينما دولة الاحتلال، بكل جبروتها، تحولت إلى دولة منبوذة عالميا، حفرت في دماغ الإنسانية كل العار والانحطاط، وحفرة عميقة في الوجدان تشبه القبر.
لم يفرجوا عن مروان، اجتمع الحلف الاطلسي وحلف ما يسمى ابراهام التطبيعي، وقرروا أن يقيدوا أحلامه الكبرى، لانه يمثل مشروعا يتجاوز الانقسامات، مشروعا يعيد تعريف الصراع من جديد بعد الإبادة الدموية على غزة، الصراع على الوجود والهوية والرواية واللغة، لا صراعا على الحدود أو شكل الدولة، وخروجه سيعيد صياغة الوعي الوطني للشعب الفلسطيني، كشعب تحدى الموت من أجل الحياة الحرة وكرامة الأمة.
إن الإفراج عن مروان يعني السماح بعودة العقل المقاوم إلى الساحة، وهذا أخطر من أي مواجهة عسكرية، هذه حرب على الرمز الذي يحرر الروح من الجسد المكبل، فيصبح الرمز في المخيلة، وفي الحلم وفي وعد المستقبل، وهذا ما لا يمكن السيطرة عليه.
لم يفرجوا عن مروان لانه: مازال يرفع قبضتيه المقيدتين في وجه السجان.
مازال يرسم وطنا جميلا حرا، بلا معازل وحواجز ومستوطنات وقضبان.
مازال يؤمن أن الحرية تنتزع انتزاعا ولا تخضع لشروط الأقوياء.
ما زال يؤمن أن المقاومة حق مشروع في وجه الإبادة والمحو والفناء.
ما زال يؤمن أن الإرادة هي من تصنع الحياة.
ما زال يطلق نبوءته العالمية: الاحتلال سيشيع جثمانه إلى أقرب مزبلة في التاريخ، إلى جوار النازية والفاشية والعنصرية والارهاب، وان الاحتلال إلى زوال.
مازال يضع يده على صدره، يسمع نبضه يقول: هذا ليس قلبا، هذه غرفة تحكم في مفاعل حي، تخرج منه شرارات لا تنطفئ.
ما زال مختبره الإنساني يولد الذرات من الصفر، لتضيء الشمس من قلب الظلام، وتضيء الكون.
لأنه حاكم الاحتلال في أطول لائحة اتهام منذ النكبة حتى غزة.
لأنه لم يصبح رمادا في جرة كما تمنى جنرالات الاحتلال.
لأن الزمن عنده صار زمنا برغوثيا: لحظة وعي يولد فيه الوطن من رحم الانتظار.
لأن مروان لم يحبس في السجن، بل حبس السجن داخل كلمته التي تطل على العالم من جهة الحلم.
ولأن السلام الذي يفرض بالقوة، ليس سلاما، بل هدوء المقابر.
السلام الحقيقي هو حين تفتح الزنازين وتبنى الذاكرة لا الجدران.
ولأن الحرب لا تنتهي بلا حرية، لانها ببساطة لم تبدأ إلا لأجلها،
قد تتوقف أصوات القنابل ولكن العدالة غائبة.
الحرب مستمرة ما دامت السجون قائمة، والسجن هو الوجه الداخلي للاحتلال.
يقول مروان:
يضحكني خوفهم ورعبهم مني، كأنني أحمل في جيبي قنبلة نووية، لا بضع أوراقٍ كتبتها في الليل، إلى أولادي وزوجتي في رام الله، يتعاملون معي كأن عقلي منشأةٌ خطيرة، وكلماتي مواد محظورة تحتاج إلى تفتيشٍ دوري، يقتحمون زنزانتي كأنهم يقتحمون منازل غزة، نسفا وتدميرا وقتلا وعربدة.
أنا لا أملك سلاحًا، بل ذاكرة، لا أملك جبهةً، بل قلبًا واحدًا يتسع للوطن كله، أنا رجل صناعة فلسطينية مائة بالمائة، أؤمن أن الحرية لا تُقاس بعدد البنادق، بل بعدد الذين يجتمعون على إنسانيتهم، ويرفضون الذل والعبودية، فمن يقبل الحياة بشروط الاحتلال لن يعرف طعم الحرية.
يخافون من العقل أكثر من الصاروخ، من الفكرة أكثر من الجيش، من الحرية التي تفكر أكثر من السلاح الأعمى، كلّ قفلٍ على بابي هو في الحقيقة قفلٌ على وعيهم، وأنا لست خطرًا على أمنهم، بل على أوهامهم.
لأنني أرى ما لا يرونه:
أن الحرية حين تُفكّر تصبح أقوى من أي رصاصة.
وأن الوطن حين يُحبّ لا يمكن استعمارُه، ولو أحاطوه بكل سجون الأرض، فالطاقة لا تفنى مادام في داخلها انسان.
ايها الناس:
لا تقولوا إنني مازلت سجينا، فحين توقف نزيف غزة، انفتح في صدري باب حرية لا يراه الحراس، انا لا اطلب لنفسي خلاصا، بل اطلب للوطن أن يتنفس، وان يرى في الصبح معنى البقاء، حريتي من حرية شعبي، ولو ظل مفتاح زنزانتي في جيب السجان.
لا تقلقوا علي، أنا حر، وأرى نفسي بينكم كل لحظة، أرى نفسي في كل طفل وأم وشهيد.
أنا معكم في غزة والقدس ورام الله، ونابلس والخليل، وفي كل عرس وجنازة، ومدينة وقرية ومخيم، في كل كنيسة وجامع وصلاة، في كل صيف وشمس وشتاء، ورعد ومطر لا يؤجل.
لا تنتظروا الغد، الغد يولد فينا كل يوم.
في السجن ولدت الحرية، وفي السجن مات الخوف.





شارك برأيك
المفاعل النووي لمروان البرغوثي