بينما تجتمع الأطراف الإقليمية والدولية على طاولة مفاوضات شرم الشيخ لبحث مستقبل غزة وسبل وقف العدوان وإعادة الإعمار، يبرز سؤال جوهري لا يمكن تجاوزه: أين منظمة التحرير الفلسطينية من كل ذلك؟ وكيف يمكن لمفاوضات تحدد مصير غزة، بل ومصير فلسطين ككل، أن تُعقد في غياب الجهة التي تمثل الشرعية الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني أمام العالم؟
غياب المنظمة... غياب البوصلة
منظمة التحرير الفلسطينية ليست مجرد مؤسسة سياسية عابرة، بل هي الهوية الجامعة والإطار الشرعي الوحيد الذي اعترفت به الأمم المتحدة ممثلاً شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني. تحت مظلتها، تأسست السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن خلالها خاضت فلسطين معاركها الدبلوماسية والقانونية والسياسية في المحافل الدولية. ولذلك، فإن تغييب المنظمة عن المفاوضات في شرم الشيخ ليس تفصيلًا تقنيًا أو بروتوكوليًا، بل مسٌّ بجوهر التمثيل الفلسطيني وموقعه في المعادلة الإقليمية والدولية.
إن منظمة التحرير ليست كيانًا وُلد من رحم اتفاقيات السلام، بل من رحم الثورة الفلسطينية ذاتها. فقد حملت منذ تأسيسها عام 1964 مشروع التحرير والهوية، واعترفت بها الأمم المتحدة عام 1974 كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، في قرار تاريخي (القرار 3236). ومنذ ذلك التاريخ، لم تُعتبر أي جهة أخرى مرجعًا سياسيًا للشعب الفلسطيني، ما يجعل استبعادها اليوم من مفاوضات تتعلق بمصير غزة، تناقضًا مع كل ما أقره العالم من شرعية دولية لفلسطين.
بين الواقع الميداني والشرعية السياسية
يدرك الجميع أن حركة حماس تسيطر فعليًا على قطاع غزة منذ عام 2007، وأنها طرف رئيسي في الميدان اليوم، ولكن الواقعية لا تعني إلغاء الشرعية. من الطبيعي أن تكون حماس حاضرة في أي نقاش ميداني أو أمني، لكن من غير المنطقي أن تُختزل القضية الفلسطينية إلى تفاوض بين فصيل ومحتل، بينما يُستبعد الإطار الوطني الجامع الذي يمثل الكل الفلسطيني. فحماس تُمسك بالأرض، لكن منظمة التحرير تُمسك بالهوية، ولا إعمار بلا شرعية، ولا شرعية بلا وحدة تمثيلية وسياسية واضحة.
بين حسابات الإقليم وتوازنات الميدان
في الميدان، تتحرك الوساطات الإقليمية من مصر وقطر وتركيا، في محاولة لبلورة تفاهمات عاجلة توقف نزيف الدم وتفتح ممرات الإغاثة، غير أن بعض القوى الدولية تُفضّل التعامل مع من “يملك القرار الميداني”، وليس من يملك الشرعية السياسية. وهنا تكمن المعضلة: المجتمع الدولي يريد حلولًا سريعة، ولو مؤقتة، حتى لو جاءت على حساب الإطار الوطني الفلسطيني. لكن هذه المقاربة قاصرة، لأن أي ترتيبات مؤقتة تُقصي منظمة التحرير ستنتج واقعًا سياسيًا هشًا، سرعان ما ينهار أمام أول أزمة قادمة.
اللافت أن معظم الوسطاء الإقليميين والدوليين يتحدثون عن “اليوم التالي للحرب”، دون أن يحددوا من هو الطرف الفلسطيني الذي سيُسلم إليه زمام الأمور. فبينما تُعقد الاجتماعات في شرم الشيخ بمشاركة وفود أمنية من فصائل المقاومة، تغيب المنظمة ورئيسها عن الصورة، وكأن غزة كيان منفصل عن الدولة الفلسطينية. إن هذا التجاهل المنهجي لا يخدم سوى من يريد تكريس واقع الانقسام، وتحويل غزة إلى “ملف إنساني” منفصل عن المسار السياسي الوطني. وهنا تكمن الخطورة: أن تتحول قضية غزة من قضية وطن إلى قضية إغاثة.
من شرم الشيخ إلى ما بعد الحرب
مهما كانت طبيعة التفاهمات في شرم الشيخ – هدنة، أو وقف إطلاق نار، أو ترتيبات إنسانية – فإن المرحلة التالية ستتطلب جهة سياسية مسؤولة تتسلم مفاتيح إدارة غزة، وتربطها بالضفة الغربية تحت مظلة دولة فلسطين الواحدة. ولا يمكن لأي جهة أن تقوم بهذا الدور سوى منظمة التحرير ورئيسها، بوصفها المرجعية السياسية العليا للشعب الفلسطيني، والحلقة الشرعية الوحيدة بين غزة والضفة، وبين فلسطين والعالم.
نحو استعادة الدور والشرعية
إن تجاهل المنظمة اليوم لا يعني نهايتها، بل يدق ناقوس الخطر بضرورة إعادة تفعيلها وتجديد شرعيتها عبر وحدة وطنية حقيقية تشمل كل القوى والفصائل. فالطريق إلى الإعمار لا يمر فقط عبر شركات المقاولات أو المنح الدولية، بل عبر إعادة بناء الشرعية الفلسطينية على أسس الوحدة والتمثيل الجامع. وما لم تعد المنظمة إلى واجهة القرار، فإن إعادة الإعمار ستبقى بلا رؤية، والمفاوضات بلا أفق، وغزة بلا مرجعية وطنية تحميها وتحتضنها.
إن الحديث عن إعادة إعمار غزة لا يقتصر على بناء الحجارة، بل على إعادة بناء الإنسان الفلسطيني الذي فقد بيته وأطفاله وأمانه. آلاف الأيتام اليوم ينتظرون من يمثلهم أمام العالم، لا من يفاوض فقط على معابر ومساعدات. ومنظمة التحرير هي المؤسسة الوحيدة التي يمكن أن تُعيد لهذه الفئات صوتها، وللوطن وحدته، وللدم الفلسطيني كرامته على طاولة المفاوضات. فغزة ليست جغرافيا منفصلة، بل وجدان فلسطين كلها.
ختامًا
شرم الشيخ قد تنتهي بتفاهمات أو اتفاقات، لكن التاريخ سيتذكّر أن الطاولة كانت ناقصة الكرسي الأهم: كرسي منظمة التحرير الفلسطينية. وإن أي مشروع لإعادة إعمار غزة لا ينطلق من الشرعية الوطنية الجامعة، سيبقى مجرد ترميمٍ هشّ لجدارٍ مهدّد بالانهيار.
الشرعية لا تُورّث، والوطن لا يُختصر، ومنظمة التحرير ستبقى – مهما طال الغياب – بوصلة فلسطين السياسية والوجدانية، لأنها ببساطة صوت من لا صوت له… وصوت غزة التي تنتظر العودة إلى حضن الوطن.
الخطة الفلسطينية الغائبة عن شرم الشيخ
ورغم وضوح الرؤية الفلسطينية الرسمية التي قدّمتها الحكومة برئاسة الدكتور محمد مصطفى، تحت عنوان “خطة اليوم التالي لغزة”، والتي تبنّتها جامعة الدول العربية والقمة الإسلامية ونالت دعمًا واسعًا من الاتحاد الأوروبي ومعظم دول العالم– باستثناء الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض حلفائهما– إلا أن هذه الخطة لم تجد طريقها إلى طاولة المفاوضات في شرم الشيخ. غابت الخطة كما غابت المنظمة، وغاب معها الصوت الفلسطيني الجامع الذي يربط بين الشرعية والقدرة التنفيذية، في مشهد يُكرّس فكرة إدارة غزة عبر الوسطاء، لا عبر أصحاب الأرض والقرار. إن تغييب الخطة العربية – الفلسطينية المشتركة، رغم إجماع العالم عليها، يعبّر عن خلل سياسي خطير، ويؤكد أن بعض الأطراف الدولية لا تريد إنهاء الأزمة، بل إدارتها وفق حسابات القوة، لا وفق مبادئ الشرعية.





شارك برأيك
شرم الشيخ بلا منظمة التحرير.. غياب الشرعية في زمن إعادة الإعمار