بعد كلّ هذه الحرب الطاحنة على غزة، وما شهده شعبُنا من قتلٍ وتجويعٍ وتشريدٍ وتدميرٍ ممنهج، كان الأمل أن تخرج من رحم هذه المأساة مبادرةٌ وطنيةٌ ودوليةٌ صادقة تُعيد الاعتبار للعدالة، وتُمهّد لمرحلة إعمارٍ حقيقيةٍ تقودها الأيادي الفلسطينية تحت المظلّة الشرعية لمنظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الوطنية.
فبعد كلّ هذا الثمن الباهظ الذي دفعته غزة وفلسطين، ظنّ الجميع أن العالم قد استيقظ على عمق الجريمة، وأن مرحلة ما بعد الحرب ستشهد تمكين القيادات الوطنية النزيهة وأبناء الأرض الذين عاشوا المعاناة وعرفوا كيف تُبنى الحياة وسط الركام. غير أنّنا صُدمنا بقرارٍ غريبٍ يُعيد إلى الواجهة شخصيةً كانت جزءًا من ماضٍ لا من مستقبلٍ بنّاء.
فالسيد بلير، الذي كان أحد أبرز مهندسي الحرب على العراق ودماره، يُعاد اليوم تقديمه للعالم كـ”منقذٍ لغزة”! أيّ عبثٍ هذا؟ وكيف يُسند ملفّ إنساني وإعماري لشخصٍ ارتبط اسمه بالاحتلال والدمار؟ أليس في فلسطين، وفي غزة تحديدًا، من الكفاءات الوطنية والقيادات التاريخية من هم أقدر وأصدق وأكثر انتماءً لخدمة وطنهم وشعبهم؟
لقد جُرّب بلير من قبل حين تولّى رئاسة “اللجنة الرباعية الدولية”، فكانت تجربته عبئًا على فلسطين بدل أن تكون دعمًا لها؛ لا إنجازاتٍ تُذكر، ولا خطواتٍ تُقاس، سوى مكاتب فارهة في فندق الـ”أمريكان كولوني”، وموازناتٍ استُنزفت بلا أثرٍ يُذكر، لا في التنمية ولا في تحقيق الأمن والسلام.
والمؤلم اليوم أنّ المجتمع الدولي يكرر الخطأ ذاته، فيتجاهل المؤسسات الوطنية الفلسطينية، ويتجاوز الحكومة الشرعية ومؤسسات منظمة التحرير، وكأنّ الحلول يمكن أن تُفرض من الخارج بعيدًا عن الإرادة الفلسطينية الجامعة. لكنّ الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: إن من يحتاج إلى وصاية اليوم ليست فلسطين، بل الدولة العبرية نفسها، لأنها خرجت عن منطق الدولة الديمقراطية، وانزلقت إلى فكر الحروب وتهديد الأوطان العربية، كما رأينا خلال العامين الماضيين، وآخرها العدوان السافر على الشقيقة قطر، التي ما فتئت تلعب دور المضيف والمسهل للمفاوضات.
إنّ غزة ليست جغرافيا منفصلة، بل قلب فلسطين النابض، وجرحها جرح الوطن كلّه. ومَن يريد إعمار غزة حقًا، عليه أن يتعامل معها كجزء من الكيان الوطني الفلسطيني، تحت راية منظمة التحرير ومؤسسات الدولة، لا كمشروعٍ إنسانيٍّ عابرٍ تستهلكه المصالح الدولية.





شارك برأيك
أيّ عبث هذا؟