أقلام وأراء

السّبت 27 سبتمبر 2025 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

التوجيهي الجديد بين الطموح والواقع الفلسطيني المرير

منذ سنوات طويلة يعيش الفلسطينيون جدلاً متواصلاً حول نظام التوجيهي التقليدي وما يحمله من ضغط نفسي وامتحان واحد يحدد مصير الطالب ومستقبله. لذلك، حين أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي في فلسطين عن اعتماد نظام جديد يمتد على عامين ويقوم على مسارات متعددة، بدا الأمر للوهلة الأولى كخطوة جريئة نحو إصلاح طال انتظاره. فالفكرة تحمل في جوهرها بعداً تقدمياً يسعى إلى تخفيف الضغط عن الطلبة وإعطائهم فرصة حقيقية لاختيار المسار الذي يتناسب مع ميولهم وقدراتهم، سواء كان طباً أو هندسة أو علوم إنسانية أو شرعية أو ريادة أعمال أو مهنياً تطبيقياً. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يمكن فعلاً تطبيق هذا النظام في ظل واقع تعليمي ممزق تحت الاحتلال، وفي ظل الأزمات التي تعصف بالضفة الغربية والقدس وغزة على حد سواء؟


لنبدأ من غزة، حيث تحولت المدارس إلى ركام أو ملاجئ منذ الحرب الأخيرة. أكثر من تسعين بالمئة من مباني المدارس دُمّرت أو تضررت بشكل مباشر، وفقد عشرات الآلاف من الأطفال عاماً دراسياً كاملاً. في هذا السياق يصبح الحديث عن مسارات متخصصة أو مختبرات حديثة أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع. كيف يمكن الحديث عن مسار طبي أو هندسي دون مختبرات كيمياء وفيزياء مجهزة؟ كيف نخطط لمسار مهني دون ورش عملية؟ بل كيف يمكن أن يتحدث طالب عن ميوله المستقبلية بينما هو يبحث عن مكان آمن ليجلس فيه ودفتر ليكتب عليه؟ الحقيقة أن الأولوية في غزة لا بد أن تكون للتعليم التعويضي والطارئ، ولإيجاد آليات مبتكرة تضمن استمرار الحد الأدنى من التعليم مثل الصفوف المجتمعية، والمراكز المؤقتة، والبرامج النفسية والاجتماعية التي تداوي جراح الأطفال. إن إدخال نظام التوجيهي الجديد في غزة الآن سيكون بمثابة وضع زينة على بيت مهدّم، لذلك لا بد من اعتماد خطة إنعاش تعليمي انتقالية قبل التفكير في الإصلاح الهيكلي.


أما في الضفة الغربية، فالمشهد مختلف لكنه لا يقل تعقيداً. هنا ما زالت البنية التحتية التعليمية قائمة، لكن التحديات تتمثل في غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي. المدارس تتعرض بين حين وآخر لاقتحامات أو لإغلاق بسبب المواجهات، فيما يعيش المعلمون أزمة رواتب خانقة تنعكس على أدائهم وعلى انتظام العملية التعليمية. في ظل هذا المناخ المضطرب يمكن القول إن النظام الجديد ممكن التطبيق جزئياً ولكن بذكاء وحذر، عبر ما يسمى "التطبيق الطيّار"، أي التجريب المرحلي في مديريات مختارة أكثر استقراراً مثل رام الله أو بيت لحم. تطبيق محدود النطاق يتيح قياس النتائج بدقة، ومعرفة العقبات، ثم التوسع تدريجياً نحو باقي المناطق. دون هذه الحذرية، سنواجه مشهداً كارثياً حيث تستفيد بعض المدارس المقتدرة من النظام الجديد وتوفر مسارات نوعية، بينما تبقى مدارس أخرى في القرى والمخيمات عاجزة عن تقديم سوى المواد العامة، ما يعمّق فجوة الظلم التعليمي.


في القدس الشرقية، التحديات تتخذ شكلاً مختلفاً. هنا المدارس الفلسطينية تقع بين مطرقة الإغلاق وسندان محاولات فرض المناهج الإسرائيلية أو تعديلها. ست مدارس تابعة للأونروا أغلقت أبوابها مؤخراً، وهناك نقص مزمن في الصفوف وضغط إداري وسياسي دائم. في مثل هذه البيئة الهشة، يصعب تخيل تطبيق شامل لنظام التوجيهي الجديد. الأنسب هو تبني نماذج صغيرة هجينة داخل المدارس الأهلية والجمعيات المجتمعية، بحيث يحصل بعض الطلبة على فرصة الاستفادة من النظام الجديد ضمن بيئة شبه مستقلة، بعيداً عن التقلبات السياسية والإدارية.


لكن حتى لو تجاوزنا هذه التحديات المكانية، يظل هناك سؤال محوري: هل الجامعات الفلسطينية جاهزة للتعامل مع مخرجات النظام الجديد؟ الحقيقة أن غياب التنسيق المسبق مع مؤسسات التعليم العالي قد يجعل أي تغيير في التوجيهي غير ذي جدوى. فماذا لو درس الطالب مسارين متكاملين عامين، ثم اصطدم عند بوابة الجامعة بمتطلبات قبول لا تعترف بنظام التقييم المرحلي؟ هنا تكمن خطورة أي إصلاح غير مكتمل الأركان، إذ يتحول إلى عبء على الطلبة بدلاً من أن يكون فرصة.


التوجيهي الجديد يحمل أيضاً تحديات مرتبطة بالعدالة الاجتماعية. فمن المعروف أن المدارس في المدن الكبرى أو الخاصة تملك إمكانات تفوق بكثير مدارس القرى والمخيمات. فإذا فُرض النظام الجديد دون آليات تضمن العدالة في توفير المختبرات والورش والتجهيزات، فإننا سنكرس واقعاً طبقياً داخل التعليم نفسه: أبناء الأثرياء سيختارون مسارات لامعة تفتح لهم أبواب الجامعات، بينما أبناء الفقراء سيجدون أنفسهم محصورين في مسارات محدودة الإمكانات. هذا يتعارض مع الهدف المعلن للنظام الجديد وهو توفير العدالة والفرص المتساوية.


ثم هناك التحدي النفسي والاجتماعي. لسنوات طويلة تعود الفلسطينيون على امتحان واحد في نهاية الصف الثاني عشر يحدد مستقبل الطالب. صحيح أن هذا الامتحان كان قاسياً وضاغطاً، لكن كان مفهوماً ومحدداً. أما اليوم فإن التقييم الممتد على عامين، مع توزيع العلامات بين الصف الحادي عشر والثاني عشر، قد يثير حالة من القلق والارتباك بين الأهالي والطلبة على حد سواء. هل علامات الصف الحادي عشر ستُحتسب بنفس وزن الصف الثاني عشر؟ ما مصير من يتعثر في مسار اختاره؟ كيف سيتعامل الأهل مع امتحانات متجزئة ونتائج مرحلية؟ هذه الأسئلة إن لم تجد إجابات واضحة وشفافة منذ البداية، ستقوّض الثقة في النظام الجديد قبل أن يبدأ.


ورغم هذه التحديات الجسيمة، لا يمكن إنكار أن فكرة النظام الجديد تحمل جوانب إيجابية تستحق الدفاع عنها. تخفيف الضغط النفسي عن الطلبة، وتوزيع التقييم على عامين، وإعطاء مساحة للاختيار الحر، كلها خطوات تعكس فلسفة تربوية أكثر عدلاً وإنسانية. كما أن ربط التعليم بسوق العمل وإدخال مسارات مهنية وريادية يعكس وعياً بضرورة تجاوز التعليم الأكاديمي التقليدي الذي يخرّج أعداداً ضخمة من العاطلين عن العمل. لكن هذه الإيجابيات ستظل حبراً على ورق إذا لم تترافق مع استعدادات جادة على الأرض، تبدأ بتدريب شامل للمعلمين، وتعزيز الإرشاد الأكاديمي والمهني، وتطوير المناهج، والتنسيق الوثيق مع الجامعات، وتوفير التمويل اللازم للبنية التحتية.


الحقيقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة هي أن التوجيهي الجديد قد يكون خطوة نحو المستقبل، لكنه في الوقت ذاته اختبار لقدرة النظام التعليمي الفلسطيني على مواجهة أزماته البنيوية. النجاح هنا لن يُقاس فقط بمدى جمال الفكرة أو حداثتها، بل بمدى عدالتها وقدرتها على الصمود في بيئة سياسية وأمنية متقلبة. إن التعليم في فلسطين ليس مجرد إصلاح داخلي، بل هو معركة يومية مع الاحتلال الذي يستهدف الوعي قبل أن يستهدف البنيان. ولهذا فإن أي إصلاح تربوي لا بد أن يُبنى على أساس مقاوم وصامد، يأخذ في الحسبان الواقع القاسي ولا يهرب منه.


في نهاية المطاف، إذا أرادت الوزارة أن تنجح في هذه الخطوة، فعليها أن تكون شجاعة في مواجهة الحقائق: غزة تحتاج خطة إنعاش انتقالية، الضفة تحتاج تطبيقاً مرحلياً طياراً، القدس تحتاج حلولاً هجينة محمية قانونياً. غير ذلك، سنظل نكرر مأساة الإصلاحات الورقية التي تنهار عند أول اختبار واقعي. التوجيهي الجديد فرصة تاريخية إذا أُدير بذكاء وعدالة، لكنه قد يتحول إلى عبء جديد إذا أُدير بارتجال أو بقرارات فوقية. وفي زمن يُستهدف فيه التعليم الفلسطيني كهوية وكرامة ووجود، فإن أي خطوة إصلاحية يجب أن تكون أكثر من مجرد تغيير في شكل الامتحان، بل مشروع صمود وطني شامل، يربط المدرسة بالجامعة، والطالب بالمجتمع، والمعرفة بالحرية.

دلالات

شارك برأيك

التوجيهي الجديد بين الطموح والواقع الفلسطيني المرير

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.