فلسطين

الإثنين 22 سبتمبر 2025 12:00 مساءً - بتوقيت القدس

"يوم الاعترافات" محطة فارقة في مسار دولة تنهض من محرقة

رام الله - خاص بـ"القدس" دوت كوم

د. رائد أبو بدوية: الاعترافات تُكرس تقدم فلسطين وتراجع إسرائيل عالمياً لكنها تظل أقرب إلى إنذار سياسي ما لم تُترجم لخطوات عملية
نور عودة: الاعترافات ليست مِنّة أو هدية بل دَين تاريخي والتزام قانوني وتُمثل مواجهة للمخططات الإسرائيلية المدعومة أمريكياً
خليل شاهين: "حائط صد سياسي" أمام المخططات الإسرائيلية ويجب أن تقترن الاعترافات بتبني استراتيجية عملية لإنهاء الاحتلال
د. إيريني سعيد: الاعترافات ورقة ضغط سياسية وقانونية مهمة بمواجهة الاحتلال لكن الأولوية لوقف النار بغزة وإدخال المساعدات
داود كُتّاب: دلالات سياسية وقانونية أهمها التأكيد على أن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ليست "أراضي متنازع عليها"
فراس ياغي: أوروبا تحاول الاستقلال بموقفها عن الإدارة الأمريكية الحالية التي تقدم دعماً مطلقاً لإسرائيل وسياساتها التوسعية


 تتوالى الاعترافات بالدولة الفلسطينية، حيث اعترفت ثلاث دول بها أبرزها بريطانيا، أمس الأحد، ومن المتوقع أن يشهد اليوم الإثنين سلسلة اعترافاتٍ أُخرى من عددٍ من الدول، فيما بات يُعرف بـ"يوم الاعترافات"، وذلك على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، وعشية استئناف المؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين في نيويورك، كخطوةٍ توصف بأنها مفصلية في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
ويؤكد كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن هذا اليوم يحمل رمزية خاصة، كون الاعترافات جاءت متزامنة، بما يعكس توافقًا متناميًا داخل المجتمع الدولي على ضرورة التعامل مع فلسطين كدولة قائمة على أراضي 1967، لا مجرد "قضية نزاع" قابلة للتفاوض، فيما باتت إسرائيل تُرى على نطاقٍ أوسع كدولةٍ خارجةٍ على القانون، تمارس الإبادة والاستيطان، ما يقوّض رصيدها السياسي ويقربها من صورة "الدولة المنبوذة".
ويؤكد الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن الاعترافات، رغم أهميتها، تبقى إنذارًا سياسيًا أكثر منها تحولًا عمليًا، لكن يظل التحدي الأكبر في ترجمة هذا الزخم الدبلوماسي إلى خطوات ملموسة على الأرض، قادرة على فرض حل الدولتين وإنهاء الاحتلال بصورة عملية ومستدامة.
بالتوازي مع ذلك، يرى الكتاب والمحللون والمختصون وأساتذة الجامعات أن "يوم الاعترافات" ليس مجرد حدث عابر، بل يمثل بداية مسار سياسي قد يعيد رسم معادلات الصراع، فالمجتمع الدولي، ولا سيما أوروبا، بات يدرك أن استمرار إدارة الأزمة من دون أفق سياسي لم يعد ممكنًا، وأن الاعتراف بدولة فلسطين يشكل أداة ضغط مباشرة على إسرائيل لوقف الإبادة وسياساتها التوسعية، غير أن نجاح هذه الخطوة يبقى مرهونًا بقدرة الفلسطينيين على توحيد صفوفهم وتطوير استراتيجية موحدة تستثمر الزخم الدبلوماسي وتحوّله إلى مكتسبات سياسية وقانونية على الساحة الدولية.

تثبيت صورة فلسطين دولةً تحت الاحتلال

يؤكد د. رائد أبو بدوية، أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، أن ما بات يُعرف بـ"يوم الاعترافات"، الذي يشهد إعلان عدد من الدول، معظمها أوروبية، الاعتراف بدولة فلسطين، يمثل حدثًا مفصليًا في مسار القضية الفلسطينية، ليس على مستوى البروتوكول الدبلوماسي فحسب، بل في سياق التحولات الأعمق للنظام الدولي ومكانة إسرائيل داخله.
ويوضح أبو بدوية أن هذا اليوم يحمل دلالات رمزية وسياسية لافتة، إذ يوحي تزامن الاعترافات بأن المجتمع الدولي، أو على الأقل جزءًا متناميًا منه، قرر التحدث بصوت واحد إزاء فلسطين، بعد عقود من التهميش والتجاهل.
ويعني ذلك وفق أبو بدوية، تثبيت صورة فلسطين دولةً تحت الاحتلال، لا مجرد "قضية نزاع" قابلة للتفاوض، بما يمنح الفلسطينيين شرعية سياسية متجددة ويقوي حضورهم في الساحة الدولية.

إسرائيل تتعرض تدريجياً لعزلة متنامية

ويشير إلى أن هذه الاعترافات توازيها صورة معاكسة تمامًا لإسرائيل، التي وإن كانت ما تزال تحظى بدعم أمريكي كامل سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا، إلا أنها تتعرض تدريجيًا لعزلة متنامية، حيث يُنظر إليها في أوساط دولية متزايدة باعتبارها دولة خارجة على القانون، تمارس مشروعًا استيطانيًا توسعيًا، وترتكب جرائم تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية، ومع كل اعتراف جديد بفلسطين، يتراجع رصيد الشرعية الذي طالما استندت إليه إسرائيل لتبرير سياساتها، وتقترب أكثر من صورة "الدولة المنبوذة".
وفي الوقت نفسه، يشدّد أبو بدوية على أن الطريق ما يزال مليئًا بالعقبات، فهذه الاعترافات الأوروبية، على أهميتها، لا تمتلك وحدها القدرة على إحداث تغيير ملموس ميدانيًا، في ظل استمرار المظلة الأمريكية التي تحمي إسرائيل داخل مجلس الأمن والمؤسسات الدولية.
ويلفت إلى أن الانقسام الفلسطيني الداخلي كذلك يُضعف القدرة على استثمار هذه اللحظة التاريخية، فيما قد تلجأ إسرائيل إلى التصعيد الميداني لعرقلة أي مسار سياسي ناشئ.

إعادة إحياء فكرة حل الدولتين ومنحها زخماً دبلوماسياً

وحول مستقبل حل الدولتين، يرى أبو بدوية أن هذه الاعترافات تعيد إحياء الفكرة وتمنحها زخماً دبلوماسياً، لكنها تكشف في الوقت ذاته التناقض الصارخ بين القانون والواقع: الأرض تُلتهم بالمستوطنات، والسلطة الفلسطينية ما زالت عاجزة عن التحول إلى دولة ذات سيادة كاملة.
ويؤكد أبو بدوية أن "يوم الاعترافات" يكرس تقدم فلسطين على صعيد الشرعية الدولية مقابل تراجع إسرائيل عالميًا، لكنه يظل أقرب إلى إنذار سياسي لإسرائيل ما لم تُترجم هذه الاعترافات إلى خطوات عملية تضغط على الاحتلال وتحد من الحماية الأمريكية له.

بُعد سياسي عميق للاعترافات

تؤكد الكاتبة والمحللة السياسية المتخصصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية نور عودة أن الاعترافات المتزايدة بدولة فلسطين من قبل عدد من الدول الأوروبية والعالمية لا ينبغي أن تُفهم على أنها منّة أو هدية، بل باعتبارها "دَيناً في رقبة هذه الدول"، على حد وصفها، منذ اللحظة التي اتخذ فيها المجتمع الدولي قرار التقسيم الجائر حين أعطى الجزء الأكبر من فلسطين لغير شعبها، وكذلك التزام قانوني، لكنه يتطلب متابعة وخطوات عملية.
وتشدد عودة على أن مسؤولية بريطانيا على وجه الخصوص تبقى أثقل وأكبر بحكم دورها التاريخي في إصدار "وعد بلفور" الذي فتح الطريق أمام المشروع الاستعماري الإسرائيلي.
وترى عودة أن هذه الاعترافات تحمل في اللحظة الراهنة بُعداً سياسياً عميقاً، إذ تُمثل مواجهة مباشرة لمخططات إسرائيل الاستيطانية والدعم الأمريكي اللامحدود لها، كما تشكل اعترافاً بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ووجوده وحقه في تقرير مصيره.
وتؤكد عودة أن الاعتراف رفض واضح لسياسات الضم والتوسع والتهجير القسري والانتهاكات التي تمارسها إسرائيل يومياً في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتشير عودة إلى أن الاعترافات لا يجوز التعامل معها كنهاية المطاف، بل هي بداية الطريق السياسي والقانوني، حيث تُلزم الدول المعترفة بترجمة موقفها عملياً عبر احترام سيادة فلسطين على الأراضي المحتلة عام 1967، بما يشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.
وتؤكد عودة أن هذا يفرض على تلك الدول اتخاذ إجراءات ملموسة، قانونية واقتصادية وسياسية، لمقاطعة ومعاقبة الوجود الاستيطاني غير الشرعي، ومنع التعامل مع الشركات المستفيدة من الاحتلال ونهب الموارد الفلسطينية.

التزامات قانونية لا تُغني عنها الاعترافات

وتشدد عودة على أن مسؤولية هذه الدول لا تقتصر على الاعتراف فحسب، بل تشمل التزامات قانونية بموجب القانون الدولي بوقف جرائم الإبادة المستمرة في قطاع غزة، والتصدي لسياسات التهجير القسري والاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية.
وتعتبر عودة أن الاعتراف لا يُغني عن هذه الواجبات، بل يؤكد ضرورة التحرك العملي لمحاسبة إسرائيل على جرائمها.
وتشير إلى أن هذه الاعترافات، وإن جاءت متأخرة، تنسجم مع موقف الغالبية العظمى من دول العالم الرافضة للأجندة الاستعمارية الإسرائيلية.
وتقول عودة: "جيد أن هذه الدول التحقت بركب الدول المعترفة بفلسطين، لكن عليها الآن أن تترجم اعترافها سياساً واقتصادياً وقانونياً، وأن تفرض عقوبات صارمة على الاحتلال غير الشرعي ومنظومة المستعمرات والشركات التي تتربح من الاحتلال والاستعمار، وأن توقف كل تعاملاتها الاقتصادية والعسكرية التي تعزز الاحتلال وتدعم الإبادة".


يجب ألا تبقى خطوات دبلوماسية فارغة من المضمون العملي

يؤكد الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن الفلسطينيين انتظروا نحو خمسة عشر عاماً من أجل الوصول إلى لحظة الاعتراف المتتالي بدولة فلسطين من قبل عدد من الدول، مشيراً إلى أن هذه الخطوة كان يمكن أن تغيّر مسار الأحداث لو أنها جاءت عقب اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين دولة بصفة مراقب عام 2012، لكنها تأخرت كثيراً.
ويرى شاهين أن هذا التأخير أفسح المجال أمام إسرائيل للانتقال إلى "حقبة الإبادة والإفناء ضد الشعب الفلسطيني"، في ظل تقصير المجتمع الدولي في تحمل مسؤولياته، والاكتفاء ببيانات الدعم السياسي والاقتصادي المحدود للسلطة الفلسطينية.
ويوضح شاهين أن المساعدات المالية الأوروبية اقتصرت خلال السنوات الماضية على تمويلات تشغيلية بسيطة للسلطة الفلسطينية، ما يعني عملياً أن ما جرى بمثابة "تمويل للاحتلال"، إذ أعفت الدول الأوروبية إسرائيل من أعباء اقتصادية في الوقت الذي كانت تتعمّق فيه سياساتها الاستيطانية والضم.
ويرى شاهين أن الاعترافات الدولية بدولة فلسطين، على أهميتها الرمزية والسياسية، يجب ألا تبقى خطوات دبلوماسية فارغة من المضمون العملي، بل لا بد أن تقترن بتحركات عملية تشكّل "حائط صد سياسي" أمام المخططات الإسرائيلية لشطب فكرة الدولة الفلسطينية من جدول الأعمال الدولي، مع اعتماد سياسات وإجراءات فعالة لإنهاء الاحتلال عبر فرض عقوبات رادعة ضد إسرائيل على غرار ما حدث مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

إجماع إسرائيلي على رفض إقامة دولة فلسطينية

ويشير شاهين إلى أن الإجماع الإسرائيلي، من أقصى اليمين الفاشي وصولاً إلى ما يسمى "اليسار الصهيوني"، يرفض بشكل صريح إقامة دولة فلسطينية.
ويؤكد شاهين أن الخلاف داخل إسرائيل لا يتعدى التكتيك: فهناك تيارات تدعو للانفصال عن الفلسطينيين دون منحهم دولة، وأخرى تسعى لابتلاع الأرض وطرد السكان، أو إبقاءهم بلا سيادة ودون كيان مستقل.
لذلك، يشدد شاهين على أن الرسالة التي تبعث بها الاعترافات الدولية يجب أن تكون واضحة وحازمة لإسرائيل والولايات المتحدة، التي تعمل على شطب حل الدولتين والتواطؤ في مشاريع التهجير، بدءاً من غزة تحت شعارات اقتصادية مثل "ريفييرا غزة".
ويبيّن شاهين أن المطلوب اليوم هو ربط الاعترافات باستراتيجية ملموسة لإنهاء الاحتلال، إذ لا يمكن تجسيد دولة فلسطينية دون أرض واضحة ودون وقف حرب الإبادة والتهجير المستمرة في غزة، التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية المستقبلية.
وينتقد شاهين مواقف الاتحاد الأوروبي، الذي أخفق في اتخاذ إجراءات رادعة ضد إسرائيل، مكتفياً بمواقف شكلية وتعليق اتفاقيات محدودة.
ويعتبر شاهين أن الموقف الألماني على وجه الخصوص يمثل عقبة أمام موقف أوروبي جماعي ضاغط، خاصة مع استمرار تدفق السلاح من برلين إلى إسرائيل.

بعض الدول الأوروبية يمكن أن تقود مواقف أكثر تقدماً

وفي المقابل، يشير شاهين إلى أن بعض الدول مثل إسبانيا وأيرلندا وفرنسا يمكن أن تقود مواقف أكثر تقدماً عبر فرض عقوبات شاملة، لا تقتصر فقط على حظر استيراد منتجات المستوطنات، وهو ما لم يُطبق بجدية حتى الآن.
ويشير شاهين إلى اهمية الدعم الواضح للمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، لمحاسبة قادة إسرائيل السياسيين والعسكريين على الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين.
ويتطرق شاهين إلى مسؤولية القيادة الفلسطينية، محذراً من ما وصفه "الإذعان لشروط بعض الدول مقابل الاعتراف بدولة فلسطين"، مثل تعديل المناهج وإقصاء قوى فلسطينية أساسية من النظام السياسي.
ويدعو شاهين إلى إطلاق حوار وطني شامل يفضي إلى بناء مؤسسات فلسطينية موحدة ورؤية سياسية مشتركة، بعيداً عن الضغوط الخارجية التي تسعى لتشكيل سلطة "على مقاس الشروط الإسرائيلية والأمريكية".
ويؤكد شاهين أن الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين يجب أن لا تتحول إلى مجرد "تسجيل في سجل الخلود لحل الدولتين"، بل ينبغي أن تكون منطلقاً لاستراتيجية فعلية لإنهاء الاحتلال ومحاسبة إسرائيل، بما يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على كامل أراضيها.

الاعتراف بالدولة يختلف عن إقامتها فعلياً

تؤكد الأكاديمية والمحللة السياسية المصرية د. إيريني سعيد أن الاعترافات الدولية المتزايدة بالدولة الفلسطينية في أروقة مجلس الأمن والأمم المتحدة تمثل ورقة ضغط سياسية وقانونية مهمة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وتحركاته سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية، لكنها تشدد في الوقت ذاته على أن ما تحتاجه فلسطين الآن هو الوقف الفوري لإطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية.
وتوضح أن الاعتراف بالدولة يختلف عن إقامتها فعليًا، إذ إن قيام الدولة وفق المفهوم السياسي يستلزم توفر حدود معترف بها، ونظام سياسي مستقر، وشعب متماسك في بقعة جغرافية واحدة.
وتؤكد سعيد أن الاعترافات الحالية تمثل خطوة مهمة، لكنها ليست كافية ما لم تقترن بإجراءات عملية على الأرض توقف العدوان وتؤسس لحل سياسي عادل.
وتشير سعيد إلى أن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية على حدود ما قبل الرابع من حزيران/يونيو 1967 يجب أن يظل أولوية عربية، مؤكدة أن الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، ستواصل الدفع نحو تحقيق هذا الهدف باعتباره الحل الجذري والمستدام للقضية الفلسطينية.

"كارثية إنسانية غير مسبوقة" بغزة وحرب صامتة بالضفة

وتلفت سعيد إلى أن سكان غزة يواجهون "كارثية إنسانية غير مسبوقة"، حيث تتفاقم الأوضاع الميدانية والعسكرية بشكل خطير، فيما تستمر في الضفة الغربية حرب صامتة لا تقل خطورة.
وتؤكد سعيد أن إسرائيل، منذ توقيع اتفاق أوسلو، لم تؤمن يومًا بحل الدولتين، بل واصلت سياساتها التوسعية، حتى أنها سيطرت بشكل واسع على الضفة الغربية من دون تحقيق أي تقدم يذكر نحو إقامة الدولة الفلسطينية.
وتشير سعيد إلى أن الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية مهمة على المدى البعيد، لكنها لا تعفي المجتمع الدولي من مسؤوليته العاجلة في حماية المدنيين الفلسطينيين ووقف الحرب المستمرة، مؤكدة أن أولوية اللحظة الراهنة تكمن في "وقف النار وإدخال المساعدات إلى غزة بشكل عاجل".

دفن أي محاولة لنزع شرعية حق الفلسطينيين في أرضهم

يوضح الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن الاعترافات المتتالية بدولة فلسطين تحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، أبرزها أنها تؤكد أن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 ليست "أراضي متنازع عليها" كما تدّعي إسرائيل، بل أرض فلسطينية محتلة، الأمر الذي يدفن إلى الأبد أي محاولة لنزع شرعية حق الفلسطينيين في أرضهم.
ويرى كُتّاب أن ما تبقى في هذه المرحلة يتعلق فقط بمسائل التفاوض على الحدود والتفاصيل الأخرى المرتبطة بقيام الدولة.
ويوضح كُتّاب أن هذه الاعترافات، رغم أهميتها الكبيرة، تواجه جملة من التحديات، أبرزها محاولات إسرائيل معاقبة الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية من خلال إجراءات قد تشمل إغلاق قنصليات الدول الأوروبية العاملة في القدس، إلى جانب خطوات أخرى عقابية تهدف إلى ثني المجتمع الدولي عن المضي قدماً في هذا المسار.
ويشير كُتّاب إلى أن التحدي لا يقتصر على الجانب الإسرائيلي فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الدول التي اتخذت قرار الاعتراف، إذ تقع عليها مسؤولية تحويل هذه الخطوة من مجرد موقف رمزي إلى أفعال ملموسة تضمن بناء دولة فلسطينية قوية، ذات سيادة حقيقية وقابلة للاستدامة، بما يترجم الاعتراف السياسي إلى واقع ملموس على الأرض.

ملامح مرحلة جديدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

يرى الكاتب والمحلل السياسي فراس ياغي أن الاعترافات الأوروبية المرتقبة بالدولة الفلسطينية تحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، وترسم ملامح مرحلة جديدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في ظل التحولات الدولية والإقليمية الجارية.
ويوضح ياغي أن ما يميز هذه الاعترافات هو طبيعة الدول التي تعلن عنها، إذ تشمل قوى كبرى ونافذة مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ما يعني حدوث تغيير استراتيجي داخل الاتحاد الأوروبي.
ويشير ياغي إلى أن هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة لدى العواصم الأوروبية بأن المفاوضات لم تعد ممكنة في ظل وجود حكومة يمينية متطرفة يقودها بنيامين نتنياهو وبمشاركة وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وأن الحل الوحيد يكمن في إنهاء الصراع عبر إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل.
ويؤكد أن التطورات في قطاع غزة وما يتعرض له الشعب الفلسطيني من "إبادة وتطهير عرقي"، والتغيير الكبير الذي طرأ على الرأي العام في أوروبا نتيجة لذلك، يشكلان سياقاً آخر يدفع أوروبا نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية، فالمجازر ومحاولات التهجير والهيمنة الإسرائيلية الواسعة خلقت استحقاقات دولية، أهمها ضرورة إنهاء إدارة الصراع والانتقال نحو حل جذري يقوم على تثبيت الحق الفلسطيني وإفشال المخططات الإسرائيلية.
ويشدد ياغي على أن مسار التطبيع في المنطقة بات مشروطاً بوجود دولة فلسطينية معترف بها، لافتاً إلى أن دولاً كبرى مثل السعودية لن تقدم على خطوة التطبيع مع إسرائيل دون وجود دولة فلسطينية، وهو ما يجعل الاعتراف الأوروبي خطوة تمهيدية نحو دفع المنطقة إلى الأمن والاستقرار وفق رؤية تقوم على "دولتين لشعبين".
ويشير إلى أن هذه الاعترافات تحمل بعداً آخر يتعلق بمحاولة أوروبا الاستقلال بموقفها عن الإدارة الأمريكية الحالية التي يقودها دونالد ترمب، والتي تقدم دعماً مطلقاً لإسرائيل وسياساتها التوسعية.
ويوضح ياغي أن أوروبا، في ظل التعددية القطبية الراهنة، تسعى للعب دور مستقل في الشرق الأوسط، بعيداً عن النهج الأمريكي الذي يحاول تهميشها ليس فقط في هذه المنطقة بل على مستوى عالمي، كما يظهر في ملفات مثل أوكرانيا والصين.
ويبيّن ياغي أن الموقف الأوروبي ما يزال منقسماً، حيث ترفض دول مهمة مثل ألمانيا وإيطاليا حتى الآن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ما يجعل الاتحاد الأوروبي غير موحد بالكامل، إلا أن المؤشرات المتزايدة توضح أن هذا الانقسام قد يتراجع تدريجياً لصالح موقف موحد يواجه السياسات الإسرائيلية.

التطورات تفرض تحديات داخلية كبيرة

ويؤكد ياغي أن التطورات تفرض على الفلسطينيين تحديات داخلية كبيرة، أبرزها ضرورة صياغة موقف وطني موحد ينسجم مع التوجه الدولي نحو إقامة دولة فلسطينية، ومراجعة حركة "حماس" موقفها حول القبول بقرارات الشرعية الدولية أو ربما الانسحاب من المشهد السياسي إذا لم تكن راغبة بالمشاركة في بناء الدولة الفلسطينية.
ويشدد ياغي على أنه في ظل هذه التطورات فهناك ضرورة إصلاح شامل للنظام السياسي الفلسطيني وإعادة هيكلة منظمة التحرير بما يفسح المجال أمام النخب المستقلة والتكنوقراط لتولي أدوار قيادية، بعيداً عن احتكار الفصائل التقليدية.
ويشير ياغي إلى أن مواجهة الاحتلال يجب أن تتخذ طابعاً سلمياً وشعبياً واسعاً، من خلال تحركات ميدانية تقودها هيئات جماهيرية لمواجهة الاستيطان والمجموعات الاستيطانية المسلحة.

تحرك فلسطيني وعربي لعزل إسرائيل

ويطالب ياغي بتحرك دبلوماسي فلسطيني وعربي مشترك لعزل إسرائيل ومحاصرتها دولياً، على غرار تجربة جنوب أفريقيا، داعياً إلى فرض عقوبات اقتصادية أوروبية ودولية على تل أبيب، وعدم الاكتفاء بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويؤكد ياغي أن أوروبا تسعى في الوقت ذاته إلى "إنقاذ إسرائيل من نفسها"، إذ إن استمرار سياسات الضم والتهجير سيحوّلها إلى دولة فصل عنصري صريح، وهو ما لا يريده الأوروبيون ويهابونه لأنهم سيضطرون لأخذ مواقف جذرية تنسجم مع القانون الدولي والرأي العام لديهم.
ويشير ياغي إلى أن أوروبا التي صنعت إسرائيل تريد أن تبقى دولة يهودية ديمقراطية تتوافق مع المفاهيم والقيم الأوروبية، وليست مملكة توراتية تستند للأساطير الدينية وتُحوّل الصراع في المنطقة من سياسي إلى ديني، ولذلك يحاول الأوروبيون تجميل الصورة من خلال محاولة الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

دلالات

شارك برأيك

"يوم الاعترافات" محطة فارقة في مسار دولة تنهض من محرقة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.