أقلام وأراء

الأحد 26 يوليو 2026 10:15 صباحًا - بتوقيت القدس

من سيُعيد رسم قواعد الشرق الأوسط؟

في الشرق الأوسط، لا تكون الحروب مجرد مواجهات عسكرية، بل محطات مفصلية يعاد خلالها توزيع النفوذ، وإعادة تعريف الأولويات، ورسم ملامح المرحلة التالية. ولهذا، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من نفذ الضربة الأخيرة؟ ولا: من سيرد عليها؟
بل السؤال الأكثر عمقاً وتأثيراً هو: من سيعيد رسم قواعد الشرق الأوسط؟ ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران يتجاوز كونه أزمة عسكرية أو مواجهة أمنية عابرة، فنحن أمام صراع يدور حول شكل التوازنات التي ستنشأ بعد انقضاء هذه الجولة، والجهة التي ستملك القدرة على التأثير في معايير الأمن والنفوذ خلال السنوات المقبلة. فالضربات العسكرية، مهما بلغت دقتها، ليست سوى أدوات في معركة سياسية أوسع تتعلق بإعادة تشكيل البيئة التي ستجري فيها أي تسوية لاحقة.
ومن هنا، تبدو كثير من القراءات أسيرة لمتابعة الضربات والردود، بينما تغفل السؤال الأهم: ماذا تريد هذه الضربات أن تنتج سياسياً؟ ففي العلاقات الدولية، لا تكون العمليات العسكرية هدفاً في ذاتها دائماً، بل كثيراً ما تستخدم لتهيئة واقع جديد، ثم تبدأ المفاوضات انطلاقاً منه.
هذا التحول ليس جديداً بالكامل، لكنه أصبح أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة. ففي السابق كان اللجوء إلى القوة يأتي بعد تعثر المسار السياسي، أما اليوم فقد أصبحت أدوات الضغط العسكري جزءاً من إدارة السياسة نفسها. تعيد الدول ترتيب موازين التأثير على الأرض، ثم تنتقل إلى طاولة التفاوض من موقع مختلف. وهكذا، لم تعد السياسة والقوة تتحركان في خطين منفصلين، بل أصبحتا تتحركان معاً في مسار واحد.
ويذكر التاريخ الحديث للشرق الأوسط شواهد واضحة على ذلك. فقد غيّرت حرب عام 1967 موازين الصراع العربي الإسرائيلي لعقود، بينما أعادت حرب أكتوبر 1973 تشكيل البيئة السياسية التي مهدت لاحقاً لاتفاقية كامب ديفيد. وبعد تحرير الكويت عام 1991 ترسخ الوجود العسكري الأميركي في الخليج بوصفه أحد أعمدة الترتيبات الأمنية الجديدة، في حين أدى غزو العراق عام 2003 إلى إعادة توزيع مراكز التأثير في المنطقة وفتح الباب أمام تحولات ما تزال آثارها السياسية والأمنية قائمة حتى اليوم. وفي جميع هذه المحطات، لم تكن الحروب مجرد معارك، بل كانت لحظات أعادت رسم مسار الإقليم. ورغم التشابه بين تلك المحطات والأزمة الحالية، فإن هناك اختلافاً جوهرياً. ففي الحروب السابقة كانت الترتيبات الجديدة تتبلور بعد توقف القتال، أما اليوم فإن إعادة رسم المشهد الإقليمي تجري بالتزامن مع استمرار المواجهة نفسها. وبذلك، أصبحت الحرب والسياسة مسارين متوازيين، لا مرحلتين متعاقبتين كما كان يحدث في أزمات سابقة.
وتنسجم هذه القراءة مع ما طرحه هانز مورغنثاو، أحد أبرز منظري المدرسة الواقعية، عندما رأى أن السياسة الدولية تقوم، في جوهرها، على صراع دائم بين المصالح في ظل غياب سلطة دولية عليا. غير أن المشهد الراهن يذهب أبعد من ذلك؛ فالتنافس لم يعد يدور فقط حول امتلاك أدوات التأثير، بل حول القدرة على صياغة المعايير التي ستحكم استخدامها خلال المرحلة المقبلة.
وهنا يبرز السؤال الذي يقود بقية المشهد: إذا كانت واشنطن تسعى إلى إعادة تشكيل هذه المعادلات، فكيف تنظر طهران إلى الأزمة؟ وهل تستطيع الحفاظ على موقعها الإقليمي من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا تبدو أي من العاصمتين راغبة في خوضها؟ إذا كانت واشنطن تنظر إلى هذه المواجهة باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت التوازنات الإقليمية، فإن طهران تنظر إليها باعتبارها معركة لمنع فرض توازنات جديدة على حسابها. ومن هنا، فإن جوهر الصراع لا يكمن في تبادل الضربات، بقدر ما يكمن في الصراع على من يملك حق صياغة المرحلة التي ستليها.
تنظر الولايات المتحدة إلى الأزمة من زاوية تتجاوز الرد على هجوم أو حماية قواتها المنتشرة في المنطقة. فالمسألة، في جوهرها، تتعلق بإعادة تثبيت ميزان إقليمي ترى واشنطن أنه تعرض للاهتزاز خلال السنوات الأخيرة. ولهذا، فإن استخدام الضغط العسكري لا يستهدف تحقيق نصر ميداني تقليدي، بقدر ما يهدف إلى رفع كلفة أي تحرك معادٍ، وتحسين الموقع التفاوضي قبل العودة إلى أي مسار سياسي.
وفي تموز/يوليو 2026، أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بحسب ما نقلته وكالة رويترز، أن الولايات المتحدة ستواصل استهداف ما تعتبره تهديداً لقواتها ولحرية الملاحة، مع الإبقاء على باب التفاوض مفتوحاً إذا غيّرت إيران سلوكها. كما أعلنت القيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) تنفيذ ضربات وصفتها بأنها دفاعية، ومرتبطة بحماية القوات الأميركية وأمن الممرات البحرية.
لكن أهمية هذه التصريحات لا تكمن في بعدها العسكري وحده، بل في الرسالة السياسية التي تحملها. فالإدارة الأمريكية تحاول ترسيخ معادلة مفادها أن أي مفاوضات مقبلة ستجري وفق موازين مختلفة عن تلك التي سبقت الأزمة، وأن التطورات الميدانية أصبحت جزءاً من صناعة الواقع السياسي، لا مجرد وسيلة للضغط المؤقت.
أما إيران، فتقرأ المشهد من زاوية مختلفة. فهي تدرك أن أي تراجع عن الرد قد يُفسَّر داخلياً وإقليمياً على أنه تراجع عن مكانتها، وقد ينعكس على صورة الردع التي عملت على ترسيخها خلال سنوات. وفي المقابل، تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة قد يفتح الباب أمام كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية يصعب احتواؤها.
ولهذا، تبدو الاستراتيجية الإيرانية قائمة على تحقيق توازن بالغ الدقة: إثبات القدرة على الرد، من دون الوصول إلى حرب مفتوحة. وهذا ما يفسر طبيعة كثير من تحركاتها ورسائلها خلال الأزمة الحالية.
المفارقة أن الطرفين يعلنان أنهما لا يريدان حرباً شاملة، لكن كلاً منهما يستخدم أدوات قد تقود إليها إذا أسيء تقديرها. والتاريخ مليء بأمثلة لحروب لم تبدأ لأن أحداً خطط لها، بل لأن كل طرف اعتقد أن الآخر سيتراجع في اللحظة الأخيرة.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة. فالسؤال الحقيقي لم يعد: من يمتلك السلاح الأكثر تطوراً؟ بل: من يستطيع إدارة التصعيد من دون أن يفقد السيطرة عليه؟ لأن امتلاك أدوات الضغط لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم في نتائجها، كما أن رفع سقف الرسائل العسكرية لا يضمن دائماً وصول الرسالة السياسية المقصودة.
ولا تتحرك هذه الأزمة في فراغ دولي. فالقوى الكبرى تدرك أن أي انفلات في الشرق الأوسط ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الطاقة، والاقتصاد العالمي، وسلاسل الإمداد، وحتى على التوازنات بين القوى الكبرى. ولهذا، فإن معظم العواصم المؤثرة لا تسعى إلى توسيع الحرب، بقدر ما تحاول إدارة مستوى التصعيد ومنعه من تجاوز حدود معينة، مع استمرار كل طرف في تحسين موقعه السياسي.
وفي هذا السياق، أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، بحسب وكالة رويترز، دعم الحلف لحق الولايات المتحدة في حماية قواتها ومصالحها، من دون الإعلان عن انخراط الناتو بوصفه تحالفاً عسكرياً في المواجهة. ويعكس هذا الموقف إدراكاً غربياً بأن توسيع الصراع قد يفرض كلفة استراتيجية تتجاوز أي مكاسب عسكرية محتملة.
وهذا ما يفسر أن الدعم الغربي لواشنطن لا يعني بالضرورة رغبة في خوض حرب مفتوحة، بل يعكس حرصاً على حماية المصالح الاستراتيجية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة يصعب التحكم بنتائجها.
لهذا، فإن ما يجري اليوم ليس سباقاً نحو الحرب، بقدر ما هو سباق على تحديد شروط السلام الذي قد يليها. ومن ينجح في فرض معادلاته خلال هذه المرحلة، سيكون الأقدر على التأثير في شكل الشرق الأوسط الذي سيولد بعدها.
ولا تقتصر المواجهة على الميدان العسكري، فهناك ساحة أخرى لا تقل أهمية، هي ساحة الشرعية. ففي كل أزمة دولية كبرى، لا تتنافس الدول على فرض الوقائع فحسب، بل على فرض الرواية التي تمنح تلك الوقائع غطاءً سياسياً وقانونياً.
وتنص المادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة على حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، بينما تمنح المادة (51) الدول حق الدفاع عن النفس إذا تعرضت لهجوم مسلح، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة. غير أن الإشكال لا يكمن في النصوص ذاتها، بل في كيفية تفسيرها وتطبيقها على أرض الواقع.
وتستند الولايات المتحدة إلى حق الدفاع عن النفس وحماية قواتها وضمان أمن الملاحة الدولية، في حين ترى إيران أن الضربات داخل أراضيها تمثل انتهاكاً لسيادتها ولمبدأ حظر استخدام القوة. وبين هذين الموقفين، يبقى القانون الدولي حاضراً، لكن تفسيره كثيراً ما يتأثر بموازين النفوذ بقدر تأثره بالنصوص القانونية.
وهنا تظهر الفجوة بين النظرية والممارسة. فالقانون الدولي يفترض أن يضع قيوداً على استخدام القوة، لكن الواقع يكشف أن قدرة الدول الكبرى على فرض تفسيرها للقواعد القانونية تزداد كلما تراجعت قدرة المؤسسات الدولية على فرض قراراتها. وهذه ليست محاولة لتبرير هذا الواقع، وإنما لفهم آلية عمل النظام الدولي كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.
لكن آثار هذه المواجهة لا تتوقف عند حدود القانون أو الأمن. فكل تصعيد في الخليج أو شرق المتوسط ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة، وثقة المستثمرين. ولهذا، لا تنظر القوى الكبرى إلى الشرق الأوسط باعتباره مجرد ساحة نزاع، بل باعتباره منطقة ترتبط بصورة مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي.
وفي خضم هذه التحولات، تبدو القضية الفلسطينية أكثر الملفات عرضة للتراجع على سلم الأولويات الدولية. فكلما تصاعدت الأزمات الإقليمية، انصرفت أنظار العواصم الكبرى إلى إدارة المخاطر الآنية، على حساب معالجة جذور الصراعات الممتدة.
لكن تراجع الاهتمام لا يعني تراجع الأهمية. فالقضية الفلسطينية بقيت، على امتداد العقود الماضية، أحد المفاتيح الرئيسة لفهم استقرار الشرق الأوسط أو اضطرابه. ولذلك، فإن أي ترتيبات أمنية أو سياسية تتجاهلها قد تنجح في احتواء الأزمات مؤقتاً، لكنها لن تؤسس لاستقرار مستدام.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الدول العربية لا يقتصر على تجنب تداعيات المواجهة الأميركية الإيرانية، بل يتمثل في امتلاك رؤية مشتركة تجاه المرحلة التي تتشكل الآن. فالمنطقة لا تمر بأزمة عابرة، وإنما بمرحلة يعاد فيها توزيع مراكز التأثير، وإعادة ترتيب الأولويات، ورسم توازنات قد تستمر لسنوات طويلة.
والتاريخ يعلمنا أن الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغاً. فإذا غابت المبادرات العربية، ستملأه قوى أخرى وفق مصالحها ورؤيتها الخاصة. لذلك، فإن المشاركة في صياغة المرحلة المقبلة لم تعد ترفاً سياسياً، بل أصبحت ضرورة تفرضها طبيعة التحولات التي يشهدها الإقليم.
إذا كانت السنوات الماضية قد علمتنا شيئاً، فهو أن الشرق الأوسط لا يبقى على حاله بعد كل مواجهة كبرى. فالتحولات الحقيقية لا تبدأ عندما تتوقف العمليات العسكرية، بل عندما تبدأ القوى المختلفة في ترجمة نتائجها إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
ولهذا، فإن مستقبل المنطقة لن يتحدد بعدد الضربات التي نُفذت، ولا بحجم الخسائر التي تكبدها هذا الطرف أو ذاك، وإنما بقدرة الفاعلين على تحويل الوقائع الميدانية إلى ترتيبات مستقرة تحكم العلاقات الإقليمية في السنوات المقبلة.
تدرك الولايات المتحدة أن تثبيت نفوذها لا يعتمد على التفوق العسكري وحده، بل على قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى واقع سياسي قابل للاستمرار ويحظى بدعم حلفائها. وفي المقابل، تدرك إيران أن الحفاظ على دورها الإقليمي لا يتحقق فقط بإظهار القدرة على الرد، بل بمنع الآخرين من إعادة تشكيل التوازنات بطريقة تستبعدها أو تقلص من تأثيرها.
أما الدول العربية، فتواجه اختباراً مختلفاً. فالمطلوب اليوم ليس الاكتفاء بمتابعة ما يجري أو الحد من تداعياته، بل المشاركة في صياغة البيئة الإقليمية الجديدة. فالمنطقة، كما أثبت تاريخها، لا تعرف الفراغ؛ ومن يغيب عن لحظة إعادة التشكيل سيجد نفسه مضطراً للتعامل مع نتائج صاغها الآخرون.
وفي هذا السياق، تبقى القضية الفلسطينية المعيار الأهم لقياس نجاح أي نظام إقليمي جديد. فمن الممكن إنتاج ترتيبات أمنية مؤقتة وبناء تحالفات جديدة، لكن من الصعب الحديث عن استقرار طويل الأمد بينما يبقى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مفتوحاً بلا أفق سياسي. ولهذا، فإن تجاوز القضية الفلسطينية قد يؤجل الأزمات، لكنه لن يلغي أسبابها.
وهنا تكمن الخلاصة.
فالسؤال الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس من ربح هذه الجولة؟ ولا من امتلك السلاح الأكثر تطوراً؟ بل من سيتمكن من تحويل نفوذه إلى ترتيبات سياسية قابلة للحياة؟ فالقدرة على فرض الوقائع شيء، والقدرة على تثبيتها ومنحها الشرعية والاستمرار شيء آخر تماماً.
وقد لا تكون هذه المواجهة الأخيرة في الشرق الأوسط، لكنها قد تكون من أكثرها تأثيراً في شكل الإقليم خلال العقد المقبل. فالتاريخ لا يتذكر دائماً من انتصر في المعركة، بقدر ما يتذكر من نجح في صياغة المرحلة التي تلتها.
ولهذا، فإن السؤال الذي سيبقى مطروحاً بعد أن تهدأ أصوات السلاح ليس: من انتصر في الحرب؟ بل: من يعيد رسم قواعد الشرق الأوسط؟

دلالات

شارك برأيك

من سيُعيد رسم قواعد الشرق الأوسط؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.