في المشهد السياسي الراهن تبرز محاولة الاغتيال في قطر كحدث غير عابر ولا يمكن التعامل معه باعتباره ضربة محدودة أو عملاً منفردًا داخل ساحة ضيقة، بل هو في جوهره إعلان عن مرحلة جديدة من إدارة الصراع في المنطقة، مرحلة تتجاوز حدود التماس العسكري المعتاد إلى استهداف مراكز القرار والوساطة، وتكسر الهالة الدبلوماسية التي كانت تحيط بعواصم مثل الدوحة أو غيرها، فحين تصل يد الاحتلال إلى قلب العاصمة القطرية التي تستضيف القواعد الأمريكية الكبرى ومكاتب الوساطة ومقار الوفود المفاوضة فإن الرسالة واضحة: لا حصانة لأحد ولا سقف جغرافيا مقدسا، وكل من يدخل على خط التوازنات في المنطقة معرض لأن يُصيبَه العقاب إذا لزم الأمر، وهذا لا يعكس مجرد نزعة عدوانية عابرة بل يعكس جوهر العقيدة الأمنية الصهيونية التي ترى في نفسها حامية مشروع توسعي لا بد من إزالة كل العوائق أمامه ولو كانت هذه العوائق عبارة عن طاولة مفاوضات أو وساطة إقليمية أو تحالف غير مباشر.
الضربة على قطر حملت ثلاثة مضامين أساسية تتداخل في ما بينها ولا يمكن فصلها، فهي أولاً استهدفت شلّ أركان حماس من خلال محاولة اغتيال الوفد المفاوض وإخراج الحركة من دائرة القدرة على صناعة القرار السياسي والعملياتي في لحظة حساسة، لأن استهداف القيادة في الدوحة يعني تعطيل القدرة على التواصل بين الداخل والخارج، وإحداث فراغ في قناة القرار التي تصوغ المواقف التفاوضية والسياسية، وهذا بحد ذاته مكسب كبير للعدو الذي يدرك أن قوة المقاومة لا تقوم فقط على الميدان العسكري بل على صلابة بنيتها السياسية والتنظيمية، وثانياً فإن الضربة شكلت رسالة إقليمية أوسع، رسالة تقول لكل الشرق الأوسط إن الجميع مستهدف وإن اليد الصهيونية قادرة على الوصول إلى أي مكان، وأن قواعد الاشتباك التقليدية لم تعد موجودة، وهذه الرسالة كان هدفها أن تدب الرعب في عواصم الخليج وفي عواصم عربية أخرى كي تفكر ألف مرة قبل أن تحتضن طرفًا مقاوماً أو تؤوي قيادات سياسية أو تفاوضية، وثالثاً كانت الرسالة الأكثر خصوصية والمتجهة إلى أنقرة التي تشهد سياستها الخارجية حراكاً نشطاً في الملف السوري، حيث إن تزامن الضربة في قطر مع الضربات في سوريا لم يكن صدفة بل هو تعبير عن خطة مركبة مفادها أن تركيا يجب أن تفهم أن خياراتها في سوريا مراقبة وأن أي محاولة لإعادة هندسة الواقع السوري أو خلق جيش جديد أو إقامة قواعد عسكرية أو منع تقسيم البلاد على نحو يتعارض مع الرؤية الإسرائيلية ستواجه برد مباشر ولو عبر رسائل غير معلنة. في المشهد السوري ما زالت تل أبيب ترى أن أي محاولة لتسليح الجيش السوري أو إعادة تموضع قواته بما يسمح باستعادة نفوذه يشكل تهديدًا مباشرًا، فإسرائيل منذ سنوات تتعمد استهداف مستودعات تخزين السلاح في الأراضي السورية سواء كانت إيرانية أو لبنانية أو مرتبطة بتمريرات تركية محتملة، وفي هذا السياق جاء القصف المتزامن مع محاولة الاغتيال في قطر كإشارة مزدوجة تقول لأنقرة إن سوريا بالنسبة للاحتلال ساحة حيوية يجب أن تبقى مفتتة ومجردة من القدرة على إعادة بناء جيشها الوطني، وتقول للمنطقة بأسرها إن المشروع الصهيوني ماضٍ في سياسة منع تشكل قوى إقليمية موازية أو منافسة. تركيا من جهتها لا تريد التقسيم لأنها تدرك أن أي تقسيم سيخلق إقليماً لصالح قوات قسد التي تعتبرها أنقرة عدواً وجودياً، ولذا تحاول أن تدفع باتجاه مشروع عسكري وسياسي يعيد بناء الجيش السوري على نحو يضمن لها نفوذاً دائماً داخل سوريا، بل وتريد قواعد عسكرية لها هناك لتأمين حدودها ومنع قيام كيان كردي، غير أن الاحتلال يرفض هذا الأمر بشكل قطعي لأنه يرى أن أي إعادة هيكلة للجيش السوري أو أي بقاء تركي طويل المدى سيخلق بيئة جديدة غير قابلة للسيطرة الكاملة. وهنا تكمن المفارقة: أنقرة تسعى من خلال سياسة براغماتية لتأمين نفسها ضد خطر قسد، في حين أن الاحتلال يرى في أي تحرك تركي خطوة تهدد ميزان القوى، لذلك تأتي الضربات الصهيونية على سوريا في توقيتات حساسة لتوجيه رسائل مباشرة لأنقرة مفادها أن كل خطوة ستُقابل باستهداف عسكري يحرمها من تحقيق أهدافها.
أما اختيار قطر بالذات فيحمل بعداً أكبر، فهي الحليف الاستراتيجي لتركيا في الخليج، وبالتالي فإن استهدافها يعني أن الاحتلال لا يريد فقط تحجيم النفوذ التركي في سوريا بل يريد ضرب العمق الخليجي الذي يوفر لأنقرة مظلة سياسية واقتصادية، أي أن الرسالة تقول بشكل واضح إن الحلف القطري التركي في مرمى النيران مثلما هو الحال مع التحالفات الأخرى، وأن أي دولة تراهن على بناء شراكات مع تركيا أو إيران أو حتى باكستان يجب أن تدرك أنها لن تكون بمنأى عن الاستهداف. الاحتلال الصهيوني في جوهر استراتيجيته الأمنية يرى في إيران وتركيا وباكستان ثلاث دوائر خطر كبرى، حتى وإن أقام معها في فترات معينة علاقات تجارية أو تعاوناً استخبارياً، إلا أن عقدته الأمنية تجعله غير قادر على التعامل بشكل طبيعي مع أي دولة كبرى في المنطقة، فهو يعيش هاجس الخوف من أن هذه الدول قد تتحول في أي لحظة إلى قوى إقليمية قادرة على تغيير التوازن، ولهذا يعتمد سياسة الردع الاستباقي من خلال الضربات المتتالية في أكثر من ساحة، والرسالة الدائمة أن اليد الصهيونية طويلة وأنها قادرة على تدمير أي قوة ناشئة حتى لو كانت ترتبط معها بعلاقات مرحلية. إن ربط الأحداث معاً يكشف أن الاحتلال يسعى إلى إكمال مشروعه التاريخي في تفتيت المنطقة، فمشروع تقسيم سوريا لم يُسقط من حساباته أبداً، وهو يراه خطوة ضرورية لإيجاد إقليم خاص بالدروز وإضعاف المركز السوري كدولة، تماماً كما يسعى لإدامة حالة اللا دولة في العراق عبر تغذية الانقسامات، ولإبقاء لبنان هشاً عبر استهداف البنى الحيوية لحزب الله وحلفائه، وفي نفس الوقت فإنه يستخدم قطر كرسالة كبرى تقول إن الوساطة ليست محصنة، وإن الحليف التركي في الخليج ليس في مأمن، وهذا يكمل حلقة الضغط على أنقرة التي بدأت بالفعل تواجه ضغوطاً اقتصادية وسياسية وعسكرية متزايدة. في الجوهر إن هذه الضربة لم تكن مجرد عملية عسكرية محدودة بل كانت إعلاناً بأن الاحتلال يملك الإرادة والإمكانية لمهاجمة حتى العواصم التي تبدو محمية ومحصنة دبلوماسياً، وأن قواعد الاشتباك التقليدية التي احترمتها القوى الكبرى لم تعد قائمة، وهذا بحد ذاته يغير شكل اللعبة الإقليمية، لأن الوساطة التي كانت قطر تبنيها مع حماس ومع أطراف أخرى تفقد جزءاً من قيمتها حين تُستهدف في عاصمتها، والمفاوضات التي تُدار من غرف محمية تصبح أكثر هشاشة حين تتحول الغرفة ذاتها إلى ساحة حرب.
إن التأثير الاستراتيجي الأعمق هو أن هذه الضربة تعيد تشكيل تحالفات المنطقة، فهي تدفع قطر إلى إعادة التفكير في علاقاتها مع تركيا ومع الولايات المتحدة ومع إيران، وتضع تركيا أمام تحدي المواجهة بين مشروعها في سوريا وبين حدود الردع الإسرائيلي، كما أنها تخلق حالة من الخوف لدى بقية دول الخليج التي تدرك أن التحالف مع أمريكا لا يوفر ضمانة مطلقة، وأن الاحتلال قادر على الوصول حتى إلى قلب الدوحة، فكيف سيكون الوضع في عواصم أخرى أقل حصانة؟ هذه الرسائل تعني أن الشرق الأوسط بأسره يدخل مرحلة جديدة من الصراع المفتوح حيث لم يعد هناك خط فاصل بين الجبهات العسكرية والجبهات السياسية، وأي دولة أو طرف سيجد نفسه في مرمى الاستهداف إذا ما حاول تغيير قواعد اللعبة أو موازين القوى. الاحتلال هنا يسعى إلى تثبيت قناعة أنه يستطيع ردع الجميع وأنه قادر على تدمير أي مشروع ينافسه، وأنه ماضٍ في مشاريعه التي بدأها بالفعل من توسع استيطاني ومن تطبيع أمني مع بعض الدول العربية ومن استنزاف شامل للمقاومة في غزة ولبنان وسوريا. لكنه في المقابل يخلق بيئة من العداء المتراكم ستدفع الدول والشعوب عاجلاً أم آجلاً إلى بناء تحالفات بديلة وإلى البحث عن توازنات جديدة، فما حدث في قطر لن يمر مرور الكرام، وما يحدث في سوريا سيتحول إلى تراكمات ستدفع أنقرة ودمشق وربما عواصم أخرى إلى صياغة ردود فعل، فالتاريخ يعلمنا أن الهيمنة المطلقة وهمٌ قصير المدى، وأن كل مشروع توسعي يولّد مقاومته الخاصة، ولهذا فإن هذه المرحلة مهما بدت مظلمة هي أيضاً بداية لتحولات أعمق ستعيد صياغة وجه المنطقة في السنوات القادمة.





شارك برأيك
ضربه ثلاثية الأبعاد