أقلام وأراء

الجمعة 12 سبتمبر 2025 11:55 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الكتب المدرسية ، أحد عناوين غياب الرؤية الوطنية في التعليم… قراءة في «تحقيق القدس» عن تأخّر الكتب المدرسية

لفتني وأنا أقلب صحيفة القدس يوم الجمعة في صفحتها الخامسة ذلك التحقيق الصحفي الذي يتناول أزمة تأخر الكتب المدرسية. ما قرأته ليس خبراً عابراً عن شحنة ورق تأخرت أو مناقصة تعطّلت؛ إنّه عرض مكثّف لوضعٍ تعليمي يعمل تحت ضغط “بيئة قسرية” مركّبة: احتلال يتحكم بالمعابر والموارد والحركة، وبنية إدارية مترهّلة بلا خطة استراتيجية مُلزمة، ومدرسة تُطلب منها المعجزة من دون أدوات. في هذا السياق، يصبح الكتاب المدرسي ــ وهو أبسط حقوق الطالب ــ رهينة ثلاثة أقفال: قفل الاحتلال، وقفل الإدارة، وقفل غياب الرؤية.


في البيئات القسرية، يتقدّم الحقّ في التعليم من خانة “خدمة عمومية” إلى خانة “حماية مدنية”. الاحتلال لا يقيّد الجغرافيا فقط، بل يقيّد الزمن التربوي: عامٌ يبدأ بلا كتب، حصص تتآكل في انتظار “النسخة النهائية”، ومعلم يتحوّل إلى مُسعف تربوي يرقّع الدرس بملزّمات مصوّرة ومواد مشتتة. وعندما تُحتجز المواد الخام أو تُعطّل المناقصات أو تُقصف البنى التحتية، فإنّ التأخير ليس حادثاً إدارياً؛ بل هو استمرارٌ بنيوي لسياسة الإضعاف التي تُحوّل المدرسة إلى موقع صمود لا إلى فضاء تعلّم مستقر. هكذا تتكثّف أزمة الكتب في نقطة واحدة: الطالب يدخل عامه الدراسي بلا مرجع معتمد، فتتراكم الفجوات المعرفية وتتداعى دافعية التعلّم والانضباط، وتُحمَّل الأسرة كلفةً إضافية لا ترحم.


لكنّ القسر الخارجي لا يعفي من المحاسبة الداخلية. التحقيق كشف بوضوح أننا أمام منظومة تخطيط قصيرة النفس: جداول طباعة تُبنى على “تمنيات” لا على سيناريوهات مخاطرة، سلاسل توريد دون بدائل عند انقطاع المعابر، وموازنات تتبدّد مع أول طارئ. لا وجود لخطّة وطنية مُعلنة تربط إصلاح المنهاج بسلسلة إنتاج المعرفة من التأليف إلى التوزيع، ولا لعقد أداء يُحاسَب عليه كل طرف بمعايير زمنية واضحة ومؤشرات إنجاز قابلة للقياس. ما يحدث عملياً هو إدارة أزمة بالمسكّنات: تعميمات متأخرة، روابط “بي دي إف” غير مكتملة، وكلف تصوير تتضخّم، فيما الخطاب الرسمي يَعِد بـ “قرب التوزيع” وكأن الزمن التربوي بلا ثمن.


تحت هذا الضغط، تتشوّه بيداغوجيا الفصل الدراسي. الكتاب ليس كتيّباً ورقياً فحسب؛ هو “بنية تنظيمية للتعلّم”. عندما يغيب، تفقد المدرسة نقطة التقاء المنهاج بالتقويم، وتضطرب علاقة المعلم بالخطة التدريسية، ويُستبدل التعلم المتدرّج بتغذية راجعة عشوائية. في البيئات القسرية، كل يوم بلا كتاب يساوي خسارة مضاعفة: خسارة محتوى، وخسارة إيقاع، وخسارة ثقة المجتمع بالمدرسة. وهنا يصبح السؤال أخلاقياً قبل أن يكون إدارياً: كيف نسمّي نظاماً تعليمياً لا يضمن كتاباً على مقعد الطالب في الأسبوع الأول؟


التشخيص الدقيق يقتضي تسمية الأشياء بأسمائها. أولاً: الاحتلال عامل تعطيل بنيوي يقيّد الحركة والورق والحبر والتمويل، ويجب التعامل معه كـ“مخاطر دائمة” لا كذريعة جاهزة. ثانياً: لدينا ضعف حوكمة؛ لا خارطة طريق تنفيذية معلنة زمنياً، ولا عقود نتائج تربط المدخلات بالمخرجات، ولا شفافية عامة في مراحل الطباعة والتوزيع. ثالثاً: غياب الاستراتيجية يحوّل كل سنة إلى مغامرة؛ لا مخزون وطني للطوارئ، لا طباعة لامركزية، ولا بنية رقمية معتمدة تعمل دون إنترنت في المناطق المحاصَرة. هذه الثلاثية هي الجذر، وأي تعليق لا يقرّ بها يعيد إنتاج الأزمة.


ما العمل إذن؟ الحلول الخطابية لا تملأ حقائب الطلاب. المطلوب حزمة جراحية لا تجميلية. 

أولاً: تأسيس “الهيئة الوطنية لسلسلة الكتاب المدرسي” بقرار مُلزِم، تضم التربية والمالية وهيئة الشراء العام وديوان الرقابة وممثلين مستقلّين من الجامعات والمجتمع المدني، بصلاحيات كاملة لإدارة التخطيط والشراء والإنتاج والتوزيع وفق عقود أداء سنوية مُعلنة ومؤشرات زمنية أسبوعية. ثانياً: إنشاء “المطبعة التعليمية الوطنية” بطراز طباعة رقمية سريعة، مع قدرات لامركزية في ثلاث مناطق على الأقل، وربطها بعقود طوارئ مع مطابع خاصة محلية وإقليمية لتفعيل بدائل تلقائية عند إغلاق المعابر.

 ثالثاً: إنشاء مخزون استراتيجي من الورق والحبر يغطي 12 شهراً، يدار كاحتياطي سيادي للتعليم، مستقل عن المناقصات السنوية، ويُحدّث ربعياً.

رابعاً: تبنّي “تصميم مقاوم للأزمات” في المواد التعليمية: وحدات معيارية مستقلة يمكن طباعتها وتوزيعها منفصلة، وحِزم أسبوعية صغيرة قابلة للتصوير محلياً، ومناهج مرقمنة رسمياً بترخيص مفتوح توضع على مستودع وطني يعمل دون إنترنت عبر تطبيق خفيف وذاكرة محمولة(فلاش) USB مدرسية، مع بروتوكول واضح يُطلق النسخة الرقمية المعتمدة تلقائياً إذا لم تصل النسخة الورقية خلال عشرة أيام من بدء الدوام.

 خامساً: إصلاح المشتريات عبر منصّة شفافية عامة تُظهر الجداول الزمنية، العقود، نسب الإنجاز اليومية، نقاط الاختناق، ومسؤول التنفيذ بالاسم والوظيفة، مع مساءلة علنية إذا تجاوز التأخير سقفاً محدداً.

 سادساً: إنشاء “صندوق حماية العام الدراسي” بتمويل حكومي ورَفْد مانحين، مُقيَّد الغرض، يُصرف تلقائياً عند تفعيل حالة الطوارئ التعليمية لضمان استمرار الطباعة والتوزيع من دون فراغ تمويلي.


سابعاً: تمكين المديريات والمدارس من الطباعة اللامركزية المقنّنة عند الطوارئ عبر قسائم ورقية رسمية وملفات جاهزة للطباعة، مع تدريب فرق مدرسية على إدارة سلسلة التوريد المصغّرة ومراقبة الجودة.

 ثامناً: إسناد المعلم بمواد إثرائية معيارية وخطط دروس بديلة مرتبطة بالوحدات المعيارية، وبرامج دعم نفسي اجتماعي للطلبة تُخفف أثر البداية المرتبكة وتحافظ على الدافعية.

 تاسعاً: إنشاء مرصد مستقل لتتبع “زمن الوصول إلى الكتاب” يعلن أرقاماً أسبوعية ويقيس فجوات العدالة بين المناطق النائية والمراكز، لأن العدالة في الوصول جزء من الجودة وليست ترفاً.


تحقيق "القدس"  قرع الجرس؛ ومن واجبنا ألّا نُسكت الصوت بالمُسكّنات. التعليم في فلسطين يعيش تحت قسر الاحتلال، نعم، لكنّ كرامة الطالب لا تحتمل قسر الإدارة أيضاً. الكتاب المدرسي ليس وثيقة إجرائية، إنّه عقد ثقة بين الدولة والمواطن. إذا أردنا أن نحمي هذا العقد، فعلينا أن ننتقل من إدارة الأعذار إلى إدارة النتائج: هيئة بصلاحيات، مطابع ببدائل، مخزون سيادي، تصميم مقاوم للأزمات، وشفافية لا تساوم. حينها فقط، لن يكون العام الدراسي حفلة اعتذار مؤجلة، بل بداية تعلّم تستحقها هذه البلاد.

دلالات

شارك برأيك

أزمة الكتب المدرسية ، أحد عناوين غياب الرؤية الوطنية في التعليم… قراءة في «تحقيق القدس» عن تأخّر الكتب المدرسية

رائد عبدالجليل قبل 9 شهر

شُبْرَى الْ - مصر 🇪🇬

كنت ومازلت همك الأول والثاني والمليون كيف نحرر وطن وكيف نبنيه ونؤسس جيل قادر على البناء وتحرير

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.