أقلام وأراء

الإثنين 08 سبتمبر 2025 9:10 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا يسير نتنياهو عكس التيار؟

في خضمّ أحد أكثر الحروب الدموية واالمعقدة التي شهدها الشرق الأوسط في تاريخه الحديث، يبدو أن بنيامين نتنياهو مصمّم على المضي قدما في حملته العسكرية لاحتلال مدينة غزة ومخيمات المنطقة الوسطى ليحتل بذلك كافة القطاع كما يطمح. الا أنه مع تزايد الضغوط الداخلية والخارجية، يبدو قراره أكثر تعقيداً من مجرد قرار أمني— إنه مزيج لتحقيق أهداف سياسية وشخصية، وتحمل عواقب إنسانية وقانونية قاسية. فهل هو راغب في الضغط حتى اللحظة الأخيرة لتحصيل مكاسب استراتيجية سياسية، أم أن إصراره يعكس قراراً لا رجعة فيه مهما كلف الثمن؟ 

إن نتنياهو باللعب على حافة الأزمات، بل يمكن القول إن الأزمات والحروب هي الأوكسيجين السياسي الذي يمده بالبقاء في الحكم. فخلال سنوات حكمه الطويلة، لم يتردد في إشعال نار هنا أو هناك، أو اقتربت ملفات الفساد القضائية ضده من خنقه، أو شن هجمات دموية على قطاع غزة كلما اهتز كرسيه، والحرب الحالية على غزة ليست استثناءً، بل نموذج أوضح لهذه المعادلة؛ إذ يصر على إطالة أمدها، غير آبه بالثمن الذي يدفعه الفلسطينيون من دمائهم. يدرك نتنياهو أن خلاصه لن يكون إلا عبر تحقيقه لـ"صورة نصر" عسكرية قد تمحو من الذاكرة الشعبية قضايا الفساد التي تلاحقه. بهذا المعنى، تحولت الحرب إلى وسيلة للبقاء الشخصي، فيما تُختزل دماء الضحايا إلى مجرد مناورات في معركة بقاء زعيم يسير بعكس التيار لئلا يسقط.

وإلى جانب الاعتبارات السياسية والشخصية لسير نتنياهو عكس التيار، يطفو على السطح هدف استراتيجي متجذر في أيديولوجية أطراف الائتلاف الحاكم، والصهيونية بشكل عام، ألا وهو تهجير سكان غزة أو ما يُطلقون عليه اليوم "الهجرة الطوعية”. فمن خلال استمرار الحرب وفرض ظروف معيشية لا تُطاق من تقتيل وتجويع ودمار شامل، يتم خلق ضغط هائل على المدنيين للفرار من القطاع إلى أي ملاذ ممكن، وبالنهاية قد يجبرون على النزوح لسيناء رغم أنف مصر. هذا الهدف، وإن كان يلفه التمويه، إلا أنه يحقق حلما قديما لليمين الإسرائيلي يتمثل في "غزة خالية من الفلسطينيين"، مما يسمح بإعادة رسم الخريطة الديموغرافية نهائيًا والاستيلاء على الأرض الفلسطينية. 

وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن في مطلع أيلول/ سبتمبر عن سيطرته على نحو 40% من مدينة غزة، مع خطة لتوسيع عملياته خلال الأيام المقبلة، رغم الأرقام الكبيرة في عدد الشهداء الفلسطينيين الذي وصل لأكثر من 63,000 شهيد، ومئات آلاف الجرحى والمجاعة والنزوح الكثيف، بالإضافة للانتقادات الدولية الحادة من هيئات حقوقية ووسائل إعلام دول، وفي الداخل الإسرائيلي عبر كبار القادة العسكريين الإسرائيليين، بينهم رئيس الأركان إيال زامير ورئيس الموساد ديفيد بارنيع، عن مخاوفهم من أن التمدّد العسكري قد يطرح عبئاً إدارياً هائلاً على اسرائيل، ويحوّل غزة إلى منطقة احتلال مضنٍ، كما حذروا من تداعيات سياسية وإنسانية وجنائية دولية. 

وفي هذه الأثناء، بادر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالدعوة لخطّة شاملة (رغم ضبابيتها)، تقتضي الإفراج عن جميع الرهائن دفعة واحدة مقابل وقف الحرب، سرعان ما التقطت حماس وأعلنت  القبول بها، وحظيت المبادرة على دعم قطر ومصر ودول عربية أخرى وكذلك الأمم المتحدة، لكن نتنياهو لم يرد على المبادرة بل كرر شروطه لإنهاء الحرب: استسلام حماس وخلو القطاع من السلاح وسيطرة أمنية إسرائيلية عليه، وإدارة مدنية به دون حماس والسلطة الفلسطينية.   

بالرغم من تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي تحدث فيها عن انخراط إدارته في مفاوضات (غير واضحة المعالم) مع حركة حماس لإطلاق سراح جميع المحتجزين الإسرائيليين الأحياء والأموات، مقابل وقف الحرب، فإن اللافت أن حماس أبدت انفتاحًا على هذه المبادرة رغم ضبابيتها. لأنها تدرك حجم الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة، وجدت في أي مبادرة ـ حتى لو جاءت غامضة ـ فرصة محتملة لتخفيف معاناة المدنيين ووقف التقتيل والتهجير المنهجي الذي تمارسه إسرائيل ضد سكان القطاع.  

محللون ومسؤولون إسرائيليون سابقون انتقدو بشدة مسار نتنياهو. فقد وصف رئيس الوزراء الأسبق إهود باراك مواقف نتنياهو بأنها تعكس "البقاء السياسي على حساب الأمن الوطني والمسؤولية الأخلاقية"، وأنه يضحّي بإنهاء الحرب وحماية الجنود من أجل تجنب تحمل النتائج القانونية والسياسية على المدى البعيد. ويلاحظ محللون آخرون أن نتنياهو قد يفقد قريبا "اللحظة المثالية" لتوقيع صفقة مقبولة، بينما قد يجد نفسه مجبراً لاحقاً على تبنّي شروط أقلّ تفضيلاً. 

وإذا عدنا قليلاً إلى الوراء، نجد أن العملية العسكرية التي شنتها في أيار/ مايو 2025 بإسم "عربات جدعون"، هدفت للسيطرة على نحو 75% من قطاع غزة، وكانت النتيجة إنفاقاً ماليّاً ضخماً دون تحقيق انتصار حاسم، أو استرجاع لرهائن أحياء. ثم شهدنا تصاعداً في تأييد خطط السيطرة على غزة، ولكن شهدنا أيضاً تصعيداً في الانتقادات داخل اسرائيل، وتحذيرات من قدرات محدودة في المجال العسكري مع احتمال وقوع خسائر باهظة.

لذا، هل قرار نتنياهو تكتيكي؟ نعم، إلى حد ما. إنه يعكس محاولة لاحتواء الأزمة بالمناورة، للضغط بأقصى ما يمكنه على حماس والدول الوسيطة لضمان تنفيذ الحد الأعلى من شروطه. لكنه يحمل أيضاً بعداً يستعصي عليه التراجع عنه فيما لو أن اتجاه الرياح بعكس سير سفنه، فهو يبني موقفه السياسي على هذه الشروط — وبالتالي، العودة عن هذا المسار قد تضعف مكانته داخلياً.    

إزاء ذلك ما السيناريوهات المحتملة؟

السيناريو الأول، قد يكون تسوية شاملة بضغط أميركي ومن وسطاء آخرين، لدفع الجانب الإسرائيلي نحو قبول صفقة شاملة تشمل إطلاق جميع الرهائن، مقابل وقف الحرب والتقدم بحلول لدارة قطاع غزة في المستقبل . يمكن أن تشكل هذه الخطوة فرصة لإنهاء الحرب بضغط خارجي يُمكن أن يختار نتنياهو الاستجابة لها خشية عواقب مستمرة، خصوصاً إذا واجه عزلة دولية وخسائر سياسية داخلية . 

أما السيناريو الأخر،  التصعيد العسكري الكامل نحو احتلال قطاع غزة. إذا رفض نتنياهو الحلول الجزئية وواصل هجومه، يمكن أن يقود ذلك إلى احتلال فعلي لكامل القطاع، مع التبعات الكبيرة المترتبة على ذلك: عبء إداري وفشل في السيطرة الأمنية على قطاع غزة، ومزيد من الانهيارات الإنسانية واتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وربما تصل إلى مواجهات قانونية على نطاق واسع في مؤسسات دولية. 

وفي السيناريو الثالث قد تشهد اسرائيل شللا سياسيا داخليا وانهيار الائتلاف، بفعل تصاعد المعارضة الداخلية من جنرالات الجيش، وعائلات الأسرى في غزة، ومن الجمهور بشكل عام. قد يُعزل نتنياهو تدريجيًا—انهيار نفوذه السياسي قد يؤدي إلى حكومة بديلة تأخذ بزمام المبادرات، وشكل جديد من التفاوض والضغط نحو إنهاء الحرب.

باختصار، إصرار نتنياهو على السير عكس التيار ليس شجاعة ولا حكمة، بل هو مزيج من اليأس السياسي والغرور الشخصي والتقدير الخاطئ للمخاطر. إنه يفضل انتصارًا عسكريًا وهميًا على حل سياسي حقيقي، ويضحي بالمصلحة العامة على المدى الطويل من أجل مصلحته الشخصية على المدى القصير. التيارات التي يسير بعكسها – الجيش والدبلوماسية الدولية والمنطق والرأي العام العالمي وحتى حلفاؤه التقليديون – هي تيارات قوية ، من يحاول السباحة عكس التيار بهذه القوة ينتهي به الأمر إما منهكًا على الشاطئ، أو غارقًا في الأعماق . والثمن سيدفعه الفلسطينيون للأسف.

دلالات

شارك برأيك

لماذا يسير نتنياهو عكس التيار؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.