أقلام وأراء

الأحد 07 سبتمبر 2025 9:15 صباحًا - بتوقيت القدس

التعليم مسؤولية جماعية.. مبادرة لإنقاذ مستقبل الطلبة

المستشار د. علي شقور

تعطل التعليم في فلسطين أزمة غير مسبوقة بتفاقمها فلم يعرف الفلسطينيون مثل هذه الأزمة منذ عقود تضاهي ما نشهده اليوم من توقف للمدارس وحرمان الطلبة من مقاعدهم الدراسية. فالأمر لم يعد مجرّد تعثّر مالي أو ظرفٍ سياسيٍّ عابر، بل بات أزمةً بنيويةً تهدِّد حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان يتمثل بالحق في التعليم. والمشهد الراهن يثير القلق من عدّة جوانب؛ مدارس مغلقة، ومعلمون مثقلون بالأعباء، وطلبة صغار يواجهون فراغًا تربويًا قاتلًا، وأسر عاجزة عن إيجاد بدائل تحفظ مستقبل أبنائها.
إن خطورة توقّف الدروس في المدارس، يهدِّد هوية الجيل وقيمه وسلوكه. فالمدرسة ليست جدرانًا فقط، بل هي بيئة تُغرس فيها قيم الانضباط والمسؤولية والانتماء. وحرمان الطلبة منها يفتح الباب أمام العزلة والضياع وربما الانجراف إلى ما يضرّ. أمّا المعلّم، عمود العملية التعليمية، فيعيش مأزقًا حقيقيًا بين رسالته النبيلة وضغوطه المعيشية. وفي ظل هذا كلّه، نجد أنفسنا أمام معادلة خطيرة: طلبة بلا مدارس، ومدارس بلا معلمين، ومجتمع مهدَّد بخسارة رأسماله البشري.
إن الانقطاع الطويل للطلبة عن مقاعد الدراسة لا يقتصر أثره على ما يُحدثه من فاقدٍ تعليمي فحسب، بل يتجاوزه ليترك انعكاسات سلبية عميقة على أكثر من صعيد. فعلى المستوى السلوكي يضعف الانضباط وتزداد السلوكيات غير المرغوبة، وعلى المستوى التعليمي تتراكم الفجوات المعرفية وتتراجع المهارات الأساسية وتخبو الدافعية للتعلّم. أمّا على المستوى العاطفي فيتسلّل الإحباط والقلق ويفقد الطلبة ثقتهم بأنفسهم، بينما يؤدّي الانقطاع على الصعيد الاجتماعي إلى عزلة وانكماش وتراجع في مهارات التواصل وربما الانجرار إلى سلوكيات خاطئة. ولا يقلّ الجانب الفكري خطورةً، إذ يحدّ الانقطاع من فضول الطالب المعرفي ويقود إلى ركودٍ ذهنيٍّ وانغلاق الأفق. هذه الجوانب مجتمعة تجعل من البحث عن بدائل واقعية لاستمرارية التعليم ضرورةً لا يمكن التساهل معها أو تأجيلها.
من هنا تأتي هذه المقالة لا لتدخل في جدل السياسة أو حسابات المال، بل لتطرح رؤية تربوية بديلة تنبع من قناعة بأن الحلول ممكنة إذا توافرت الإرادة. فالتعليم ليس ترفًا يمكن تأجيله، بل ضرورة وجودية لاستمرار المجتمع الفلسطيني صامدًا وفاعلًا. وبالطبع تبقى وزارة التربية والتعليم المرجعية العليا لهذه الجهود، ومن المهم أن يُنظر إلى أي مبادرة تكاملية باعتبارها سندًا ودعمًا لها لا بديلًا عنها.
لا يمكن لأي مبادرة أن تنجح إلّا بتكامل الأدوار. فالأكاديميون في الجامعات مسؤولون عن تقديم الرؤية العلمية والإشراف التربوي الذي يضمن ضبط الجودة، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم لضمان توحيد الجهود. وأولياء الأمور عليهم مدّ يد العون من خلال تشجيع أبنائهم على الالتزام والدعم العملي البسيط. أمّا المجتمع المحلي بمؤسساته وفعالياته، فعليه احتضان أي مبادرة تربوية وتيسير سبل تطبيقها. والأهم أن يكون معلمو المدارس على قناعة بأن هذه الجهود معهم لا ضدهم، وأن الهدف منها تخفيف الأعباء عنهم وحماية حق الطلبة في التعلّم، في إطار رؤية منسجمة مع ما تخطّط له وزارة التربية والتعليم لاستعادة انتظام العملية التعليمية.
الجامعات، بحكم رسالتها، ليست مؤسسات للبحث فقط، بل أيضًا لخدمة المجتمع. وفي برامجها الدراسية مساقات مخصّصة لخدمة المجتمع، وهي فرص جاهزة يمكن تفعيلها لتتحوّل إلى مبادرات تعليمية يقودها الطلبة الجامعيون لصالح طلبة المدارس، وذلك بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم لضمان انسجام هذه الجهود مع أهدافها التربوية.
وليس من المبالغة القول إنّ كل حيّ أو بلدة أو مخيم في فلسطين يضمّ طلبة مدارس متعطّشين للتعلّم، وطلبة جامعيين قادرين، إذا وجدوا التوجيه المناسب، على سدّ الفجوة مؤقتًا. فهذه الحقيقة الميدانية كافية لإبقاء عجلة التعليم دائرة ولو بالحد الأدنى، وحماية الطلبة من الانقطاع الكامل.
أمّا طلبة كليات التربية، فإنّ جزءًا أصيلًا من برامجهم قائم على التدريب الميداني الذي يصقل مهاراتهم التدريسية. إشراكهم في هذه المبادرات ليس إضافة عابرة، بل امتدادًا طبيعيًا لمسارهم الأكاديمي. والفائدة هنا مزدوجة: طلبة التربية يكتسبون خبرة عملية حقيقية، وطلبة المدارس يحافظون على صلتهم بالتعليم.
ولعلّ الأهم أن هذه الجهود لا تشكّل أي عبء مادي على الجامعات، إذ يمكن إدراجها ضمن متطلّبات المساقات القائمة أو الأنشطة التطوعية، مع الاكتفاء بالإشراف الأكاديمي من الأساتذة وبتوجيه من وزارة التربية والتعليم. كما أن طبيعة التعليم الجامعي الحالي، الذي يمزج بين الوجاهي والتعليم عن بُعد، تجعل الطلبة الجامعيين متواجدين في مناطقهم معظم الوقت، ما يسهّل مشاركتهم دون تكلفة إضافية.
إذن، نحن أمام فرصة عملية قابلة للتنفيذ لا تحتاج سوى إلى إرادة تنظيمية ورؤية واضحة، بحيث تكون الجامعات وطلبتها ذراعًا مساندًا لوزارة التربية والتعليم، في إطار رؤية تكاملية تعزّز استمرارية التعليم في كل الظروف.
من المهم التأكيد أن هذا الطرح لا يعني الاستغناء عن المعلّمين أو تهميش دورهم، بل على العكس، يؤكّد مكانتهم المركزية ودورهم المحوري تحت مظلة وزارة التربية والتعليم. كما أنه لا يتدخّل في صراعات الأطراف أو جدالات السياسة، ولا يمسّ بمصالح أي جهة. جوهر الفكرة هو مصلحة أبنائنا الطلبة وحدها، وحمايتهم من أن يكونوا ضحايا للأزمات، عبر مبادرات تكميلية داعمة لرؤية الوزارة ومساعيها الرسمية.
ويبقى أن نسأل: هل الأكاديميون مستعدون لتشكيل لجنة بإشراف الجامعات وبتنسيق مع وزارة التربية والتعليم لتنظيم هذه المهمة وضمان جودتها؟ هل المجتمع المحلي على استعداد لتحمّل مسؤوليته واحتضان الفكرة؟ هل أولياء الأمور جاهزون لمدّ يد العون والمتابعة؟ وأخيرًا، هل سيختار معلمو المدارس النظر إلى المبادرة بإيجابية باعتبارها جسرًا يحافظ على استمرارية التعليم، وخطوةً مكمّلة لجهود وزارة التربية والتعليم حتى تعود الحياة إلى طبيعتها؟
التعليم أمانة مشتركة ومسؤولية لا تحتمل التأجيل.

*مدير منصة موئل الخدمات التربوية والتطويرية
أسناذ مشارك في كلية العلوم الانسانية والتربوية

دلالات

شارك برأيك

التعليم مسؤولية جماعية.. مبادرة لإنقاذ مستقبل الطلبة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.