في عالم مضطرب تتقاذفه الحروب والتغيرات الاقتصادية والتكنولوجية، يظل التعليم هو المرآة الأصدق لمستقبل الشعوب ومصيرها. غير أنّ واقع التعليم في منطقتنا العربية يكشف عن مفارقة مؤلمة: بين حصار يحرم الفلسطيني من أبسط حقوقه التعليمية، وبين سياسات تحديثية في الخليج تحمل بريقًا تقنيًا لكن تفتقر إلى العدالة الاجتماعية، وبين هيمنة غربية تُعيد إنتاج التبعية المعرفية عبر المنح والتمويل المشروط.
في فلسطين، يواجه التعليم امتحانًا وجوديًا. مئات آلاف الأطفال في غزة حُرموا من مقاعد الدراسة بسبب الحرب، بينما تتسابق الدول والمؤسسات الغربية لتقديم منح محدودة لطلاب الدراسات العليا، في مبادرات تبدو إنسانية في ظاهرها لكنها لا تمسّ عمق الأزمة. فالطالب الفلسطيني يظلّ رهين تأشيرات وإجراءات أمنية وموافقات إسرائيلية، وكأن التعليم ليس حقًا أصيلًا بل امتيازًا يتطلب المرور عبر حواجز سياسية.
بهذا الشكل، يتحوّل التعليم من أداة تحرر إلى وسيلة ضبط، ويبقى النظام التعليمي الوطني أسير التمزق والحصار.
وعلى امتداد العالم العربي، تتخذ السياسات التعليمية شكلاً حداثيًا في مظهرها، لكنها لا تلامس جوهر الإصلاح. السعودية تعلن عن إدخال الذكاء الاصطناعي في مناهج ملايين الطلاب، ودبي تكشف عن إصلاحات تَعِد بتوظيف 90% من الخريجين، والإمارات تلغي الامتحانات المركزية لصالح التقييم المستمر. غير أنّ هذه الخطوات، رغم أهميتها، غالبًا ما تتركّز في المدن الكبرى وتخدم الفئات الميسورة، بينما يظل الريف والمناطق المهمشة خارج المعادلة. كما أن الشراكات مع مؤسسات عالمية أو شركات تكنولوجية كبرى تُحوّل التعليم إلى سلعة تُدار بمنطق السوق، لا كحق اجتماعي شامل. في النهاية، يصبح الطالب العربي متلقيًا لمنهج مستورد، لا مشاركًا في صياغة معرفته وهويته.
أما في الغرب، حيث تتركز أعرق الجامعات ومؤسسات البحث، فإن التعليم لا ينفصل عن السياسة. برامج مثل فولبرايت أو إيراسموس تمنح فرصًا سخية، لكنها تُعيد إنتاج النخب وفق أطر غربية محددة، فيما تُقصى الأسئلة المرتبطة بقضايانا المحلية. فضيحة إلغاء ملف خاص بفلسطين في إحدى المجلات الأكاديمية المرموقة، واستقالات جماعية من مجلس فولبرايت احتجاجًا على التسييس، يكشفان أن الحياد الأكاديمي ليس إلا وهمًا. الغرب يمنحنا التمويل، لكنه يشترط علينا إطار التفكير وحدود الخطاب، فيتكرس نمط التبعية المعرفية الذي يجعلنا نستهلك الفكر بدل أن ننتجه.
إن التعليم في العالم العربي يقف اليوم عند مفترق طرق خطير. استمرار الحصار في فلسطين، وسياسات التحديث غير العادلة في المنطقة، والهيمنة الغربية على مسارات المنح والبحث العلمي، كلها خيوط تشدنا نحو المزيد من الارتهان.
ما لم نتحرك لبناء منظومات تعليمية مستقلة، وشبكات بحثية عربية تموَّل محليًا وتطرح الأسئلة من داخل واقعنا، فإننا سنظل نخرّج أجيالًا مؤهلة تقنيًا لكنها تابعة معرفيًا. وذلك أخطر من الأمية نفسها، لأنه يفرغ التعليم من جوهره التحرري ويحوّله إلى أداة استهلاك واخضاع.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 02 سبتمبر 2025 1:51 مساءً - بتوقيت القدس
التعليم العربي بين حصار الواقع وتبعية المعرفة
دلالات
معاوية دراغمة قبل 9 شهر
نابلس - فلسطين
🇵🇸
كلام مكثف الدلالة ومهم للغاية
بشار كمال عنبوسي قبل 9 شهر
نابلس - فلسطين
🇵🇸
وهل النخب الحاكمة تسمح بذلك. ببناء نظم تعليمية مستقلة تدعوا إلى التحرر والانعتاق مِنْ رسَنِ جلاديها.





شارك برأيك
التعليم العربي بين حصار الواقع وتبعية المعرفة