أقلام وأراء

الإثنين 01 سبتمبر 2025 9:26 صباحًا - بتوقيت القدس

الاعتـدال فـي التصـرف...!

يعيش الإنسان في هذه الحياة ويصادف كثيراً من المواقف السيئة التي تستشيط غضبه، وتلهب مشاعره وعقله فتجعله يتصرف بعصبية وتهوّر دون روية وانضباط، لاعتقاده أنه على صواب ويجب أن يدافع عن نفسه ووجهة نظره ما استطاع إلى ذلك سبيلا.  وقد يصادفه أيضاً كثيرٌ من المواقف الجميلة التي تحرك ارتياحه وسروره وسلامة نفسه وأعصابه، فتجعله يتصرف إزاءها بثقة وأمان ومشاعر من الحب والحنان، لاعتقاده أن الذي وراءها إنسان ودود صادق، ويجب أن يحافظ على قربه وألفته ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

وهكذا الحياة فيها الكثير من المواقف المزعجة والمفرحة في آن.  فيها السيئ والخير، والأمين والكاذب، والصادق والمخادع. ولكن الأسئلة التي تطرح نفسها: كيف يجب أن يكون انفعال الفرد إزاء المواقف المثيرة للانفعالات والمشاعر؟ وكيف يجب أن يكون رد فعله تجاهها؟! بل كيف عليه أن يتصرف حيالها لكي تأخذه إلى بر الأمان، لا إلى بر الشر والهوان؟! وهل يجب أن تكون طريقة تفكيره إيجابية أم سلبية، مفرحة أم مزعجة؟ والجواب بكل ببساطة هو كلما كان الإنسان معتدلاً في مشاعره غير مبالغ في رد فعله، نجح في علاقاته وحقق أهدافه ومراده، وكلما كان مبالغاً في مشاعره ومتسرعاً في رد فعله خسر وندم على كثير من أفعاله وأقواله.  وبناء على ذلك يجب ألاّ تستفزنا المواقف المزعجة وتهيج مشاعرنا بشكل يفقدنا صوابنا ويبعدنا عن العقل والمنطق، فتدفعنا لأن نتفوه بكلام نابٍ جارجٍ خارجٍ عن حدود الذوق والأخلاق وكأن الذي أمامنا أصبح أعدى الأعداء وألد الخصام. وكذلك يجب ألا تأخذنا المواقف المفرحة التي تدغدغ مشاعرها وترطب أحاسيسنا بشكل مبالغ فيه، فتجعلنا نعطي كل ما عندنا وكأن الذي أمامنا أصبح أحب الأحباب وأصدق الأصدقاء.  وأظن أننا في كلتا الحالتين نكون على خطأ، وما كل ذلك إلا لأن رد فعلنا تكون متسرعة تحركها المشاعر الآنية وتدفعها الحاجة، فتؤدي بنا إلى التصرف غير السليم، إن لم تؤد إلى الهموم الأمراض والذنوب والخسران.

من هنا نقول إن سرعة الانفعال بالحدث، سواء أكان مزعجاً أم مفرحاً، خطأ ولا تؤدي بصاحبها إلا للتصرف الخاطئ والحكم غير السليم. ولعل أفضل قاعدة للتعامل مع الناس والمواقف هو الاعتدال والوسطية، لأنها هي التي تؤدي إلى بر الأمان والسلام، وهي التي تجعل لصاحبها قيمة ومعنى، وأن يكون مرجعا موثوقا، وأهلا للتعامل معه والرجوع إليه في المشورة والحكم.

وبالتالي، يجب أن نأخذ بالقاعدة التي تقول: فإذا أحببنا علينا أن نحب باعتدال، وإذا كرهنا أن نكره باعتدال؛ وإذا أعطينا أن نعطي باعتدال، وإذا حرمنا أن نحرم باعتدال؛ وإذا أكل أن نأكل باعتدال، وإذا شربنا أن نشرب باعتدال؛ وإذا أنفقنا أن ننفق باعتدال، وإذا أمسكنا أن نمسك باعتدال.  بل يجب أن نبتعد عن الفجور إذا خاصمنا، وأن نتقي الله إذا عادينا، وألاّ نتجاوز الخط الأحمر والثوابت إذا تقربنا، وأن نقتصد إذا ابتعدنا حتى لا تكون النتائج صادمة؛ إذ إن كل شيء خُلق بقدر ومقدار، وكل شيء موزون بميزان، ولا يحتاج إلى كثير من الانفعال الذي يخرج الإنسان عن طوره وقدره ويفقده قيمته وعقله، سواء في السراء أو الضراء أو الشدة أو الرخاء. 

وهذه الحكمة البليغة تحض عليها كثير من الأمثال الشعبية والآيات القرآنية، من مثل: حب وداري وابغض واري؛ وقولهم اقطع وأوصل؛ وقولهم أحبب حبيبك هونا ما عسى أن ينقلب عدوك يوما ما، وابغض عدوك هونا ما، عسى أن يصبح حبيبك يوما ما؛ وقولهم كثرة التناهي غلط خير الأمور الوسط؛ وقول رسولنا الكريم، نحن أمة وسطا؛ وقوله تعالى، لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا، وقوله، قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا...الخ من الآيات والأمثال التي تذكرنا بأن الإفراط في الشيء والتفريط به أيضا يؤديان إلى التهويل والندامة إن لم يؤديان به إلى الفقدان والخسارة. 

وباختصار، فلنبتعد في تعاملنا عن الإفراط والتفريط، والإسراف والتقصير، والمبالغة والتهوين، والتبذير والتقتير، والتعصب والانفتاح، والغضب والانفعال، والسرعة والاندفاع، والغفلة والحرص، والجهل والغرور، والقبض والبسط، ولنتعامل بدلاً من ذلك بالقسط والقسطاط، والوسطية والاعتدال حتى نكون محبوبين محبين، مساندين مدعومين، متّزنين ناجحين يصلح حالنا

دلالات

شارك برأيك

الاعتـدال فـي التصـرف...!

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.