لقد أحدثت التطورات التقنية تحولاً كبيراً في عالم الاتصال والإعلام، ما أتاح للأفراد القدرة على التواصل في أي وقت ومن أي مكان، فاليوم نحن نشهد ثورة رقمية تقودها مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، ومن أبرز وسائل الاتصال الحديثة شبكة الإنترنت التي زودت الأفراد والجماعات بإمكانية التفاعل مع مختلف الأحداث، ما خلق عالماً افتراضياً يتيح لهم التعبير عن آرائهم حول القضايا التي تهمهم بحرية غير مسبوقة، والآن يمكن للمواطن العادي أن يصنع المحتوى الإعلامي ويناقش القضايا بجرأة وحرية وديمقراطية.
وتؤدي وسائل الاتصال والاعلام اليوم دوراً مهماً في نقل المعرفة والأخبار إلى الناس، فحتى وقت قريب كانت هذه الوسائل محتكرة من قبل فئات محدودة، ولكن مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي وانتشار صحافة المواطن تمكن عدد كبير من الشباب من استخدام هذه الأدوات للتعبير عن آرائهم ونشر الأخبار وحشد الدعم لمختلف القضايا. وقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تتيح لأي شخص إيصال رسالته إلى الآخرين في أي وقت، وبفضل القدرات التي توفرها هذه المنصات والتي قد تعجز وسائل الإعلام التقليدية عن تحقيقها، أصبحت هذه الشبكات توفر مساحات من الحرية لمستخدميها، وتمكن هذه الوسائط المتعددة المستخدمين من عرض محتوياتهم بطرق متنوعة مثل مقاطع الفيديو والصور والرسوم الكاريكاتيرية والمحتوى الجذاب، وبخاصة في فترات الحرب من خلال نشر المحتوى عبر الفيسبوك والانستغرام والتيك توك وتويتر وتيليغرام.
إن الأحداث والحرب الدائرة في قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر للعام 2023، وتبعاً للمشاهد القاسية المبثوثة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، أدت إلى تأثير كبير على الشباب وسلوكهم وعلاقاتهم الاجتماعية والنفسية، والشعور بالانتماء والهوية، التي هي الفاعل والمؤثر في مدينة القدس الشرقية، حيث ركّز عدد من علماء النفس على هذه المرحلة من أمثال أريكسون صاحب نظرية مراحل النمو النفسي الاجتماعي، وباندورا صاحب النظرية المعرفية الاجتماعية، وغيرهم من العلماء للتأثيرات النفسية والسلوكية على الشباب.
الشباب المقدسي تحت الاحتلال
الشباب المقدسي كبقية الشباب الفلسطيني في أنحاء الوطن يقومون بدورٍ مهم وفعّال من خلال تشكيل اتحادات الطلبة والمشاركة بالنوادي والنقابات المختلفة، لإبراز هويتهم القومية والوطنية، وتحمّل المسؤولية للحفاظ على الطابع العربي والفلسطيني للمدينة المقدسة، وانخراط الكثير منهم في لجان العمل الاجتماعي والتطوعي. وفي الانتفاضة الأولى قاموا بمهمات اجتماعية وسياسية ونضالية متعددة كتوزيع المؤن على العائلات المستورة وزيارة أهل الشهداء والأسرى والجرحى، حيث كان لهم الدور البارز في معالجة القضايا الاجتماعية التي نتجت بشكلٍ غير مباشر عن الانتفاضة، حيث أصبحت الانتفاضة كلمة مرادفة للشباب وشكّلت نقلة نوعية لدى الشباب الفلسطيني والمقدسي، خصوصاً على مستوى الوعي الوطني، وأصبح الشباب هم قادة الشارع والقادة الفعليّين، حيث تعرّض الكثير منهم للاعتقال والإصابات والاستشهاد في كثيرٍ من المواقع والمناسبات، وهم يشكّلون نسبة عالية من المعتقلين داخل السجون "الإسرائيلية".
وكان للشباب المقدسي الدور الرئيسي والأساسي في انتفاضة الأقصى، التي راح ضحيتها العشرات، منهم قضوا في سبيل الدفاع عن المقدسات والأقصى والقدس، واعتُقِل المئات حتى أصبحوا المستهدفين.
محمد ومنى الكرد وتأثيرهما في قضية الشيخ جراح
استطاع الأخوان محمد ومنى جلب الأنظار على قضية الشيخ جراح منذ صغرهم، إلا أن الوعي الشبابي المقدسي للقضية ظهر في بداية عام 2021 تحت حكم الاحتلال الإسرائيلي لإخلاء المنازل الفلسطينية وجعلها للمستوطنين، كما فعلوا عام 2009 عندما قاموا بطرد عائلة الغادي من منازلهم والسيطرة عليها من قبل المستوطنين.
قضية حي الشيخ جراح كانت القضية الأكثر انتشاراً في القدس، ما جعل الشباب المقدسي يقومون بدورهم عن حق، وهو حماية المنازل الفلسطينية من التهويد الاستيطاني، ومن هنا تبدأ قصة معاناة الشعب الفلسطيني مع الاحتلال من جديد.
عندما عرضت منى قصتها على مواقع التواصل الاجتماعي حول تهديد عائلتها بالتهجير والترحيل من بيوتهم، علماً أن نصف المنزل الخاص بهم أصبح للصهيوني (يعقوب) الذي اشتهر بمقولة "إذا أنا لم أستولِ على المنزل، فسيأتي أحد آخر وسيستولي عليه".
الأنشودة والهتافات للشباب المقدسي
إن الأناشيد الوطنية الفلسطينية لعبت دوراً مهماً وأساسياً في بنـاء المنظومـة الثقافيـة الوطنية لدى الشباب المقدسي، حيث ساهم بشكل كبير في التوعية والتعبئة والحشـد الجمـاهيري والتثوير لنصرة المسجد الأقصي، وذلك على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي، فإن الشعب الفلسطيني الذي تعرض لمختلف أشكال الاحتلال امتلك روحاً صابرة مبدعة استطاع أن يعكـس نضاله في تراثه الشعبي، وقد كان لغنى هذا التراث واتساع أشكاله وألحانه دور مهم في تسجيل الأحداث الوطنية، وأصبح أغنى من كتابة التـاريخ الرسـمي بكثير، فهو الذي يهتم بالكليات كما يهتم بالجزئيات، وأحياناً العكس.
الشباب المقدسي داخل أسوار المدينة المقدسة
إن منظومة القيم لدى الشباب في البلدة القديمة في مدينة القدس، خصوصاً القيم الاجتماعية التقليدية، مثل التلاحم العائلي والمشاركة الاجتماعية والتواصل المباشر، ما زالت تحظى بأهمية كبيرة لدى الشباب وكبار السن في البلدة القديمة، والتي تتعلق بالاستمتاع بالحضور العائلي، والمشاركة في المناسبات الاجتماعية، والمشاركة في الأعمال التطوعية، ما يشير إلى أن التغيرات الاجتماعية لم تؤثر سلباً على هذه القيم، بل عززت من الالتزام بها.
من جهة أخرى، قد يكون من المفيد مناقشة كيفية تأثير السياق الاجتماعي الخاص بالقدس، حيث يعيش الأفراد تحت تأثيرات اجتماعية وسياسية معقدة، ما يعزز لديهم الالتزام بالقيم الاجتماعية والعائلية كنوعٍ من الدعم والتماسك، ورغم التغيرات التي يشهدها العالم والتي قد تدفع إلى تقليص الروابط الاجتماعية المباشرة، يبدو أن المجتمع المقدسي يحتفظ بأهمية هذه الروابط التي تعد عنصراً أساسياِ في مقاومة التحديات.
إن تقدير المال عنصر أساسي في حياة الشباب المقدسي، كما يتضح أن هناك اهتماماً بالمردود المادي والبحث عن الأمن الاقتصادي. من اللافت أن العديد من المشاركين يرون في المال حلاً لأغلب المشاكل، ما يعكس طبيعة التحديات الاقتصادية الصعبة التي يواجهونها في القدس، حيث ترتفع تكلفة المعيشة ويزداد الضغط الاقتصادي.
قد يكون للتحديات الاقتصادية في البلدة القديمة أثر في تغيير أولويات الأفراد، ما يجعلهم يركزون أكثر على الاستقرار المالي على حساب بعض القيم الاجتماعية، ومع ذلك يمكن القول إن الاهتمام بالجانب الاقتصادي لا يعني تراجعاً تاماً في القيم الاجتماعية، لكنه يعكس التكيف مع ظروف اقتصادية صعبة تفرض على الأفراد إعادة ترتيب أولوياتهم.
التسرب المدرسي الصباحي لدى الشباب المقدسي
أثر تسرب الطلبة الشباب الصباحي للمرحلة الثانوية في مدارس القدس، والمرتبط بالترهل الإداري بدرجة كبيرة، وأيضاً غياب الاهتمام من قبل الأهل، وكذلك العوامل السلبية المتبعة عند الشباب بالتفاخر بالتسرب المدرسي الصباحي، والسبب الأكبر في ذلك عدم وجود يقظة عند المعلمين، خصوصاً المديرين منهم بالدرجة الأولى.
إن تقليل تأثير العوامل البيئية يتطلب العمل على تفعيل دور الإدارة المدرسية في متابعة سلوكيات الطلاب بحزم ويقظة، وتطوير برامج دعم نفسي واجتماعي للطلاب المعرضين لخطر التسرب لتقديم المساعدة في مواجهة المشاكل النفسية والاجتماعية، وكذلك تشجيع المدارس على غرس ثقافة الانضباط والمسؤولية لدى الطلاب، مع الحد من تأثير التفاخر بالتسرب داخل المجتمع.
وأخيراً إن المراهقة هي مرحلة مهمة جداً عند الشباب، قادرة على تغيير مسار الحياة المستقبلية، فهي الوقت الذي تتحدد فيه الأدوار الاجتماعية، وتنمو فيه القيم من جديد، بحيث تنمو قدرته على التفكير ويصبح التفاعل مع الأفراد الآخرين أكثر وعياً ونضجاً.
ونجد أن هذا الاتجاه يركز على المحددات الداخلية للسلوك، ويشير إلى أن مخطط التطور للنوع البشري ينعكس في التركيبة الوراثية لكل فرد، التطور يكون من مرحلة التصور إلى مرحلة النضج، والمراحل التي مرت البشرية بها منذ بداية تطورها، والتي تركت أثراً جينياً. وهي تُعرف بنظرية الشدة والمحن، حيث تقوم على أساس أن الفرد يلخص في حياته تجربة البشرية كلها، من البدائية إلى فترات المعاناة والآلام والجهد، وتعتمد هذه النظرية على أساس بيولوجي، وتستند إلى وراثة الخصائص البيولوجية للجنس البشري التي تكمن في تركيب الموروثات، فالطفل حتى الرابعة يمثل المرحلة البدائية "شبه الحيوانية" في تاريخ الإنسان، أما المراهقة فهي مرحلة التحول الصعب من البدائية إلى التمدين، ومن هنا تأتي العاصفة والمعاناة.
لكن، هنا علينا إنصاف الشباب المقدسي الذي تعافى مبكراً من هذا الوضع، وكسر حاجز الخوف وانتفض للمسجد الأقصى والقدس وكان ذلك الفتى الذي دافع عن شرف الأمة الأسلامية والعربية منذ نعومة أظفاره، ولم يعرف أبداً تلك المرحله المعروفة بالطفولة





شارك برأيك
الشباب المقدسي.. إلى أين؟