تعتبر فلسطين حالة فريدة من نوعها بين معظم دول العالم، حيث لا يمتلك كيان الاحتلال دستوراً رسمياً واحداً ومكتوباً. هذا الغياب ليس وليد صدفة، بل هو نتيجة صراعات أيديولوجية عميقة تعود إلى لحظة تأسيسه، وهو يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقضية أخرى لا تقل تعقيداً: عدم ترسيم حدوده النهائية بشكل رسمي وقانوني.
عند تأسيس كيان الاحتلال عام 1948، نشأ خلاف جوهري بين قادته حول طبيعة وهوية الدولة، وهو ما حال دون كتابة دستور موحد. انقسم النقاش بين تيارين رئيسيين: التيار الديني، الذي رأى أن التوراة والشريعة اليهودية هي الدستور الأعلى، والتيار العلماني، الذي كان يسعى إلى دستور ديمقراطي حديث.
للتوصل إلى حل وسط، تبنى الكنيست عام 1950 تسوية عُرفت باسم "تسوية هراري"، والتي تقضي بعدم كتابة دستور موحد في ذلك الوقت، بل إعداد الدستور "فصلاً فصلاً" من خلال سن مجموعة من "القوانين الأساسية". وحتى اليوم، لم يتم تجميع هذه القوانين، مما جعلها تعمل كدستور غير رسمي.
أما بالنسبة لحدود كيان الاحتلال، فإن السؤال عن حدود الدولة المنصوص عليها في الدستور لا يمكن الإجابة عليه، لأنه ببساطة لا يوجد دستور لترسيم هذه الحدود. الغياب ليس نتيجة فقط، بل هو سياسة متعمدة انتهجها قادة الحركة الصهيونية منذ البداية.
إن غياب الدستور وعدم ترسيم الحدود هما وجهان لعملة واحدة، ويعكسان الصراعات التأسيسية التي لم تُحل بعد داخل كيان الاحتلال.
ديفيد بن غوريون، أحد مؤسسي كيان الاحتلال، رفض ترسيم حدود الدولة عند إعلان قيامها، مما أتاح له التوسع مستقبلاً. هذه السياسة، المعروفة بـ"الغموض الاستراتيجي"، سمحت لكيان الاحتلال بالتمدد واحتلال أراضٍ جديدة دون التزام قانوني بحدود معينة.
تاريخياً، كانت هناك عدة تصورات للحدود، مثل حدود خطة التقسيم عام 1947، ولكن لم يتم اعتماد أي منها كحدود نهائية. "الخط الأخضر"، الذي يمثل حدود 1967، يعتبره المجتمع الدولي أساس حل الدولتين، لكن كيان الاحتلال يرفض الاعتراف به كحدود دولية نهائية.
تزداد تعقيد قضية الحدود بسبب نفوذ عقيدة "إسرائيل الكبرى"، التي ترى أن "أرض إسرائيل التاريخية" تمتد من النيل إلى الفرات، مما يجعل من المستحيل الاعتراف بحدود نهائية. هذه الأيديولوجية التوسعية تعكس الصراعات الداخلية بين الهوية الدينية والعلمانية للدولة.
إن غياب الدستور وعدم ترسيم الحدود يعكسان الصراعات التأسيسية التي لم تُحل بعد داخل كيان الاحتلال، مما يخدم سياسة فرض الأمر الواقع ويسمح بالاستمرار في التوسع الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.





شارك برأيك
لماذا لا يملك كيان الاحتلال"إسرائيل" دستوراً مكتوباً.. ولماذا لم يضع حدودا لكيانه؟