في ذكرى رحيل المخرج الكبير يوسف شاهين، الذي توفي قبل 12 عاماً، يعود الحديث إلى فيلمه "اليوم السادس" الذي يعد من أبرز أعماله، والذي يعكس بشكل مكثف أسئلة الوجود والهوية، خاصة العلاقة بين الأرض والموت، وبين صناعة السينما والبحر. الفيلم، المستوحى من رواية أندريه شديد، يركز على شخصية صدّيقة، التي تمثل روح الأرض المصرية، وتشبثها بالأمل في إنقاذ ابنها من وباء الكوليرا الذي ضرب مصر في عام 1947، حيث تتشبث بالأمل حتى اليوم السادس من الإصابة.
يُعد الفيلم تجسيداً مجازياً لأسئلة الوجود، حيث يركز على علاقة الإنسان بأرضه، خاصة في سياق تاريخي مليء بالتحولات الوطنية، مثل حركة الجيش ضد النظام الملكي وهزيمة 1967. في المشهد الأخير، يظهر بطل الفيلم، محمد أبو سويلم، وهو يحفر بأظافره في الأرض، رافضاً أن يُنتزع منه، في رمز قوي لتمسكه بأرضه، وهو مشهد يعكس ارتباط الإنسان بوطنه بشكل عميق.
ارتبطت علاقة شاهين الشخصية بالأرض والبحر، حيث كان يربط بينهما برؤية فلسفية وفنية، مستوحاة من تجاربه الشخصية وأفكاره الوجودية. في فيلمه، يظهر البحر كرمز للملاذ الأخير، وهو عنصر أساسي في الرواية، حيث يختبر الشخصيات رحلة ستة أيام نحو البحر، التي تمثل رحلة الروح والبحث عن الخلاص. المشهد الأخير، الذي يظهر فيه حسن وهو يرفع إلى أعلى الصاري ليشاهد البحر، يرمز إلى الأمل والعودة، رغم أن البحر في الفيلم يُرى بشكل رمزي أكثر منه مادي.
حب شاهين للأرض والبحر والموت يعكس عمق علاقته بالهوية الوطنية والوجودية
الاقتباس من رواية شديد، التي كتبتها باللغة الفرنسية، يعكس حضور الأرض بشكل مجازي، حيث تتجلى في شخصية صدّيقة، التي تمثل روح الوطن، وتتمسك بالأمل رغم الموت والوباء. شاهين، الذي كان يعشق الرواية، حول عناصرها المجازية إلى رموز سينمائية، معتمداً على شخصياته وحواراته، ليخلق عالماً سينمائياً يعبر عن علاقة الإنسان بأرضه، ويطرح أسئلة وجودية عميقة حول الموت والحياة.
في الفيلم، يتكرر سؤال الموت بشكل مكثف، خاصة مع ظهور شخصيات مثل حسن، وسعيد، والرفحي، الذي يعبر عن حب الوطن والحنين إلى فلسطين. شخصية عوكا، التي تمثل الجانب الشعبي، تتصارع مع رغباتها في التمثيل والهرب من الواقع، وتصبح رمزا للبحث عن الخلاص عبر السينما، التي يراها شاهين كوسيلة للقاء الروحي والجسدي مع الوطن والأرض.
السينما، في أعمال شاهين، ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل هي أداة تعبير عن الهوية والذاكرة، حيث يعبر عن علاقة عميقة بين الإنسان وأرضه، ويجسد البحر كرمز للروح والخيال، وهو حضور صوفي يتجلى في مشاهد الرحلة والانتظار، حيث يظل البحر حلماً وملاذاً، رغم غيابه المادي في الفيلم، ليظل حاضراً في الوجدان كرمز للأمل والخلود.





شارك برأيك
رحلة السينما والأرض والموت في فيلم "اليوم السادس" ليوسف شاهين