عربي ودولي

الخميس 31 يوليو 2025 10:12 صباحًا - بتوقيت القدس

"بتسيلم" يفتح "صندوق باندورا"... تقرير من ٧٠ صفحة يرصد يوميات الإبادة

  الحلقة الثانية



•    تصريحات صنّاع القرار الإسرائيليين نسجت رواية بأنّ معظم أهالي قطاع غزة مسؤولون عن 7 أكتوبر
•    إحدى مهام الاحتلال الرئيسية منع تقرير المصير وقمع مظاهر الهوية الفلسطينية وشطب فكرة الدولة المستقلة
•    جميع الغزيين خصوصاً الأطفال يعانون من صدمات جسدية ونفسية بدرجات متفاوتة الخطورة
•    أصبح التطهير العرقي بغزة أحد أهداف الحرب الرسمية.. وسياسة تهجير وسلب غير مسبوقة بالضفة  والقدس
•    لا يمكن الادعاء بوجود مقاتلين مسلحين داخل مستشفيات القطاع وغالباً ما يُطرَح ذلك دون تقديم أي أدلة  



رام الله- تنشر "ے" التقرير الصادر عن مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة (بتسيلم)، الذي رصد فيه من خلال ٧٠ صفحة واقع الناس في قطاع غزة وظروفهم وأحوالهم وأهوال الحرب على مدى ٦٦٦ يوماً من الإبادة المستمرة، التي خلفت مئات آلاف الشهداء والمصابين والجوعى.
يرصد التقرير عمليات القتل الجماعي، وخلق ظروف معيشية كارثية تجعل من القطاع منطقة غير قابلة للحياة.

———

منهجية التقرير

الهدف من هذا التقرير هو ترسيم الخطوط العريضة للهجوم الذي تشنّه إسرائيل منذ تشرين الأول 2023 ضدّ الفلسطينيّين في جميع المناطق الواقعة تحت سيطرتها، مع التركيز على الإبادة الجماعيّة الجارية ضدّ الفلسطينيّين في قطاع غزّة.
على مدار الأشهُر الـ20 الأخيرة جمع "بتسيلم" مُعطيات ومعلومات ووثائق حول آلاف الأحداث التي أسفرت عن قتل وإصابة واقتلاع وتهجير قسريّ وهدم منازل ومبان وبُنى تحتيّة وسلسلة أخرى طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها النظام الإسرائيليّ ضدّ الفلسطينيّين في قطاع غزّة والضفة الغربيّة (بما فيها شرقيّ القدس) وداخل دولة إسرائيل. بغية التعبير عن حجم الأضرار التي لحقت بالفلسطينيّين، بأشمل قدر ومستوى ممكنين، يشمل هذا التقرير معلومات ومعطيات جُمعت من مصادر خارجيّة أيضاً. ارتأينا أن نعتمد على تلك المصادر لأسباب عدّة، منها صُعوبة توثيق ممارسات إسرائيل في قطاع غزّة، حيث فرضت منذ بدْء العُدوان الحاليّ قيوداً غير مسبوقة على وُصول مختلف المنظمات والمؤسسات الإعلاميّة إلى قطاع غزّة، ضمن سعيها إلى تعميق عزل القطاع عن العالم. باحثو بتسيلم الميدانيّون في قطاع غزّة، الذين تمكّنوا من النجاة منها بعد شهور طويلة من النزوح والعذاب والخطر المُحْدق بحياتهم وحياة أسَرهم، واصلوا تسجيل إفادات مئات الفلسطينيّين سكّان قطاع غزّة، عبر محادثات هاتفيّة ورسائل صوتيّة، في الوقت الذي كان إجراء الاتّصال يشكل تحدياً مستمراً.
انطلاقاً من التزامنا بالحفاظ على معايير عالية من الموثوقيّة والمصداقيّة، ننوّه بأنّ جميع المُعطيات الواردة في هذا التقرير، التي لم يقم "بتسيلم" بتقصّيها والتحقّق منها بنفسه مباشرة، قد جُمعت من المصادر التالية: منشورات وتقارير منظمات حقوق إنسان ومنظمات غوث ووكالات هيئة الأمم المتحدة؛ تحقيقات صحفيّة أجرتها هيئات إعلاميّة معروفة وملتزمة بأخلاقيات مهنة الصحافة ومنهجية تقاطع المُعطيات؛ أوراق رأي استشارية قدّمها خبراء دوليّون، كلّ في مجاله؛ ومصادر أوليّة، مثل إفادات الشهود والتوثيق الميدانيّ. إضافة إلى ذلك، استندنا إلى أدبيّات متنوّعة تعمّقت في بحث أحداث إبادة جماعيّة جرت على مرّ التاريخ في مُختلف أنحاء العالم، وعلى مؤلّفات باحثين وثّقوا ظواهر تحدث في ظلّ الحرب المتواصلة في قطاع غزّة ونشروا نتائجها في مجلّات مرموقة. وقد تولت بتسيلم تحليل مُجمل هذه المعلومات، مُعتمدة في ذلك على خبرة سنوات طويلة في مجال جمع المعلومات والتحقّق منها وإجراء أبحاث حول انتهاكات حقوق الإنسان.
في كلّ ما يتعلّق بمُعطيات عن القتلى والجرحى الفلسطينيّين في قطاع غزّة، يستند هذا التقرير إلى منشورات وزارة الصحّة الفلسطينيّة في القطاع. هذه الأرقام، ليس فقط أنّها تُعتبر موثوقة وقد اعتمدها العديد من المنظمات والباحثين، بل هي متحفّظة مقارنة بالعدد الفعليّ للقتلى والجرحى ضحايا العُدوان. يعود السّبب في ذلك إلى المنهج الذي تتّبعه وزارة الصحّة في القطاع لدى حساب أعداد الضحايا: بخصوص القتلى، تشمل وزارة الصحّة في قوائمها فقط الجثث التي وصلت إلى غرف الموتى في المستشفيات أو القتلى الذين أبلغ أقاربهم السّلطات عن مقتلهم. نتيجة لذلك، لا تشمل القوائم التي تنشرها وزارة الصحّة القتلى الذين لم يتمّ بعد انتشال جثثهم من تحت أنقاض المباني التي دُمّرت، وكذلك القتلى الذين لم يتبقّ من جثثهم أيّ أثر يُتيح التعرّف عليهم، والقتلى الذين دُفنوا في قُبور مُرتجلة دون تبليغ السّلطات عنهُم، أو عائلات بأكملها قُتلت ولم يبق منها أحد ليبلّغ عن مقتلهم. كذلك الأمر بالنسبة إلى الجرحى، حيث تشمل القوائم فقط الجرحى الذين تمّ نقلهم للعلاج الطبّي في أحد المراكز الطبيّة الرسميّة. نتيجة للتدمير المنهجي لجهاز الصحّة في قطاع غزّة، يتعذّر على الكثير من الجرحى، أو هُم يمتنعون بأنفسهم عن الوُصول إلى المراكز الصحيّة القليلة التي ما زالت تعمل في القطاع وترزح تحت عبء الأعداد الهائلة من القتلى والمرضى والجرحى.
نظراً للمحدوديّات التي ذكرناها أعلاه، ولأنّ أعداد الحالات هائلة وغير مسبوقة، فإنّ هذا التقرير يعكس بصورة جزئية فقط حجم الأضرار التي لحقت بكلّ واحد من مجالات حياة الفلسطينيّين في مُختلف المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل. نحن نعتقد أنّ أعمال توثيق وتقصّي حجم الدّمار الحقيقي الناجم عن العُدوان (المُتواصل أثناء كتابة هذه السّطور) يحتاج إلى سنوات طويلة، بما في ذلك تخمين الأضرار بعيدة المدى -الشخصيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة- التي من المتوقّع أن يكابدها مُستقبلاً الفلسطينيّون الذين يعيشون في المناطق المختلفة.


4. الإبادة الجماعيّة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين
بعد نحو عامين على بدء الهجوم الإسرائيلي، أصبح قطاع غزة مُدمَّراً في معظمه. تشير التقديرات المحدثة، حتى منتصف تموز 2025، إلى مقتل نحو 58,026 إنساناً، غالبيتهم العظمى من المدنيين الذين لم يشاركوا في القتال. ويُقدَّر عدد الجرحى بـ 138,520 شخصاً. المستشفيات جميعها مدمَّرة أو تعمل بشكل جزئي فقط، وكذلك حال الجزء الأكبر من البنى التحتية المدنية. يمكن التقدير بأنّ جميع سكان قطاع غزة، وخصوصاً الأطفال الذين يشكلون حوالي نصف تعداد السكان هناك، يعانون اليوم من صدمات جسدية ونفسية بدرجات متفاوتة الخطورة. ومن المتوقع أن يموت كثيرون آخرون أو أن يعانوا من أضرار جسدية ونفسية خطيرة، نتيجة استمرار القتال وتبعات التجويع المتعمَّد الذي تمارسه إسرائيل ضد سكان القطاع ومنع المساعدات الإنسانية عنهم. منذ أن خرقت إسرائيل وقف إطلاق النار في آذار 2025، يموت ويصاب المئات من سكان قطاع غزة يومياً ـ بالقصف الجوي وإطلاق النار والقصف المدفعي حول "مراكز توزيع المساعدات" ونتيجة سوء التغذية وتزامنه مع الأمراض المنتشرة في قطاع غزة والمياه الملوثة وتدمير البنى التحتية الطبية.
هذا الواقع هو نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيل في قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023 ولا يمكن تبريره أو تفسيره بأنه محاولة للقضاء على حكم حركة حماس وقدراتها العسكرية في القطاع. تصريحات عدد من صنّاع القرار الإسرائيليين بشأن طبيعة الهجوم على قطاع غزة عبّرت، على امتداد الفترة كلها، عن نوايا إباديّة. وتجسدت هذه النوايا أيضاً في تصريحات عديدة أطلقها قادة عسكريون من مختلف الرّتب العسكرية، جنود في الميدان، خبراء في الشؤون العسكرية والأمنية وإعلاميون ومثقفون إسرائيليون. وعبّرت هذه كلها عن رؤية مشتركة لدى صنّاع القرارات وجزء غير قليل من الجمهور اليهودي ـ الإسرائيلي ترى إنّ جميع، أو معظم، سكان قطاع غزة مسؤولون عن الجرائم التي نّفّذت في 7 تشرين الأول، أو يدعمونها على الأقل. وفقاً لذلك ولموقف كثيرين من صنّاع القرار والعديد من القادة العسكريين والجنود في الميدان، فقد جرت ترجمة التطلع إلى القضاء على حكم حركة حماس وقدراتها العسكرية، إلى جانب الحاجة إلى منع تكرار حدث كالذي وقع في 7 تشرين الأول، إلى هجوم على كامل قطاع غزة وسكانه. وقد أدى التجريد المطلق لسكان قطاع غزة من الصفات الإنسانية إلى اعتبار حياتهم حتى الآن في نظر شرائح واسعة من الجمهور الإسرائيلي ـ اليهودي عديمة القيمة مقارنة بقيمة هذه الأهداف الوطنية، بل عديمة القيمة بشكل مطلق في بعض الأحيان.    
تجسدت هذه التصورات في طبيعة العمل العسكري الإسرائيلي في قطاع غزة. وشمل ذلك، ضمن أمور أخرى، القصف المكثف والعشوائيّ للتجمعات السكانية واستخدام تجويع أكثر من مليوني إنسان من سكان قطاع غزة كسلاح في الحرب؛ محاولات التطهير العرقي وجعل التطهير العرقي ضد سكان القطاع أحد أهداف الحرب الرسمية؛ التدمير المنهجي للمستشفيات والمؤسسات الطبية الأخرى ـ التي تتمتع بحماية خاصة بموجب القانون الدولي ـ إلى جانب الجزء الأكبر من البنى التحتية المدنية في قطاع غزة؛ القتل على نطاق غير مسبوق للعاملين في المجال الطبي والإغاثي والعناصر المسؤولة عن حفظ النظام المدني والصحفيين. في كل الأحوال، لا يمكن للادعاء الإسرائيلي بوجود مقاتلين من حركة حماس أو فصائل فلسطينية مسلحة أخرى في داخل المؤسسات الطبية والمباني المدنية ـ والذي غالباً ما يُطرَح دون تقديم إسرائيل أية أدلة عليه ـ تبرير أو تفسير مثل هذا التدمير المنهجي.
الصورة الجليّة التي تبرز من أنماط العمل هذه، والتي سنأتي عليها بالتفصيل لاحقاً، هي صورة هجوم واسع منسَّق ومُتعمَّد على الفلسطينيين سكان قطاع غزة يرمي إلى تدمير المجتمع الفلسطيني في القطاع كمجموعة سكانية. وقد حظيت هذه السياسة، منذ بدايتها في تشرين الأول 2023، بالدعم والشرعية والتطبيع من جانب معظم المجتمع الإسرائيلي- اليهودي، وكذلك من الجهاز القضائي الإسرائيلي.
مسألة النية، التي تُشكل أحد مركّبات تعريف الإبادة الجماعيّة، تبرز بشكل قاطع في ضوء عدد من الجوانب: إدراك القيادة الإسرائيلية للنتائج المتوقعة المترتبة عن سياسة استخدام النيران والتجويع التي تم تطبيقها؛ التدمير المنهجي للبنى التحتية المدنية التي تسمح بالحياة؛ القرار بمواصلة الهجوم بل وتصعيده على الرغم من عدد لا يحصى من التحذيرات والإثباتات بشأن عواقبه على السكان المدنيين في قطاع غزة؛ والعديد من تصريحات صنّاع القرار التي أوضحت أن إسرائيل تعمل ضد جميع سكان القطاع.
يَظهَر الفحص القانوني المعمق للشبهات بشأن ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعيّة في تقرير منظمة العفو الدولية (أمنستي) الذي نُشر في كانون الأول 2024 بعنوان ״You Feel Like You Are Subhuman: Israel’s Genocide Against Palestinians in Gaza״، كما في عمل منظمة "أطباء لحقوق الإنسان" الذي يُنشر هذه الأيام وفي عمل فريق الادعاء من جمهورية جنوب إفريقيا، والذي نُشرت أبرز خلاصاته في وثيقة الادعاء (وفي الملاحق الإثباتية التي أُضيفت إليها على مدار أشهر الهجوم) التي قُدمت إلى محكمة العدل الدولية (ICJ)، وكذلك في تقارير قدمها خبراء من الأمم المتحدة.
في الوقت الذي تتواصل فيه الإبادة الجماعيّة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة بكلّ قوّة، من غير الممكن فصلها عن تصعيد العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين الخاضعين لسيطرتها في الضفة الغربية، بما في ذلك شرقيّ القدس، وفي داخل إسرائيل نفسها. النظام والجيش اللذان ينفّذان الإبادة الجماعيّة في قطاع غزة هما النظام والجيش ذاتهما اللذان يشنّان، في الوقت نفسه، حملة قصف في مخيمات اللاجئين ويقتلان مئات الفلسطينيين وينفذان سياسة تهجير وسلب غير مسبوقة في جميع أنحاء الضفة الغربية، بما في ذلك شرقيّ القدس. وهو النظام ذاته الذي ينفذ سياسة مماثلة من التهجير والسلب والإهمال في منطقة النقب أيضاً، وسياسة الترهيب والإسكات ضد الفلسطينيين مواطني إسرائيل الذين يريدون الاحتجاج على ما ترتكبه إسرائيل في قطاع غزة، أو مجرد التعبير عن التضامن مع معاناة سكانه. وهو النظام نفسه الذي تتمثل إحدى مهماته الرئيسية في منع تقرير المصير الوطني الفلسطيني وقمع مظاهر الهوية الفلسطينية. يشير هذا كله إلى أن تفاقم العنف الذي تمارسه إسرائيل في قطاع غزة ينتقل إلى مناطق أخرى بصورة تدريجية؛ أنّ القوات الإسرائيلية التي تمارس مثل هذا العنف في منطقة ما تصبح أكثر اعتياداً وأقل ضبطاً في ممارسة عنف غير مسبوق في مناطق أخرى أيضاً؛ وأنّ المجتمع الذي يُسبغ الشرعية على الإبادة الجماعيّة في قطاع غزة ـ سواء بالمشاركة أو الدعم أو غض الطرف أو الإنكار ـ يميل، بطبيعة الحال، إلى منح شرعية مماثلة للعنف المتصاعد ضد الفلسطينيين جميعاً.
تعالج الصفحات التالية الهجوم الواسع على الفلسطينيين كمجموعة ـ من خلال وصف الممارسات الإبادية الإسرائيلية في قطاع غزة أولاً، لكن أيضاً من خلال وصف تصعيد العنف تجاه الفلسطينيين في جميع المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل، مع التركيز على أربعة مجالات أساسية: القتل، التدمير، التهجير والتفكيك الاجتماعي والسياسي والثقافي. ثم يأتي لاحقاً شرح للطريقة التي تعمل بها إسرائيل، في إطار الإبادة الجماعيّة، للمساس بالهوية الفلسطينية من خلال الهجوم على اللاجئين ومكانة اللجوء. ونعرض في الختام المظاهر الرئيسية لمسعى تجريد الفلسطينيين في قطاع غزة من الصفات الإنسانية والتحريض ضدهم.

أ‌. قتلٌ وإلحاق أضرار جسديّة ونفسيّة جسيمة

أ‌. 1. قتلٌ وإلحاق أضرار جسديّة ونفسيّة جسيمة في قطاع غزة
بلغ عدد القتلى الذين سقطوا نتيجة مباشرة للهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، حتى تموز 2025، أكثر من 58 ألف إنسان، وذلك وفقاً لبيانات وزارة الصحة في غزة. ويدل توزيع المعيطات الذي صدرت عن وزارة الصحة في حزيران 2025 أن 10% من القتلى نساء، 18% قاصرون و5% مسنون. وقدّرت دراسة نُشرت في شباط 2025، أنّ متوسط العمر المتوقع للرجال في قطاع غزة قد انخفض، خلال الأشهر الـ 12 الأولى من الهجوم الإسرائيلي، بنحو 51.6% وبلغ 40.5 عاماً ـ أي بخسارة 34.9 عاماً من متوسط العمر المتوقع ما قبل الحرب. أما متوسط العمر المتوقع للنساء في قطاع غزة فانخفض بنحو 38.6% وقُدّر بنحو 47.5 عاماً ـ أي، بخسارة 29.9 سنة من العمر.
تشير جملة من الدراسات التي نُشرت خلال العام الماضي إلى أن المعطيات المذكورة أعلاه تشكل تقديراً ناقصاً لعدد القتلى وأن العدد الحقيقي للضحايا الذين أوقعهم الهجوم الإسرائيلي فعلياً هو أعلى من ذلك بكثير، على الأرجح. وإنّ مدة الهجوم واستمراريته والنطاق الهائل لتدمير البنى التحتية وتقييد دخول منظمات الإغاثة والإنقاذ إلى قطاع غزة، ليست سوى جزء من العوامل التي تؤدي إلى جزئية التقدير الذي لا يعكس بشكل كامل حجم الجرائم التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023.

أ‌. 1. 1. الغارات الجوّية وإخلاء السكان
هذه المعطيات هي نتيجة مباشرة لسياسة إطلاق النار التي تبنتها إسرائيل، والتي تنتهك بشكل منهجي مبادئ أساسية في القانون الدولي، مثل التمييز والتناسب، والتي سمحت للجيش بإصابة عدد غير مسبوق من المدنيين غير المشاركين في القتال أثناء مهاجمته أهدافاً حدّدتها إسرائيل بأنها أهداف عسكرية. في الهجوم الحالي، تستخدم إسرائيل على نطاق واسع أدوات تكنولوجية غير مشروعة لخلق الأهداف وتجريمها وتتيح شن هجمات تستند إلى تقديرات الجنود والقادة العسكريين الثانويين في الميدان. وتسمح هذه الممارسات بزيادة وتيرة الهجمات على حساب اتخاذ تدابير احترازية ترمي إلى تقليل المسّ بالأبرياء.
كانت أوامر الإخلاء التي فرضتها إسرائيل على المدنيين في قطاع غزة، والتي من المفترض وفقاً لقواعد القانون الدولي الإنساني أن توفر للسكان إنذاراً مسبقاً قبل القصف أو التوغلات العسكرية ـ كانت، في كثير من الأحيان، غير واضحة أو مضلِّلة ولم تُتِح وقتاً كافياً للمغادرة. إضافة إلى ذلك، بعد إبلاغها السكان بضرورة مغادرة منازلهم، قصفت إسرائيل مراراً وتكراراً "الممرّات الآمنة" التي كان من المفترض أن ينتقل المُهجَّرون عبرها نحو "المناطق الإنسانية". وقد كشفت إفادات أدلى بها سكان من القطاع لبتسيلم ومقاطع فيديو نُشرت في وسائل الإعلام العالمية عن مشاهد لجثث ملقاة على جنبات الطرق، يُرجّح أنها تعود لنازحين حاولوا إخلاء منازلهم في الشمال والتوجه إلى "المناطق الإنسانية" في الجنوب.
كانت الظروف المعيشية في "المناطق الإنسانية"، التي كان من المفترض أن تكون آمنة للمهجرين، ظروفاً مستحيلة كما تعرضت هي الأخرى لقصف منهجيّ. تبيّن من تحليل أجرته "هيئة الإذاعة البريطانية" (BBC) أن هجمات إسرائيل في "المنطقة الإنسانية" في المواصي قد ارتفعت وتيرتها منذ أيار 2024 ـ وهو الشهر الذي طُلب خلاله من المُهجَّرين الانتقال إليها. منذ ذلك الشهر وحتى كانون الثاني 2025، قُصِفت تلك المنطقة 97 مرة.
أدلى محمد غراب (32 عاماً)، من سكان مدينة غزة والذي نزح إلى منطقة المواصي غربَ خان يونس، بإفادة لبتسيلم وصف فيها هجوماً كان شاهداً عليه في 13.7.24. هذا الهجوم، الذي شمل غارتين متتاليتين، والذي زعمت إسرائيل بأنه كان يستهدف محمد الضيف، رئيس الجناح العسكري لحركة حماس، وقيادياً كبيراً آخر في الجناح العسكري، كان الهجوم الأكثر دموية على "المنطقة الإنسانية" في المواصي خلال تلك الأشهر. فقد قُتل وجُرح عدد كبير بعد القصف الأول، وبعد وصول قوات الإنقاذ ومدنيين إلى الموقع في محاولة لإنقاذ الجرحى، قصف سلاح الجو المكانَ مرة أخرى. في الإجمال قُتل خلال الغارتين 90 شخصاً وجُرح 300 آخرون.
"فجأة، تشكّل حزام ناريّ مهول [...] تغطت السماء بالغيوم والغبار والتراب بالكامل. بدأ الناس يتراكضون في كل الاتجاهات. [...] بدأنا بانتشال المصابين قدر مستطاعنا. تقطعت أيدي بعضهم وأرجل بعض آخر. [...]. بعض المصابين الذين انتشلناهم، ماتوا بين أيدينا. عندما دخلنا لتفقّد الخيام التي بقيت في المكان، رأينا أنها مليئة بالجثث، معظمها لنساء وأطفال. ما رأيناه في ذلك اليوم في تلك الساعة، كان تجسيداً للجنون. شيء لا يمكن استيعابه. كان الأمر كما لو أن أجزاءً من الجحيم تتساقط علينا على الأرض. لا يمكن الوصف حقاً، لأن اللغة تعجز عن الكلام ولن تستوعب الفظائع التي شهدناها. ما أصفه هنا هو مجرد جزء صغير من الفظائع الي حدثت. [...] منذ ذلك اليوم وأنا خائف كل الوقت. أتوقع في كل لحظة أن يقصفوا خيامنا، أن يقصفوني أنا وعائلتي".
في حوادث مختلفة، تم الإبلاغ عن حرائق انتشرت في مجمعات خيام المُهجَّرين نتيجة للقصف المكثف والعنيف. في العديد من الحالات التي تم توثيقها، احترق الناس حتى الموت. أحمد الدلو (44 عاماً)، من سكان مدينة غزة، وصف غارة شنّها سلاح الجو على مخيم المُهجَّرين الذي كانت تقيم فيه عائلته في تشرين الأول 2024. نتيجة للنيران الذي اندلعت في الخيمة، احترق ابنه شعبان (20 عاماً) حتى الموت أمام عينيه:
"عندما عدت إلى مدخل الخيمة، سمعت صوتاً قوياً لطائرة بدون طيار تحلق في السماء فوقنا. صوتها القوي أخافني جداً وأصبحت قلقاً ومتوتراً. طلبت من الله أن يحمينا ودعَوْت أّلا يحدث لنا أي مكروه، لكنني تساءلت من منّا سيموت الليلة. فجأة، سقطت كرة من النار على الخيمة وأصابت أطفالي. نظرتُ إليهم فرأيت أنهم لا يتحركون، وخلال لحظة واحدة قررت أن أدخل لأنقذهم. أعتقد أن غريزة الأبوّة دفعتني إلى فعل ذلك. ألقيتُ بنفسي في النار وتمكنتُ من إخراج عبد الرحمن ورهف وفرح وزوجتي التي كانت نائمة بجانبها. رأيتُ النار تحرق جسد شعبان، الذي كان نائماً على كرسي خشبيّ ملاصقاً للنقطة التي قُصفت مباشرة. رأيتُ وجهه يذوب من اللهب. كان مشهداً مروّعاً. في تلك اللحظات وصلتُ إلى ذروة الهزيمة والانكسار. قلتُ له ׳سامحني يا ابني الغالي، لكنني لا أستطيع مساعدتك".
بعد أن خرقت وقف إطلاق النار في آذار 2025، عادت إسرائيل إلى نمط الهجمات العدوانية والعشوائية في جميع أنحاء قطاع غزة، بما في ذلك "المناطق الإنسانية" والمناطق الأخرى التي يتركز فيها عشرات الآلاف من المُهجَّرين المعدَمين. حتى يوم 14 تموز 2025، أعلنت وزارة الصحة في غزة عن أكثر من 7,450 قتيلاً وأكثر من 26 ألف جريح منذ خرق وقف إطلاق النار.

يتبع غداً





Powered by Froala Editor

دلالات

شارك برأيك

"بتسيلم" يفتح "صندوق باندورا"... تقرير من ٧٠ صفحة يرصد يوميات الإبادة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.