مع عودة سيناريوهات "اليوم التالي" إلى صدارة النقاش السياسي، تكثفت اللقاءات والتصريحات، وكذلك المناورات الدبلوماسية للسلطة، كان آخرها لقاء نائب الرئيس مع السفير الأمريكي، لقاء جاء في توقيت بالغ الحساسية، وبعد مدة طويلة من القطيعة - العلنية على الأقل - مع إدارتي ترمب، ومتزامناً مع تصويت الكنيست على خطة لضم الضفة، في رسالة واضحة من الاحتلال بأنه ماض في استراتيجياته، دون اكتراث بالموقف الفلسطيني أو الدولي، ودون انتظار إذن من أحد.
في ظل هذه التحولات يزداد المشهد الفلسطيني الرسمي هشاشة وضعفا، فرغم التصريحات حول جاهزيتها لادارة غزة بعد الحرب، الا ان الوقائع تزيح الستار عن صورة اكثر تعقيدا، وربما هي الأعقد على الاطلاق؛ أزمة مالية غير مسبوقة، وتآكل مستمر في شرعيتها وشعبيتها، يضاف لها عجز كامل عن التقدم للأمام، ولو لخطوة واحدة في الملف الداخلي، او الاتفاق على برنامج الحد الادنى، وهكذا تبدو السلطة محاصرة من كل الجهات؛ بين ضغط الاحتلال الذي يرفض عودتها لغزة، بل ويخنقها مالياً وسياسياً، وبين إرث الانقسام المزمن من جهة أخرى، الذي حول غزة الى كيان شبه مستقل واقعياً وسياسياً.
تصويت الكنيست أمس على خطة الضم ليس مجرد خطوة رمزية؛ ورغم انه شكلي او اقرب الى اعلان موقف، الا انه يشكل تحولا خطيرا، ويكشف عن سعي مستمر لتقليص ما تبقى من هامش سياسي امام السلطة، مكانيا وزمانيا، ويؤسس لوقائع ميدانية يستحيل تغييرها مستقبلا، بالادوات الحالية على الاقل، فالعامان الاخيران اظهرا محدودية قدرة السلطة على التحرك، وكشفا بوضوح مواطن عجزها، وسط عدوان شامل ومتصاعد على غزة منذ ستمئة وسبعة وخمسين يوما، تجلى في تدمير البنية التحتية، وقتل وتجويع المدنيين، فضلا عن عدوان مستمر في الضفة، خاصة في طولكرم وجنين، واتساع رقعة الاستيطان وعنف المستوطنين بشكل غير مسبوق، وتصاعد عمليات التهجير القسري وهدم البيوت.
في المقابل بدت السلطة فاقدة لأية أوراق قوة حقيقية؛ أدواتها التقليدية استُهلكت، فلم تعد قادرة على فرض أي شروط، سواء في الضفة او غزة، أو حتى حماية نفسها سياسياً. لقاء الشيخ-هكابي كان انعكاسا لهذا المأزق؛ ورهاناً في اللحظات الاخيرة على "الخيار الامريكي"، وبحثاً عن فتحة في جدار مسدود، او انفراجة مالية وسياسية، رغم ان هذه الرهانات لن تغير من جوهر ازمتها البنيوية، خاصة مع انحياز ادارة ترمب المعلن لصف الاحتلال، ما زاد من تعقيد المشهد وحد من خياراتها بشكل غير مسبوق.
هذه السياسة تؤشر بوضوح الى فقدان المبادرة او القدرة على الفعل، في ظل تلاشي الدعم العربي والدولي، وتنامي الغضب الشعبي، اذ باتت خيارات السلطة محدودة للغاية؛ وربما محصورة بين البقاء في الدور الوظيفي التقليدي والتمسك بوهم التسوية، او مغامرة سياسية وشعبية تعيد الاعتبار للهوية الوطنية، لكن الواقع يدلل على ان التصريحات عن الجاهزية لاستلام غزة وادارتها لا تتجاوز حدود المناورة الاعلامية، او محاولة للايحاء بانها لا تزال لاعبا رئيسيا، بينما المشهد يفرض مراجعة جذرية، تبدأ باعادة الاعتبار لمنظمة التحرير، وبناء برنامج وطني يواجه سياسات الاحتلال بشكل جدي، ومن بين الحلول العملية الممكنة - وان بدت مكلفة - اطلاق مصالحة وطنية فورية، وتشكيل حكومة انقاذ وطني تجمع الكل الفلسطيني، واعادة بناء المؤسسات، وتبني استراتيجية مقاومة تربك حسابات الاحتلال.
واما اذا استمر الحال على ما هو عليه، فستظل السلطة تتحرك في مسار ضيق جدا، بينما يواصل الاحتلال فرض وقائعه على الارض وتوسيع خسائرها يوما بعد يوم، وعندها لن يكون امامها سوى اتخاذ قرار حاسم بمغادرة مقاعد الانتظار، والاندماج الفعلي مع تطلعات شعبها ومتطلبات المرحلة، وبدون ذلك، سيبقى زمنها في ادارة الضفة او غزة - ان تحقق - مجرد مشهد عابر، او فصلا اخيرا من حقبة تاريخية طويلة وثقيلة، قبل ان تغلق التحولات الكبرى الباب امام امكانية العودة الى الخلف





شارك برأيك
السلطة.. بين مطرقة الضم وسندان "اليوم التالي"