فلسطين

الأربعاء 23 يوليو 2025 8:33 مساءً - بتوقيت القدس

رحلة محمد قدري دوابشة.. الطيار الذي أقلع من دوما إلى السماء

كتب مهند ياسين

الحلم الذي ولد مع افتتاح مطار غزة الدولي في 1999.. ولم يتحقق بعد

الأول على دفعته في أكاديمية الطيران في الأردن.. عمل مضيفاً !

لقاء عابر مع طيار أمريكي فتح أمامه باب أعرق أكاديمية طيران في الولايات المتحدة


في قرية دوما الصغيرة بمحافظة نابلس شمال الضفة الغربية، وُلد محمد دوابشة عام 1986. كان الطفل الذي لم يتخيل يومًا أنه سيصبح طيارًا محترفًا، بل كان أقل إخوته تحصيلاً علميًا، حتى جاءت اللحظة التي غيرت مجرى حياته بالكامل؛ ففي عام 1999، وبينما كان جالسًا مع عائلته يشاهد التلفاز، شدته لحظات افتتاح مطار غزة الدولي، بحضور زعماء العالم وشخصيات بارزة مثل الرئيس الأميركي بيل كلينتون. لحظتها سأل محمد والده سؤالًا بريئًا لكنه حمل حلمًا كبيرًا: "هل يمكن أن أصبح طيارًا يومًا ما؟". لم يتردد والده في الإجابة وقال له: "نعم، لكن بشرط أن تجتهد في دراستك". كانت هذه الكلمات بمثابة الشرارة الأولى التي أشعلت الحلم داخل محمد.

منذ تلك اللحظة، أصبح هدف محمد الوحيد أن يحقق وعده لوالده. بدأ يجتهد بشكل استثنائي، وارتفع مستواه الدراسي بشكل لافت، وبالفعل أنهى مرحلة الثانوية العامة عام 2004 بمعدل ممتاز. وعلى الرغم من أن والده كان يفضل أن يلتحق محمد بكلية الطب مع أخيه الأكبر في مصر، إلا أن إصرار محمد على دراسة الطيران كان حاسمًا، مما دفع والده لدعمه بكل ما أوتي من قوة، رغم الأعباء المالية الكبيرة، حيث كلفت دراسته في أكاديمية الطيران بالأردن حوالي 42 ألف دولار، كانت تشكل عبئًا إضافيًا إلى جانب تكاليف دراسة أخويه الطب.



زملاؤه أصبحوا طيّارين وهو مضيف

في العام 2006، تخرج محمد من أكاديمية الطيران في الأردن، وكان الأول على دفعته، لكن الواقع اصطدم به سريعًا. فعندما تقدم للعمل كطيار في الخطوط الجوية الفلسطينية، قيل له إنه لا توجد فرص عمل متاحة بسبب الظروف السياسية والأمنية في المنطقة. لجأ بعدها إلى الخطوط الجوية الملكية الأردنية، إلا أنه لم يُقبل كطيار أيضًا، وعُرض عليه العمل كمضيف طيران، فقبل ذلك على أمل أن تكون فرصة مؤقتة حتى تتحقق أحلامه في الطيران. استمر محمد في عمله كمضيف لمدة سبع سنوات، كان خلالها يشعر بالقهر وهو يرى زملاءه الذين تفوق عليهم أصبحوا طيارين بسبب امتلاكهم للعلاقات والمعارف، بينما بقي هو في مكانه دون تقدم.

تأثر محمد نفسيًا بشدة، حتى وصل به الحال إلى أن يتجنب إخبار الآخرين أنه درس الطيران، كي لا يسمع كلمات الاستهزاء مثل "أين ستهبط بطائرتك الفلسطينية؟". عاش في الأردن 12 عامًا من عام 2004 وحتى 2016، كان خلالها يصارع الإحباط واليأس، قبل أن يتخذ قرارًا حاسمًا بالهجرة إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 2016، بتأشيرة سياحية، مخالفًا قوانين الإقامة، عازمًا على طي صفحة الماضي.


أول فلسطيني وربما العربي الوحيد في أكاديمية إلينوي

في أمريكا، عاش محمد حياة صعبة لمدة ست سنوات، عمل خلالها في وظائف متواضعة مثل المطاعم والتوصيل، حتى تمكن من الحصول على الإقامة الدائمة "الجرين كارد" عام 2022. تغيرت حياته بشكل درامي حين قابل بالصدفة طيارًا أميركيًا أثناء عمله كسائق "أوبر"، فأخبره محمد أنه يحمل شهادة طيار لكنه فقد الأمل. هذا اللقاء العابر أعاد إليه الحلم بقوة، حيث شجعه الطيار على التواصل مع إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية، التي بدورها احتسبت له ساعات الطيران السابقة وفتحت له باب الدراسة من جديد.

انضم محمد إلى نادي Stick & Rudder Flying Club في ولاية إلينوي، أقدم أكاديمية طيران في الولايات المتحدة، حيث درس بجد استثنائي، وتفوق بسرعة كبيرة. كان يقضي معظم وقته في الدراسة والتدريب، حتى أن إدارة الأكاديمية أعجبت باجتهاده وقدمت له عرض عمل كمدرب طيران قبل إنهائه الدراسة رسميًا. خلال سنة ونصف فقط حصل على جميع الشهادات اللازمة، وأصبح أول فلسطيني وربما العربي الوحيد في الأكاديمية، ما شكّل تحديًا اجتماعيًا له، خاصة في البداية بسبب التوتر السياسي وكون زملائه من الأميركيين المناصرين بشدة لإسرائيل.

بمرور الوقت، استطاع محمد أن يكسب احترام الجميع داخل الأكاديمية بفضل اجتهاده ومهارته، حتى أصبحوا يلجؤون إليه لمعرفة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما كانوا يتحفظون على التعامل معه. رغم ذلك، كان محمد يتجنب الحديث بالسياسة حفاظًا على مستقبله المهني، خصوصًا بعد أحداث 7 أكتوبر التي أثرت على النظرة تجاه الفلسطينيين في أمريكا.


طيار ومدرب طيران في الولايات المتحدة

اليوم، يعمل محمد كطيار ومدرب طيران في الولايات المتحدة، لكن حلمه ما زال أكبر: أن يصبح طيارًا للخطوط الجوية الفلسطينية، وأن يهبط بطائرته يومًا ما في مطار بغزة. يقول محمد: "حتى اليوم ما زلت أبحث على جوجل عن صور مطار غزة، رغم أنه لم يعد موجودًا بعد أحداث 7 أكتوبر، حلمي الحقيقي أن أقلع يومًا من فلسطين."

محمد، المتزوج من أميركية ويعيش الآن بين ولايتي ويسكانسن وإلينوي، يشعر بالامتنان لكل الظروف الصعبة التي مر بها، لأنها صنعت منه الطيار الذي هو عليه اليوم. يشجّع كل شاب فلسطيني قائلاً: "لا تيأس مهما كانت الظروف، عِش المرحلة التي أنت فيها اليوم، فالصمود هو مفتاح النجاح، لأنك لا تعلم أبدًا ما الذي يحمله المستقبل."

والد محمد، الذي تحدّث بفخر كبير، قال: "لم أتوقع أن مسيرة محمد ستكون بهذا التعقيد والصعوبة، لكنها كانت درسًا في الصبر والإصرار. أتمنى من كل أب فلسطيني أن يدعم أبناءه في تحقيق أحلامهم مهما كانت صعبة، فنجاح محمد لم يكن نجاحه فقط، بل نجاحًا لنا جميعًا."

قصة محمد دوابشة ليست مجرد رحلة طيار، بل هي رحلة حلم فلسطيني استثنائي يروي كيف يولد الأمل من رحم المعاناة.

دلالات

شارك برأيك

رحلة محمد قدري دوابشة.. الطيار الذي أقلع من دوما إلى السماء

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.