أقلام وأراء

الإثنين 21 يوليو 2025 9:24 صباحًا - بتوقيت القدس

أين نجحت إسرائيل‪؟ وأين فشلت؟

لا نجاح مطلقاً ولا فشل كاملاً، هكذا يمكن توصيف الحالة الاسرائيلية. وحتى تكون هناك دقة في الافتراض هذا فإنه من الضروري ان تكون هناك معايير للقياس، المعيار التقليدي في مثل هكذا أمور هو مقاربة الأهداف الموضوعة وقياس ما تحقق منها، وهنا ثمة ما يقال، الأهداف التاريخية والمرتبطة بإقامة دولة لليهود في فلسطين وتشريع هذه الدولة وتطبيعها في الإقليم هي الأهداف العليا للحركة الصهيونية منذ مئة عام وأكثر، ولكن مع هيمنة اليمين التوراتي والقومي على الحكم في إسرائيل جرى تعديل جوهري في تلك الاهداف، التوسع التوراتي اصبح هدفا واضحا في الخطاب اليميني، وكذلك فان التنازل المقولة الديمقراطية لصالح يهودية الدولة تحول إلى تشريعات وسياسات، ولكن الاهم انه جرى تعديل في مفهوم تطبيع الوجود الصهيوني في الاقليم، فبدل من التطبيع عبر اتفاقيات وعلاقات يجري التطبيع عبر القوة، بمعنى استخدام فائض القوة الإسرائيلي كعنصر اساسي لتحقيق الإخضاع الذي يؤدي إلى التطبيع، النموذج الذي يجري في سوريا واضح ويفهم على الأغلب في هذا السياق، وكذلك لبنان. في ايران لم تنجح تلك السياسة حتى الان على الاقل، بهذا التعديل اليميني القومي والتوراتي على سلم الاهداف الصهيونية يفترض اعادة تعديل اداة القياس ايضا، لنرى.. 

على صعيد معادلات القوة الاسرائيلية، نجاح استخباري، تفوق في الطيران، وفشل في القتال البري، فائض في قوة العتاد وفقر في العدد البشري المقاتل، نجاح باهر في الأداء التكتيكي العسكري وفشل كبير في تحقيق الاهداف الاستراتيجية من الحرب، وفي التفاصيل عشرات ان لم نقل مئات الامثلة الصارخة والواضحة والتي تمثل بمجموعها سياقاً قابل للاستنتاج من خلاله. نجحت اسرائيل في قصف ما تريد في إيران وفي احكام السيطرة على الاجواء الإيرانية ولكنها فشلت في انهاء المشروع الايراني بكل أوجهه، فشلت في اخضاع او اسقاط النظام الايراني، وفشلت في انهاء المشروع النووي الإيراني، وفشلت في انهاء المشروع الصاروخيّ الايراني، وهذا يعني نجاح في الطيران اولا ونجاح في الملعومات الاستخبارية وفشل طريق في توظيف هذا النجاح في تحقيق اهداف استراتيجية. 

في غزة، نجحت إسرائيل في تدمير غزة وفشلت - حتى الان - في تحقيق الهدف الاستراتيجي من هذا التدمير وهو التهجير، وفشلت ايضا في القتال البري، عشرون شهراً من القتال وبفرق عسكرية نخبوية وعشرات الالاف من الجنود المسلحين باحدث تكنولوجيا حربية في العالم وفشلوا في القضاء على حماس، هذا يعني فشل العمل البري ايضا، فشل يعبر وبشكل صارخ عن تضخيم في الاهداف العليا للحرب على حساب قدرات جيوعسكرية محدودة  . 

في لبنان نجحوا في عمليات استخبارية دقيقة ومحكمة، ولكنهم فشلوا في اجتياح بري للجنوب اللبناني مع انهم اخضعوا لبنان لمعادلة جائرة لوقف القتال ما زالوا يحاولون توظيفها لإخضاع سياسي حتى الان يواجهون مصاعب كبيرة ربما ستؤدي لانفجار متأخر. 

إسرائيل  شنت حربا على جبهات متعددة وفي مشهد يعبر عن قلة عدد الأفراد كل فترة تنقل فرقة او اكثر من شمال البلاد إلى جنوبها او بالعكس وهكذا من الجنوب إلى الشمال ومن الضفة إلى غزة ومن غزة إلى الضفة. ان حجم السكان وحجم المجندين من عدد السكان يشكلان أزمة استراتيجية عسكرية لا يعوضها التفوق الجوي مهما بلغ. ان عشرين بالمئة من السكان فلسطينيون لا يتجندون في الجيش واكثر من ثلاثين بالمئة يهود متدينون. هناك ازمة متفاقمة حول تجنيدهم وبالتالي ان عبء التجنيد يقع على عاتق خمسون بالمئة من عدد السكان، وهذا يجعل قوة الجيش العددية اقل بكثير من الطموح السياسي لاسرائيل. إن دولة بهذا العدد من السكان وبنسبة المجندين منها لا يمكن ان تتمكن من تشكيل جيش هجومي بقدرات عملياتية برية لتحقيق الاهداف السياسة الموضوعة . 

إسرائيل دولة مساحتها صغيرة بكل المعايير، بضعة صواريخ اغلقت مطاراتها وموانئها وأجواءها ومدنها ومؤسساتها ومدارسها وشوارعها، بالتالي حتى لو تعاظمت قوتها فان مساحتها لا تحتمل هذه "السمنة الاسرائيلية المفرطة في القوة" ولا تحمل الطموح السياسي الإسرائيلي الاستراتيجي الإمبراطوري . 

اننا امام ظاهرة غير متأصلة في التاريخ ولا في الديمغرافيا ولا في الجغرافيا، ظاهرة تتعاظم فيها جوانب اساسية من قوة مصدرها بجزء اساسي خارجي، وهذا ما بدا واضحا في كل حروب إسرائيل التي اضطرت لحشو جوي عسكري ومساعدات متنوعة من امريكيا واوروبا. هذه الظاهرة حملت نفسها اهداف تفوق قدراتها لهذا فان ازمتها مرتبطة بهذا التوصيف وقابلة للتعمق طالما لم تجر اعادة برمجة للأهداف الاستراتيجية الاسرائيلية . 

صحيح ان إسرائيل قد حققت اختراقات على اكثر من صعيد، وربما اهم انجاز هو تحطيم محور المقاومة إلى حد كبير، ولكن بقي هذا الانجاز رغم اهميته في اطار المتغير بمعنى انه قابل للتغيير، وفي ظل سياسة اسرائيلي القائمة على فرض الهيمنة بالقوة فان مشروعية هذا المحور تزداد وتتعزز لان القوى المعتدلة في الاقليم بدأت تتخوف من الاهداف الاسرائيلية ولا أدل على ذلك من تخوفات كل من مصر والأردن وكذلك سوريا بعد سقوط نظام الاسد.  هذا من ناحية ومن ناحية اخرى فانه لم يترجم سياسيا إلى معطيات ثابتة تساهم في تكريس الحالة الاسرائيلية، تحاول الادارة الأمريكية لترجمة ذلك سياسيا لصالح إسرائيل لكنها تصطدم بالحسابات التوسعية الاسرائيلية التوراتية والتي تعتقد بأولية التوسع على اي امر آخر . 

في نهاية الأمر، الحروب على الجبهات الثمانية تعمق المأزق الإسرائيلي الاستراتيجي ولا تحله، وتفشل سياسات استخدام فائض القوة في خلق نجاحات استراتيجية رغم النجاحات العملياتية المبهرة، ولهذا الأمر ما بعده ولكن ذلك يحتاج إلى وقت، والوقت هو السلاح الأمضى.

دلالات

شارك برأيك

أين نجحت إسرائيل‪؟ وأين فشلت؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.