بعد أكثر من 600 يوم من حرب إسرائيل على قطاع غزة، في محاولة لجيشها الانتصار على حماس وتحرير 58 أسيرًا إسرائيليًا من قبضتها، وبعد عدة جولات مفاوضات أمريكية بوساطة الدوحة والقاهرة للتوصل إلى هدنة لتبادل الأسرى، جاء رد حماس بـ "لعم" على مقترح المبعوث الأمريكي ويتكوف. ففتح الجيش الإسرائيلي بوابات الجحيم في قطاع غزة، وسمع دوي الانفجارات من أماكن تبعد أكثر من 60 كيلومترًا عن القطاع، وسط مشاهد مجاعة فيه على النمط الصومالي.
واليوم تقف كل من حماس وإسرائيل عند مفترق طرق حرج، حيث يواجه الطرفان مأزقًا معقدًا يتجاوز حدود الصراع العسكري، ليشمل أبعادًا سياسية وإنسانية واستراتيجية، في ظل واقع إقليمي ودولي يزداد تعقيدًا. الصراع الدائر منذ السابع من أكتوبر 2023، والذي دخل الآن شهره العشرين، لم يعد مجرد مواجهة مسلحة بين طرفين، بل تحول إلى معضلة جيوسياسية ذات أبعاد تتجاوز ساحة المعركة في غزة.
دول أوروبية كألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا ودول أخرى، بدأت بالضغط على إسرائيل وتطالبها علنًا بوقف الحرب، وبعض هذه الدول توجهت فعلًا نحو فرض عقوبات على إسرائيل التي لا تزال ترتدي الدرع الأمريكي لحمايتها ولمواصلة عملياتها العسكرية. لكن هذا الدرع قد لا يدوم طويلًا، لأن واشنطن – على ما يبدو – توفره لتل أبيب حاليًا لئلا تعرقل المفاوضات الأمريكية – الإيرانية، وقد يفيق نتنياهو ذات يوم قريبًا على تغير في موقف ترامب، وعندها قد يتغير المشهد كليًا.
صحيح أن قطاعات واسعة من المدنيين الغزيين يحملون حماس ما آلت إليه أوضاعهم من قتل ودمار وجوع، ويطالبونها بالموافقة على أي مقترح للهدنة بغض النظر عن مضمونه وأبعاده لتتوقف آلة القتل والدمار الإسرائيلية ولو لأيام، إلا أن حماس قد لا تستجيب (وغالبًا لن تفعل) لأنها تؤمن بأنه كلما ساء الوضع في غزة، ازداد الضغط على إسرائيل، وهو ما سيؤدي إلى إنقاذها في اللحظة الأخيرة قبل انهيارها التام.
وحماس ليس لها في قطاع غزة مقرات قد يتوجه إليها الغزيون، الذين انكسر لديهم حاجز الخوف (لعدم وجود شيء يخشون عليه)، للإعراب عن سخطهم على عدم موافقتها على مقترح ويتكوف أو أي مقترح آخر للهدنة. حاجز الخوف هذا انكسر أيضًا تجاه الجيش الإسرائيلي، الذي قد يجد نفسه في مواجهة جموع جوعى، تعيش في اللامكان وتعرف أن آلة الموت الإسرائيلية ستحصدهم إن عاجلًا أو آجلًا.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الفوضى ومشاهد المجاعة، متمثلة بأطفال غارت وجوههم وتبرز عظام أقفاصهم الصدرية، قد تؤدي إلى ازدياد حدة التنديد الدولي بإسرائيل، التي قد تجد نفسها في وضع مشابه لوضع دولة جنوب أفريقيا العنصرية، عندما فرضت الجمعية العامة للأمم المتحدة عليها مقاطعة اقتصادية وعسكرية في العام 1962.
وعلى الرغم من التصعيد العسكري الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة، فإن الأهداف السياسية التي أعلن عنها نتنياهو، وعلى رأسها "تدمير حماس" و"إعادة جميع الرهائن"، لا تزال بعيدة المنال. والتكاليف العسكرية والاقتصادية والإنسانية تزداد يومًا بعد يوم، في ظل ضغوط متصاعدة من عائلات الرهائن الذين خرجوا في احتجاجات يطالبون فيها بوقف القتال والتوصل إلى صفقة تبادل. كما أن الحكومة الإسرائيلية، التي تواجه انقسامات داخلية متفاقمة، تدرك أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى عزلة دولية متزايدة.
من جانبها، فإن حماس تجد نفسها اليوم في وضع شديد الحساسية. فمن جهة، لا تزال تصر على شروطها للقبول بأي اتفاق لوقف إطلاق النار، وفي مقدمتها وقف شامل ودائم للعدوان، انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من قطاع غزة، وضمان حرية دخول المساعدات الإنسانية، فضلًا عن تنفيذ اتفاق لتبادل الأسرى يشمل إطلاق سراح أعداد كبيرة من الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية.
لكن مقترحات حماس هذه لم تجد قبولًا لدى الوسطاء، فقد وصف المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف الرد بأنه "غير مقبول تمامًا"، مشيرًا إلى أن المطالب الفلسطينية الأخيرة تُضعف فرص التوصل إلى اتفاق نهائي. وبهذا الرفض الأمريكي، تتحول ضغوط التفاوض إلى مأزق داخلي لحماس، إذ تواجه الحركة اتهامات في الداخل الفلسطيني بأنها تماطل أو تضع شروطًا غير قابلة للتحقق، بينما يتدهور الوضع الإنساني في غزة بشكل غير مسبوق، وتزداد معاناة السكان العالقين بين الحصار والدمار.
حماس تواجه ضغوطًا من الولايات المتحدة، الحليف الأقوى لإسرائيل، بمطالبتها بحلول غير متوازنة، مثل إطلاق سراح أسرى إسرائيليين دون ضمانات مماثلة للأسرى الفلسطينيين، أو وقف إطلاق النار دون ضمانات بإنهاء العدوان على غزة. والدور الأمريكي يتجاوز الضغط الدبلوماسي إلى التهديد المباشر، كما حدث عندما هددت واشنطن باستخدام الفيتو ضد أي قرار دولي يدين إسرائيل، أو عندما زودتها بالأسلحة التي تُستخدم في مجازر غزة. بذلك، تصبح حماس أمام خيارين: إما الاستسلام للشروط الأمريكية-الإسرائيلية، أو تحمل تبعات الرفض، والتي غالبًا ما تكون حربًا إعلامية وسياسية وعسكرية شرسة.
وبالإضافة لضغوط وتهديدات واشنطن، فإن حماس تواجه ضغوطًا من قبل "الوسطاء" العرب بشكل مباشر أو غير مباشر للقبول بمقترح ويتكوف للهدنة وغيره من المقترحات السابقة، ما يضعها في مأزق استراتيجي صعب. ففي كل جولة مفاوضات، تظهر أصوات عربية تتبنى الرواية الإسرائيلية، سواء عبر المطالبة بوقف القتال دون ضمانات لإنهاء الاحتلال، أو عبر الترويج لصفقات تبادل أسرى غير متكافئة. بل وتذهب أطراف عربية إلى حد تبرير العدوان الإسرائيلي أو الصمت عليه، بينما تضع حماس في موقف المُلام إذا رفضت شروطًا مجحفة.
ما يحدث في غزة اليوم ليس مجرد حرب أخرى، بل مأساة إنسانية وسياسية تكشف محدودية القوة في فرض الاستقرار، وتؤكد أن الطريق إلى الأمن يمر بالعدالة والتسويات الواقعية، لا بالإصرار على الإذلال أو الهيمنة. مأزق حماس هو مأزق من لا يملك سوى المقاومة في وجه حصار خانق، ومأزق إسرائيل هو مأزق من يظن أن التفوق العسكري كافٍ لإخضاع واقع معقد ومتشابك. وبين هذين المأزقين، يضيع السلام، وتضيع معه أرواح لا تُحصى.





شارك برأيك
غزة بين مطرقة إسرائيل وسندان حماس