علاء عاشور
في خضم الدماء والركام المنسكب على أرض غزة، وفي مواجهة آلة حرب لا ترحم، تبرز أسئلة ملحّة لا بد من طرحها بجرأة ومسؤولية. هل يكفي أن نواجه العدوان الإسرائيلي بالشعارات؟ هل يكفي أن نواصل معارك غير متكافئة، نعلم مسبقًا أنها لن تؤدي إلا إلى المزيد من الشهداء والدمار؟
تسريب نادر للزعيم الراحل جمال عبد الناصر، يتحدث فيه عن استحالة الانتصار العسكري على إسرائيل في ظل التفوق الدولي الذي تحظى به، والدعم اللامحدود من الولايات المتحدة، يعيدنا إلى نقطة محورية: هل آن الأوان أن نعيد تقييم أدواتنا في الصراع؟ أن نُخضع خطابنا وممارستنا لمبدأ الواقعية السياسية، لا للأيدولوجيا العابرة للحقائق؟
ما يحدث في غزة من إبادة جماعية هو جريمة بكل المقاييس. لا خلاف في أن إسرائيل تمارس إرهاب دولة منظم، يسعى لمحو الوجود الفلسطيني وتكريس واقع استيطاني توسعي. ولكن في المقابل، من واجبنا أن نمتلك الشجاعة لنسأل: هل المسار الذي تسلكه حركات مثل حماس يخدم القضية الفلسطينية أم يثقلها بمزيد من الجراح؟ هل نملك رفاهية المغامرة عندما يكون الثمن هو دماء الأطفال وأشلاء العائلات؟
الواقعية السياسية لا تعني الاستسلام، بل تعني فهم موازين القوى والعمل ضمنها بذكاء ومرونة. تعني حماية الإنسان قبل الشعار، والبيت قبل المنصة، والحياة قبل الأيديولوجيا.
لقد تحوّلت غزة إلى ساحة اختبار قاسٍ، ليس فقط لاختلال ميزان القوة، بل لاختلال ميزان العقل. وحين تُختزل فلسطين بمشروع أيديولوجي ضيق، فإننا لا ننتصر للقضية، بل نخذلها. الدفاع عن فلسطين لا يكون بالتهور، بل بالاستراتيجية. لا يكون برفع السقف، بل ببناء الأرضية الصلبة التي تقف عليها أي مقاومة حقيقية.
لقد ولى زمن الخطاب الثوري الذي لا يرى الواقع، وجاء زمن البراغماتية التي تبني على الممكن لتصل إلى الأمل. آن الأوان أن تتقدم الحكمة على الحماسة، وأن تتحول المعركة من معركة صدام مباشر، إلى معركة وعي وتخطيط وتراكم سياسي ودبلوماسي وشعبي مدروس.
إن الدم الفلسطيني ليس رخيصًا، وليس مادة للاستهلاك السياسي أو الإعلامي. حان الوقت أن نتجاوز الانقسام، أن نحمي من تبقى، وأن نعطي لقضيتنا فرصة للبقاء... لا أن نُفنيها باسم "المقاومة" وهي تُذبح بلا جدوى.
فلسطين بحاجة إلى صوت العقل أكثر من أي وقت مضى، وإلى قيادة تزن الأمور بموازين الحكمة، لا باندفاع اللحظة.
لقد آن أوان البراغماتية السياسية.. من أجل ما تبقى من الوطن، ومن أجل أن تبقى فلسطين حيّة.





شارك برأيك
"بين الأيدولوجيا والبراغماتية.. آن أوان إنقاذ ما تبقى من فلسطين