كيف يمكن تفسير قرار حكومة نتنياهو بتوسيع الحملة البرية في قطاع غزة في ضوء تعثر المفاوضات الخاصة بصفقة تبادل الأسرى بين حماس وإسرائيل؟ هل تصب هذه الخطوة التصعيدية في خانة الضغط التفاوضي لإجبار حماس على التنازل والقبول بصفقة جزئية تتماشى مع المطالب الإسرائيلية أم أنها تشكل حلقة ضمن استراتيجية إسقاط حماس التي شكلت محور ومدار الحرب المستمرة منذ ما يزيد عن العام ونصف العام؟ وهل يمكن أن تتطور الحملة البرية الواسعة إلى اجتياح شامل لكافة مناطق القطاع؟
ابتداء؛ ينبغي التأكيد على أن فكرة الاجتياح البري الشامل والمتزامن لكافة مناطق قطاع غزة باتت منعزلة ومستبعدة من سياقات التفكير والمخططات العسكرية الإسرائيلية لأسباب تتعلق بكلفتها البشرية العالية التي لا يحتملها الجيش الإسرائيلي بعد ترميم حماس جزء من قوتها العسكرية التي فقدتها قبل صفقة التبادل شهر يناير الماضي، واستحالة الحصول على ضوء أخضر أمريكي لهذه الخطوة التي تقلب الموازين وتعيد خلط الأوراق، وتعني صداماً واسعاً مع البنية السكانية الكثيفة في عمق مناطق القطاع، ما من شأنه تفجير الوضع الإنساني بالكامل، وما يخلفه ذلك من انتقادات دولية صاخبة، بالتوازي مع الانقسامات الحاصلة وتضارب الآراء والمواقف والاتجاهات داخل المؤسستين: السياسية والأمنية داخل إسرائيل تجاه مدى جدوى وفاعلية الاجتياح البري الشامل، والالتزامات الإنسانية المترتبة عليه، فضلاً عن عدم قابلية الاقتصاد الإسرائيلي لهذه الخطوة التي تفضي لاحتلال طويل الأمد يستنزف الميزانية العامة لسنوات قادمة، ويرهق طاقة جنود الاحتياط التي تخبو يوما بعد يوم، والذين يصعب تجنيدهم لفترات زمنية طويلة، بالإضافة إلى عبثية الاجتياح البري الشامل بعد تدمير معظم قوة ومقدرات حماس العسكرية واقتصار الحركة على حرب الاستنزاف القائمة على نصب الأفخاخ والكمائن الميدانية، وعدم امتلاك بديل حاكم لغزة في اليوم التالي للحرب حتى الآن.
ومما يبدو؛ فإن الاتجاه العام داخل القيادتين: السياسية والأمنية في إسرائيل ينحو باتجاه السعي إلى تذويب وإنهاء حماس تدريجياً عبر وسائل الضغط المختلفة، ومن بينها الضغط العسكري الميداني، عبر تصعيد الحملة البرية بشكل منهجي ومدروس، بعيداً عن الانجرار نحو تصعيد واجتياح بري شامل لا تحتمله مفاعيل وظروف اللحظة الراهنة.
في سياقات الخطة الإسرائيلية الجديدة فإن إسرائيل ذاهبة باتجاه تصعيد متوسط المدى ومفتوح زمنياً يعتمد على توسيع التوغل البري في مناطق محددة لإحكام الضغط على حماس، وبالتحديد المناطق الشمالية والشرقية للقطاع في بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا وأحياء التفاح والشجاعية والزيتون وشرق محافظتي: الوسطى وخانيونس، بالإضافة إلى رفح التي تخضع كليا للاجتياح البري الإسرائيلي الواسع، بحيث يقيم الجيش الإسرائيلي حزاماً أمنياً على طول الحدود الشرقية للقطاع، بدءاً من شارع صلاح الدين وحتى الحدود الإسرائيلية مع قطاع غزة، مع اقتطاع شمال القطاع حتى نهاية جباليا عند دوار أبو شرخ ودوار التوام، ما يعني أن الحزام الأمني الإسرائيلي سيقتطع أجزاء كبيرة للغاية من قطاع غزة.
وهكذا تتشكل الصورة الميدانية في عموم القطاع من خلال احتلال محافظة رفح بالكامل والسيطرة على محور موراج بين رفح وخانيونس، مع إعادة السيطرة تماماً على محور نتساريم وسط القطاع، وإقامة حزام أمني كبير يشمل الحدود الشرقية للقطاع، مضافاً إليه محافظة شمال القطاع، بالتوازي مع استمرار القصف الجوي والمدفعي والاغتيالات المركزة التي لم تتوقف طيلة أيام الحرب.
وما يزيد الأمر خطورة أن المناطق القريبة من الحزام الأمني ستشهد نزوحاً سكانياً واسعاً، إذ أنها ستكون تحت السيطرة النارية الإسرائيلية، وهو ما يحشر أهالي القطاع، عملياً، في غرب مدينة غزة، ووسط وغرب محافظتي: الوسطى وخانيونس فقط، مع ما يعنيه ذلك من تكدّس بشري هائل ومعاناة إنسانية لا يمكن احتمالها.
وغنيّ عن القول إن الخطة الإسرائيلية الجديدة ليست سهلة المنال؛ إذ يدرك القادة العسكريون على وجه الخصوص أن التوغل في عمق بعض المناطق والأحياء السكنية مثل جباليا والتفاح والدرج يفرض تحديات عملياتية كبيرة في ضوء متانة البنيان العسكري لحماس فيها قياساً بالمناطق الأخرى، ويجعل المهمة الإسرائيلية لإنجاز الأهداف العسكرية المتوخاة من وراء هذه الحملة شاقة وعسيرة، ودونها الكثير من الدماء والأشلاء والدمار.
وبالنظر إلى المتاعب المتفاقمة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي في مناطق واقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة مثل رفح وبيت حانون، والأفخاخ والكمائن التي ينصبها مقاتلو حماس للقوات الإسرائيلية هناك؛ بالإضافة إلى شراسة المقاومة في شرق حيّي: الشجاعية والتفاح حاليا، فإن ذلك من شأنه أن يمنحنا صورة أدق وأكثر اتساعاً حول ما ينتظر الجيش الإسرائيلي في مناطق التوغل الجديدة من متاعب وتحديات.
ومع ذلك؛ تراهن القيادتان: السياسية والعسكرية في إسرائيل على ما يمكن أن يُلحقه الضغط العسكري الميداني على حماس من آثار مباشرة على صنّاع القرار في قيادة حماس، وهم يرون بأمّ أعينهم تزايد وتيرة الألم والبؤس والمعاناة لأهالي غزة، والانهيارات المتلاحقة التي تطال كافة القطاعات الإنسانية داخل القطاع، لجهة النزول عن الشجرة والقبول بالمقترحات التي تلبي الشروط والمطالب الإسرائيلية.
إن النقطة الأهم في سياق تحليل وقراءة الخطة العسكرية الإسرائيلية تكمن في أن وسائل الضغط التفاوضي المتوشّحة بقهر الميدان وأدواته الدموية العنيفة، تحمل في طياتها استراتيجية ثابتة لإسقاط حماس عبر آليات تذويب وإنهاء منهجية، وتعمل بشكل تدريجي، وتراهن على البعد الزمني لإنهاك ما تبقى من حماس وإسقاط مشروعها تماماً من الحلبة السياسية والميدانية.
ومن دون شك، فإن إسرائيل الرسمية لم تعد تكتفي بإسقاط حكم حماس التي أبدت استعدادها للتخلي عنه طواعية لصالح لجنة "تكنوقراط" مستقلة كما كانت تأمل في أشهر الحرب الأولى؛ بل إن الإنجازات العسكرية التكتيكية التي حققتها على مدار أشهر الحرب الطويلة أغرتها بالمضيّ حتى النهاية بهدف إسقاط مشروع حماس، سياسياً وعسكرياً واجتماعياً، عبر إجبارها على الرضوخ للاشتراطات والمطالب الإسرائيلية التي تعني بوضوح ومن دون أدنى مواربة: إعلان الاستسلام.
ثمة وضوح كامل في ملامح وتجليات الرؤية الإسرائيلية الرسمية تجاه غزة ومستقبلها، وليس صحيحاً أن حكومة نتنياهو لا تملك رؤية استراتيجية عامة تطاول حاضر ومستقبل القطاع؛ إذ أن أهدافها مركبة ومعقدة وتستحثّ تطبيقها والخوض في حيثياتها وتفاصيلها على نار هادئة وتسلسل متدرج رغم ما يعتريها من عقبات وتحديات، إلا أنها تواجه مشكلة بنيوية وسياسية تتعلق بالبديل الحاكم لحماس في اليوم التالي للحرب، فهي لا زالت على إصرارها بنفي واستبعاد السلطة الفلسطينية من مشهد الحكم والإدارة لأسباب سياسية واستراتيجية، لكنها لن تجد بُدّا من التعاطي معها والقبول بحكمها، بوصفها الأخبر والأقدر على إدارة غزة، ولو بعد حين.
ويبقى، أخيراً، أن مصير هذه الخطة يبقى منوطاً ومرتبطاً، بشكل عكسي، بمصير مفاوضات صفقة التبادل خلال الأيام القادمة؛ إذ أن نجاح الصفقة، أياً كان مضمونها، يعني تأجيلاً أو ربما إحباطاً وإنهاء تاماً لهذه الخطوة، فيما يفضي انهيار المفاوضات إلى الشروع في إجراءات ومراحل التنفيذ التي ستمتد أسابيع وشهوراً طويلة قادمة، وستترتب عليها حقائق جغرافية ووقائع على الأرض قد يصعب تجاوزها بسهولة ضمن أي اتفاقات أو صفقات مستقبلية.





شارك برأيك
توسيع الحملة البرية على غزة.. ضغط تفاوضي أم استراتيجية إسقاط لحماس؟