"ليست البطولةُ دائماً في المهاجمة، بل قد تكون كذلك في الصبر والثبات، وليست الشجاعة دائماً في محاربة العدو الظاهريّ فحسب، بل إنما هي أيضاً -وعلى الأخص- محاربة العدو الباطنيّ، أي أنْ يُحارب المرء في نفسه اليأس والفتور وحبّ الراحة"، كما قال المفكر القوميّ الراحل ميشيل عفلق.
بانطفاء نار المحرقة، أو بإبقاء وميضها خافتاً تحت رماد المجمرة، يبدأ الجهاد الأكبر، الذي هو التحدي الأعظم لمن يتنافسون على فرض السيادة على الأطلال، في الجنوب وفي الشمال، وفي كل مكانٍ من القطاع المقطّع الأوصال، المثخن بالجراح، والمثقل بالأحزان.
يعود الناس بلهفة العاشقين إلى المنازل المهدّمة، وأنصاف البيوت المعلّقة، يبحثون بين الركام عن الذكريات، وعن أشلاء الأحبة، الذين قضوا على أسِرّتهم وهم بملابس النوم، لعلهم يستمعون إلى صدى أصواتهم، وآخر ابتهالاتهم واستغاثاتهم، قبل أن يلفظوا أنفاسهم.
يعود النازحون خِفافاً وثِقالاً، مشاةً وركباناً، يحملون أوجاعهم وأحزانهم، وأحلامهم وأفراحهم وأتراحهم، يستعيدون خوفهم وإرعابهم اللذين لن يبرحا ذاكرتهم.
يفرح العائدون، وقلوبنا تفرح معهم، بيد أنه سرعان ما يستحيل فرحُهم آهاتٍ بعد لحظات، في لجّة البحث عن البيت الذي صار أثراً بعد عين.
إنه الجهاد الأكبر الذي تتغلب فيه النفوس على نوازعها، وتُصلح القلوبُ ما شجرَ بينها، وتحزم أمرها، بعد أن أصبح العدو أمامنا، والبحر خلفنا، وترمب يتوعّدنا بعد أن ارتدّ دعاؤنا عليه "يخرب بيتك" بضربةٍ مرتدةٍ علينا، ليُخرب بيوتنا، ويُشتّت جَمعنا، بعد أن اختصَمَنا ووعدَنا بترفيهنا؛ بإرسالنا مؤقتاً بعيداً عن أرضنا، حتى ينتهي من إعادة إعمار بيوتنا التي دمّرها على رؤوسنا، فرجل العقارات وأبو الصفقات يضرب من جديد.
اربطوا الأحزمة...





شارك برأيك
الجهاد الأكبر!