Tue 07 Jul 2026 10:05 am - Jerusalem Time

حين يصبح الفرح نادرًا... تبحث الأمة عنه في المدرجات


ليس عيبًا أن تفرح الشعوب بانتصار رياضي، ولا أن تخرج إلى الشوارع احتفاءً بفوز منتخبها الوطني أو ناديها المفضل. فالرياضة لغة إنسانية جامعة، تصنع البهجة، وتعزز الانتماء، وتغرس روح المنافسة والعمل الجماعي. لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: لماذا تتحول مباراة كرة قدم في بعض المجتمعات إلى حدث وطني استثنائي، بينما تمر الإنجازات العلمية والاقتصادية والثقافية بصمت، أو لا تكون موجودة أصلًا؟
حين تضيق مساحات الأمل، يصبح الناس أكثر تعلقًا بأي لحظة فرح، مهما كانت عابرة. فالمواطن الذي أثقلته الأزمات، وأرهقته الحروب، وخذلته السياسة، وضاقت به سبل العيش، لا يبحث عن بطولة رياضية فحسب، بل يبحث عن انتصار يعيد إليه شيئًا من ثقته بنفسه، ويمنحه إحساسًا بأن أمته لا تزال قادرة على الفوز في ميدان من الميادين.
من هنا، لا ينبغي أن ننظر إلى الاحتفال بكرة القدم باستخفاف، ولا أن نسخر من مشاعر الجماهير. فالفرح حاجة إنسانية، وربما يكون في بعض الأحيان وسيلة للمقاومة النفسية في مواجهة الإحباط واليأس. لكن في المقابل، لا يجوز أن تتحول الرياضة إلى البديل الوحيد عن الإنجاز الحقيقي، أو إلى ستار يحجب الأسئلة الكبرى المتعلقة بالتنمية والحرية والعدالة والتعليم والبحث العلمي.
إن الأمم التي تتصدر العالم في الرياضة، هي في الغالب أمم تتصدره أيضًا في جودة التعليم، وقوة الاقتصاد، واحترام القانون، ورعاية الإنسان. فالإنجاز الرياضي ليس معجزة منفصلة عن بقية عناصر القوة، بل هو ثمرة منظومة متكاملة تؤمن بالعمل والانضباط والاستثمار في الإنسان.
أما حين يصبح الفوز في مباراة هو الإنجاز الوحيد الذي يجمع الناس، فذلك يكشف عن خلل أعمق من نتيجة مباراة، ويطرح سؤالًا مؤلمًا: أين بقية ميادين التفوق؟
لسنا بحاجة إلى التقليل من شأن الرياضة، بل إلى توسيع مفهوم الانتصار.
نريد أن نفرح باكتشاف علمي كما نفرح بهدف جميل، وأن نحتفي بجامعة تدخل قائمة الجامعات المرموقة كما نحتفي بكأس يرفعها لاعب، وأن يكون نجاح مصنع، أو مشروع وطني، أو مبادرة شبابية، سببًا للفخر العام كما هو الفوز في المستطيل الأخضر.
فالرياضة ينبغي أن تكون مرآة لنهضة المجتمع، لا تعويضًا عن غيابها.
وعندما تصبح الملاعب امتدادًا لنجاحات تتحقق في المدارس والجامعات والمختبرات والمصانع ومؤسسات الدولة، فإن الفرح الرياضي يكتسب معنى أعمق، لأنه يكون انعكاسًا لقوة الأمة، لا محاولة للهروب من واقعها.
إن الشعوب لا تعيش بالخبز وحده، ولا بالكرة وحدها، بل بالأمل أيضًا.
والأمل الحقيقي لا يُصنع في تسعين دقيقة، بل يُبنى عبر سنوات من العمل، والإصلاح، والعدالة، والاستثمار في الإنسان.
 وعندها، لن يكون الفرح نادرًا يبحث عنه الناس في المدرجات، بل سيصبح رفيقًا دائمًا لمسيرة أمة تعرف كيف تصنع انتصاراتها في كل الميادين.

Tags

Share your opinion

حين يصبح الفرح نادرًا... تبحث الأمة عنه في المدرجات

Newsletter

Be the first to know the most important breaking news as it happens.

Stay up to date with the latest news. Subscribe to our breaking news service delivered to your inbox daily.

By subscribing, you agree to our Terms and Conditions and Privacy Policy.