فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:40 صباحًا - بتوقيت القدس

النضال الشعبي : تدين ابعاد الاحتلال الاب لويس سليمان الى الاردن

 اعتبرت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني ابعاد قوات الاحتلال الفاشية ورفض تجديد اقامة الاب لويس سلمان راعي كنيسة اللاتين في بيت ساحور الى الاردن، يأتي في اطار الحرب المفتوحة ضد ابناء شعبنا وخصوصا بحملة منظمة ضد رجال الدين المسيحيين والاسلاميين.

وقال عضو الممتب السياسي للجبهة سكرتير دائرة الاعلام هذا الاجراء تصعيد خطير ويتم بقرار سياسي من حكومة الاحتلال ورسالة واضحة تطال الوجود المسيحي الفلسطيني وفي اطار الحد من الدور الوطني الذي تلعبه الكنائس الفلسطينية في الحفاظ على الهوية الوطنية.

وتابع شيلو تكرار الاعتداءات على رجال الدين المسيحيين بدأت تأخذ شكلا منظما .

مطالبا  روؤساء وبطاركة الكنائس في العالم، بأن تتخذ دورها بالضغط على حكوماتها ومطالبتها بمحاسبة الاحتلال على هذه الاعتداءات  والقرارات العنصرية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:39 صباحًا - بتوقيت القدس

هل ينطلي خداع نتنياهو الثاني على ترمب؟؟



ما أن أعلن الرئيس الأمريكي دولاند ترمب عن رفضه لما جاء في الرد الإيراني الذي تسلمه عبر الوسيط الباكستاني، حتى قطع  رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مشاركته في مؤتمر في منطقة البحر الميت، وعاد على عجل الى تل أبيب لإجراء مكالمة هاتفية مع الرئيس الأمريكي، وقد جرت المكالمة مساء الأحد بالتوقيت المحلي لفلسطين، ولم يرشح عن فحواها عبر الاعلام أي شيء، ولا نتائجها، لكن يمكن استشراف فحوى هذه المكالمة بشكل عام بناء على تحديد المواقف والتصريحات السابقة لكلا الرئيسين الأمريكي والإسرائيلي فيما يخص التحرك بعد رفض ترمب للرد الإيراني، والذي تُبيّن المؤشرات انه يسير باتجاه سلبي تصعيدي فيما يخص أزمة المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة اخرى، لذلك لا بد من الاستدلال على  فحوى المكالمة او توقعها من خلال مواقف سابقة وحديثة من أقول وتصريحات كل من ترمب ونتنياهو، وسير الاحداث واتجاهاتها من خلال هذه النقاط:
أولا : الموضوع هو إيران التي أفسد صمودها في حرب الأربعين يوما لغاية الان تحقيق أي هدف من اهداف أمريكا وإسرائيل من هذه الحرب، فذهب ترمب لوقف النار عله يحقق بالدبلوماسية وبالضغط الاقتصادي ما لم يستطع تحقيقه بالحرب، اما إسرائيل، فشهيتها لاستمرار القتال كبيرة، وذلك لأجل تحقيق مطالبها العالية والتي تتباين الى حد ما مع المطالب الامريكية، هذه الشهية التي يلجمها الان وقف النار.
ثانيا: قبل اندلاع الجولة الجديدة من الحرب في نهاية شباط الماضي زار نتنياهو واشنطن مصطحبا معه مساعدين ومسؤولين كثر على رأسهم رئيس الموساد "دافيد برنيع" لكي يقنع الرئيس الأمريكي وادارته ان إسقاط النظام في إيران ممكن خلال أيام، لكن هذه " الخديعة " الأولى ثبت فشلها، الامر ازعج ترمب وأحرج نتنياهو وجعله ينتقد تقييم رئيس الموساد.
ثالثا: حاول نتنياهو في الفترة الأخيرة وعبر تواصله الهاتفي شبه اليومي مع الرئيس ترمب إيجاد حل لأكبر معضلة يواجهها الرئيس الأمريكي في التفاوض مع إيران وهي الحصول على اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، ليكون عنوان صورة الانتصار التي يبحث عنها بشغف، نتنياهو قدم للرئيس الأمريكي خططا بهذا الشأن، وقال له "ان هناك خططا نستطيع من خلالها انتزاع اليورانيوم المخصب من قلب إيران بالقوة التي تتطلب النزول على الأرض، وان هذه الخطط تملك نسبة عالية من النجاح."
باعتقادي ان البند الثالث مبنيّ على معلومات استخبارية مصدرها الموساد الذي يبني نتنياهو قراراته عليها، ولكن شهية ترمب لتحقيق هدف الحصول على اليورانيوم المخصب بنسبة 60% أولوية تزاحم برنامجه وانشغاله وحيرته التي تصطدم بقوانين الكونغرس والانتخابات التكميلية القادمة في تشرين ثاني، ومدى سرعة رغبته في تحقيق انجاز في الملف الإيراني لينتقل في مشروعه الاوسع نحو كوبا واماكن أخرى من العالم، قبل ان تحل شمس غروب بقائه في البيت الأبيض في خريف العام 2028، والسؤال هنا هل يقتنع ترمب بخطط نتنياهو ويعمل من خلالها على انتزاع اكثر مطالبة فيما يخص الازمة مع إيران وهو اليورانيوم المخصب بنسبة 60%؟؟، ام يتردد مستحضرا " الخديعة " الأولى التي قدمها رئيس الموساد له سابقا والتي تخص اسقاط النظام في طهران خلال أيام؟؟
الجواب برأيي يكمن في أن ترمب متعجل بخصوص الملف الإيراني، ويعتقد انه طال ويجب حسمه سريعا، ويجب أن لا يمسك زمامه المفاوض الإيراني بأخذه الى مربع طول النفس، وهو يسعى بين الفينة والأخرى لممارسة الضغط العسكري "المنضبط" الى حد ما في سعيه للضغط على الإيرانيين لعلهم يستجيبوا لمطالبه وينهي هذا الملف بإعلان انتصار كبير، لذلك وامام الرفض الإيراني لمطالبه المبالغ فيها كما يقول الإيرانيون والتي تمس السيادة الإيرانية، فلربما يسمح لإسرائيل وربما يساهم معها في اللجوء للخدعة الثانية ويجربها بالرغم من تردده بشأنها، لكن فشل هذه الخدعة سيكون له اثر سلبي على علاقات البلدين التي وصلت في عهد ترمب للوقوف ميدانيا كتفا بكتف في ميدان الحروب بشكل مباشر وحثيث، مع الإشارة لأمر هام وهو ان كان هذا جوهر المكالمة التي جرت، فلن يكون التنفيذ قبل عودة ترمب من زيارته للصين التي ستبدأ، الخامس عشر من الجاري.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:38 صباحًا - بتوقيت القدس

أفيون وسائل التواصل الاجتماعي.. حين تُختطف الأسرة بصمت


أحدث التقدم التكنولوجي ثورة هائلة في عالم التواصل الإنساني، حتى بدا العالم وكأنه قرية صغيرة تتداخل فيها الأصوات والصور والأفكار عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وواتساب وتلغرام وتيك توك وغيرها من المنصات التي غزت تفاصيل حياتنا اليومية.
لكن خلف هذا التقدم اللامع، تتسلل أزمة اجتماعية صامتة تنخر في جسد الأسرة العربية، وتُحدث شرخًا عاطفيًا وإنسانيًا عميقًا.
في المساء، تجتمع الأسرة في مكان واحد، لكن الأرواح متباعدة. الأب منشغل في هاتفه، والأم غارقة في مجموعات المحادثة، والأبناء أسرى الشاشات الزرقاء، وكأن كل فرد يعيش داخل جزيرته الإلكترونية الخاصة. يسود الصمت، وتختفي جلسات السمر والدفء العائلي التي كانت تُحيي البيوت بالمحبة والحوار والضحكات.
لقد تحوّل الإنسان تدريجيًا إلى كائن منعزل داخل آلة إلكترونية، يعيش في عالم افتراضي واسع، لكنه فقير عاطفيًا. ومع الوقت، لم تعد وسائل التواصل مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت لدى كثيرين نوعًا من “الأفيون الرقمي” الذي يُخدّر المشاعر ويستنزف الوقت ويُضعف الروابط الأسرية والاجتماعية.
ومن المفارقات اللافتة أن كثيرًا من روّاد التكنولوجيا وصُنّاع المنصات الرقمية يدركون خطورة الإدمان الإلكتروني على الإنسان والأسرة، لذلك يحاولون الحفاظ على التوازن بين العالم الرقمي والحياة الواقعية، عبر القراءة والرياضة وقضاء الوقت مع العائلة، بينما يغرق ملايين البشر في عزلة الشاشات حتى بات الهاتف شريكهم الأقرب.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل ما زالت وسائل التواصل الاجتماعي تخدم الترابط الأسري، أم أنها أصبحت أداة لتفكيكه بصمت؟
لا يمكن إنكار أن هذه الوسائل سلاح ذو حدين؛ فهي مساحة للمعرفة والتقارب وتبادل الخبرات، لكنها في المقابل قد تتحول إلى مستنقع للعزلة والإدمان وضياع القيم إذا أسيء استخدامها. إنها أشبه بمائدة مفتوحة يختار الإنسان منها ما يشاء، أو بحديقة ثمار قد يقطف منها ثمرة نافعة أو أخرى مُرّة كالعلقم.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه المنصات باتت تُتقن توجيه العقول عبر سيل متواصل من المحتوى الذي يُعيد تشكيل الوعي والسلوك، ويُغرق الإنسان في دوامة الاستهلاك والتشتت والانفعال. فبدل أن تُستخدم التكنولوجيا لخدمة الإنسان، أصبح الإنسان في أحيان كثيرة خادمًا لها.
إن مواجهة هذا الخطر لا تكون برفض التكنولوجيا، بل بإعادة ضبط علاقتنا بها، واستعادة دفء الأسرة، وإحياء ثقافة الحوار، ومنح الوقت الحقيقي لمن نحب. فالمجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء حين تختفي العلاقات الإنسانية الحقيقية خلف الشاشات الباردة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:38 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال وهيمنة القوة المطلقة


القضية الفلسطينية تقف أمام مرحلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، في ظل التصعيد في المنطقة، وتداعيات الحرب على إيران ولبنان وغزة، وما يجري لا يمكن فصله عن محاولة أميركيةـ إسرائيلية لإعادة فرض الهيمنة على المنطقة عبر القوة.
يشكل اقتحام المستعمرين، وعلى رأسهم الوزير المتطرف ايتمار بن غفير، باحات المسجد الأقصى المبارك وأداء صلوات تلمودية فيه تحت حماية قوات الاحتلال، يشكل انتهاكا صارخا للوضع التاريخي والقانوني القائم، وتدنيسا لحرمته، وتصعيدًا خطيرًا واستفزازًا مرفوضًا، وأن هذه الاستفزازات تأتي في إطار سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى، بما في ذلك محاولات تقسيمه زمانيًا ومكانيًا .
استمرار هذه الانتهاكات بحق المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، يشكل خطورة بالغة لما لها من تداعيات كبيرة على الأمن والاستقرار في المنطقة، أنه لا سيادة للاحتلال الإسرائيلي على مدينة القدس ومقدساتها، مؤكدة أن المسجد الأقصى المبارك بكامل مساحته البالغة 144 دونمًا هو مكان عبادة خالص للمسلمين، ولا بد من المجتمع الدولي تحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، واتخاذ موقف حازم يلزم إسرائيل بوقف جميع انتهاكاتها وإجراءاتها الأحادية، سواء في القدس أو في باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة.
استمرار التصعيد الإسرائيلي الخطير في الضفة الغربية، بما فيها القدس، نتيجة سياسات التوسع الاستعماري، ومحاولات الضم، وتصاعد إرهاب المستعمرين، واستمرار حجز الأموال الفلسطينية لدى إسرائيل بما في ذلك الانتهاكات المتواصلة التي تتعرض لها المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، وإعاقة وصول المصلين إليها، مما يتطلب ضرورة الحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي لهذه المقدسات في القدس، مثمنين الدور الذي تضطلع به الوصاية الهاشمية.
ويشكل العدوان على الشعب الفلسطيني من قبل حكومة الاحتلال المتطرفة شكلا من أشكال الإبادة الجماعية كأداة لحسم الصراع وفرض الهيمنة حيث يتعامل يستهدف الاحتلال المدنيين مستخدما القوة الغاشمة لتحقيق أهداف سياسية من خلال توسيع الاستيطان والتطهير العرقي في الضفة الغربية، ومواصلة الضغط العسكري على غزة.
لا بد من الالتزام بتنفيذ خطة الرئيس ترمب، وقرار مجلس الأمن رقم 2803، بما يفضي إلى الانتقال إلى تثبيت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات والانتقال إلى المرحلة الثانية، وبدء مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، وصولًا إلى تنفيذ حل الدولتين المستند إلى قرارات الشرعية الدولية وأهمية تفعيل مكتب التنسيق بين الحكومة الفلسطينية والهيئات التنفيذية لمجلس السلام.
ويجب الحرص على وحدة الأرض الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ورفض أي محاولات لفصل القطاع، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من دولة فلسطين، وأهمية الالتزام بمبدأ "دولة واحدة، وقانون واحد، وسلاح شرعي واحد"، وتعزيز ربط المؤسسات الفلسطينية تحت مظلة الحكومة الفلسطينية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:36 صباحًا - بتوقيت القدس

وقفة مع قرار إلغاء تمديد العام الدراسي... وأين ذهبنا بالفاقد التعليمي؟


في الوقت الذي كانت فيه الأسرة التعليمية تنتظر خطوات عملية وجادة لمعالجة الفاقد التعليمي الذي تراكم خلال السنوات الأخيرة، جاء قرار إلغاء تمديد العام الدراسي ليعيد إلى الواجهة تساؤلات مشروعة حول مصير الخطط التي طالما تحدثت عن تعويض الطلبة عمّا فاتهم من مهارات ومعارف أساسية، خصوصًا في ظل الظروف الاستثنائية التي مر بها التعليم في فلسطين والمنطقة عمومًا.
لا أحد ينكر حجم الضغوط التي تواجهها وزارة التربية والتعليم، سواء على المستوى الإداري أو المالي أو حتى النفسي، كما لا يمكن تجاهل حالة الإرهاق التي يعيشها الطلبة والمعلمون والأهالي بعد سنوات متلاحقة من الأزمات والتغييرات في النظام التعليمي. لكن في المقابل، فإن الحديث عن "الفاقد التعليمي" لا يجوز أن يبقى مجرد شعار موسمي يظهر في البيانات والتصريحات ثم يختفي عند أول اختبار حقيقي للقرارات التربوية.
لقد أثبتت التجارب التربوية الحديثة أن الفاقد التعليمي ليس قضية مرتبطة بعدد أيام الدوام فقط، بل هو مشكلة تراكمية تمس جودة التعليم ومخرجاته، وتمتد آثارها إلى سنوات طويلة قادمة. فهناك طلبة انتقلوا من صف إلى آخر وهم يفتقدون مهارات أساسية في القراءة والكتابة والحساب، وهناك فجوات واضحة في التحصيل العلمي لا يمكن تجاوزها بالحلول الشكلية أو بالاختصار الزمني للمساقات الدراسية.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: لماذا أُلغي تمديد العام الدراسي؟ بل: ما هي البدائل الحقيقية التي أُعدّت لتعويض الطلبة؟ وهل توجد خطط واضحة ومعلنة لمعالجة الفاقد التعليمي بصورة عملية ومدروسة؟ أم أننا سنواصل ترحيل المشكلة من عام إلى آخر حتى تتحول إلى أزمة بنيوية يصعب علاجها مستقبلًا؟
وفي خضم هذا النقاش، لا بد من التوقف أيضًا عند واقع المعلم الفلسطيني، الذي أصبح يحمل فوق أكتافه أعباءً تفوق قدرته على الاحتمال. فمن غير المنطقي الحديث عن خطط إنقاذ تعليمية أو معالجة للفاقد التعليمي في وقت يعاني فيه المعلم منذ سنوات من عدم انتظام صرف راتبه كاملًا أسوة بباقي الموظفين، حتى بات كثير من المعلمين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية أو حتى الوصول إلى مدارسهم بسبب تكاليف المواصلات والظروف الاقتصادية الصعبة.
إن المعلم الذي يعيش القلق المعيشي اليومي، ويضطر للاستدانة أو البحث عن عمل إضافي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات أسرته، لا يمكن تحميله وحده مسؤولية تراجع العملية التعليمية أو ضعف المخرجات. فنجاح أي خطة تربوية يبدأ أولًا من حماية كرامة المعلم وتوفير حياة مستقرة له، لأنه الركيزة الأساسية في بناء الأجيال وصناعة الوعي.
كما أن كثرة القرارات المتغيرة تربك المشهد التربوي وتضعف ثقة المجتمع بالمنظومة التعليمية، خاصة عندما يشعر الطلبة والأهالي والمعلمون بأن القرارات تصدر دون وضوح كافٍ في الأهداف أو البدائل. فالتعليم قضية وطنية لا تحتمل الحلول المؤقتة أو المعالجات السريعة، بل تحتاج إلى رؤية متكاملة تراعي مصلحة الطالب وتحفظ كرامة المعلم في الوقت ذاته.
إن معالجة الفاقد التعليمي لا تكون فقط بإطالة العام الدراسي أو تقليصه، وإنما من خلال بناء بيئة تعليمية مستقرة، تبدأ بمعلم قادر نفسيًا ومعيشيًا على أداء رسالته، وتمر بمناهج مرنة وخطط علاجية حقيقية، وتنتهي بطالب يمتلك المهارة والمعرفة والقدرة على التفكير.
وفي النهاية، فإن النقاش الحقيقي اليوم يجب أن يتجاوز قرار التمديد أو إلغائه، إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نحمي مستقبل التعليم في ظل هذا الواقع الصعب؟ وكيف نطالب المعلم بمزيد من العطاء بينما ما زال ينتظر حقه الأساسي في راتب يضمن له حياة كريمة؟
فالتعليم لا يُبنى بالقرارات وحدها، بل بالاستقرار، والعدالة، والشعور بأن من يحمل رسالة التعليم لم يُترك وحيدًا في مواجهة الأزمات.


أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:35 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين في دائرة النكبة: زمن لم يتقدم بل يتكرر



في ذكرى النكبة لا يبدو التاريخ حدثاً يعود إلى الوراء بقدر ما يبدو جرحاً مفتوحاً يعيد تعريف الحاضر كل يوم، فـ“النكبة” لم تعد مجرد لحظة مفصلية في عام 1948، حين جرى اقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين وتدمير مئات القرى وإعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة، بل تحولت إلى بنية ممتدة من الفعل الاستعماري المستمر الذي يعيد إنتاج نفسه بأدوات مختلفة، لكن بالهدف ذاته: إعادة هندسة المكان والإنسان والذاكرة.
إن قراءة النكبة اليوم لا يمكن أن تنفصل عن مفهوم “النكبة المستمرة”، حيث لم يتوقف الفعل التأسيسي الأول عند حدود التاريخ، بل امتد في مسار طويل من الاستيطان ومصادرة الأرض، وتفكيك البنية الاجتماعية الفلسطينية، وإعادة تشكيل المجال الجغرافي بما يخدم مشروعاً إحلالياً يقوم على الإقصاء لا الشراكة، وعلى الإلغاء لا التعايش، وما يجري في الضفة الغربية من توسع استيطاني، وعزل للمدن والقرى، وبناء منظومات فصل جغرافي وبشري، ليس سوى امتداد مباشر لذلك المسار الذي بدأ مع النكبة الأولى، وإن اختلفت أدواته ووسائله.
لكن الأخطر في هذا الامتداد التاريخي هو ما نشهده اليوم في قطاع غزة، حيث تتخذ النكبة شكلاً أكثر كثافة ووضوحاً في عنفها، فالحصار الطويل، والحروب المتكررة، وتدمير البنى التحتية، واستهداف مقومات الحياة الأساسية، لا يمكن قراءتها كأحداث منفصلة أو صراعات عسكرية تقليدية، بل كجزء من منطق أوسع يسعى إلى دفع الإنسان الفلسطيني نحو حافة الوجود نفسه، إن ما يحدث هناك لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستهدف إمكانية البقاء عليها.
في هذا السياق، تعود الذاكرة إلى ما قبل عام 1948، حين كانت العصابات الصهيونية تمارس سياسات الترهيب والهجوم على القرى، وخلق بيئة من الخوف والنزوح القسري، في سياق تمهيدي لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، واليوم رغم تغير السياقات السياسية والعسكرية، فإن البنية العميقة للفعل لم تتغير كثيراً؛ إذ تتكرر أنماط الاعتداء على القرى والمنازل في الضفة الغربية،  وإحراق الممتلكات، وفرض الوقائع بالقوة، ولكن هذه المرة عبر منظومة أكثر تعقيداً تشمل جيشاً واستيطاناً منظماً ودعماً سياسياً دولياً واسعاً.
ومع ذلك، فإن النكبة ليست فقط سردية اقتلاع، بل أيضاً سردية بقاء، فالفلسطيني الذي أُريد له أن يختفي، ظل يعيد إنتاج حضوره في الجغرافيا والذاكرة والديموغرافيا،  لقد تحولت الهوية الفلسطينية إلى فعل مقاومة يومي، لا يتجسد فقط في المواجهة السياسية، بل أيضاً في التمسك بالمكان، وفي إعادة رواية التاريخ من منظور من عاشوه لا من منظور من كتبوه عن بعد.
إن الذاكرة الفلسطينية، بما تحمله من شهادات ووثائق وأدب وتجارب شخصية، لم تكن مجرد أرشيف للماضي، بل أصبحت ساحة صراع حقيقية على المعنى، فمحاولات طمس التاريخ أو إعادة صياغته لم تنجح في إلغاء الرواية الأصلية، بل دفعت الفلسطينيين إلى تعميق حضورها وتوسيعها، لتصبح النكبة ليست حدثاً منتهياً، بل وعياً جماعياً متجدداً.
وفي قلب هذا الوعي، تبرز الديموغرافيا كأحد أكثر أشكال المقاومة صلابة وهدوءاً في آن واحد ، فبالرغم من كل أشكال التهجير والتشتيت، فإن الفلسطينيين اليوم يشكلون شعباً ممتداً في الأرض والشتات، يتزايد عدده ويتعمق حضوره، في مفارقة تاريخية تقف في مواجهة مشروع كان يفترض أن يؤدي إلى محوه، إن استمرار الحياة ذاتها، في ظل هذا السياق، هو شكل من أشكال الفعل السياسي، حتى وإن بدا صامتاً.
إن ذكرى النكبة ليست مجرد استدعاء للماضي، بل هي مواجهة مع الحاضر أيضاً، فالمسافة بين عام 1948 واليوم ليست مسافة زمنية بقدر ما هي مسافة في شكل العنف ودرجة تجليه، وما بين تهجير القرى بالأمس، وقصف المدن وتجويع السكان وتقطيع الجغرافيا اليوم، يتشكل خط واحد ممتد من الفعل، يربط البدايات بالامتدادات دون انقطاع.
لكن رغم كل ذلك، تبقى النكبة أيضاً سؤالاً مفتوحاً عن المستقبل: كيف يمكن لشعب أن يواجه مشروعاً طويل الأمد يسعى إلى إعادة تشكيل وجوده نفسه؟ وكيف تتحول الذاكرة من عبء تاريخي إلى قوة سياسية وأخلاقية قادرة على الاستمرار؟
في ذكرى النكبة، لا يعود السؤال عن الماضي فقط، بل عن معنى الاستمرار في الحاضر، وعن قدرة شعب على أن يبقى شاهداً وفاعلاً في آن واحد، رغم كل محاولات الإلغاء، فالنّكبة في نهاية الأمر، ليست مجرد ذكرى، بل واقع يتجدد، ومقاومة تتجدد معه، ما دام هناك من يصر على أن يروي الحكاية حتى النهاية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

قراءة معاصرة لتجربته بين الموسيقى والتكنولوجيا // ناجي العلي في هيوستن يروي فلسطين الفنّ والمقاومة والإنسان


ناجي العلي تجربة ممتدة في الزمن
بين صدى موسيقى مارسيل خليفة وبلاغة ريشة ناجي العلي، استضافت هيوستن معرضا استعاد أيقونة "حنظلة" برؤية معاصرة، ويمزج بين توثيق الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة واستخدام الذكاء الاصطناعي والتطريز اليدوي لإحياء رموز العلي، مؤكداً أن فنه لم يكن مجرد كاريكاتير، بل صرخة إنسانية عابرة للزمن والحدود.
إحياءً للذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، استضاف مركز "ميدتاون" للفنون والمسرح في مدينة هيوستن الأميركية "MATCH" في الفترة الممتدة من 1 إلى 9 أيار الجاري، معرضاً فنياً بعنوان "ناجي العلي" ضم أعمالاً أيقونية لفنان الكاريكاتير الراحل ناجي العلي، مصحوباً ببرمجة متنوعة جمعت الندوات والحوارات، والعروض الموسيقية الحية، التي كان ضيفها الفنان اللبناني مارسيل خليفة، حيث توازت مع المعرض وقدّمت ناجي العلي في رؤية تاريخية وبتكامل الاستشراف البصري المعاصر.
فقد كان المعرض تكريماً للفنان الصحفي ورسام الكاريكاتير ناجي العلي، مُبدع الشخصية الكاريكاتورية الأشهر عالمياً "حنظلة" التي لا تزال حيّة ومُعبّرة كما رسوم ناجي العلي العميقة ومواقفه التي تعبر زمنها لتعبّر عن الواقع الحالي وهي تعاود ما سردته بصرياً في فترة السبعينات والثمانينات لتحتفظ براهنيتها وأهميتها البالغة حتى يومنا هذا.
ولأنه يعتبر من أهم رسامي الكاريكاتير، وأبرز من عبّروا عن القضية الفلسطينية، نجح ناجي العلي في تجسيد جوهر الشعب الفلسطيني، بصفته الإنسانية، وتحوّله المصيري الخاضع لمنطق التهجير والشتات واللجوء، فكان صدى صوته عابرا للمراحل عبر رسوماته التي وثّقت ببساطة انعكس فيها الصدق والمعايشة ووصلت لعالمية الطرح ونجحت في العبور أبعد نحو كل التفاصيل الإنسانية، فكانت رسائله قوية لم يردعها إلا الموت الذي أسكت ريشة ناجي العلي، لكنه خلّده أيقونة وموقفا وحضورا كثيفا تداوله العالم وآمن بصدق التعبير في كل ماعكس من معاني الصمود والقوة، وفي طريقة معالجة الأحداث والوقائع التي تناولت رسائله الساخرة ومنطق التعبير عن القضايا الجوهرية التي عصفت بالمنطقة، مستشرفا ببراعة مذهلة وقراءة عميقة الأحداث المأساوية التي نشهدها اليوم.
وقد شارك في تأثيث برمجة المعرض الفنان والباحث الدكتور فائق عويس الذي عرف بنظرته الفنية التأملية ومشاريعه البصرية سواء الحروفية أو الجدارية أو في مبادراته الجمالية في جمع التراث الفلسطيني وتأسيس مبادرة "لمسة أمي" التي ركّزت على الحرف اليدوية والتطريز الفلسطيني، وقد قدّم عويس من خلالها محاضرة عن الرموز والشخصيات في رسومات ناجي العلي، استعرض من خلالها مجموعة كبيرة من الرسومات وقام بتحليل الشخصيات فيها مثل الزلمة وفاطمة وحنظلة والرجل الأبله، مع تحليل الرموز التي استخدمها ناجي العلي مثل القيم النبيلة، النضال الفلسطيني، القمع والاحتلال.
كما استخدم الدكتور عويس أدوات الذكاء الاصطناعي لإنشاء فيديو ملون لبعض رسومات ناجي العلي، ومن خلال مبادرته، لمسة أمي، عرض عملين تم تنفيذهما بالتطريز اليدوي الفلسطيني جسّدا "حنظلة" وحاكيا رسومات ناجي العلي.
كما قدّم مارسيل خليفة عرضاً موسيقياً، وألقى كلمة حاكت مسيرة ناجي العلي الصحفية وشخصيته الفنية وحضوره الصادق ومقاومته الملتزمة بقضيته التي صقلت مبادئ خليفة الفنية وكان لها تأثيرها على تشكيل معنى الفن لديه "ناجي العلي دهشتنا الصباحية. كنّا نقرأ السفير من الصفحة الأخيرة حيث كان يوقّع ناجي العلي بوضوح ساطع ركنه بالأبيض والأسود، ناجي الذي يغنيك عن الجريدة ويغني الجريدة عن الكتابة، في كل يوم كان يستأنف الرحيل الشاق نحو البحث عن نقطة ضوء لبداية تتجدّد".
وعن التشابه الحسي والموقف البصري بين ناجي العلي وحنظلة قال خليفة "أيها الطفل الجميل يا حنظلة، هل رأيت قمرا ناصع البياض يرشدنا إلى طريق الوطن المسبي، ناجي يخفي دائما وجهه كطفله حنظلة، حنظلة يشبه ناجي رغم غياب ملامحه أثناء مشيته مغرقا رأسه بين كتفيه. بقي ناجي ذلك الصبي الفلسطيني شغّيل الليمون في بساتين صيدا، عذابات شكلّت ذاته ووجدانه، لهجته الفلسطينية بقيت كما هي لم تتلوّن بالحياة في لبنان، براءته تعبّر عن نفسها، مرئي واضح وشائع، قدرته الهائلة على التقاط المفارقات اللماحة، أنقذني ناجي العلي من عبثية ‘سقوط القمر’ حين صدحت "في البال أغنية" والتي كان يحبها وهو فاقد وعيه بعد إطلاق النار عليه في مدينة الضباب، كان يتحسّس ذلك بوعي داخلي عميق، أوليس في هذه الطاقة المتحولّة ما يزودنا بالطاقة ؟! يبعد عنا حاجز السقوط لأن، هناك من ينتظرنا ويشعرنا بهذه الضرورة، وطنك يا ناجي مساحة روحية لا يقتلها الرصاص".

المشي نحو الخلود
في طرحه التوثيقي الفني والبصري العميق تعمّق الدكتور الفنان فائق عويس في شخصية ناجي العلي الفلسطيني المعايش لفلسطينيته ولرسوماته وشخصياته التي ولّدها من غبار التشريد فكان الأصدق والأبلغ والحقيقي الذي لم يقهره الخوف ولم يتراجع عن صدقه، أشار عويس إلى أن ما ميّز ناجي العلي هو أنه لم يُحوّل فلسطين إلى صورة رومانسية للحنين، بل جرّدها من البلاغة السهلة، وتركها عارية أمام العالم، جائعة، مطعونة، ومخذولة صورتها التي لم يفلترها حتى يثير شفقة العالم بل ليمجّد خلودها الكامل لأنها رغم كل ذلك بقيت شامخة وحقيقيّة أمام حقيقتها التي عرّت في الحقيقة المغتصب.
كانت رسوماته ومواقفه صادقة حقيقية دائما لامعة ولا تتجمّل، باللون أو اللغة التي قد تضع الكارثة داخل إطار أنيق، ولهذا ظلّت رسوماته حيّة، لأنها لم تُخلق لتُعلّق على الجدران، بل لتبقى كالمسامير في صليب الوعي.
 ما أراده المعرض ليس إحياء لناجي العلي الشخصية بل الرمز، حيث لم ينفصل العلي عن شخصياته، إذ بدا حنظلة أقلّ شبها بطفل وأكثر قرباً من مفهوم فلسفيّ كامل، شاهد أبديّ على انهيار المعنى وإعادته في بلاغة الصمت المشحون بالحيرة، فبين الصمت والصمت يدير ذلك الكائن الصغير ظهره للعالم، لا يفعل ذلك خجلا، بل ازدراء، إنه يرفض المشاركة في المشهد الإنساني المزيّف، عالم تُبث فيه الحروب مباشرة بينما يتحوّل الألم إلى مادة إعلامية سريعة الاستهلاك.
الخطوط السوداء في أعمال ناجي العلي تشبه آثار احتراق قديم على ذاكرة الورق، لا ظلال متكلّفة، لا ترف لوني، لا استعراض تقني، فهو لم يبحث عن جماليات الإبهار، بل عن صدق الصدمة، ولهذا كانت شخصياته دائما منهكة، محنية، ذات عيون متعبة كأنها خرجت للتو من مخيم طويل اسمه التاريخ العربي الحديث.
المعرض، بما ضمّه من برمجة ندوات وعروض وحوارات عامة، لم يكن إحياء لذكرى لا تزال آثارها الدموية مُعيشة بل دعوة بالفن للنظر للتأمل لإعادة مساءلة العالم عن المصير وعن دور الثقافة نفسها بين الماضي الحاضر والحاضر الماضي.
وهنا بدا واضحاً الدعم الذي قدمته مؤسسات الجالية العربية والفلسطينية، ومنها مركز الجالية الفلسطينية Palestinian American Cultural Center- PACC Houston ومركز الجالية والثقافة العربية (البيت العربي) Arab American Cultural and Community Center، حيث لم يكن دعمها مجرد مساهمة تنظيمية، بل فعل انتماء ثقافي عميق، لأن الجاليات تحاول دوما وعبر الفن أن تمنع ذاكرتها من الذوبان داخل آلة النسيان الغربية.
ففي المنفى، تصبح الثقافة وطنا مؤقتا، ويصبح النشاط الثقافي والفني شكلا من أشكال الدفاع عن الوجود.
وفي تحليله للرموز، أضاء الدكتور فائق عويس على كيفية استخدم ناجي العلي علاماتٍ بصرية شديدة القرب والذكاء، استطاعت ببساطتها أن تُحكم البناء الرمزي وتنتج قيما دلالية عميقة. ربما كان الرمز الفلسطيني يظهر هشّا ومحاصَرا، بينما بدت رموز الاحتلال والقمع ضخمةً ومتوحشة، ولكن العلي كان من خلالها يرسم اختلال ميزان العالم نفسه، فرموز النضال الفلسطيني لم تكن عنده بطوليةً بطريقة دعائية، بل إنسانية وموجوعة، تحمل تناقضاتها وأسئلتها وخوفها أيضا كما تحمل حقّها الواضح.
لقد استطاع المعرض في جوانبه البصرية وبرمجته تحرير أعمال ناجي العلي من أرشيفيتها، ومنحها قدرة جديدة على الحركة داخل الوعي البصري الحديث، خاصة من خلال الفيديو الذي نفّذه الدكتور الفنان فائق عويس والذي تكامل في المشهد مع آليات التعبير المعاصرة وتماهى مع تجريبه الفني مع الذكاء الاصطناعي، حيث قدّم رسومات مختلفة لم تكتف بأن تكون ثابتة، بل صارت تتنفس وتحدّق وتتحرك، وكأنها ترفض أن تتحول إلى مجرد وثيقة من الماضي.
وبالتالي دمج عويس فكرة رسومات ناجي العلي مع أفكاره وأخيلته ورؤاه التي استنطقت وحرّكت الشخصيات وأخرجت أدوارها لتعبّر بذاتها داخل فضائها وكأنه يقرّبها من واقعه ليظهر الذكاء الاصطناعي كوسيط جديد لإعادة إحياء الذاكرة، وإبقاء صوت ناجي العلي مفتوحا على المستقبل، بصخبه وأسئلته التي لا تزال، حتى اليوم.

"لمسة أمي" مبادرة وحياة
ومن خلال مبادرته الفنية "لمسة أمي"، قدّم فائق عويس عملين نُفذا بالتطريز اليدوي الفلسطيني، كأنهما استعادة حميمة لذاكرة الأمهات الفلسطينيات اللواتي حوّلن الخيط والإبرة إلى أصوات تحكي ولغة تسرد الهوية وتدعم مقاومة المحو، إذ لا يعتبر التطريز مجرّد حرفة تراثية أو زينة بصرية، بل لغة ثقافية عميقة وبصمة وجود لدى الفلسطيني تحمل في غرزها سردية الأرض والمنفى والانتماء.
فكل خيط ملوّن بدا كأنه امتدادٌ لصوت النساء اللواتي حافظن على الذاكرة الفلسطينية داخل البيوت والمخيمات وفي المهجر، حين كانت الأشياء كلها مهددة بالفقدان والاستيلاء.
وقد أضفى العملان بعدا حسيا وإنسانيا على المعرض خاصة تناول شخصية حنظلة واحتواء روح ناجي العلي، إذ انتقل التعبير الفني من حدة الكاريكاتير السياسي إلى دفء النسيج اليدوي، ومن صخب السخرية السوداء إلى تأمل أكثر هدوءا في معنى الجذور والاستمرار.
إن الرؤية التي قدّمها فائق عويس، بدا من خلالها ناجي العلي أكثر من رسّام كاريكاتير، بدا صوت الإنسانية عابرا للحدود والأطر، استطاعت رسوماته أن تحوّل القضية الفلسطينية إلى لغة يفهمها العالم، وكما أشار عويس، فإن ناجي العلي "ابتكر مفردات بصرية قوية، حافلة برموز راسخة احتفظت بصدى معاصر يتردد طويلا حتى بعد رحيله"، وهو ما جعل حضوره الفني يتجاوز زمانه ومكانه، ليبقى الفن مساحةً مفتوحة على الحقيقة، تضمن حق الإنسان في أن يرى، ويسأل، ويقول ما لا يمكن للصمت أن يخفيه.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

العدالة في عين العاصفة


 
لم تكن الدفعة المالية التي صرفت للقضاة في فلسطين مجرد اجراء اداري عابر او معالجة اجرائية تقنية تتعلق ببند المواصلات وفق الرواية الرسمية، بل بدت كخطوة تفتقر الى التقدير السليم لحجم الاحتقان المتراكم، فتحولت سريعا الى شرارة فجرت واحدة من حالات الغضب النقابي، حيث لامست جرحا فلسطينيا مفتوحا يتعلق بالعدالة والمساواة في مجتمع يعيش تحت ضغط الاحتلال والضغط الاقتصادي المتواصل، فالقضية بالنسبة لعشرات آلاف الموظفين الذين يتلقون رواتب منقوصة منذ اعوام لم تعد مرتبطة بحجم المبلغ او مصدره، بل بالسؤال الأكثر خطورة، من يدفع ثمن الأزمة ومن يجري تحصينه منها.
 مجلس القضاء حاول احتواء الغضب عبر التأكيد ان المبلغ صرف من صندوق تطوير القضاء، فالقضاة- بحكم طبيعة وظائفهم- لا يتمتعون بحق العمل في أي مهنة أخرى كغيرهم، وهي حجج تحمل بعدا قانونيا مفهوما، لكن المشكلة الحقيقية لم تعد قانونية فقط، بل سياسية واجتماعية، فحين يشعر الموظف والطبيب والمعلم والمهندس ان هناك فئات تحظى بمعاملة مختلفة، اياً كانت التفاصيل، تتحول الأزمة تلقائيا الى أزمة ثقة بالنظام الإداري والسياسي كله.
 الاخطر ان الجدل جاء في توقيت شديد الحساسية، حيث تعيش السلطة واحدة من اعقد ازماتها المالية والسياسية منذ قيامها، بفعل احتجاز الاحتلال لأموال المقاصة وتراجع الدعم الخارجي وارتفاع نسب البطالة والفقر، وفي مثل هذه البيئات تصبح الحساسية تجاه اي تمييز مضاعفة، لان الناس لم تعد تقيس الامور بلغة القانون وحده، بل بلغة العدالة الاجتماعية والقدرة على الصمود.
 ما يجري اليوم يكشف عن خلل بنيوي اعمق داخل نموذج الحكم، حيث توسعت البيروقراطية العامة دون ان تتطور بموازاتها اسس واضحة للعدالة الوظيفية والشفافية والمحاسبة، فلم يكن مفاجئا ان تمتد الاضرابات من المحاكم الى المستشفيات والجامعات والنقابات المهنية، لان الاحتقان المتراكم كان يبحث عن لحظة انفجار رمزية، وجاء هذا الجدل ليقوم بهذا الدور.
 المشهد الحالي يحمل اخطارا تتجاوز التعطيل النقابي نفسه، لان استمرار التدهور الاقتصادي مع تراجع الثقة الشعبية قد يدفع نحو حالة تآكل تدريجي في شرعية المؤسسات العامة، خصوصا لدى جيل شاب يواجه انسدادا سياسيا واقتصاديا غير مسبوق، كما ان تعطيل قطاعات الصحة والتعليم والقضاء والخدمات يهدد بتحويل الأزمة المالية الى أزمة حكم حقيقية، في وقت يواصل فيه الاحتلال استنزاف البنية الاقتصادية الفلسطينية وفرض وقائع اكثر قسوة على الارض.
 ولعل ما ضاعف الغضب الشعبي ان القضية مست مؤسسة يفترض انها تمثل رمزية العدالة، والحل لا يمكن ان يكون عبر البيانات التوضيحية وحدها، بل يحتاج الى مقاربة جديدة تقوم على الشفافية الكاملة في إدارة المال العام، وإعادة بناء الثقة، ووضع خطط لتوزيع أعباء الأزمة بشكل عادل، بعيدا عن منطق الامتيازات والاستثناءات، فاستمرار التفاوت والاحتقان يفتح الباب امام خطر التصدع المجتمعي، وتآكل الثقة بالمؤسسات العامة، وان اخطر ما قد يخسره الشعب الفلسطيني ليس المال فقط، بل ثقته بفكرة العدالة.
 



أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:33 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة: النصر الذي يؤدي إلى الهزيمة


    أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المتصوّر نفسه انه رئيس الكوكب بما فيه إيران، ان الرد الذي قدمته مؤخرا مرفوض. هذا يعني انه كان يوهم نفسه برد آخر "مقبول" خاصة انه أوهم نفسه انه قد قضى عليها؛ قضى على ثلاث "طبقات" من قيادتها، قضى على سلاح بحريتها وعلى سلاح جوها، بل انها أصبحت بدون جيش على الاطلاق، وبمحاصرة موانئها قضى على اقتصادها.
    رفضه للرد، يعني انه كان ينتظره، ما يعنيه هذا ان إيران لم تنته، وانها ما تزال حية ترزق، وحين ترد ردا مرفوضا بالنسبة اليه، فهذا يعني أكثر بكثير من أنها مجرد حية تتنفس، بل حية قوية تتحدى.
    كان يجب ان يدرك، بعد أن يتنازل ولو قليلا عن عنجهيته وقوته وعضلاته وبلطجيته وتهديداته، أن إيران بمجرد انها تأخرت في الرد ثلاثة أيام عن الموعد الذي ضربه مع نفسه، تكون قد قررت ما لا يروق له، يوم قال انه سينال ليس 95% مما يطلب، بل 100%.
    فماذا بعد رفضه للرد؟ لو كان الرجل القائد الرئيس في وضع صحي ونموذجي، لما سمعناه يقول بصوت مسموع "أكسيوس وبقية وسائله الإعلامية" رد إيران مرفوض، كنا رأيناه يستأنف قصف إيران، لأن بديل رفض الرد هواستئناف القصف، فما الذي يمنعه، خاصة وأن ثقله الحربي موجود في المنطقة، يحاصر دولة بدون بحرية وبدون قوة جوية وبدون جيش ؟
   للإجابة على التساؤل، هو أن رد إيران متضمن على ما يبدو تهديدا عسكريا لقواته المتمركزة في الخليج وقواعدها ومصالحها في المنطقة، عوضا إلى إسرائيل وإعادة سكانها إلى الملاجئ، وربما اغلاق المضيق الثاني في المنطقة وهومضيق باب المندب.
    لا يدرك ترمب ان بعض النصر قد يعمّد الطريق نحو هزيمة أكبر وأشمل، كالنصر الذي حققته إسرائيل على لبنان واحتلت فيه عاصمته عام 1982، هذا النصر الإسرائيلي الذي تولد في داخله حزب الله، كما هو النصر العربي عام 1973، الذي بداخله تولدت "كامب ديفيد" واعتراف أكبر دولة عربية بإسرائيل، بعدها تتالت الاعترافات.  

عربي ودولي

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:32 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة بطاريات الليثيوم في بريطانيا: حريق كل 5 ساعات وتحذيرات من 'الهروب الحراري'

تواجه المملكة المتحدة أزمة متفاقمة تتعلق بسلامة بطاريات الليثيوم أيون، حيث كشفت بيانات حديثة عن اندلاع حريق جديد كل خمس ساعات تقريباً. وتأتي هذه الأرقام وسط تحذيرات شديدة اللهجة من مسؤولي الإطفاء الذين أشاروا إلى مخاطر متزايدة مرتبطة بالدراجات والسكوترات الكهربائية، خاصة تلك التي تخضع لتعديلات غير قانونية أو تستخدم قطع غيار غير معتمدة.

وأفادت مصادر إعلامية بأن استخدام هذه البطاريات لم يعد مقتصرًا على الهواتف المحمولة والأجهزة الصغيرة، بل امتد ليشمل وسائل النقل الحديثة مثل السيارات والدراجات الكهربائية. هذا التوسع في الاستخدام أدى بالضرورة إلى اتساع نطاق المخاطر، مما جعل فرق الإطفاء في حالة استنفار دائم لمواجهة الحوادث المتكررة في مختلف المدن البريطانية.

وأظهرت البيانات التي تم جمعها عبر طلبات حرية المعلومات أن فرق الإطفاء تعاملت مع نحو 1760 حريقاً مرتبطاً ببطاريات الليثيوم خلال عام 2025 وحده. ويمثل هذا الرقم زيادة هائلة بلغت 147% مقارنة بالسنوات الثلاث الماضية، مما يعكس فجوة كبيرة بين التطور التكنولوجي ومعايير السلامة المتبعة حالياً.

وفيما يخص المركبات الكهربائية، سجلت الإحصائيات ارتفاعاً في حوادث الحريق بنسبة 133% خلال الفترة ذاتها، بالتزامن مع تضاعف عدد هذه المركبات في الشوارع البريطانية. وأشارت التقارير إلى أن حرائق الدراجات الكهربائية باتت تشكل ثلث إجمالي الحوادث المرتبطة ببطاريات الليثيوم، وهو مؤشر خطير يستدعي مراجعة شاملة للقوانين المنظمة.

وتبرز الدراجات الكهربائية المعدلة كأحد أكبر مصادر الخطر، حيث تبين أنها أكثر عرضة للاشتعال من الطرازات الأصلية المعتمدة من المصنعين. وقد قفزت البلاغات المتعلقة بهذا النوع من الدراجات من 149 بلاغاً في عام 2022 لتصل إلى 520 بلاغاً خلال العام الماضي، مما يضع ضغوطاً إضافية على أجهزة الإنقاذ.

وتصدرت العاصمة لندن قائمة المناطق الأكثر تضرراً، حيث تعاملت فرق الإطفاء فيها مع نحو 44% من إجمالي الحوادث المسجلة على مستوى البلاد. وشهدت المدينة وحدها 230 حريقاً مرتبطاً بالدراجات الكهربائية، كما سُجلت خمس وفيات على الأقل خلال السنوات الثلاث الأخيرة نتيجة هذه الحوادث المأساوية.

وأعرب سبنسر ساتكليف، المسؤول في إدارة إطفاء لندن، عن قلقه البالغ إزاء استمرار هذه الظاهرة، مؤكداً أن التوعية المجتمعية هي خط الدفاع الأول. ودعا ساتكليف إلى ضرورة تشديد اللوائح لضمان جودة المنتجات المعروضة في الأسواق الإلكترونية، ومنع وصول البطاريات والشواحن المعيبة إلى أيدي المستهلكين.

وفي حادثة بارزة، يُعتقد أن حريقاً اندلع في متجر للسجائر الإلكترونية كان السبب وراء تدمير مبنى تاريخي في مدينة غلاسكو الاسكتلندية. وأدى هذا الحادث إلى شلل تام في حركة النقل، حيث أغلقت محطة السكك الحديدية المركزية لمدة أسبوعين، مما سلط الضوء على التبعات الاقتصادية والاجتماعية لهذه الحرائق.

وتشرح المصادر العلمية أن تلف هذه البطاريات يؤدي إلى ظاهرة كيميائية تُعرف باسم 'الهروب الحراري'، وهي تفاعل متسلسل يرفع حرارة البطارية بشكل جنوني. وينتج عن هذا التفاعل انبعاث غازات سامة تحت ضغط مرتفع، ينتهي عادة بانفجار عنيف يصعب إخماده بالوسائل التقليدية المتبعة في حرائق الأخشاب أو الوقود.

وكشفت الأبحاث أن ما يقرب من نصف هذه الحرائق (46%) تندلع داخل المنازل، مما يهدد حياة العائلات بشكل مباشر أثناء النوم أو الراحة. كما تسبب التخلص غير السليم من البطاريات في كوارث داخل شاحنات النفايات ومراكز إعادة التدوير، حيث تقدر الخسائر السنوية في هذا القطاع بأكثر من مليار جنيه إسترليني.

من جانبه، أكد أدريان سيموندز، خبير إدارة المخاطر أن التعامل مع حرائق الليثيوم يتطلب استراتيجيات مختلفة تماماً، حيث تحتاج كميات مياه هائلة للسيطرة عليها. ونصح سيموندز بضرورة شحن الأجهزة في أماكن جيدة التهوية وبعيدة عن مخارج الطوارئ، مع التشديد على تجنب ترك الأجهزة قيد الشحن طوال الليل دون مراقبة.

وأيد المجلس الوطني لرؤساء فرق الإطفاء هذه النتائج، مشيراً إلى أن الواقع الميداني يثبت أن اللوائح الحالية لم تعد تواكب القفزات التكنولوجية السريعة. وأوضح المجلس أن العمل جارٍ مع الحكومة لتطوير إرشادات جديدة، لكن الحاجة تظل ملحة لتدخل تشريعي يضمن سلامة التصنيع والتعديل.

وفي سياق متصل، شدد اتحاد فرق الإطفاء على أهمية توفير تمويل إضافي لتدريب الكوادر البشرية وتزويدها بمعدات حماية متطورة لمواجهة الغازات السامة. وحذر الاتحاد من أن استنشاق هذه الانبعاثات قد يسبب أمراضاً مزمنة لرجال الإطفاء، مما يجعل من هذه الحرائق تهديداً صحياً طويل الأمد يتجاوز لحظة إخماد النيران.

وختاماً، تظل أزمة بطاريات الليثيوم تحدياً قائماً يتطلب تضافر الجهود بين المصنعين والمستهلكين والجهات الرقابية للحد من نزيف الأرواح والممتلكات. ومع استمرار الاعتماد المتزايد على الطاقة النظيفة، يصبح تأمين وسائل تخزين هذه الطاقة ضرورة قصوى لا تقبل التأجيل في ظل الأرقام المتصاعدة للضحايا والخسائر.

اسرائيليات

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:32 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة رئاسة الموساد: المحكمة العليا تنظر في طعون ضد تعيين 'غوفمان' وسط اتهامات أخلاقية

بدأت المحكمة الإسرائيلية العليا، اليوم الثلاثاء، جلسة استماع علنية للنظر في سلسلة من الالتماسات القانونية التي تطعن في قرار رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بتعيين سكرتيره العسكري، الجنرال رومان غوفمان، رئيساً لجهاز الموساد. وتستند هذه الالتماسات إلى اتهامات تتعلق بفقدان الأهلية الأخلاقية والكفاءة المهنية المطلوبة لهذا المنصب الحساس.

وتبرز في واجهة هذه القضية شهادة الناشط الإعلامي أوري إلمكايس، الذي قدم التماساً يتهم فيه غوفمان باستغلاله حين كان قاصراً لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره. ووفقاً للادعاءات، قام غوفمان بتجنيد الفتى للمشاركة في عمليات استخباراتية وحملات تأثير سرية عبر الفضاء الإلكتروني دون غطاء قانوني، مما أدى لاحقاً إلى اعتقاله من قبل جهاز الأمن العام (الشاباك).

وتشير تفاصيل القضية إلى أن إلمكايس واجه تهم العمالة لوكيل أجنبي وتعرض لتحقيقات قاسية وتنكيل داخل السجون، في حين تخلى عنه غوفمان وتبرأ من علاقته به بدلاً من توفير الحماية القانونية له. وقد أثارت هذه الحادثة موجة من الانتقادات الحادة داخل الأوساط الإسرائيلية التي اعتبرت سلوك الجنرال خرقاً جسيماً للمعايير الأخلاقية العسكرية.

من جانبها، دخلت 'الحركة من أجل جودة الحكم' و'الحركة من أجل طهارة المعايير' على خط الأزمة، حيث طعنت في إجراءات اللجنة الاستشارية لتعيين كبار الموظفين، المعروفة بـ 'لجنة غرونيس'. وادعت الحركتان أن اللجنة لم تكن على دراية كاملة بتفاصيل فضيحة إلمكايس عندما منحت موافقتها على ترشيح غوفمان للمنصب.

وأوضحت الالتماسات أن أغلبية أعضاء اللجنة صوتوا لصالح التعيين بناءً على معلومات منقوصة، بينما كان رئيس اللجنة هو المعارض الوحيد. كما انتقدت المنظمات الحقوقية عدم استدعاء الضحية المفترض للإدلاء بشهادته مباشرة أمام اللجنة، والاكتفاء بما نشرته وسائل الإعلام حول القضية التي تعود لفترة قيادة غوفمان للوحدة 201 العسكرية.

وفي موقف لافت، أعلنت المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهراب ميارا، معارضتها الصريحة للتعيين في ردها الرسمي المقدم للمحكمة العليا. وأكدت ميارا أن قرار نتنياهو تعتريه إخفاقات جوهرية تمس 'طهارة المعايير'، مشددة على أن مسألة تشغيل قاصر في مهام استخباراتية تضفي ظلالاً كثيفة من الشك على نزاهة المرشح.

ولم تقتصر المعارضة على الجانب القانوني، بل امتدت لتشمل قيادة جهاز الموساد الحالية، حيث حذر رئيس الجهاز دادي بارنياع من التداعيات الأمنية لهذا التعيين. واعتبر بارنياع في مذكرة رفعت للمحكمة أن غوفمان يمثل تهديداً على أمن الدولة وسلامة العاملين في الجهاز، نظراً لعمله 'دون خطوط حمراء' أو رقابة كافية.

ويرى بارنياع أن تعيين شخص تحوم حوله شبهات أخلاقية في جهاز يعمل أصلاً في مناطق رمادية ودون قانون ينظمه بشكل كامل، قد يؤدي إلى أضرار استراتيجية لا يمكن إصلاحها. وتعكس هذه المذكرة حجم الانقسام الداخلي غير المسبوق بين رئيس الحكومة ورئاسة الأجهزة الأمنية حول هوية القادة المستقبليين.

في المقابل، خرج بنيامين نتنياهو في تسجيل مصور ليدافع عن خياره، مؤكداً أنه صاحب الصلاحية الحصرية والوحيدة في تعيين رئيس الموساد. وربط نتنياهو بين هذا التعيين وبين ظروف الحرب الحالية التي تخوضها إسرائيل على سبع جبهات مختلفة، معتبراً أن غوفمان هو الرجل المناسب لتفكيك 'محور المقاومة' وتغيير وجه المنطقة.

وتأتي هذه السجالات في سياق أوسع من الاتهامات الموجهة لنتنياهو بمحاولة 'تسييس' المؤسسة الأمنية من خلال تعيين شخصيات تدين له بالولاء الشخصي. ويستذكر المراقبون تعيينات سابقة أثارت جدلاً مماثلاً، مثل تعيين 'زيني' رئيساً للشاباك بعد مقابلة قصيرة، وتعيين وزراء مثيرين للجدل في مناصب أمنية حساسة.

ويشير منتقدون إلى أن نهج الحكومة الحالية يعتمد مبدأ 'الولاء للملك بدلاً من الولاء للدولة'، وهو ما يتجلى في اختيار شخصيات ذات سجلات إشكالية. ويُساق مثال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي يمتلك سجلاً حافلاً بالإدانات الجنائية، كدليل على تراجع معايير الكفاءة لصالح الحسابات السياسية الضيقة.

وتعكس هذه الأزمة تحولاً جوهرياً في بنية النظام الإسرائيلي، حيث باتت التعيينات الكبرى ساحة للصراع بين السلطة التنفيذية من جهة، والجهاز القضائي والمهني من جهة أخرى. ويحذر محللون من أن إصرار نتنياهو على تجاوز توصيات المستشارة القضائية ورئيس الموساد قد يؤدي إلى أزمة دستورية وأمنية عميقة.

ومن المتوقع أن تصدر المحكمة العليا قراراً حاسماً بشأن هذا التعيين، وهو القرار الذي سيحدد ملامح العلاقة المستقبلية بين الحكومة والمؤسسة الأمنية. فإما أن تكرس المحكمة سلطة رئيس الوزراء المطلقة في التعيينات، أو تضع كوابح قانونية تحمي 'طهارة المعايير' في المناصب السيادية.

وختاماً، تبقى قضية غوفمان اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الإسرائيلية على الرقابة في ظل حالة الطوارئ والحرب المستمرة. وتكشف هذه التطورات عن تصدعات عميقة في جدار الثقة بين المستويات السياسية والعسكرية، في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات وجودية على جبهات متعددة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:02 صباحًا - بتوقيت القدس

قمة ترامب وشي في بكين: رهانات تمديد الهدنة التجارية وتحديات الملف الإيراني

تتجه الأنظار صوب العاصمة الصينية بكين، حيث يبدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب زيارة رسمية تستغرق ثلاثة أيام، يلتقي خلالها نظيره الصيني شي جين بينغ. تأتي هذه القمة في توقيت حساس للغاية، إذ تعد الزيارة الأولى لترامب إلى الصين منذ نحو ثماني سنوات، وسط أجواء جيوسياسية مشحونة بالتوترات التجارية والعسكرية.

ويرى مراقبون ومحللون اقتصاديون أن الملف التجاري سيتصدر طاولة المباحثات، مع ترجيحات قوية بالتوصل إلى اتفاق يقضي بتمديد الهدنة التجارية القائمة. وتهدف هذه الخطوة إلى تجنب العودة لمربع الحرب التجارية المفتوحة، خاصة في ظل رغبة بكين في الحفاظ على معدلات نموها الاقتصادي واستقرار سلاسل الإمداد العالمية.

من جانبه، يسعى الجانب الأمريكي إلى معالجة الخلل في الميزان التجاري وتقليص العجز الضخم مع الصين، والذي وصل إلى أكثر من 202 مليار دولار في عام 2025. ويطمح ترامب إلى انتزاع تعهدات صينية بزيادة الواردات من المنتجات الأمريكية، لا سيما في قطاعي الزراعة والطاقة، لتعزيز موقفه الداخلي قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

وتشير البيانات الاقتصادية لعام 2026 إلى أن الولايات المتحدة والصين لا تزالان تهيمنان على الاقتصاد العالمي بناتج محلي إجمالي يتجاوز 49 تريليون دولار مجتمعين. ورغم هذا الثقل، شهدت المبادلات التجارية بينهما تراجعاً ملحوظاً بنسبة تجاوزت 31% مقارنة بالعام السابق، مما يعكس حجم الضغوط التي فرضتها السياسات الحمائية والتوترات السياسية.

وفي سياق متصل، تبرز قضية الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي كأحد أعقد ملفات الخلاف التي يصعب فيها تقديم تنازلات جوهرية. وتعتبر واشنطن هذه التقنيات جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، حيث تفرض قيوداً صارمة لمنع وصول الصين إلى التكنولوجيا المتطورة التي توصف بأنها 'نفط القرن الحادي والعشرين'.

وعلى الصعيد السياسي والعسكري، يلقي الملف الإيراني بظلال ثقيلة على القمة، حيث توصف المفاوضات بشأن هذا الملف بأنها ستكون 'عسيرة'. وتعد الصين الشريك التجاري الأول لإيران، إذ تستقبل الغالبية العظمى من صادراتها النفطية، مما يجعل أي تصعيد أمريكي ضد طهران مساساً مباشراً بمصالح بكين الحيوية.

وأفادت مصادر مطلعة بأن واشنطن تواصل ضغوطها على بكين لتقليص دعمها لطهران، في ظل الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية منذ أبريل الماضي. وتتهم الإدارة الأمريكية الصين بتقديم تسهيلات استخباراتية وعسكرية لإيران خلال النزاع الراهن، وهو ما تنفيه بكين جملة وتفصيلاً وتعتبره ادعاءات لا أساس لها.

ويزيد من تعقيد المشهد إغلاق مضيق هرمز وتأثيره الكارثي على أسعار الطاقة العالمية ومعدلات التضخم التي أرهقت الاقتصادات الكبرى. وتسعى القمة إلى إيجاد صيغة تفاهم تضمن تدفق إمدادات الطاقة، خاصة وأن الصين تعتمد بشكل استراتيجي على النفط الإيراني لتأمين احتياجاتها الصناعية المتنامية.

وكان الرئيس ترامب قد أعلن مؤخراً رفضه للرد الإيراني على مقترحات إنهاء الحرب، مما عزز المخاوف من انهيار الهدنة الهشة السارية منذ مطلع أبريل. هذا الموقف المتشدد يضع الجانب الصيني أمام تحدي الموازنة بين تحالفه الاستراتيجي مع طهران وحاجته لاستقرار علاقته مع واشنطن.

ويرجح الخبراء أن يلجأ الطرفان إلى 'دبلوماسية حافة الهاوية' في ملفات الأمن القومي، مع إمكانية التوصل لتوافقات مرحلية في ملف الرسوم الجمركية. ويهدف هذا التكتيك إلى تخفيف الأعباء عن المستهلك الأمريكي والحفاظ على القدرة الشرائية، وهي اعتبارات انتخابية حاسمة بالنسبة للإدارة الجمهورية الحالية.

وتواجه الصين 'إكراهات' مرتبطة بضرورة الحفاظ على مبادرة 'الحزام والطريق'، التي تعد إيران حلقة وصل أساسية فيها. لذا، فإن أي تفاهمات مع ترامب يجب أن تضمن عدم تقويض الطموحات الجيوسياسية الصينية طويلة الأمد في منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

وفيما يخص النزاع القانوني حول الرسوم الجمركية، لا يزال التوتر سيد الموقف بعد قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي حد من سلطات الرئيس في فرض رسوم طارئة. ورغم ذلك، واصلت الإدارة الأمريكية تطبيق رسوم مؤقتة بنسبة 15%، مما دفع وزارة التجارة الصينية للتحذير من أنه 'لا رابح في الحروب التجارية'.

إن نجاح هذه القمة في تمديد الهدنة التجارية قد يمنح الاقتصاد العالمي فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لن ينهي الصراع الاستراتيجي العميق بين القوتين. فالتنافس على الريادة التكنولوجية والنفوذ في الممرات المائية الدولية يظل المحرك الأساسي للعلاقة المتذبذبة بين البيت الأبيض وقصر الشعب.

ختاماً، تبقى نتائج مباحثات بكين رهينة بمدى قدرة ترامب وشي على إيجاد 'نقاط تقاطع' وسط حقل من الألغام السياسية. وسيراقب العالم عن كثب ما ستسفر عنه هذه اللقاءات، لما لها من أثر مباشر على استقرار الأسواق العالمية ومستقبل النزاعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 11:02 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال يشن حملة هدم واسعة في العيزرية بالقدس المحتلة

أقدمت آليات الاحتلال الإسرائيلي، مساء الاثنين، على تنفيذ عملية هدم واسعة النطاق استهدفت عشرات المنشآت التجارية والصناعية في بلدة العيزرية الواقعة جنوب شرق مدينة القدس المحتلة. وأكدت مصادر محلية أن الحملة طالت نحو 40 منشأة اقتصادية، بالإضافة إلى تجريف ثلاث محطات لغسيل المركبات، وسط تعزيزات عسكرية مكثفة فرضت طوقاً أمنياً على المنطقة المستهدفة.

وتحدت سلطات الاحتلال بقرارها هذا أمراً احترازياً كانت قد حصلت عليه مؤسسة حقوقية يقضي بتجميد عمليات الهدم في المنطقة حتى منتصف شهر مايو الجاري. وأوضحت محافظة القدس في بيان لها أن القوات المقتحمة أطلقت وابلاً من قنابل الغاز المسيل للدموع والصوت تجاه المواطنين الذين حاولوا التصدي لعمليات التجريف، مما أدى لاندلاع مواجهات في المكان لمنع أصحاب المحال من الوصول إلى ممتلكاتهم.

وكانت مؤسسة 'سانت إيف' الحقوقية قد أعلنت في وقت سابق عن انتزاع قرار من المحكمة العليا الإسرائيلية يقضي بوقف مؤقت لهدم نحو 50 منشأة في العيزرية. وجاء هذا التحرك القانوني بعد التماس قدمته المؤسسة دفاعاً عن حقوق أصحاب المنشآت المهددة، إلا أن جيش الاحتلال اختار المضي قدماً في التدمير قبل انتهاء المدة القانونية الممنوحة في القرار القضائي.

وتربط تقارير رسمية بين هذه الهجمات الميدانية ومخطط استيطاني ضخم يُعرف باسم 'نسيج الحياة'، والذي يهدف إلى شق طرق بديلة للفلسطينيين لعزلهم عن المسارات الحيوية. ويسعى الاحتلال من خلال هذا المشروع إلى تخصيص الطرق الرئيسية التي تربط جنوب الضفة الغربية بوسطها وشمالها لصالح المستوطنين بشكل حصري، مما يكرس سياسة الفصل العنصري في المنطقة.

كما تندرج هذه العمليات ضمن المخطط الاستيطاني الأوسع المعروف بـ 'E1'، الذي يستهدف مصادرة آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية الممتدة بين القدس ومستوطنة 'معاليه أدوميم'. ويهدف هذا المخطط إلى إغلاق الدائرة الاستيطانية حول القدس المحتلة وعزلها تماماً عن محيطها الجغرافي في الضفة الغربية، وهو ما يهدد بشكل مباشر إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة.

وتشير الإحصائيات الصادرة عن محافظة القدس إلى تصاعد خطير في سياسات الهدم، حيث تم تسجيل أكثر من 180 عملية هدم وتجريف في المدينة المقدسة خلال الأشهر الأربعة الأخيرة فقط. وتأتي هذه الإجراءات في وقت تواصل فيه السلطات الإسرائيلية الضغط على السكان من خلال بلاغات الإخلاء الشفهية والإنذارات النهائية التي تستهدف الوجود الفلسطيني في المناطق المصنفة استراتيجياً.

ومنذ اندلاع العدوان على قطاع غزة في أكتوبر 2023، شهدت الضفة الغربية والقدس تصعيداً غير مسبوق في وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية. ووفقاً للمعطيات الفلسطينية، فقد أسفرت هذه الانتهاكات عن استشهاد أكثر من 1155 مواطناً واعتقال نحو 22 ألفاً، تزامناً مع تدمير آلاف المنشآت وتهجير تجمعات سكانية كاملة في إطار سياسة العقاب الجماعي الممنهجة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:59 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب بأدوات تفاوضية


كما قلت، لم يتمكن أحدهما من فرض شروطه على الآخر، ولهذا السبب تقع التعقيدات، وكل منهما: الولايات المتحدة وإيران، رفض اقتراحات الآخر، لأن أحدهما لم يتمكن من هزيمة الآخر، ولهذا فشلا كل منهما فرض شروطه او مطالبه.
ترامب يدعي أنه تمكن من هزيمة إيران، ومع ذلك لم تسلم إيران بطلباته ولا زالت ترفض اقتراحاته.
هزيمة إيران تعني ثلاثة عناوين:
أولاً، احتلال إيران من قبل القوات الأميركية، وهذا لم يتم.
ثانياً، سقوط النظام وتغييره وتبديله بنظام آخر، وهذا لم يحدث.
ثالثاً إذعان إيران لشروط أميركا بسبب الحصار أو الجوع، أو الضربات المميتة، وهذا  لم يتحقق، وللآن ما زالت إيران متصلبة صامدة، وهو ما يتعارض مع وصف  ترامب لإيران بالهزبمة: وهو وصف موغل في عدم الدقة، غير واقعي، ومفردة لا تحمل الحد الأدنى من المصداقية، وهو يخاطب فيها المجتمع الأميركي الذي لا يهتم بالسياسة الدولية وتبعاتها، ولولا ارتفاع أسعار النفط والسلع، لما سمع المواطن الأميركي العادي أن هناك حرباً متورطة فيها الولايات المتحدة في منطقتنا العربية.
يمكن تلخيص الموقف الإيراني الذي تم تسليمه إلى الولايات المتحدة عبر باكستان يوم الأحد 10 أيار مايو 2026، كما يلي:
ضرورة إنهاء الحرب على جميع الجبهات ورفع العقوبات المفروضة على إيران، إلغاء العقوبات على مبيعات النفط خلال 30 يوماً، إنهاء الحصار البحري، الوقف الفوري للحرب وتوفير ضمانات بعدم معاودة الهجوم على إيران، إدارة إيرانية لمضيق هرمز إذا تعهدت الولايات المتحدة بالالتزامات المطلوبة.
رد الرئيس ترامب على ورقة الاقتراحات الإيرانية على أنها: "غير مقبولة تماماً، والرد لم يعجبه".
  الاقترحات ألاميركية المسبقة تضمنت ما يلي:
إنهاء الحرب وبدء مفاوضات لمدة 30 يوماً، تعمل المفاوضات على التوصل إلى اتفاق تفصيلي بشأن هرمز، الحد من البرنامج النووي الإيراني، رفع العقوبات الأميركية، تلتزم إيران بوقف تخصيب اليورانيوم مؤقتاً، مقابل موافقة الولايات المتحدة على رفع العقوبات والإفراج عن الأموال الإيرانية المحجوزة، تخفف الولايات المتحدة القيود المفروضة على حركة العبور في مضيق هرمز خلال فترة المفاوضات، تبقى بنود الاتفاق الأولي مشروطة بالتوصل إلى اتفاق نهائي.
وفي حال فشل المفاوضات ستتمكن القوات الأميركية من إعادة فرض الحصار أو استئناف الحرب.
وبذلك يظهر أن الحرب لم تثمر إلى الآن عن تحقيق نتائج سياسية ملموسة، لأن الحرب لم تثمر عن نتائج عسكرية ملموسة لصالح طرف على حساب الطرف الآخر، رغم الضربات الموجعة التي تلقتها إيران، والأطراف العربية الحليفة لها، بل ما زالت صامدة مع حلفائها من الفصائل العربية، وستبقى  تعقيدات المفاوضات متواصلة في عدم التوصل إلى اتفاق حاسم لصالح طرف ضد الطرف الآخر، لأن قبول شروط الآخر، تعني الهزيمة السياسية لمن يقبل بشروط الآخر، ولهذا ستتواصل تعقيدات المفاوضات، حتى يتم التراجع التدريجي من كليهما حتى يتم التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:58 صباحًا - بتوقيت القدس

انهيار قطاع الخدمات… نهاية الاقتصاد الريعي؟



عندما تعلن نقابات الأطباء والمهندسين والأكاديميين الإضراب المتزامن، فهذا ليس مجرد حراك نقابي تقليدي للمطالبة بحقوق وظيفية، بل هو جرس إنذار يدق في قلب الاقتصاد الفلسطيني. هؤلاء يمثلون النخبة المهنية وقمة هرم قطاع الخدمات، الشريحة التي طالما اعتُبرت الأكثر استقراراً وأماناً في مجتمعنا. أن تصل الأزمة إلى هذه النخبة وتدفعها للشارع، فهذا يعني أن الانهيار لم يعد يقتصر على واجهات المحلات المغلقة في أسواق رام الله ، بيت لحم ونابلس، أو المطاعم الخاوية في الخليل وجنين؛ بل امتد ليضرب العمود الفقري الأكاديمي والمهني للمجتمع. إنها الأعراض السريرية لانهيار أكبر وأخطر قطاع في الاقتصاد الفلسطيني: قطاع الخدمات.
لأكثر من عقدين من الزمن، عاش الاقتصاد الفلسطيني حالة من "الرفاهية الخادعة"، مبنية على هيكل اقتصادي مشوه يفتقر إلى أسس الاستدامة. فقد أظهرت البيانات الرسمية المشتركة للجهاز المركزي للإحصاء وسلطة النقد الفلسطينية في حصاد عام 2025 حقيقة صادمة: قطاع الخدمات يشكل نحو 60% من إجمالي الاقتصاد الفلسطيني، في حين لا تتجاوز مساهمة القطاعات الإنتاجية الحقيقية (كالزراعة والصناعة) الداعمة للنمو حاجز الـ 19%. هذا الخلل الهيكلي العميق يعني أننا بنينا اقتصاداً ريعياً استهلاكياً بامتياز، يعيش على تقديم الخدمات وتدوير الأموال في دورة مغلقة، بدلاً من إنتاج السلع وخلق القيمة المضافة التي تحصن الاقتصاد ضد الصدمات.
لقد اعتمد هذا القطاع الخدماتي الضخم على ثلاث رافعات مالية أساسية: رواتب الموظفين الحكوميين التي تضخ شهرياً في الأسواق، وأجور العمال الفلسطينيين داخل الخط الأخضر التي كانت تمثل محركاً رئيسياً للسيولة، وتحويلات المغتربين والمنح الدولية التي تسد الفجوات. وعندما اندلعت أزمة ما بعد أكتوبر 2023، انهارت هذه الرافعات الثلاث في وقت واحد وبشكل غير مسبوق. فقد توقفت تصاريح عشرات الآلاف من العمال، وتراجعت قيمة تحويلات المغتربين بفعل الارتفاع القياسي في قوة الشيكل مقابل الدولار، وتقلصت القدرة الشرائية للموظفين الحكوميين بشكل حاد بسبب الأزمات المالية المتعاقبة للسلطة الفلسطينية واقتطاعات أموال المقاصة.
هذه الأزمة المالية الحكومية لم تضرب الموظفين فحسب، بل امتدت لتخنق القطاع الخاص ومقدمي الخدمات الأساسية. فالأرقام الحديثة تشير إلى أن ديون الحكومة المتراكمة لصالح القطاع الصحي (بما يشمل المستشفيات الأهلية والخاصة وموردي الأدوية) بلغت نحو 4.2 مليار شيكل، مما دفع النظام الصحي إلى حافة الانهيار وعجز عن توفير الأدوية الأساسية. وفي قطاع الإنشاءات، تراكمت الديون لصالح المقاولين والمهندسين لتبلغ مئات الملايين من الدولارات، مما أدى إلى تعثر مئات الشركات وتوقف المشاريع الحيوية. والنتيجة الحتمية؟ تبخرت السيولة النقدية من الأسواق، ووجد قطاع الخدمات نفسه كسمكة أُخرجت فجأة من الماء، يختنق ببطء تحت وطأة الديون وانعدام السيولة.
وتعكس الأرقام الرسمية لعام 2025 عمق المأساة؛ فقد سجل الاستهلاك الكلي تراجعاً مخيفاً بنسبة 24% (12% في الضفة و81% في غزة). هذا التراجع الحاد وجه ضربة قاصمة لقطاع الخدمات والتجارة. فالمطاعم، والمقاهي، ومحلات الملابس، وشركات النقل؛ جميعها تعاني من ركود غير مسبوق يلامس حد الشلل التام. وأصبح أصحاب هذه المهن الحرة هم الضحية الصامتة التي تدفع الثمن الأكبر يومياً من مدخراتها وتراكم الديون عليها.
المشكلة الجوهرية في انهيار قطاع الخدمات أنه يخلق "تأثيراً مضاعفاً" سلبياً وعميقاً يمتد كالسرطان في جسد الاقتصاد. فعندما يُغلق مطعم أبوابه، هو لا يسرح عماله ويقطع أرزاقهم فحسب، بل يتوقف عن شراء الخضار من المزارع المحلي، واللحوم من الملحمة المجاورة، ويتعثر في دفع إيجار العقار لمالكه، ويعجز عن سداد أقساط قرضه للبنك، ويتوقف عن دفع الضرائب والرسوم للبلديات. هذه السلسلة المتشابكة والمعقدة من التعثرات تهدد بانتقال العدوى من قطاع الخدمات الهش إلى القطاع المصرفي (الذي يواجه أزمة قروض متعثرة) والقطاع العقاري (الذي يواجه ركوداً في التأجير والبيع)، مما ينذر بشلل اقتصادي شامل يصعب التعافي منه لسنوات.
هذا الانهيار المروع، على قسوته ومرارته، يضعنا أمام سؤال مصيري لم نجرؤ على طرحه بوضوح طوال السنوات الماضية: هل كان اقتصادنا حقيقياً أم مجرد سوق استهلاكي ضخم يعيش على الإبر المخدرة والمسكنات المؤقتة؟ لقد أثبتت الأزمة الراهنة، بما لا يدع مجالاً للشك، أن الاقتصاد الذي لا يزرع ما يأكل ولا يصنع ما يلبس، هو اقتصاد هش تذروه الرياح عند أول صدمة سياسية أو أمنية. الاعتماد المفرط على الخدمات والتجارة الاستهلاكية جعلنا رهينة لقرارات الاحتلال المتعلقة بأموال المقاصة وتصاريح العمل، ورهينة للمنح الخارجية التي تتأثر بالمزاج السياسي الدولي.
إن الاستمرار في محاولة إنعاش هذا النموذج الاقتصادي المشوه بنفس الأدوات القديمة هو بمثابة إعطاء مسكنات لمريض يحتاج إلى تدخل جراحي عاجل لاستئصال الورم. قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار التام الذي قد يُفرغ مدننا من نشاطها التجاري ويحولها إلى مدن أشباح اقتصادية، يجب علينا اتخاذ خطوات جذرية، شجاعة، ومؤلمة لكنها ضرورية للنجاة.
أولاً، يجب إعادة توجيه بوصلة التسهيلات الائتمانية والتمويلية من البنوك وصناديق الاستثمار بشكل إلزامي نحو القطاعات الإنتاجية (الزراعة، الصناعة، والتكنولوجيا المتقدمة) بدلاً من القروض الاستهلاكية وقروض السيارات الفارهة التي غذت قطاع الخدمات لسنوات وراكمت الديون على المواطنين.
ثانياً، على الحكومة بالشراكة مع القطاع الخاص إطلاق برامج طوارئ فورية لدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في قطاع الخدمات لمنع إفلاسها، ليس بهدف إعادتها لنمط الاستهلاك المفرط السابق، بل لمساعدتها على التكيف، والتحول الرقمي لتقليل النفقات التشغيلية، والاندماج لخلق كيانات أقوى قادرة على الصمود.
ثالثاً، يجب استثمار الكفاءات البشرية المعطلة (وخاصة مئات الآلاف من الخريجين الجامعيين والعمال العائدين من الخط الأخضر) في مشاريع زراعية وصناعية تعاونية تخلق أمناً غذائياً واكتفاءً ذاتياً، لتقليل فاتورة الواردات التي تبتلع أكثر من 7 مليارات دولار سنوياً وتستنزف عملتنا الصعبة.
إن انهيار قطاع الخدمات اليوم ليس مجرد أزمة عابرة ستنتهي بانتهاء الحرب، بل هو إعلان وفاة رسمي لا رجعة فيه لنموذج "الاقتصاد الريعي" الفلسطيني. التحدي الحقيقي أمامنا الآن ليس في كيفية إعادة فتح المحلات المغلقة فحسب، بل في كيفية اغتنام هذه الأزمة لإعادة بناء اقتصاد وطني مقاوم وحقيقي، جذوره تضرب في الأرض عبر الزراعة، وأعمدته ترتفع في المصانع، وعيونه تتطلع نحو المستقبل عبر التكنولوجيا، بدلاً من اقتصاد يعيش على هامش الاستهلاك وينتظر الفرج من تصريح عمل أو حوالة خارجية. السياسة.
إن هذه اللحظة التاريخية الفارقة تتطلب من صانع القرار الفلسطيني، والمستثمر، والمواطن على حد سواء، أن يدركوا أن قواعد اللعبة الاقتصادية قد تغيرت إلى الأبد. فإما أن نبني اقتصاداً نتحكم في مدخلاته ومخرجاته، أو نبقى أسرى لنموذج استهلاكي ينهار عند أول اختبار حقيقي. الخيار لنا، والوقت ليس في صالحنا.



أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس

إدمان إنتاج العجز: كيف انفصلت السياسة الفلسطينية عن واقعها؟


ليست المشكلة في انعدام الحلول، بل في عجز البنية السياسية عن إنتاج شروطها. انطلاقاً من هذه الفرضية، التي تناولت مضمونها في مقالات سابقة، يمكن قراءة الحالة الفلسطينية بوصفها مثالاً مكثفاً على ما يمكن تسميته بـ"إدمان إنتاج العجز"، حيث لا تعود الأزمة ظرفاً طارئاً، بل تتحول إلى مأزق مستعصٍ، تُعاد فيه صياغة السياسة بوصفها إدارة للانسداد لا آليات لتجاوزه.
لم يعد ممكناً مقاربة هذه الحالة عبر أدوات التحليل التقليدية التي تختزلها في خلل الأداء أو قصور القيادة، أو حتى في الانقسام. فهذه المقاربات، رغم أهميتها الإجرائية، تفترض ضمناً وجود نظام سياسي يعمل ضمن شروط طبيعية، ويعاني اختلالات قابلة للإصلاح. غير أن التجربة الفلسطينية تكشف أننا لسنا أمام أزمة أداء أو أزمة قيادة فقط، بل أمام أزمة في قدرة النظام السياسي نفسه على إنتاج مجال حقيقي للفعل والتمثيل والقرار.
في اللحظات التاريخية الحاسمة، لا تُقاس حيوية الحركات السياسية بقدرتها على إنتاج خطاب جديد، بل بقدرتها على كسر الشروط التي تُعيد إنتاج أزماتها. وفي الحالة الفلسطينية تتجسد مفارقة بنيوية حادة؛ فبينما يجترح المجتمع، تحت أقسى الشروط، أشكالاً متقدمة من الصمود والحياة، "يبتكر" النظام السياسي، بالقدر نفسه، أشكالاً أكثر تعقيداً من إدارة العجز. وهنا لا يكون العجز عابرًا، بل يصبح وظيفة، ولا يكون الفشل نتيجة، بل يتحول إلى آلية للحفاظ على المصالح الفئوية والشخصية.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال متعلقاً بطبيعة الفاعلين بقدر ما يتعلق بالمجال الذي يعملون داخله، وهل ما يزال هذا المجال قادراً على إنتاج سياسة بالمعنى الفعلي، أم أنه تحول إلى إطار لإدارة حدودها وسقوفها. فالعجز لا يظهر كفشل عرضي، بل كصيغة تحتوي الضغوط وتُعيد صياغة الأزمات دون أن تُحدث تحولاً في قواعد اللعبة، سوى بمزيد من الانسداد والانحدار.

من إنتاج السياسة إلى إدارة حدودها

يتجلى هذا النمط في قدرته على تقويض محاولات الإصلاح، وإغلاق أي إمكانية للتغيير. وهكذا تتحول الأزمة من حالة طارئة إلى استعصاء دائم، ويصبح العجز بيئة لإعادة إنتاج البنية وضمان بقائها.
ويتجلى ذلك في مشهد سياسي تتكرر فيه الدعوات إلى "الإصلاح وتجديد الشرعيات" منذ سنوات طويلة، دون أن يقود أي منها إلى تغيير فعلي في بنية القرار أو آليات التمثيل. فحتى اللحظات التي كان يُفترض أن تشكل منعطفاً تأسيسياً، من الحوارات الوطنية المتكررة إلى الوعود بإجراء انتخابات عامة، انتهت إلى إعادة إنتاج المراوحة ذاتها، بحيث أصبح الإعلان عن التغيير جزءاً من آلية تعطيله.
ولا يمكن فهم هذا النمط دون العودة إلى التحول التاريخي في طبيعة الفعل السياسي الفلسطيني. ففي المرحلة التأسيسية، كانت السياسة فعلاً تحررياً مفتوح الأفق، يستمد شرعيته من قدرته على إنتاج الفعل ذاته. ومع الانتفاضة الكبرى، اتسع المجال السياسي ليشمل المجتمع بأسره، حيث لم يعد الشعب مجرد حاضنة للتنظيم، بل منتجاً مباشراً للفعل السياسي. إلا أنه مع أوسلو، وبعد احتواء النهوض الجمعي والفعل الاجتماعي الذي ولدته الانتفاضة، انتقلت السياسة تدريجياً من حالة تغيير الواقع إلى إدارة الممكن داخله، ليتحول "الانتقال المؤقت" إلى حالة دائمة تُدار داخلها الحياة العامة.
ومع نشوء السلطة، التي افتقرت لفلسفة حكم تربط بين استكمال التحرر الوطني وتعزيز الصمود، لم تتشكل كأداة انتقال نحو السيادة، بل كجهاز لإدارة غيابها. وجاء الانقسام ليضيف طبقة سميكة من التعقيد، حيث نشأت حالة يمكن وصفها بـ"سلطة الانقسام"، بوصفها نمطاً مستقراً يعيد إنتاج نفسه عبر الانقسام ذاته.
وفي الوقت الذي يتعرض فيه المجتمع الفلسطيني لتحولات عميقة تحت وطأة الحرب والتفكك الاقتصادي والاستنزاف اليومي، تبدو البنى السياسية في الضفة وغزة أكثر انشغالاً بإدارة توازناتها الداخلية والمحافظة على شروط بقائها، من انشغالها بإعادة بناء المجال الوطني الجامع. حتى اللغة السياسية نفسها تبدو أحياناً منفصلة عن أولويات الناس، إذ تستمر في استدعاء مفردات الشرعية والوحدة والمقاومة، دون قدرة فعلية على ترجمتها إلى أفق سياسي ملموس.

فائض الصمود وعجز الترجمة السياسية

في قلب هذه البنية، تتشكل مفارقة مركزية قوامها فائض في الفعل الاجتماعي يقابله عجز في الترجمة السياسية. فالمجتمع الفلسطيني يواصل إنتاج أشكال الحياة والصمود، لكنه يفعل ذلك دون أن يتوفر له مجرى سياسي قادر على تحويل هذا الفعل إلى تمثيل أو قرار أو مشروع جامع.
ويمكن فهم هذا الوضع بوصفه انفصالاً متزايداً بين الحيوية الاجتماعية والبنية السياسية. هذا الانفصال لا يفسر فقط عجز النظام عن التغيير، بل يفسر أيضاً فشل محاولات إصلاحه. فالمشكلة لم تعد في غياب الأفكار أو المبادرات، بل في غياب الشروط التي تجعلها ممكنة. إذ تُطرح مشاريع الإصلاح داخل بنية لم تُصمَّم للتغيير، بل لضبطه وإعادة احتوائه، بحيث تتحول كل محاولة إصلاح إلى جزء من آلية إعادة إنتاج الأزمة ذاتها.
ومن هنا يمكن قراءة العديد من الاستحقاقات السياسية والتنظيمية الراهنة بوصفها تجليات لهذا النمط. فبدلاً من أن تشكل محطات للمراجعة، تتحول إلى أدوات لإعادة تثبيت توازنات المصالح. وفي هذا الإطار، تكتسب المؤتمرات الحركية الكبرى دلالة تتجاوز بعدها الإداري، إذ تؤدي وظيفة إعادة إنتاج البنية عبر تجديد شكلي للشرعيات وامتصاص الضغوط دون المساس بجوهر توزيع القوة والمصالح الفوقية، بحيث تصبح إعادة ترتيب المواقع داخل البنية بديلاً عن مساءلة البنية نفسها، أي إدارة للتغيير دون السماح بحدوثه.
أما الحرب الكارثية على قطاع غزة، بما حملته من مستويات غير مسبوقة من التدمير والإبادة والانكشاف الوطني، فقد كشفت بصورة قاسية حدود البنى السياسية القائمة جميعها. فبرغم الحجم التاريخي للكارثة، لا تزال الاستجابة السياسية تدور داخل الحسابات ذاتها، وكأن الحدث، على فداحته، لم يكن كافياً لفرض مراجعة بنيوية شاملة. وهنا تتجلى إحدى أخطر علامات الانفصال عن الواقع، حين يصبح استمرار البنية أكثر أولوية من مساءلة الشروط التي قادت إلى الكارثة.
ضمن هذه الشروط تستمر البنية في إدارة أزمتها وإعادة إنتاج نفسها رغم تآكل شرعيتها، فيما يتعمق الانفصال بين المجتمع والنظام، دون أن يضمن أي انفجار محتمل ولادة بديل سياسي فعليّ. أما تجاوز هذه الحلقة، فيتطلب إعادة تأسيس المجال السياسي نفسه.
غير أن هذا المسار يصطدم بقيود بنيوية عميقة، تتعلق باحتكار التمثيل، وتفكك المجال الوطني، والتمسك بشروط خارجية تحدّ من حرية الفعل، وهو ما يعني أن الأزمة لا تتعلق فقط بغياب الإرادة، بل بغياب القدرة البنيوية على إنتاج البديل.
وربما تكمن المفارقة الأشد قسوة في أن المجتمع الفلسطيني، الذي يواصل إنتاج أشكال مدهشة من الصمود والمبادرة والتكافل تحت النار والحصار والتفكك، يبدو في كثير من الأحيان أكثر حيوية من مؤسساته السياسية نفسها. فبينما يتحرك الناس داخل الزمن التاريخي المفتوح على التحولات الكبرى، يستمر النظام السياسي في إدارة اللحظة بعقلية الحفاظ على القائم، حتى ولو كان ذلك على أنقاض المجال الوطني ذاته.
من هنا، لا يمكن تصور الخروج من الحالة الراهنة دون إعادة فتح المجال السياسي ذاته، أي إعادة بناء الشروط التي تجعل الفعل السياسي ممكناً وقابلاً للتحوُّل. وذاك يتطلب إعادة تعريف السياسة بوصفها إنتاجاً للمجال لا مجرد إدارته، وفتح المجال أمام أشكال تمثيل أكثر اتساعاً، وتكسر احتكاره دون تفكيك المجتمع، وربط الشرعية بالفعل المجتمعي، وتحويل فائض الصمود إلى طاقة تأسيس، إلى جانب إنتاج مرحلة انتقالية محددة زمنياً ووظيفياً تتيح إعادة بناء العلاقة بين الفعل والسلطة وثقة الناس.
في هذا الإطار، لا يمكن النظر إلى المؤتمرات الحركية أو العمليات الانتخابية المحتملة بوصفها حلاً بحد ذاته، بل كأداة ضمن مسار تأسيسي أوسع. فالقضية ليست في استدعاء الإجراءات، بل في إعادة بناء المجال الذي يمنحها المضمون.
هنا، يتغير السؤال جذرياً. فلا يعود، كيف نُصلح البنى القائمة، بل، كيف يمكن إعادة تأسيس السياسة الفلسطينية على نحو يعيد ربطها بمصدرها الحي ومجالها الحيوي، وكيف يتحول المجتمع من موضوع للإدارة إلى مصدر للشرعية، وكيف يتحول الصمود من حالة دفاع إلى قوة تأسيس.
هناك فقط، وخارج البنية التي استنفدت شروطها، يمكن أن تستعيد السياسة معناها، ليس كإدارة للأزمة، بل كقدرة على كسرها، وفتح أفق تاريخي جديد للنهوض باستحقاقاتها.



فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:56 صباحًا - بتوقيت القدس

التحشيد الأمريكي.. استراتيجية ضغط تُبقي المنطقة على حافة التوتر


د. قصي حامد: واشنطن تبدو بصدد التخطيط لمرحلة تتعلق بالضغط على إيران وتقليص فعالية مضيق هرمز كورقة ضغط تستخدمها طهران
نبهان خريشة: التحشيد لا يعني الانزلاق نحو حرب شاملة ويشكل جزءاً من المعركة بحد ذاتها بهدف رفع كلفة الرفض لدى الطرف المقابل وإجباره على إعادة حساباته
د. جمال حرفوش: المنطقة تقف أمام صراع على شكل النظام الإقليمي الجديد لكن كل ما يجري قد لا يضبط الانزلاق نحو حرب شاملة
عريب الرنتاوي: المنطقة لا تزال تعيش سباقاً محموماً بين قرع طبول الحرب وحراك الوسطاء والدبلوماسية مع صعوبة الجزم بمآلات المشهد
د. سهيل دياب: خيار الحرب المفتوحة مع إيران لا يبدو مطروحاً بقوة في المرحلة الحالية حتى داخل أوساط الحزب الجمهوري الأمريكي
نعمان توفيق العابد: السيناريو الأقرب استمرار الحصار والضغوط السياسية والاقتصادية بانتظار نتائج التحركات الدبلوماسية مع بقاء احتمالات الحرب قائمة


رام الله - خاص بـ"القدس"-

يتصاعد المشهد العسكري في منطقة الخليج على وقع تحشيد أمريكي متزايد، شمل تعزيزات بحرية وجوية وتحركات لوجستية واسعة، ما أثار تساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تقترب من مواجهة عسكرية مع إيران، أم أن واشنطن تستخدم القوة العسكرية كورقة ضغط لفرض شروط تفاوضية أكثر تشدداً.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث مع "ے"، أن الحشود الأمريكية لا تعكس بالضرورة قراراً نهائياً بخوض حرب شاملة، بقدر ما تندرج ضمن استراتيجية ضغط متعددة الأدوات، تقوم على التهديد العسكري، وتشديد العقوبات الاقتصادية، وإبقاء قنوات التفاوض مفتوحة في الوقت ذاته، بهدف دفع طهران إلى تقديم تنازلات تتعلق بالملف النووي، ومضيق هرمز، والدور الإقليمي الإيراني، وسط إدراك أمريكي بأن أي مواجهة مفتوحة ستكون باهظة الكلفة سياسياً واقتصادياً وأمنياً.
ورغم بقاء احتمالات الضربات المحدودة أو التصعيد العسكري قائمة، فإن المشهد الإقليمي يبدو أقرب إلى مرحلة "عض أصابع" سياسية وعسكرية، تتداخل فيها حسابات الردع مع رهانات الوساطات الدولية، خصوصاً مع ترقب أدوار صينية وإقليمية محتملة لدفع مسار التهدئة، بحسب الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات.
وبينما تبقى المنطقة على حافة توتر مرتفع، لا يمكن ضمان عدم الانزلاق نحو الحرب المفتوحة، يرى الكتاب والمختصون وأساتذة الجامعات أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار الضغوط المتبادلة والحشد العسكري، دون الوصول –حتى الآن– إلى انفجار شامل، وإن ظلت احتمالات الخطأ في الحسابات أو الانزلاق المفاجئ حاضرة بقوة.


الدبلوماسية القسرية

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس المفتوحة د.قصي حامد أن التحشيد العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج، لا يشير بالضرورة إلى قرار واشنطن بشكل حاسم بالذهاب إلى حرب شاملة، بقدر ما يعكس اعتمادها لاستراتيجية "الدبلوماسية القسرية" الهادفة إلى الضغط على طهران وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية وأمنية في ملفات حساسة، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً في الوقت ذاته.
ويوضح حامد أن الولايات المتحدة تجمع حالياً بين مسارين متوازيين؛ الأول يتمثل في التهديد باستخدام القوة العسكرية وإظهار الجاهزية الميدانية، والثاني يقوم على عدم إغلاق المسار التفاوضي مع إيران، بما يسمح باستخدام الضغوط العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية كوسائل لإرغام طهران على تعديل سلوكها السياسي والإقليمي والاستجابة للمطالب الأمريكية.

خنق أوراق القوة الإيرانية

وبحسب حامد، فإن الحشد العسكري في الخليج، إلى جانب الحديث عن اجتياحات برية محدودة أو استهداف مواقع داخل إيران، لا يمكن فصله عن سياسات الضغط الاقتصادي والعقوبات ومحاولات خنق أوراق القوة الإيرانية، وعلى رأسها مضيق هرمز، معتبراً أن هذه الأدوات تندرج ضمن مفهوم "التفاوض تحت التهديد".
ويشير حامد إلى أن الفجوة الواسعة بين ما تعرضه إيران وما تطلبه الولايات المتحدة تدفع واشنطن إلى تصعيد أدوات الضغط العسكري، لكن من المستبعد أن تلجأ الإدارة الأمريكية إلى نموذج حرب شاملة أو ضربات واسعة النطاق على كامل الأراضي الإيرانية، بل على أهداف محددة، بما يضغط على قدرة إيران الاقتصادية ويحد من هامش مناورتها.
ويرى أن واشنطن تبدو بصدد التخطيط لمرحلة قد تمتد لأربعة أشهر على الأقل، تتعلق بالضغط على إيران، والسعي إلى تقليص فعالية مضيق هرمز كورقة ضغط تستخدمها طهران.
ويعتقد حامد أن هذه السياسة تندرج ضمن الانتقال التدريجي من "الدبلوماسية القسرية" إلى ما يعرف بـ"الردع القسري"، أي استخدام القوة المحدودة إذا لم تحقق الضغوط أهدافها.

تحول ملحوظ بأهداف واشنطن من الحرب

ويعتبر حامد أن أهداف واشنطن من الحرب شهدت تحولاً ملحوظاً، إذ بات هناك إدراك أمريكي بصعوبة إسقاط النظام الإيراني بصورة مباشرة، الأمر الذي دفع إلى تغيير المقاربات باتجاه زيادة الضغوط الاقتصادية والعسكرية لإضعاف قدرة إيران على الصمود وانتزاع تنازلات تتعلق بالملف النووي، ومضيق هرمز، والسلوك الإقليمي الإيراني.
وحول السيناريوهات المحتملة، يؤكد حامد أن جميع الاحتمالات ما تزال قائمة، سواء التوصل إلى اتفاق إطار بين الطرفين، أو العودة إلى الضربات العسكرية، في ظل تمسك كل طرف بسقف مرتفع من المطالب ورغبته في الظهور بمظهر المنتصر.
ويوضح حامد أن إيران لا ترى نفسها خاسرة في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولذلك لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات واسعة في الملفات الأساسية، مستندة إلى قدرتها على التأثير في الاقتصاد العالمي عبر التلويح بتداعيات مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط.
ويشير حامد إلى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى اتفاق يثبت أنها حققت مكاسب واضحة، خصوصاً في ظل اعتبارات تتعلق بهيبتها العسكرية وضغوط داخلية تواجه إدارة ترمب، سواء من التيار المحافظ داخل الحزب الجمهوري أو الحسابات الانتخابية المرتبطة بالانتخابات النصفية المقبلة.
ويلفت حامد إلى أن الدور الصيني قد يصبح عاملاً مؤثراً في المرحلة المقبلة، خصوصاً مع الاتصالات المتوقعة بين واشنطن وبكين، إذ قد تسعى الصين إلى لعب دور ضامن أو وسيط لدفع إيران نحو تقديم تنازلات تقرّب وجهات النظر، لكن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متناقضة.

مرحلة ضغط سياسي وعسكري ونفسي

يرى الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن التصعيد العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج، وما يرافقه من تعزيزات بحرية وجوية وتحركات لوجستية متقدمة، لا يعني بالضرورة أن المنطقة باتت على أعتاب حرب شاملة مع إيران، بقدر ما يعكس مرحلة ضغط سياسي وعسكري ونفسي تقودها واشنطن بهدف انتزاع تنازلات إيرانية ضمن شروط تفاوضية أكثر تشدداً.
ويشير خريشة إلى أن حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن وجود نحو 50 ألف جندي أمريكي في المنطقة، بالتزامن مع تحركات لطائرات التزود بالوقود داخل المطارات الإسرائيلية، أثار تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو مواجهة عسكرية فعلية أم أن ما يجري يدخل في إطار ممارسة ضغوط نفسية وسياسية على إيران.
في حين، يعتبر خريشة أن نشاط طائرات التزود بالوقود يحمل دلالات مهمة، إذ يستخدم هذا النوع من الطائرات عادة لدعم العمليات الجوية بعيدة المدى، بما قد يشير إلى استعدادات لسيناريوهات هجومية محتملة ضد أهداف إيرانية أو مواقع مرتبطة بحلفاء طهران، لكنه لا يعني بالضرورة اتخاذ قرار نهائي بالحرب، بل قد يكون جزءاً من استراتيجية الردع وإرباك الخصم استخبارياً ونفسياً.

التحشيد جزء من المعركة

ويعتبر خريشة أن التحشيد في كثير من الأحيان لا يعني الانزلاق نحو حرب شاملة ويشكل جزءاً من المعركة بحد ذاتها، باعتباره رسالة قوة تهدف إلى رفع كلفة الرفض لدى الطرف المقابل وإجباره على إعادة حساباته.
ويشير خريشة إلى أن الولايات المتحدة تدرك جيداً أن أي حرب واسعة مع إيران ستكون مختلفة عن تجارب سابقة في المنطقة، فإيران تمتلك قدرات صاروخية وشبكات نفوذ إقليمية، وأدوات ضغط قادرة على تهديد القواعد الأمريكية وخطوط الملاحة والطاقة في الخليج، ما يجعل أي مواجهة مفتوحة ذات كلفة استراتيجية واقتصادية مرتفعة على العالم.

الضغط المتبادل دون الانزلاق لمواجهة شاملة

وحول السيناريوهات المحتملة، يرجّح خريشة استمرار سياسة الضغط المتبادل دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، عبر الجمع بين العقوبات الاقتصادية ورفع الجاهزية العسكرية مع إبقاء قنوات التفاوض غير المباشر مفتوحة.
ويشير خريشة إلى احتمال تنفيذ ضربات أمريكية أو إسرائيلية محدودة تستهدف منشآت عسكرية أو نووية أو مواقع لفصائل حليفة لإيران، إذا ما اعتُبر أن طهران اقتربت من "خطوط حمراء" معينة.

عض أصابع سياسي

ولم يستبعد خريشة سيناريو الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع نتيجة خطأ في الحسابات أو ردود فعل غير محسوبة، لكنه يصف الحديث عن غزو بري أمريكي واسع لإيران بأنه يبدو حتى الآن أقرب إلى المبالغات الإعلامية، في ظل تعقيدات الجغرافيا الإيرانية وتجارب واشنطن السابقة في العراق وأفغانستان، إضافة إلى تراجع الحماسة داخل الولايات المتحدة لخوض حروب طويلة ومكلفة.
ويعتبر خريشة أن المنطقة تقف حالياً على حافة توتر مرتفع أشبه بـ"عض أصابع" سياسي وعسكري، حيث تسعى الأطراف إلى فرض شروطها عبر استعراض القوة دون الوصول إلى انفجار شامل، مع بقاء احتمال التصعيد قائماً.

رسالة ضغط متعددة المستويات

يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش أن التحشيد العسكري الأمريكي المتزايد في منطقة الخليج، إذا صحت تقديراته الميدانية والسياسية، يمثل رسالة ضغط متعددة المستويات، هدفها إبقاء خيارات التصعيد العسكري قائمة بالتوازي مع رفع سقف الضغوط السياسية على إيران.
ويوضح حرفوش أن انتشار حاملات الطائرات الأمريكية، وتعزيز قدرات الطيران المتقدم، وتحريك طائرات التزود بالوقود، يعكس استعداداً لعمليات قد تكون طويلة الأمد، وليس لتحركات ظرفية محدودة، مع سعي واشنطن إلى إبقاء خيار الضربات الواسعة أو التدخل المحدود مطروحاً على الطاولة، حتى وإن لم تحسم بعد قرار الذهاب إلى حرب برية شاملة.
ويرى حرفوش أن الحديث عن حشد نحو 50 ألف جندي أمريكي يحمل دلالتين أساسيتين؛ الأولى ردعية تهدف إلى إيصال رسالة مباشرة لطهران بأن أي تصعيد سيترتب عليه ثمن مرتفع، والثانية تفاوضية، عبر تكثيف الضغط قبل أي تسوية سياسية محتملة، مؤكداً أن الولايات المتحدة عادة لا تلجأ إلى هذا المستوى من الحشد إلا عندما تسعى إلى فرض معادلة سياسية جديدة قوامها "اتفاق بشروطها أو مواجهة بشروطها".
ويشير حرفوش إلى أن الحديث عن تحريك طائرات التزود بالوقود داخل المطارات الإسرائيلية يعكس انتقال التفكير العسكري من مجرد الدفاع أو الرد المحدود إلى تجهيز مسرح عمليات يسمح بتنفيذ ضربات بعيدة ومتكررة ضد أهداف داخل العمق الإيراني.

الخليج يتحول لساحة اختبار كبرى

ويبيّن حرفوش أن الخليج يتحول مجدداً إلى ساحة اختبار كبرى بين الردع والحرب، في وقت لا ترغب فيه دول الخليج باندلاع مواجهة شاملة ستكون لها كلفة مباشرة، معتبراً أن التحشيد الأمريكي يحمل أيضاً رسالة للحلفاء مفادها بأن واشنطن ما تزال الطرف القادر على الإمساك بمفاتيح الأمن الإقليمي ومنع أي فراغ استراتيجي.
ويحذر حرفوش من أن أي غزو بري لإيران سيطرح إشكاليات عميقة تتعلق بميثاق الأمم المتحدة، إذ إن استخدام القوة العسكرية لا يعد مشروعاً قانونياً إلا في إطار الدفاع الشرعي عن النفس أو بتفويض من مجلس الأمن، فيما قد تؤدي الضربات الوقائية أو استهداف المنشآت النووية إلى تداعيات قانونية وسياسية خطيرة.
ويحذر أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة "حرب متصاعدة" بالمعنى السياسي والاستراتيجي، حتى وإن لم تتحول بعد إلى مواجهة شاملة.

خمسة سيناريوهات محتملة

ويطرح حرفوش خمسة سيناريوهات محتملة للمشهد المقبل، تبدأ باستمرار الضغط العسكري دون غزو بري، مروراً بحرب جوية وصاروخية محدودة تستهدف مواقع نووية أو عسكرية، أو توسع المواجهة عبر ساحات إقليمية متعددة كالعراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج، وصولاً إلى سيناريو الغزو البري المحدود كخيار أكثر كلفة وأقل عقلانية، وانتهاءً باحتمال الوصول إلى تسوية تحت النار" تتيح لجميع الأطراف حفظ مصالحها وتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ويشير حرفوش إلى أن المنطقة تقف اليوم أمام صراع يتجاوز الحرب التقليدية إلى صراع على شكل النظام الإقليمي الجديد، لكن كل ما يجري قد لا يضبط الانزلاق نحو حرب شاملة.

حالة من الترقب المشوب بالحذر

يوضح مدير مركز القدس للدراسات السياسية عريب الرنتاوي أن الخيار العسكري لم يغب يوماً عن طاولة التفاوض غير المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أن المشهد الإقليمي ما زال محكوماً بحالة من الترقب المشوب بالحذر، في ظل توازي الاستعدادات للحرب مع استمرار المساعي السياسية والدبلوماسية لتفادي انفجار واسع في المنطقة.
ويشير الرنتاوي إلى أن واشنطن وطهران تتعاملان مع المرحلة الراهنة وفق احتمالين متناقضين يسيران بالتوازي؛ أولهما إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية في أي لحظة، وثانيهما اندلاع مواجهة عسكرية قد تبدأ دون مقدمات.
ويلفت الرنتاوي إلى أن الولايات المتحدة تواصل تعزيز استعداداتها الميدانية عبر حشد قواتها، وإعادة تعبئة مخازن الذخيرة وتعويض النقص فيها، إلى جانب استعراض قدراتها العسكرية البحرية، فيما تواصل إيران الإعلان عن رفع مستوى الجاهزية العسكرية، وتطوير قدراتها الدفاعية والهجومية، بالتزامن مع استعراضات لغواصاتها وزوارقها الحربية، وسط تصاعد واضح في خطاب التحدي السياسي والميداني الإيراني.

إسرائيل الأكثر اندفاعاً نحو خيار الحرب

ويوضح الرنتاوي أن إسرائيل تبدو الطرف الأكثر اندفاعاً نحو خيار الحرب، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يدفع باتجاه توجيه ضربة واسعة لإيران، انطلاقاً من قناعة إسرائيلية بأن استهدافاً مكثفاً للبنى التحتية للطاقة والنفط والغاز والمواقع الاستراتيجية الإيرانية قد يدفع طهران إلى حافة الانهيار أو القبول بالشروط الأمريكية.
ويبيّن أن الولايات المتحدة، رغم إبقائها الخيار العسكري مطروحاً ضمن السيناريوهات المحتملة، لم تتخل بعد عن المسار السياسي، إذ ما تزال المفاوضات مستمرة، فيما تتكثف جهود الوسطاء وتتزايد الضغوط الدولية لإنقاذ فرص الحل الدبلوماسي.
ويتوقع الرنتاوي أن تشكل الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى بكين ولقائه بالرئيس الصيني شي جين بنغ محطة مؤثرة في هذا الملف، مرجحاً أن تضطلع بكين بدور أكثر وضوحاً في دفع مسار التهدئة.
ويؤكد الرنتاوي أن المنطقة لا تزال تعيش سباقاً محموماً بين قرع طبول الحرب وحراك الوسطاء والدبلوماسية، مع صعوبة الجزم بمآلات المشهد في ظل التعثر المتزايد للمفاوضات والتقلبات المرتبطة بمواقف الإدارة الأمريكية، ولا سيما طبيعة قرارات ترمب المتغيرة.

إسرائيل قاعدة مركزية لتجميع القوة العسكرية الأمريكية

يرى أستاذ العلوم السياسية د.سهيل دياب أن التحركات العسكرية الأمريكية المتزايدة في الشرق الأوسط، بما في ذلك داخل إسرائيل، لا تعكس بالضرورة اقتراب اندلاع حرب واسعة مع إيران، معتبراً أن هذه التحركات تستند إلى جملة من الأسباب العسكرية والسياسية واللوجستية، أكثر من كونها مؤشراً مباشراً على مواجهة عسكرية وشيكة.
ويوضح دياب أن أحد أبرز أسباب إعادة التموضع العسكري الأمريكي يتمثل في التحولات التي طرأت على انتشار القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، مشيراً إلى أن استهداف غالبية هذه القواعد خلال الفترات الماضية دفع الولايات المتحدة إلى تحويل إسرائيل إلى قاعدة مركزية لتجميع القوة العسكرية الأمريكية، بما يشمل مخازن الأسلحة والذخائر المخصصة لمنطقة الشرق الأوسط والأسطول الأمريكي.
ويلفت دياب إلى أن جزءاً كبيراً من الذخائر التي كانت موزعة على قواعد أمريكية مختلفة جرى نقلها إلى إسرائيل، الأمر الذي أثار حالة من القلق داخل الأوساط الإعلامية الإسرائيلية لأسباب أمنية تتعلق بحجم التركيز العسكري داخلها.

محدودية الفاعلية العسكرية للأساطيل البحرية الأمريكية

ويبيّن دياب أن السبب الثاني يعود إلى محدودية الفاعلية العسكرية للأساطيل البحرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، لافتاً إلى أن حاملات الطائرات والبارجات البحرية باتت مضطرة إلى الابتعاد عن السواحل الإيرانية ومضيق هرمز والبحر العربي، خشية تعرضها للاستهداف المباشر، ما قلل من قدرتها على أداء دور القواعد العسكرية المتحركة كما في السابق. وبحسب دياب، فإن هذا الواقع دفع واشنطن إلى الاعتماد بصورة أكبر على اليابسة الإسرائيلية بوصفها قاعدة عسكرية آمنة وثابتة لتخزين السلاح وإدارة الانتشار العسكري.

رسالة طمأنة للحلفاء الإقليميين

ويشير دياب إلى أن التحرك العسكري الأمريكي يحمل أيضاً بعداً سياسياً ورسالة طمأنة إلى الحلفاء الإقليميين، خصوصاً في الخليج، مفادها بأن الولايات المتحدة ما زالت حاضرة بقوة وتمتلك أدوات الردع العسكرية، بما في ذلك الشراكة الأمنية مع إسرائيل، رغم التوترات القائمة في المنطقة.
ويعتبر دياب أن الخيارات الأمريكية تجاه إيران تبدو محدودة وضاغطة زمنياً، في ظل استحقاقات سياسية واقتصادية متلاحقة تواجه الإدارة الأمريكية، من بينها الزيارة المرتقبة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى الصين، والملفات الاقتصادية المرتبطة بالتجارة الدولية وأسعار النفط، إضافة إلى الاستعدادات الداخلية للاستحقاقات السياسية المقبلة، بما فيها انتخابات التجديد النصفي.
ويرى دياب أن خيار الحرب المفتوحة مع إيران لا يبدو مطروحاً بقوة في المرحلة الحالية، حتى داخل أوساط الحزب الجمهوري الأمريكي، موضحاً أن تجارب المواجهات العسكرية السابقة ومحاولات فرض حصار واسع على إيران لم تحقق النتائج المرجوة، كما أن الجهود الأمريكية لحشد دعم أوروبي ودولي أوسع اصطدمت بتحفظات متزايدة، لا سيما من دول أوروبية وخليجية تخشى تداعيات التصعيد الأمني في منطقة الخليج.
ويرجّح دياب أن تتجه الولايات المتحدة نحو الإبقاء على صيغة "اللاحرب واللاسلم"، مع استمرار المسار الدبلوماسي بوصفه الخيار الأكثر واقعية.

البحث عن دور صيني محتمل

ولم يستبعد دياب أن تتحول زيارة ترمب إلى بكين إلى محطة رئيسية للبحث في دور صيني محتمل في حماية الملاحة بمضيق هرمز ودفع جهود الوساطة الدولية، مرجحاً بروز وساطة صينية أو صينية–روسية، إلى جانب أدوار إقليمية تقودها دول مثل قطر والسعودية وباكستان، بهدف إبقاء الملف الإيراني ضمن المسار السياسي وتفادي الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

ترمب وتحقيق صورة النصر السياسي

يعتبر الكاتب والباحث السياسي والمختص في العلاقات الدولية نعمان توفيق العابد أن جوهر الأزمة المتصاعدة بين واشنطن وطهران يتمثل في سعي الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس دونالد ترمب، إلى تحقيق "صورة نصر سياسي"، عبر محاولة فرض ما تعتبره طهران صيغة استسلام وإذعان من خلال الورقة الأمريكية المطروحة للتفاوض.
ويوضح العابد أن الضغوط الأمريكية على إيران لا تنفصل عن المسار العسكري والسياسي الذي انتهجته واشنطن خلال الفترة الماضية، مشيراً إلى أن الحرب التي استمرت 12 يوماً، تلتها جولة تصعيد أخرى امتدت 40 يوماً، إضافة إلى تشديد الحصار على الموانئ الإيرانية ومجمل الاقتصاد الإيراني، تندرج جميعها ضمن أدوات ضغط متراكمة تهدف إلى دفع طهران نحو توقيع الاتفاق وفق الرؤية الأمريكية ومن دون تعديلات تمس الأسس الجوهرية التي وضعتها واشنطن.

النهج التفاوضي الأمريكي بطرح "صفقة جاهزة"

ويبيّن العابد أن النهج التفاوضي الأمريكي يقوم على طرح "صفقة جاهزة" تسعى الإدارة الأمريكية إلى فرضها مع هامش محدود للتعديلات الشكلية، دون المساس بالأهداف الاستراتيجية الأساسية.
ويلفت العابد إلى أن أي رد إيراني لا يتماهى بصورة كاملة مع الرؤية الأمريكية يواجه رفضاً مباشراً من واشنطن، وهو ما انعكس في الموقف الأمريكي من الرد الإيراني الأخير.
ويشير العابد إلى أن تصريحات ترمب الأخيرة، التي شكك فيها بمن يمثل النظام الإيراني، حملت بعداً وصفه بـ"الإهانة السياسية"، معتبراً أن ترمب يتصرف انطلاقاً من قناعة بأنه أضعف النظام الإيراني أو أحدث تحولاً داخله، في إطار تقديم الحرب باعتبارها حققت أهدافها.

رفض إيران للإملاءات

ويشدد العابد على أن العقلية السياسية الإيرانية لا تقبل الإملاءات أو لغة الإهانة، وهو ما يفسر استمرار الرفض الإيراني للضغوط الأمريكية.
ويشير العابد إلى أن الرد الإيراني على الورقة الأمريكية استند بصورة رئيسية إلى غياب الثقة بالولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة في ضوء تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها عن أن الحرب على طهران لم تنتهِ بعد، ومن هنا، جاءت المطالب الإيرانية بضمانات دولية واضحة تتعلق بإنهاء الحرب وعدم تجددها، وضمان سير المفاوضات وأي اتفاق محتمل ينتج عنها.

"تفكيك الملفات" عبر خطوات تدريجية

ويؤكد العابد أن طهران تسعى أيضاً إلى "تفكيك الملفات" عبر خطوات تدريجية، تشمل مهلة زمنية بعد فك الحصار عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، مشيراً إلى أن إيران تستند في حذرها الحالي إلى دروس مستخلصة من تجارب تفاوضية سابقة في المنطقة، وتخشى تكرار نماذج اتفاقات لم تُنفذ بنودها كاملة.

التصعيد العسكري المؤجل

ويرجّح العابد أن يبقى التصعيد العسكري مؤجلاً إلى ما بعد زيارة ترمب المرتقبة إلى الصين، موضحاً أن الرئيس الأمريكي قد يلجأ إلى مقاربة "تبادل الملفات" مع بكين، بما يتيح للصين لعب دور وساطة أو المساهمة في إدارة الملف الإيراني مقابل تفاهمات في ملفات أخرى، بالتوازي مع وجود أدوار إقليمية ودولية داعمة للمسار التفاوضي.
ويعتقد العابد أن السيناريو الأقرب حالياً يتمثل في استمرار الحصار والضغوط السياسية والاقتصادية بانتظار نتائج التحركات الدبلوماسية، مع بقاء احتمالات الحرب أو تنفيذ عمليات عسكرية محدودة وقائمة، خصوصاً إذا أخفقت الجهود السياسية أو تعثرت الحسابات الأمريكية المرتبطة بالملف النووي الإيراني والاستقرار الداخلي في إيران، محذراً من أن تداعيات أي تصعيد إضافي لن تقتصر على طهران وحدها، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وحركة التجارة والطاقة الدولية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس

دولة الاحتلال تكرّس واقعاً احتلالياً مستداماً في غزة


بينما تتواصل المفاوضات غير المباشرة بشأن استكمال اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تمضي إسرائيل بخطى متسارعة لفرض وقائع ميدانية تجعل أي اتفاق سياسي لاحق خاضعاً لشروطها الأمنية والجغرافية. فالهدف الإسرائيلي لم يعد يقتصر على إدارة الحرب أو ممارسة الضغط العسكري، بل يتجه نحو تكريس واقع احتلالي طويل الأمد يعيد رسم حدود القطاع ويقلّص مساحته الفعلية، ويحوّل أكثر من مليوني فلسطيني إلى سكان محاصرين في جيوب مكتظة ومعزولة.

في أحدث خطواتها، وسّعت إسرائيل ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” شرق قطاع غزة ليتجاوز طريق صلاح الدين، الشريان الرئيسي الذي يربط شمال القطاع بجنوبه. ومع هذا التوسع، ارتفعت نسبة الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة إلى نحو 60% من مساحة قطاع غزة البالغة 365 كيلومتراً مربعاً.
وكان هذا الخط في الأصل حداً افتراضياً مؤقتاً ضمن تفاهمات وقف إطلاق النار، لكنه يتحول تدريجياً إلى حدود فعلية جديدة. ومع التوغلات الإسرائيلية المتكررة غرباً،  وأصبح يسمى “الخط البرتقالي”، في إشارة إلى اتساع مناطق السيطرة الإسرائيلية وتآكل المساحة المتبقية للفلسطينيين.

ويُعد طريق صلاح الدين اليوم من أخطر الطرق في القطاع، إذ تحوّل من شريان حياة إلى مصدر خوف دائم نتيجة الاستهداف المتكرر للمركبات والمارة، بحجة اقترابهم من مناطق عازلة يحددها الجيش الإسرائيلي بشكل أحادي ودون أي علامات واضحة. هذه التطورات الميدانية لا تبدو إجراءات عسكرية مؤقتة أو أوراق ضغط تفاوضية عابرة، بل تعكس استراتيجية إسرائيلية متكاملة تهدف إلى تحويل الاحتلال العسكري المؤقت إلى واقع دائم منخفض التكلفة.

وقد عبّر عن هذا التوجه بوضوح عدد من المحللين والمقربين من دوائر صنع القرار في إسرائيل، ومن بينهم إلياهو بن آشر من المجموعة الاستراتيجية في حزب الليكود، الذي رأى أن أفضل سيناريو بالنسبة لإسرائيل هو الإبقاء على الوضع الحالي دون حسم نهائي. وقال إن إسرائيل تسيطر على ثلثي مساحة القطاع بما في ذلك المعابر، وإن غياب إعادة الإعمار، وارتفاع دوافع الهجرة، يجعلان هذا الواقع أفضل بكثير من سيناريو انسحاب إسرائيل وعودة السلطة الفلسطينية. ورغم أن هذا التقدير لا يمثل موقفاً رسمياً معلناً، فإنه يعكس إلى حد كبير الاتجاه العملي الذي تتبعه الحكومة الإسرائيلية على الأرض.

ويقوم هذا التصور على عدم القضاء الكامل على حركة حماس، وعدم الانسحاب من المناطق المحتلة، والإبقاء على غزة في حالة إنهاك دائم تمنع إعادة إعمارها أو استعادة أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية.
وليس شرطاً أن تعيد إسرائيل بناء المستوطنات كي تكرّس احتلالاً دائماً، إذ يكفيها الاحتفاظ بالسيطرة العسكرية والأمنية، ومنع السكان من الوصول إلى أراضيهم، وإخضاع القطاع لحصار مشدد، مع الاحتفاظ بحرية التدخل العسكري في أي وقت.

وهذا النموذج هو ذاته الذي تطبقه إسرائيل في جنوب لبنان وفي الأراضي السورية التي تحتلها، حيث تفرض سيطرة أمنية مستمرة من دون أن تتحمل أعباء الإدارة المدنية أو المسؤولية القانونية الكاملة. وفي غزة يتجسد هذا النموذج بوضوح في مدينة رفح التي أصبحت شبه خالية من السكان بعد تدميرها الواسع، وكذلك في بيت حانون التي تعرضت لدمار مماثل، إلى جانب المناطق الشرقية والشمالية والوسطى التي تحولت إلى أحزمة عسكرية معزولة.

ويتقاطع هذا المسار الميداني مع النهج الإسرائيلي في المفاوضات الجارية بشأن استكمال اتفاق وقف إطلاق النار. إذ تتعثر المباحثات حول الانتقال إلى المرحلة الثانية بسبب إصرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على نزع سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية قبل أي انسحاب إسرائيلي أو بدء عملية إعادة الإعمار.

في المقابل، تؤكد حركة حماس أن الاتفاق الأصلي، المدعوم بقرار من مجلس الأمن الدولي، ينص على استكمال المرحلة الأولى أولاً، بما يشمل الانسحاب الإسرائيلي، ورفع القيود، والشروع في إعادة الإعمار، قبل بحث القضايا السياسية والأمنية الأخرى. لكن إسرائيل تستخدم هذا الشرط أداةً لتعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية وكسب الوقت اللازم لتثبيت مواقعها العسكرية وتوسيع مناطق سيطرتها. وهكذا تتحول المفاوضات من مسار يفترض أن يقود إلى إنهاء الحرب إلى غطاء سياسي لترسيخ نتائجها على الأرض.

ولا تقتصر السياسة الإسرائيلية على منع عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الحرب، بل تسعى إلى إعادة هندسة قطاع غزة ديموغرافياً وجغرافياً وسياسياً عبر تقليص المساحة المتاحة للسكان، ومنع إعادة الإعمار الحقيقية، والإبقاء على المعابر تحت السيطرة الإسرائيلية، ودفع السكان نحو الهجرة القسرية، وتحويل المناطق المدمرة إلى أحزمة أمنية وحدود فعلية جديدة.
وبهذا المعنى، لم تعد الحرب مجرد عملية عسكرية، بل أصبحت مشروعاً لإعادة تشكيل قطاع غزة بما يخدم الرؤية الأمنية والسياسية الإسرائيلية لعقود مقبلة.

ومن بين جميع السيناريوهات المطروحة، يبدو أن السيناريو المفضل لحكومة نتنياهو هو الإبقاء على غزة منطقة مدمرة ومحاصرة، مع سيطرة إسرائيل على معظم أراضيها، ومنع أي إعادة إعمار حقيقية أو قيام سلطة فلسطينية فاعلة. ويحقق هذا السيناريو لإسرائيل عدة أهداف في آن واحد: السيطرة على الأرض دون تحمل مسؤولية السكان، والإبقاء على حماس ضعيفة ولكن قائمة بما يمنع البدائل السياسية، وتعطيل قيام سلطة فلسطينية موحدة، واستخدام الوضع الإنساني كورقة ضغط مستمرة، وفرض حدود جديدة يعتاد العالم عليها تدريجياً. وبذلك، تصبح المفاوضات وسيلة لإدارة هذا الواقع لا لإنهائه أو تغييره.

ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد خرق لاتفاق وقف إطلاق النار، بل عملية منظمة لإنتاج واقع احتلالي مستدام. فبينما ينشغل الوسطاء بمحاولات إنقاذ المفاوضات، تعمل إسرائيل على تثبيت حدود جديدة بالقوة وتحويل أكثر من نصف قطاع غزة إلى منطقة عسكرية مغلقة. وفي حال استمر هذا المسار، فإن المرحلة الثانية من الاتفاق قد تصبح بلا معنى، لأن إسرائيل ستكون قد حققت فعلياً أهدافها الأساسية: السيطرة على الأرض، وتعطيل إعادة الإعمار، ومنع أي تسوية سياسية يمكن أن تفضي إلى إنهاء الاحتلال.
إن أخطر ما في هذه السياسة أنها لا تحتاج إلى إعلان رسمي أو قرارات صاخبة؛ يكفي أن يتوسع “الخط الأصفر” بضعة أمتار في كل مرة، وأن يصمت العالم، حتى يتحول الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:51 صباحًا - بتوقيت القدس

فتح أمام لحظة المراجعة الكبرى... لماذا يحتاج المؤتمر الثامن إلى برنامج إنقاذ وطني لا مجرد انتخابات؟


في اللحظات العادية، تتحول المؤتمرات الحركية إلى استحقاقات تنظيمية تتنافس فيها الأسماء والتحالفات والتمثيلات. أما في اللحظات المصيرية، فإن المؤتمر يصبح سؤالًا عن مستقبل الحركة والقضية معًا. وهذا تحديدًا ما يواجهه حركة فتح اليوم، وهي تدخل مؤتمرها العام الثامن في ظل واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية منذ عقود.
فالحرب على غزة لم تعد مجرد عدوان عسكري محدود بزمن أو جغرافيا، بل أصبحت مدخلًا لإعادة تشكيل الواقع الفلسطيني كله: سياسيا، وجغرافيا، وأمنيًا، وحتى إداريا. وفي الوقت الذي تُطرح فيه ترتيبات دولية وإقليمية لإدارة غزة وإعادة إعمارها، تتعرض القدس لتهويد متسارع، وتُستنزف الضفة الغربية بالاستيطان والاقتحامات والحواجز، بينما يعيش النظام السياسي الفلسطيني حالة إنهاك وفقدان ثقة غير مسبوقة.

في مثل هذه اللحظة، لا يكفي أن تعقد فتح مؤتمرا انتخابيا ينتهي بإعادة تشكيل اللجنة المركزية والمجلس الثوري. القضية أعمق من ذلك بكثير. المطلوب هو مراجعة شاملة لمسار الحركة والنظام السياسي الفلسطيني كله، لأن الأزمة لم تعد فقط أزمة احتلال، بل أيضا أزمة داخلية مرتبطة بتراجع الحياة التنظيمية، وغياب المحاسبة، واتساع الفجوة بين القيادة والقاعدة، وتحول جزء من الحركة من مشروع تحرر وطني إلى بنية مرتبطة بإدارة السلطة ومتطلباتها اليومية.

المشكلة الأساسية ليست في الانتخابات بحد ذاتها، بل في أن تتحول الانتخابات إلى نهاية الطريق بدل أن تكون بدايته. فالحركات الكبرى لا تُقاس فقط بمن يفوز داخلها، بل بقدرتها على تجديد نفسها واستعادة دورها الوطني والتاريخي.
لقد دفعت فتح ثمنا سياسيا وتنظيميا باهظًا خلال السنوات الماضية بسبب غياب المراجعة الجدية. فالانقسام الفلسطيني لم يكن مجرد خلاف عابر، بل زلزالًا أصاب المشروع الوطني كله، وكشف حجم التآكل الذي أصاب النظام السياسي والحركة الوطنية. ومع ذلك، لم تحصل مراجعة حقيقية وعميقة لأسباب خسارة غزة، أو لفشل المصالحة، أو للعلاقة المرتبكة بين الحركة والسلطة، أو لتأثير البيروقراطية على الروح الكفاحية للحركة.
ولهذا فإن أول ما يحتاجه المؤتمر الثامن هو شجاعة الاعتراف بالأزمة بدل إنكارها أو تجميلها. فالحركات لا تسقط حين تخطئ، بل حين تفقد القدرة على مراجعة أخطائها. ومن هنا تأتي أهمية الدعوة إلى تشكيل هيئة مستقلة للنزاهة والمحاسبة داخل الحركة، تكون قادرة على مراجعة الأداء المالي والتنظيمي، والتحقيق في ملفات الفساد والإقصاء الداخلي، ومراقبة تضارب المصالح بين المواقع التنظيمية والتنفيذية. كما أن مراجعة تجربة الانقسام منذ عام 2007 يجب أن تتحول إلى مهمة وطنية وتنظيمية حقيقية، لا مجرد مادة للخطابات أو تبادل الاتهامات.
لكن النقد الذاتي وحده لا يكفي. فالقضية الفلسطينية تواجه اليوم خطرًا أكبر يتمثل في إعادة تشكيلها خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية. وغزة تقف في قلب هذا الخطر. فالمسألة لم تعد فقط إعادة إعمار أو إدارة خدمات، بل سؤال من يملك الشرعية والقرار والتمثيل في المرحلة القادمة. وإذا تحولت ترتيبات "الإدارة الانتقالية" أو "الإعمار المشروط" إلى واقع دائم، فإننا نكون أمام خطر إنتاج غزة منفصلة سياسيًا وإداريًا عن المشروع الوطني الفلسطيني.

لهذا فإن أي رؤية وطنية جادة يجب أن تبدأ من التأكيد أن غزة ليست ملفًا إنسانيًا منفصلًا، بل جزء من وحدة سياسية وجغرافية ووطنية لا يمكن التفريط بها. ومن هنا تبرز ضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية بصلاحيات كاملة في غزة والضفة، والتحضير لانتخابات عامة خلال فترة زمنية محددة، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها المرجعية الوطنية الجامعة لكل الفلسطينيين.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل أن القدس تواجه أخطر مراحل الاستهداف عبر التهويد والاستيطان والعزل، بينما تتعرض المخيمات الفلسطينية لمحاولات تهميش وتفكيك متواصلة، ويعيش الأسرى ظروفًا قاسية غير مسبوقة، في وقت تتراجع فيه قضيتهم سياسيًا وإعلاميًا. كما أن استهداف وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ليس قضية مالية فقط، بل محاولة لشطب البعد السياسي لقضية اللاجئين وحق العودة.

كل ذلك يفرض إعادة تعريف أولويات الحركة الوطنية الفلسطينية. فالمطلوب اليوم ليس فقط الحفاظ على السلطة أو إدارة الأزمة، بل إعادة بناء مشروع وطني قادر على الصمود والمواجهة. وهذا يتطلب إعادة الاعتبار للمقاومة الشعبية المنظمة باعتبارها استراتيجية وطنية مستمرة، لا مجرد رد فعل موسمي. كما يتطلب مراجعة العلاقة الأمنية والسياسية مع الاحتلال، لأن استمرار التنسيق الأمني بصيغته الحالية يخلق تناقضًا عميقًا مع أي مشروع مقاومة شعبية حقيقية.
في المقابل، لا يمكن لأي حركة أن تتجدد دون أن تفتح الباب أمام الشباب والمرأة والكفاءات الوطنية. فجزء كبير من أزمة فتح اليوم مرتبط بتراجع الدور الشبابي والنقابي والطلابي داخلها، وتحول كثير من الأطر التنظيمية إلى هياكل تقليدية تفتقر للحيوية والتجديد. ولهذا فإن إعادة بناء الحركة يجب أن تبدأ أيضًا من إعادة الاعتبار للجامعة والمخيم والنقابة باعتبارها مساحات إنتاج للوعي والقيادة الوطنية.
فتح اليوم أمام لحظة مفصلية: إما أن تستعيد دورها كحركة تحرر وطني تقود شعبها وتعيد بناء مشروعه الوطني، أو تتحول تدريجيًا إلى إطار إداري يعيش داخل الأزمة بدل أن يقود الخروج منها.

إن قوة فتح لم تكن يومًا في عدد مواقعها أو حجم سلطتها، بل في قدرتها على التعبير عن نبض الشعب الفلسطيني والدفاع عن وحدته الوطنية وحقوقه التاريخية. ولهذا فإن نجاح المؤتمر الثامن لن يُقاس فقط بمن فاز فيه، بل بقدرته على إطلاق مشروع استعادة وطنية شامل يحمي غزة والقدس والضفة والمخيمات والأسرى واللاجئين، ويعيد للحركة روحها الأولى: روح المبادرة، والنقد، والتجديد، والقدرة على قيادة الناس لا مجرد إدارة أزماتهم.

عربي ودولي

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:47 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير استخباري: إيران نقلت طائرات عسكرية ومدنية إلى باكستان وأفغانستان لحمايتها من ضربات أمريكية

كشفت تقارير إعلامية أمريكية نقلاً عن مسؤولين أمنيين ومصادر مطلعة، عن قيام السلطات الباكستانية بالسماح لطائرات عسكرية تابعة للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالتمركز داخل قواعدها الجوية بشكل سري. وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي طهران لتوفير ملاذ آمن لأصولها الجوية وحمايتها من أي ضربات جوية أمريكية محتملة في ظل تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، رغم محاولات إسلام آباد الظهور بمظهر الوسيط الدبلوماسي المحايد بين الطرفين.

وأشارت المصادر إلى أن التحركات الإيرانية لم تقتصر على باكستان فحسب، بل شملت أيضاً إرسال طائرات مدنية إلى الأراضي الأفغانية المجاورة في محاولة واضحة لتأمين ما تبقى من قدراتها الجوية. ويعكس هذا التوجه الإيراني استراتيجية دفاعية تهدف إلى توزيع الأصول العسكرية خارج الحدود الوطنية لتقليل الخسائر في حال اندلاع مواجهة شاملة مع القوات الأمريكية التي تراقب التحركات الإيرانية عن كثب.

وبحسب المعلومات المسربة، فقد بدأت عمليات نقل الطائرات بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وقف إطلاق النار مع إيران في مطلع شهر نيسان/ أبريل الماضي. وقد رصدت المصادر هبوط عدة طائرات إيرانية في قاعدة نور خان الجوية التابعة لسلاح الجو الباكستاني، وهي قاعدة استراتيجية تقع بالقرب من مدينة روالبندي التي تعد مركزاً عسكرياً حيوياً في البلاد.

ومن أبرز المعدات العسكرية التي تم رصد نقلها إلى القواعد الباكستانية، طائرة استطلاع وتجسس متطورة من طراز RC-130 تابعة لسلاح الجو الإيراني. وتعد هذه الطائرة نسخة استخباراتية مطورة من طراز Lockheed C-130 Hercules الأمريكية الشهيرة، مما يعكس الأهمية الكبيرة التي توليها طهران للحفاظ على قدراتها في مجال التجسس والإنذار المبكر بعيداً عن متناول الصواريخ الأمريكية.

في المقابل، سارع مسؤول باكستاني رفيع المستوى إلى نفي هذه الاتهامات جملة وتفصيلاً، مؤكداً أن قاعدة نور خان الجوية تقع في منطقة حضرية مأهولة ومكشوفة تماماً للعيان. وأوضح المسؤول في تصريحات صحفية أن الادعاءات بإخفاء أسطول جوي أجنبي في مثل هذه الظروف الجغرافية هو أمر غير منطقي ولا يمكن تحقيقه من الناحية الفنية أو الأمنية دون أن يلاحظه أحد.

أما على الجانب الأفغاني، فقد أكد مسؤول في هيئة الطيران المدني أن طائرة مدنية إيرانية تابعة لشركة 'ماهان إير' كانت قد هبطت في مطار كابول قبيل اندلاع الأعمال العدائية وبقيت هناك عقب إغلاق الأجواء الإيرانية. ومع تدهور الأوضاع الأمنية ووقوع غارات جوية لاحقة، جرى نقل الطائرة إلى مطار مدينة هرات القريب من الحدود الإيرانية لضمان سلامتها وتجنب تدميرها في الصراع الدائر.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 10:47 صباحًا - بتوقيت القدس

اللواء بلال النتشة يدعو لجعل القدس أولوية المؤتمر الثامن وتعزيز الحضور المقدسي في مؤسسات الحركة

أكد الأمين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس والمرشح لعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح، أن المرحلة الحالية تتطلب تحمل مسؤولية وطنية وتاريخية في ظل التحديات الكبيرة التي تواجه الشعب الفلسطيني، خاصة في مدينة القدس، داعيا إلى تعزيز الوحدة الوطنية والعمل المشترك لحماية المدينة المقدسة ودعم صمود أهلها في مواجهة سياسات الاحتلال.

وشدد في بيان صحفي، على ضرورة أن تكون القدس العنوان الأول في خيارات وقرارات وانتخابات أعضاء المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، معتبرا أن القدس تمثل جوهر القضية الفلسطينية ورمز النضال الوطني الفلسطيني، وليست مجرد ملف سياسي عابر.

ودعا إلى توحيد الجهود المقدسية الفتحاوية والوطنية لصياغة برنامج وطني خاص بمدينة القدس، يهدف إلى تثبيت صمود المواطنين المقدسيين، ودعم المؤسسات الوطنية، وتعزيز الوجود الفلسطيني في المدينة، إلى جانب مواجهة سياسات التهجير والهدم والاستيطان والتضييق التي تستهدف الأرض والإنسان والهوية الفلسطينية.

كما طالب بضرورة نبذ الانقسام والخلافات الداخلية وتوحيد الصفوف في هذه المرحلة الحساسة، مؤكدا أن القدس بحاجة إلى جميع أبنائها دون استثناء، وأن المقدسيين كانوا دائما في مقدمة المدافعين عن المشروع الوطني الفلسطيني وقدموا التضحيات دفاعا عن عروبة المدينة ومقدساتها.

وفي سياق متصل، أشار إلى أن معاناة أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة نتيجة العدوان والحصار المستمر، تستوجب تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية، مؤكدا أن وحدة الدم الفلسطيني بين القدس وغزة والضفة الغربية وكافة أماكن وجود الشعب الفلسطيني، تشكل أساس قوة المشروع الوطني الفلسطيني.

وأكد أن انتخاب الكفاءات الوطنية المقدسية وتمكين الشخصيات القادرة على الدفاع عن قضايا القدس داخل أطر حركة فتح ومؤسساتها، يمثل رسالة واضحة بأن الحركة ما زالت تعتبر القدس بوصلتها الأولى وعنوان نضالها المركزي.

وأضاف أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد حضورا مقدسيا أقوى داخل اللجنة المركزية وكافة مؤسسات الحركة، بما يضمن نقل معاناة المقدسيين والعمل على توفير مقومات الصمود لهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

وختم بيانه بالتأكيد على أن القدس تستحق موقفا وطنيا موحدا وبرنامجا جامعا، وأن تبقى في مقدمة الخيارات والقرارات الوطنية، وفاء لتاريخها وصمود أهلها وتضحيات الشعب الفلسطيني.

تحليل

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:22 صباحًا - بتوقيت القدس

نتنياهو بين الاعتراف والمراوغة: كيف تحوّل إخفاق 7 تشرين الأول إلى مشروع حرب مفتوحة؟



واشنطن – سعيد عريقات – 12/5/2026


تحليل إخباري


في مقابلته مع برنامج "ستون دقيقة 60 Minutes"، حاول رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أن يقدم نفسه بوصفه قائداً واجه "لحظة وجودية" بعد هجوم السابع من تشرين الأول 2023، لا بوصفه المسؤول السياسي الأول عن الانهيار الأمني والاستخباري الذي هز إسرائيل. وبينما أقرّ للمرة الأولى بصورة شبه مباشرة بأن المسؤولية "تقع على الجميع، من رئيس الوزراء إلى أسفل الهرم" ، فإنه سرعان ما حاول نقل النقاش من سؤال الإخفاق إلى سؤال "ما بعد الإخفاق"، أي إلى الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ ذلك اليوم ضد غزة ولبنان واليمن وإيران.


هذا التحول في الخطاب ليس ارتجالياً، بل يعكس محاولة واضحة لإعادة صياغة الوعي الإسرائيلي والدولي: من محاسبة القيادة السياسية والعسكرية على الكارثة الأمنية، إلى تصوير نتنياهو كقائد حرب تاريخي يقود معركة "إنقاذ إسرائيل" من "الطوق الإيراني". وبهذا المعنى، فإن الاعتراف المحدود بالمسؤولية لم يكن سوى مناورة سياسية لتخفيف الضغوط الداخلية، لا تمهيداً لمحاسبة حقيقية.


الأكثر دلالة أن نتنياهو رفض مجدداً تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، مفضلاً لجنة ذات طابع سياسي يمكن التحكم بنتائجها. وهذا الرفض يكشف جوهر الأزمة: فالرجل لا يخشى فقط نتائج التحقيق، بل يخشى أن يتحول التحقيق إلى لحظة انهيار لمشروعه السياسي كله، خاصة بعد سنوات طويلة من تقديم نفسه باعتباره "السيد الأمني" القادر على حماية إسرائيل وردع خصومها.


وتكشف تصريحات نتنياهو عن معضلة عميقة داخل النظام السياسي الإسرائيلي: فالنخبة الحاكمة تريد الاعتراف بالفشل دون دفع ثمنه السياسي. لذلك يجري تعميم المسؤولية على الجميع حتى تضيع المسؤولية الحقيقية. وعندما يصبح الجميع مسؤولين، لا يعود أحد مسؤولاً فعلياً. هذه الصيغة تسمح لنتنياهو بالبقاء في السلطة رغم أكبر إخفاق أمني في تاريخ إسرائيل الحديث. لكن المشكلة أن المجتمعات لا تستعيد ثقتها عبر توزيع اللوم جماعياً، بل عبر محاسبة واضحة وشفافة تبدأ من رأس السلطة، لا من الجنود أو الموظفين الأدنى رتبة.


في المقابلة ذاتها، حاول نتنياهو أيضاً تبرير التحول الإسرائيلي نحو الحروب الإقليمية المفتوحة، معتبراً أن هجوم حماس لم يكن سوى جزء من مشروع إيراني شامل لـ"خنق إسرائيل". ومن هنا، برّر توسيع الحرب إلى لبنان واليمن، ثم المواجهة المباشرة مع إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة. لكن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية: أن السياسات الإسرائيلية نفسها، خصوصاً في غزة والضفة الغربية، ساهمت في إنتاج بيئة الانفجار المستمر.


لقد اعتمد نتنياهو طوال سنوات على إدارة الصراع لا حله، وعلى إضعاف السلطة الفلسطينية مقابل غض الطرف عن تعاظم قوة حماس، ضمن تصور يقوم على إبقاء الفلسطينيين منقسمين. غير أن هجوم السابع من تشرين الأول كشف انهيار هذه العقيدة بالكامل. ومع ذلك، يرفض نتنياهو الاعتراف بأن الأزمة ليست فقط أمنية، بل سياسية وأخلاقية أيضاً.


ومن أكثر المقاطع إثارة في المقابلة، مطالبة نتنياهو الولايات المتحدة بإرسال قوات خاصة إلى داخل إيران لاستخلاص اليورانيوم الإيراني المخصب، معتبراً أن ذلك هو "الوسيلة الوحيدة" لإنهاء ما سماه "الطموحات النووية الإيرانية". هذا الطرح يكشف حجم التصعيد الذي بات يحكم التفكير الإسرائيلي، إذ لم يعد الأمر مقتصراً على الضربات الجوية أو العقوبات الاقتصادية، بل انتقل إلى الدعوة لعمليات عسكرية مباشرة داخل الأراضي الإيرانية، بما تحمله من احتمالات انفجار إقليمي واسع. والأكثر لفتاً أن المقابلة لم تتطرق إطلاقاً إلى الترسانة النووية الإسرائيلية غير المعلنة، والتي تُعد من أكثر أسرار المنطقة وضوحاً وإنكاراً في آن واحد. وهكذا، بدا الخطاب وكأنه يطالب باحتكار نووي كامل لإسرائيل، تحت غطاء "منع الانتشار" و"حماية الاستقرار"، بينما تُستثنى إسرائيل نفسها من أي مساءلة أو رقابة دولية.


الخطير في خطاب نتنياهو ليس فقط تبرير الحرب، بل تحويل الحرب إلى عقيدة دائمة. فبدلاً من مراجعة أسباب الانفجار، يجري تقديم التصعيد العسكري باعتباره الحل الوحيد. وهذه الرؤية تجعل المنطقة بأسرها رهينة منطق القوة المفتوحة. فالحروب التي بدأت في غزة تمددت إلى لبنان واليمن وإيران، فيما تبدو الولايات المتحدة أكثر تورطاً في الحسابات الإسرائيلية. والنتيجة ليست استعادة الاستقرار، بل إنتاج شرق أوسط أكثر اضطراباً، حيث تتراجع السياسة لصالح الأمن، والدبلوماسية لصالح منطق العدوان والاحتلال.


وفي حديثه عن إيران، بدا نتنياهو أقل ثقة مما يحاول إظهاره علناً. فعندما سُئل عن توقعاته السابقة بشأن ضعف إيران وعدم قدرتها على تهديد مضيق هرمز، اعترف بأنه "لا أحد يملك رؤية كاملة". كما أقر بوجود "مخاطر وعدم يقين" في الحرب المشتركة مع واشنطن ضد طهران. وهذا الاعتراف مهم، لأنه يكشف حدود القوة العسكرية، حتى لدى إسرائيل والولايات المتحدة.


ورغم ذلك، واصل نتنياهو الرهان على فكرة انهيار النظام الإيراني تدريجياً، معتبراً أن سقوطه سيؤدي تلقائياً إلى انهيار حلفائه في المنطقة، من حزب الله إلى حماس والحوثيين. لكن هذا التصور يعكس فهماً تبسيطياً لبنية الصراعات الإقليمية، إذ يتجاهل أن هذه القوى لم تعد مجرد "أذرع" إيرانية، بل أصبحت جزءاً من واقع سياسي واجتماعي معقد تشكل عبر عقود من الحروب والاحتلال والانقسامات.


وفي جانب آخر من المقابلة، اشتكى نتنياهو من تراجع صورة إسرائيل عالمياً، معتبراً أن السبب يعود إلى "حروب الدعاية" ووسائل التواصل الاجتماعي. غير أن هذا التفسير يتجاهل مشاهد الدمار الهائل في غزة، وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتنامي الانتقادات الدولية لسياسات إسرائيل العسكرية. فالأزمة ليست فقط أزمة "صورة"، بل أزمة واقع سياسي وإنساني بات يصعب تسويقه حتى داخل المجتمعات الغربية الحليفة.


محاولة نتنياهو اختزال التراجع العالمي في شعبية إسرائيل بمشكلة "دعاية" تعكس انفصالاً متزايداً بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي والتحولات العالمية الجارية. فالأجيال الشابة في الغرب لا تعتمد فقط على الرواية التقليدية القادمة من الحكومات ووسائل الإعلام الكبرى، بل ترى مباشرة صور الحرب والدمار عبر المنصات الرقمية. لذلك، فإن الأزمة أعمق من مجرد معركة إعلامية؛ إنها أزمة شرعية أخلاقية وسياسية. وكلما استمرت الحرب بلا أفق سياسي، ازداد التآكل في صورة إسرائيل، حتى داخل المجتمعات التي كانت تاريخياً أكثر تعاطفاً معها.

عربي ودولي

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

طهران تعلق على إرسال مقاتلات مصرية للإمارات وتؤكد استمرار التواصل مع القاهرة

أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي أن الروابط التي تجمع بلاده بجمهورية مصر العربية ترتكز على أسس الاحترام المتبادل. وأشار بقائي، خلال إيجاز صحفي تناول فيه التطورات الأخيرة المتعلقة بإرسال مصر لمفرزة من الطائرات المقاتلة إلى دولة الإمارات، إلى أن القنوات الدبلوماسية بين وزيري خارجية البلدين لا تزال مفتوحة ونشطة لمناقشة الملفات الثنائية وقضايا المنطقة.

وشدد المسؤول الإيراني على أن طهران تتبنى موقفاً ثابتاً يقضي برفض أي تحركات أو تدخلات من شأنها إضعاف الاستقرار الإقليمي أو زعزعة جسور الثقة بين دول المنطقة، موضحاً أن هذا الموقف ينطبق على كافة الأطراف دون استثناء. واعتبر بقائي أن الحفاظ على التوازن الأمني في الشرق الأوسط يجب أن يظل مسؤولية حصرية تقع على عاتق دول المنطقة وحدها.

تأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه المنطقة تحركات عسكرية ودبلوماسية مكثفة، حيث تسعى إيران من خلال خطابها الرسمي إلى التأكيد على رؤيتها للأمن الجماعي، مع الحفاظ على وتيرة التقارب الدبلوماسي التي بدأت تتبلور في الآونة الأخيرة مع القاهرة عبر اللقاءات الوزارية المستمرة.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير حقوقي يكشف عن فجوة سكانية حادة وسياسات تمييز تخطيطي في القدس المحتلة

كشف تقرير حقوقي صادر عن جمعية "بمكوم" الإسرائيلية عن تصعيد خطير في سياسات التمييز التخطيطي التي تنتهجها سلطات الاحتلال ضد السكان الفلسطينيين في مدينة القدس المحتلة. وأوضح التقرير أن عام 2025 شهد فجوة هائلة في المصادقة على الوحدات السكنية، حيث لم تُمنح الموافقة إلا لـ 600 وحدة سكنية فلسطينية فقط، في مقابل المصادقة على نحو 9 آلاف وحدة سكنية لصالح المستوطنين واليهود في المدينة.

وتشير هذه الأرقام الصادمة إلى أن حصة الفلسطينيين من المخططات السكنية المعتمدة لم تتجاوز 7%، وهو رقم لا يتناسب مطلقاً مع حجمهم الديمغرافي حيث يشكلون نحو 40% من سكان القدس. ويعكس هذا الواقع تدهوراً مستمراً في حقوق السكن، إذ لا يستفيد المقدسيون حالياً إلا من 26% من إجمالي الوحدات السكنية القائمة في عموم المدينة بشطريها.

وبالمقارنة مع العام السابق، تُظهر المعطيات أن عام 2024 كان قد شهد المصادقة على ألفي وحدة سكنية في الأحياء الفلسطينية، ما يعني أن عام 2025 سجل انخفاضاً حاداً بنسبة تقارب 70% في حقوق البناء الممنوحة للفلسطينيين. وفي المقابل، حظيت الأحياء اليهودية والمستوطنات في عام 2024 بمصادقات شملت 15 ألفاً و700 وحدة سكنية، منها آلاف الوحدات فوق الأراضي المحتلة عام 1967.

ووصفت الجمعية الحقوقية هذا الوضع بأنه حالة تجميد متفاقمة للتخطيط العمراني المخصص للفلسطينيين في القدس الشرقية، يقابلها تسريع واسع النطاق للمشاريع الاستيطانية. وتهدف هذه السياسة المزدوجة إلى خنق النمو الطبيعي للمقدسيين وتوسيع الوجود اليهودي في مختلف أنحاء المدينة، بما يخدم أجندات سياسية وديمغرافية واضحة.

ومن أبرز العراقيل التي تضعها سلطات الاحتلال، تشديد الإجراءات المتعلقة بإثبات ملكية الأراضي كشرط أساسي للمصادقة على أي مخططات بناء أو إصدار تراخيص. وتعد هذه السياسة ضربة قاضية للسكان الفلسطينيين، نظراً لأن غالبية الأراضي في القدس الشرقية لا تزال غير مسجلة رسمياً في السجل العقاري المعروف بـ "الطابو" منذ عقود.

ويربط التقرير بين تجميد التخطيط وبين استئناف إجراءات "تسوية الأراضي" التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية منذ عام 2018، وهي عملية تهدف لتسجيل ملكية الأراضي التي لم تُستكمل إجراءاتها منذ عام 1967. ورغم أن هذه العملية تُسوق كإجراء تنظيمي، إلا أن النتائج الميدانية تثبت أنها أداة لمصادرة الأراضي وشرعنة السيطرة عليها لصالح المؤسسات الصهيونية.

وتكشف الأرقام أن إجراءات التسوية شملت نحو 9 آلاف دونم، ولكن من أصل 2300 دونم استُكملت إجراءاتها، لم يُسجل سوى 1% فقط باسم مالكين فلسطينيين. وفي المقابل، جرى تسجيل نحو 82% من تلك الأراضي باسم دولة الاحتلال وبلدية القدس وهيئات عامة أخرى، بينما خُصصت النسبة المتبقية لجهات استيطانية خاصة.

وأكدت مصادر حقوقية أن غالبية الأراضي التي تخضع لهذه التسوية يتم تخصيصها فوراً لإقامة مستوطنات جديدة، حيث يجري العمل حالياً على الدفع بثماني مستوطنات تضم قرابة 20 ألف وحدة سكنية. ويتم التخطيط لجزء كبير من هذه المشاريع الضخمة على أراضٍ سُجلت حديثاً باسم الدولة بعد انتزاعها من أصحابها الأصليين عبر آلية التسوية المذكورة.

من جانبه، أوضح خبراء في التخطيط العمراني أن ما يحدث في القدس لم يعد مجرد تمييز إداري، بل هو عملية "هندسة ديمغرافية" ممنهجة تهدف لإعادة تشكيل هوية المدينة. فبينما تُذلل العقبات أمام آلاف الوحدات الاستيطانية خلف الخط الأخضر، تُوضع شروط تعجيزية أمام الفلسطينيين تمنعهم من ممارسة حقهم الأساسي في السكن فوق أراضيهم التاريخية.

وكانت حكومة الاحتلال قد اتخذت قراراً في فبراير الماضي يقضي بإنهاء كافة إجراءات تسوية وتسجيل أراضي القدس بحلول عام 2029، مع رصد ميزانيات ضخمة لهذا الغرض. وحذرت منظمات حقوقية من أن هذه الخطوة تهدف لترسيخ السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية المحتلة، وتسهيل عملية اقتلاع التجمعات الفلسطينية التي تفتقر لأوراق ثبوتية تتوافق مع المعايير الإسرائيلية.

ويواجه المقدسيون صعوبات مستحيلة في توفير الأوراق الثبوتية، خاصة وأن عمليات التسجيل التي بدأت في عهد الإدارة الأردنية توقفت قسراً بعد احتلال المدينة عام 1967. ويُقدر المختصون أن ما بين 5% إلى 10% فقط من الأراضي هي المسجلة رسمياً، مما يترك الغالبية العظمى من السكان عرضة لخطر الهدم أو المصادرة تحت ذريعة البناء غير المرخص.

إن تفتت الملكيات وتوزع الورثة بين الداخل والخارج يجعل من إثبات الحق في الأرض مهمة شبه مستحيلة أمام المحاكم واللجان الإسرائيلية، وهو ما تستغله سلطات الاحتلال لتنفيذ مخططاتها. وتستمر هذه السياسات في دفع المقدسيين نحو الهجرة القسرية خارج حدود المدينة، في إطار صراع صامت على الأرض والهوية يشتد يوماً بعد يوم.

اسرائيليات

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

مسيّرات حزب الله تلاحق جنود الاحتلال: إصابات بليغة وعجز دفاعي إسرائيلي

تتصاعد حالة القلق والارتباك داخل الأوساط العسكرية والسياسية الإسرائيلية نتيجة التهديد المتزايد الذي تشكله الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله. وأفادت مصادر مطلعة بأن هذا الملف بات يتصدر قائمة التحديات الأمنية، في ظل اعترافات متزايدة بعجز المنظومات الدفاعية الحالية عن اعتراض هذه الأهداف بدقة. وتؤكد التقارير الواردة من الداخل أن الرقابة العسكرية تفرض قيوداً مشددة على نشر التفاصيل، إلا أن الخلاصة المتداولة تشير إلى غياب أي حل تقني فعال في المدى المنظور.

وفيما يتعلق بالخسائر البشرية، كشفت مصادر إعلامية عن وقوع إصابات بليغة في صفوف جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي نتيجة الاستهدافات المباشرة. وبالرغم من أن البيانات الرسمية تكتفي بذكر أعداد المصابين، إلا أن التسريبات تشير إلى تسجيل حالات بتر أطراف متعددة بين العسكريين. وتعتبر هذه الإصابات الدائمة كابوساً يلاحق المؤسسة الطبية والعسكرية، نظراً لصعوبة إعادة تأهيل المصابين وتأثير ذلك الطويل الأمد على الروح المعتالية للقوات.

وتواجه إسرائيل ما يوصف بـ 'الفشل الثلاثي' في التعامل مع هذا التهديد النوعي، حيث يتمثل المستوى الأول في الإخفاق التقني بتطوير رادارات ومنظومات اعتراض قادرة على رصد المسيّرات الصغيرة والبطيئة. أما المستوى الثاني فيتعلق بمحدودية القدرة على الوصول إلى الكوادر البشرية المشغلة لهذه الطائرات في لبنان. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن الجيش لم ينجح سوى في استهداف عدد ضئيل جداً من المشغلين الذين يقدر عددهم بنحو مئة عنصر.

وعلى صعيد العمليات الاستباقية، يبرز الفشل الثالث في عدم القدرة على تقويض البنية التحتية لسلاح المسيّرات التابع لحزب الله. ورغم الغارات الجوية المكثفة التي استهدفت ورش التصنيع ومخازن الإمداد، إلا أن سلاسل التوريد والإنتاج لا تزال تعمل بفعالية عالية. هذا الواقع يضع القيادة العسكرية في مواجهة انتقادات حادة حول جدوى الاستراتيجية المتبعة في تحييد القدرات التصنيعية للطرف الآخر.

وتتعرض المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لموجة من الانتقادات الداخلية اللاذعة بسبب ما يوصف بـ 'التجاهل المتعمد' لدروس الحروب المعاصرة. ويرى مراقبون أن الجيش الإسرائيلي لم يستخلص العبر الكافية من الحرب الأوكرانية التي أظهرت بوضوح تفوق المسيّرات الرخيصة على المنظومات الدفاعية المكلفة. هذا التباطؤ في قراءة التحولات التكنولوجية في ساحة المعركة جعل الجنود في الميدان عرضة لهجمات قاتلة دون غطاء دفاعي كافٍ.

إن خطورة هذه الهجمات لا تقتصر على الخسائر المادية أو البشرية اللحظية، بل تمتد لتشكل ضغطاً نفسياً هائلاً على الجبهة الداخلية والجنود المرابطين على الحدود الشمالية. فالمسيّرات التي تخترق الأجواء وتصل إلى أهدافها بدقة تثير تساؤلات حول جدوى الاستثمارات المليارية في منظومات 'القبة الحديدية' وغيرها. ويؤكد خبراء أن استمرار هذا العجز سيؤدي بالضرورة إلى تآكل قوة الردع الإسرائيلية أمام تكتيكات حزب الله المتطورة.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبدو أن الجيش الإسرائيلي يبحث عن حلول طارئة قد تشمل العودة إلى استخدام المدافع الرشاشة التقليدية أو تقنيات التشويش الإلكتروني المكثف. ومع ذلك، تظل هذه الحلول جزئية ولا ترقى لمستوى التهديد الشامل الذي تفرضه أسراب المسيّرات. ويبقى ملف المصابين بعاهات دائمة شاهداً على حجم الفجوة بين التكنولوجيا الدفاعية الإسرائيلية والواقع الميداني المتغير في جنوب لبنان.

اسرائيليات

الثّلاثاء 12 مايو 2026 9:17 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذيرات من شلل تام.. مطار 'بن غوريون' يتحول إلى قاعدة عسكرية أمريكية

أطلق رئيس هيئة الطيران الإسرائيلية، شموئيل زكاي، تحذيرات شديدة اللهجة بشأن التداعيات الخطيرة المترتبة على تحول مطار 'بن غوريون' الدولي إلى ما يشبه القاعدة العسكرية الأمريكية. وأوضح زكاي أن هذا التحول المفاجئ أدى إلى إحداث حالة من الشلل في نشاط شركات الطيران المحلية، فضلاً عن كونه عاملاً منفراً للشركات الأجنبية التي بدأت تتردد في استخدام المطار.

وأكدت تقارير اقتصادية عبرية أن زكاي وجه رسائل رسمية عاجلة إلى وزيرة النقل ميري ريغيف، والمدير العام للوزارة موشيه بن زاكن، مطالباً بضرورة التدخل الفوري. وشدد في خطابه على أن استمرار وجود الطائرات العسكرية الأمريكية بكثافة داخل المطار المدني يضر بالاستقرار الاقتصادي لقطاع الطيران الإسرائيلي بشكل غير مسبوق.

وطالب المسؤول الإسرائيلي بضرورة إخلاء الطائرات الأمريكية ونقلها إلى القواعد العسكرية المخصصة لها بعيداً عن المرفق المدني الرئيسي. وحذر من أن التقاعس عن اتخاذ هذه الخطوة سيجعل موسم الصيف المقبل مكلفاً للغاية بالنسبة للمسافرين الإسرائيليين، مع توقعات بقفزات حادة في أسعار التذاكر نتيجة نقص المعروض من الرحلات.

وأشار زكاي إلى أن تحويل المطار إلى ثكنة عسكرية يعيق عودة شركات الطيران العالمية التي كانت قد علقت رحلاتها في وقت سابق. وأضاف أن هذا الوضع يضع قيوداً تشغيلية معقدة أمام الشركات الوطنية، مما يهدد قدرتها على المنافسة أو حتى الحفاظ على استقرارها المالي في ظل الظروف الراهنة.

وفي سياق متصل، كشف الرئيس التنفيذي لشركة 'يسرائيل أوري سيركيس' عن حجم المعاناة التي تواجهها الشركة، حيث تراجعت قدرتها الاستيعابية في المطار بشكل حاد. فبعد أن كانت الشركة تشغل عادة 17 طائرة من مطار بن غوريون، لا يسمح لها حالياً إلا باستيعاب 4 طائرات فقط، وهو ما يحد من عدد الرحلات المتاحة للجمهور.

ولفتت المصادر إلى أن الأزمة بدأت تتفاقم منذ أواخر فبراير الماضي، تزامناً مع تصاعد التوترات الإقليمية وبدء عمليات عسكرية واسعة. وقد دفع هذا الوضع العديد من الشركات إلى نقل أساطيلها للخارج، ولم تتمكن حتى الآن من استعادة كامل نشاطها بسبب ضيق المساحات المخصصة للطيران المدني لصالح العمليات العسكرية.

وانتقد رئيس هيئة الطيران تدخل المؤسسة العسكرية في شؤون وزارة النقل، معتبراً أن الجيش يمنع الوزارة من أداء مسؤولياتها في إدارة المطار دولياً. ووصف الحالة الراهنة بأنها حولت المطار إلى 'مجال عسكري' يمارس فيه النشاط المدني بحدوده الدنيا فقط، مما يفقد إسرائيل بوابتها الجوية الرئيسية نحو العالم.

وتطرق زكاي إلى الأضرار الجسيمة التي تلحق بالشركات الصغيرة على وجه الخصوص، والتي تجد نفسها مضطرة للعمل في ظروف تشغيلية قاسية ومكلفة. وأوضح أن هذه الشركات تعاني من ارتفاع تكاليف وقود الطائرات والقيود المفروضة على حركتها، مما يضعها في خطر حقيقي أمام الشركات الكبرى مثل 'إل العال'.

كما عبر المسؤول عن استيائه من آلية التعويضات المالية الحالية، مؤكداً أنها لا تغطي الخسائر الحقيقية في الإيرادات المفقودة. وأشار إلى أن التعويضات تقتصر على تكاليف ركن الطائرات في الخارج، وهي نفقات إضافية لم تكن الشركات لتتحملها لو كان المطار يعمل بصورته الطبيعية والآمنة.

وفي الختام، شدد زكاي على أن عدم توفر مواقف كافية للطائرات سيمنع الشركات الأجنبية من التفكير في العودة إلى 'إسرائيل' في المدى المنظور. ودعا الحكومة إلى اتخاذ قرارات شجاعة بإجلاء الأسطول الأمريكي فوراً لضمان استمرارية قطاع الطيران المدني وحماية الجمهور من الانهيار الاقتصادي للقطاع.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 8:17 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد ترحيله من إسرائيل.. الناشط البرازيلي تياغو أفيلا يروي تفاصيل تعرضه للتعذيب

وصل الناشط البرازيلي تياغو أفيلا إلى مدينة ساو باولو، يوم الإثنين، عقب قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي بترحيله بعد فترة احتجاز استمرت عشرة أيام. وفور وصوله إلى مطار ساو باولو-غواروليوس الدولي، صرح أفيلا بأنه تعرض لشتى أنواع التنكيل والتعذيب، واصفاً ما جرى معه بأنه عملية اختطاف مكتملة الأركان وليس اعتقالاً قانونياً.

وأوضح أفيلا في تصريحاته أن الانتهاكات لم تقتصر عليه وحده، بل شملت رفيقه الناشط الإسباني سيف أبو كشك، حيث واجها ظروفاً قاسية داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية. كما نقل الناشط البرازيلي شهادات مؤلمة عما شاهده خلف القضبان، مؤكداً أن الأسرى الفلسطينيين في الزنازين المجاورة يتعرضون لمعاملة أكثر وحشية وقسوة تتجاوز كافة المواثيق الدولية.

وفي سياق الردود القانونية، رفضت سلطات الاحتلال الاتهامات التي ساقها مركز 'عدالة' الحقوقي، والذي تولى مهمة الدفاع عن الناشطين أمام المحاكم الإسرائيلية. وزعمت المصادر الإسرائيلية أن كافة الإجراءات المتخذة بحق المتضامنين الدوليين تمت وفقاً للقانون، وهو ما نفته حكومتا البرازيل وإسبانيا اللتان اعتبرتا الاحتجاز إجراءً غير قانوني وتعدياً صارخاً.

وكان أفيلا وأبو كشك قد شاركا في 'أسطول الصمود العالمي' الثاني، الذي انطلق من السواحل الإسبانية في الثاني عشر من أبريل/ نيسان الماضي. ويهدف الأسطول إلى محاولة كسر الحصار البحري الجائر المفروض على قطاع غزة منذ سنوات، وإيصال مساعدات إنسانية وإغاثية عاجلة للسكان المحاصرين الذين يعانون من أزمات معيشية طاحنة.

وأفادت مصادر بأن القوات البحرية الإسرائيلية اعترضت طريق الأسطول في عرض البحر ومنعته من التقدم نحو وجهته، حيث جرى اعتقال أفيلا وأبو كشك ونقلهما إلى الداخل المحتل. وفي الوقت ذاته، قامت سلطات الاحتلال بتحويل مسار أكثر من مئة ناشط دولي آخرين كانوا على متن السفن، حيث جرى ترحيلهم قسراً إلى جزيرة كريت اليونانية.

وواجه الناشطان تهماً أمنية خطيرة وجهتها لهما النيابة الإسرائيلية، شملت 'مساعدة العدو' و'التواصل مع تنظيمات إرهابية'، وهي اتهامات نفاها الناشطان جملة وتفصيلاً أمام المحكمة. وبعد ضغوط دولية وحقوقية، قررت السلطات الإفراج عنهما يوم السبت الماضي وتسليمهما لدوائر الهجرة تمهيداً لطردهما خارج البلاد.

واستقبل حشد من المتضامنين والنشطاء أفيلا في المطار، رافعين لافتات تطالب الحكومة البرازيلية بضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل رداً على جرائمها. ومن جانبه، دعا أفيلا المجتمع الدولي إلى العمل الجاد لهزيمة من وصفهم بـ 'مجرمي الحرب'، مشيراً بالذكر إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسياسات الداعمة له.

تحليل

الثّلاثاء 12 مايو 2026 7:47 صباحًا - بتوقيت القدس

خريطة الحرس الثوري الجديدة: إعادة صياغة أمن الخليج تحت الضغط الجيوسياسي

أثار نشر الحرس الثوري الإيراني مؤخراً لخريطة جديدة تحدد مناطق سيطرته في مضيق هرمز تساؤلات استراتيجية عميقة حول توقيت ودوافع هذا التحرك. وتظهر الخريطة توسعاً ملحوظاً يمتد من جنوب إمارة الفجيرة الإماراتية وصولاً إلى جبل مبارك، ومن أم القيوين إلى جزيرة قشم، مما يرسم مثلثاً يضع الممرات المائية الحيوية تحت القبضة الإيرانية المباشرة.

تعتبر هذه الخطوة محاولة واضحة لعرقلة الملاحة في الخليج العربي، وتهدف بشكل مباشر إلى منع السفن من سلوك مسارات بديلة عبر إمارة الفجيرة. ومن خلال هذا الإجراء، تسعى طهران للاعتداء على الميزة التنافسية لدولة الإمارات التي تتيح لها تصدير النفط من خارج حدود المضيق، مما يحول المنطقة إلى ساحة ضغط اقتصادي وسياسي.

على المستوى العملياتي، تمثل هذه الخريطة تحولاً جوهرياً في العقيدة العسكرية الإيرانية، حيث كان الحرس الثوري والجيش يتقاسمان المسؤوليات سابقاً بين شرق المضيق وغربه. أما اليوم، فإن إدراج الحدود البحرية للإمارات ضمن منطقة السيطرة يعني أن صانع القرار في طهران بات يصنف المنطقة كمسرح مواجهة مباشر، واضعاً جيرانه ضمن دائرة الاستهداف العسكري.

يرى مراقبون أن هذا التوسع الجيوستراتيجي يعكس محاولة إيران إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في الخليج وفق فلسفتها الخاصة، خاصة بعد تراجع مشروعها الإقليمي. فمع فقدان الزخم في الساحة السورية وتراجع نفوذ حزب الله في لبنان، أصبحت السيطرة المطلقة على الخليج العربي تمثل مصد الدفاع الأخير للنظام الإيراني للحفاظ على أوراقه التفاوضية.

تتأرجح خيارات التعامل الدولي مع هذا التهديد بين أسلوبين؛ الأول هو حصار الموانئ الإيرانية الذي تنتهجه الولايات المتحدة حالياً لتقويض القدرات الاقتصادية لطهران. ويهدف هذا الحصار إلى إضعاف القبضة الإيرانية على المضيق تدريجياً، رغم أن نتائجه قد لا تظهر بشكل فوري وتتطلب نفساً طويلاً لمواجهة التعنت الإيراني.

أما الخيار الثاني فيتمثل في العمل العسكري الصرف لتأمين المضيق، وهو مسار محفوف بالمخاطر ويتطلب ضربات جوية مركزة وعمليات برية لاحتلال جزر استراتيجية. ويؤكد خبراء عسكريون أن تحييد تهديدات الألغام والمسيرات والصواريخ الإيرانية لا يمكن أن يتم عبر القصف الجوي فقط، بل يستلزم خلق مناطق عازلة على الساحل الإيراني لضمان أمن الملاحة.

تراهن طهران في استراتيجيتها الحالية على عامل الوقت، حيث تهدف من خلال حصار المضيق وتوسيع نطاقه إلى دفع المجتمع الدولي للضغط على واشنطن لوقف التصعيد. فالحسابات الإيرانية تفترض أن الوجع الاقتصادي العالمي الناجم عن اضطراب إمدادات الطاقة سيجبر الولايات المتحدة على التراجع عن ملفات حساسة مثل البرنامج النووي والصواريخ الباليستية.

ومع ذلك، يبدو أن الحصار الأمريكي المشدد على الموانئ الإيرانية قد انتزع زمام المبادرة من يد طهران، حيث بدأ الألم الاقتصادي يرتد إلى الداخل الإيراني بشكل متسارع. هذا الضغط المتبادل جعل استمرار الوضع الراهن غير مريح للجانبين، مما قد يدفع نحو مواجهة عسكرية أو تسوية سياسية قسرية تتجاوز سقف التوقعات السابقة.

في نهاية المطاف، تعكس خريطة الحرس الثوري حالة من الاستنفار الاستراتيجي، حيث تحاول طهران مقايضة أمن الملاحة الدولية برفع الحصار عن موانئها. إن إصرار واشنطن على شروطها قد يفقد إيران أوراق قوتها الواحدة تلو الأخرى، مما يجعل من مضيق هرمز ساحة لاختبار الإرادات الدولية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 12 مايو 2026 7:32 صباحًا - بتوقيت القدس

حقائق الحرب الجارية: القضية الفلسطينية تعود للمركزية وسقوط رهانات الحماية الخارجية

تفرض التحولات الكونية الراهنة نحو نظام عالمي جديد على العرب إعادة صياغة هويتهم القومية ورؤيتهم لمصالحهم الاستراتيجية. لقد أفرزت المواجهات العسكرية الأخيرة جملة من الحقائق التي لا يمكن تجاوزها، وعلى رأسها أن القضية الفلسطينية تظل القضية المركزية الأولى مهما حاول البعض تقليل شأنها أو تقديم أولويات أمنية أخرى عليها.

تستمد القضية الفلسطينية ثقلها من كونها جوهر الصراع مع المشروع الاستعماري الغربي المتمثل في إسرائيل. وتؤكد الوقائع أن الأطماع الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود فلسطين، بل تمتد لتستهدف المحيط العربي الواسع ضمن رؤية توسعية تسعى للسيطرة على مقدرات المنطقة وسيادتها بالكامل.

لقد كشفت الحرب أن الرهان الحصري على الولايات المتحدة لضمان الأمن والاستقرار الإقليمي هو رهان خاسر بامتياز. فرغم وجود تسع عشرة قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة الخليج، إلا أنها لم توفر الحماية اللازمة للدول المستضيفة لها حين تصاعدت التوترات العسكرية في المنطقة.

تحولت هذه القواعد العسكرية في كثير من الأحيان إلى عبء أمني على الدول التي استقبلتها، حيث كانت سبباً مباشراً في استهداف بنيتها التحتية. وقد تبين أن القرار الأمريكي بشن الحروب أو الانخراط فيها يصدر لصالح الأجندة الإسرائيلية حصراً، دون اعتبار لمصالح أو مواقف الدول العربية الحليفة.

تشير القراءات السياسية إلى أن الوجود العسكري الأجنبي يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية إسرائيل وإسقاط الهوية العربية الجامعة. وتسعى هذه القوى لتحويل المنطقة إلى كيانات قطرية أو طائفية متناحرة، مما يسهل عملية زعزعة الأمن الاستراتيجي للدول الكبرى في الإقليم.

وفيما يتعلق بالقدرات العسكرية، أنفق العرب مئات المليارات على التسلح دون الحصول على تفوق تقني حقيقي، حيث تفرض القيود الدولية تزويدهم بأجيال متخلفة من السلاح. يمتلك العرب الثروات والعقول، لكنهم يفتقرون حتى الآن للإرادة السياسية لتطوير صناعات عسكرية وطنية مستقلة تعفيهم من الارتهان للخارج.

تظل معاهدة الدفاع العربي المشترك، الموقعة منذ عام 1945، حبيسة الأدراج دون تفعيل حقيقي على أرض الواقع. ورغم وجود بوادر لصحوة نظرية نحو إقامة حلف سياسي عسكري بقيادة السعودية، إلا أن الضغوط الأمريكية والإسرائيلية تظل العائق الأكبر أمام تحقيق هذا الطموح القومي.

يجب على صانع القرار العربي إدراك أن الدول الناجحة هي التي ترسم استراتيجياتها بناءً على رؤية مستقبلية وقراءة دقيقة لموازين القوى المتغيرة. لم تعد الولايات المتحدة هي القوة الوحيدة التي يمكن المراهنة عليها، مما يفتح الباب أمام خيارات واسعة للتحرك نحو أقطاب دولية أخرى مثل روسيا والصين وأوروبا.

إن الخروج من تحت المظلة الأمريكية الإسرائيلية يتطلب أولاً استعادة بناء الهوية القطرية والقومية على أسس متينة. هذا التحول يتطلب شجاعة في اتخاذ القرار والبحث عن تحالفات دولية تضمن التوازن وتحمي المصالح العربية العليا بعيداً عن التبعية المطلقة لقطب واحد.

بالنظر إلى العلاقة مع إيران، تبرز حقيقة أن الجغرافيا تحكم الجانبين بضرورة التعايش، حيث لا يمكن إزاحة الحضارات العريقة الواقعة على ضفتي الخليج. وقد أكدت طهران في مناسبات عدة أنها لا تسعى لعداء جوارها العربي، وأن التوترات غالباً ما ترتبط بوجود القواعد الأجنبية التي تستفز الأمن الإقليمي.

إن الصراعات البينية العربية، كما يظهر في السودان وليبيا واليمن، ساهمت في إضعاف الموقف القومي العام وأتاحت التدخلات الخارجية. فبدلاً من توجيه الجهود نحو بناء قوة ردع مشتركة، استنزفت هذه النزاعات الموارد العربية وأدت إلى انقسامات حادة خدمت المشاريع المعادية للمنطقة.

أثبتت التجربة الفلسطينية الطويلة، وصولاً إلى أحداث عام 2023 أن إرادة الصمود هي العامل الحاسم في أي صراع. فرغم اختلال موازين القوى العسكرية، إلا أن التمسك بالحق والإصرار على المواجهة يفرض واقعاً جديداً لا يمكن لآلة الحرب التقليدية حسمه بسهولة.

يحتاج العرب اليوم إلى الانتقال من مرحلة بيانات الإدانة والشجب إلى مرحلة الفعل الاستراتيجي المنظم. إن صرخة 'يا وحدنا' التي رددها الفلسطينيون طويلاً، باتت تتردد اليوم في عواصم عربية أخرى، مما يستوجب وحدة المصير والهدف لمواجهة التحديات الوجودية المشتركة.

في الختام، تظل الحرب الجارية مدرسة قاسية لتعلم الدروس السياسية والعسكرية، حيث لا مكان للضعفاء في نظام عالمي يتشكل بالقوة. إن استعادة زمام المبادرة تتطلب الاعتماد على الذات، وتفعيل العمل العربي المشترك، وفهم أن أمن القدس هو جزء لا يتجزأ من أمن الرياض والقاهرة وبغداد.

فلسطين

الثّلاثاء 12 مايو 2026 6:17 صباحًا - بتوقيت القدس

منظمة الرقابة الصحفية البريطانية تقر مشروعية وصف الحرب على غزة بـ 'الإبادة الجماعية'

أصدرت هيئة الرقابة الصحفية المستقلة في المملكة المتحدة (إيسبو) حكماً يقضي بمشروعية استخدام الصحف البريطانية لمصطلح 'إبادة جماعية' عند الإشارة إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة. وجاء هذا القرار بعد مراجعة دقيقة للمعايير المهنية، حيث أكدت الهيئة أن هذا الوصف يقع ضمن نطاق حرية التعبير والتحرير الصحفي المتاحة للمؤسسات الإعلامية في البلاد.

ورفضت المنظمة بشكل رسمي شكوى تقدم بها أحد القراء ضد صحيفة 'ذي ناشونال'، والتي كانت قد استخدمت المصطلح في عنوان رئيسي لتقرير نشرته في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وتناول التقرير حينها زيارة وفد يضم 27 نائباً بريطانياً إلى إسرائيل، واصفاً التوقيت بأنه تزامن مع ما أسماه 'إبادة غزة'، وهو ما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية.

من جانبها، عبرت منظمات وجماعات يهودية عن احتجاجها الشديد على هذا التوجه، معتبرة أن إطلاق صفة الإبادة الجماعية يفتقر إلى الدقة القانونية ويمثل إهانة لضحايا المحرقة التاريخية. وأوضحت هذه الجماعات في مذكرات احتجاجية أن تكرار هذه الأوصاف يسهم في تصاعد مشاعر معاداة السامية ويخلق بيئة عدائية ضد الجاليات اليهودية في بريطانيا وخارجها.

وفي سياق ردود الفعل الغاضبة، نقلت مصادر إعلامية عن متحدث باسم حملة مكافحة معاداة السامية وصفه لقرار الهيئة بأنه 'مثير للسخرية' ويتجاهل الحقائق الموضوعية. وانتقد المتحدث تركيز الهيئة على الجوانب الإجرائية دون النظر في خطورة توجيه اتهامات جسيمة مثل الإبادة الجماعية دون استناد إلى أحكام صادرة عن هيئات قضائية دولية مستقلة وكفؤة.

ويفتح هذا القرار الباب أمام نقاشات قانونية وأخلاقية جديدة حول حدود المصطلحات السياسية في الصحافة الغربية، خاصة في ظل استمرار الصراع في الأراضي الفلسطينية. ويرى مراقبون أن حكم 'إيسبو' قد يشجع المزيد من الوسائل الإعلامية على تبني لغة أكثر حدة في انتقاد السياسات الإسرائيلية، رغم الضغوط المستمرة من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل.