عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 12:20 مساءً - بتوقيت القدس

توازنات القوقاز: لماذا اختارت أذربيجان وإيران التهدئة رغم الحوادث العسكرية؟

برزت في الآونة الأخيرة مخاوف جدية من انزلاق العلاقات بين أذربيجان وإيران نحو مواجهة عسكرية مباشرة، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واتساع رقعة الصراعات في الشرق الأوسط. ورغم وقوع حوادث ميدانية وتصعيد لفظي متبادل، آثر الطرفان الانخراط في قنوات دبلوماسية هادئة، مدفوعين بحسابات معقدة تتعلق بالمصالح المشتركة والتوازنات الداخلية الحساسة.

ويرى خبراء في الشؤون الجيوسياسية أن وجود جالية أذربيجانية ضخمة داخل الأراضي الإيرانية يمثل عامل ضغط وتهدئة في آن واحد، حيث تدرك طهران أن أي صدام مع باكو قد يثير اضطرابات داخلية واسعة. ومع استمرار الحرب وتغير موازين القوى، يجد جيران إيران أنفسهم مضطرين للتعامل مع تداعيات الصراع الجديد بحذر يمنع امتداد النيران إلى منطقة القوقاز.

وعلى الرغم من الهشاشة التي تتسم بها العلاقات بين أرمينيا وأذربيجان، إلا أن البلدين سعيا حتى الآن للحفاظ على موقف محايد تجاه الصراعات الكبرى المحيطة بهما. ومع ذلك، لم تخلُ المنطقة من احتكاكات خطيرة، كان أبرزها ما جرى في مطلع مارس الماضي حينما اخترقت طائرات مسيرة إيرانية الأجواء الأذربيجانية واستهدفت منشآت حيوية.

وقد طال الهجوم الجوي مطار ناخيتشيفان الدولي في الجمهورية ذاتية الحكم التابعة لأذربيجان، بالإضافة إلى تقارير عن إصابة مدرسة في منطقة شكاراباد، مما أسفر عن إصابات بين المدنيين وأضرار مادية جسيمة. ورغم خطورة الحادثة، إلا أن رد الفعل في باكو وطهران لم يتجاوز التصعيد اللفظي المؤقت، ليعقبه حوار دبلوماسي مكثف حال دون تفاقم الأوضاع.

وفي خطوة لتعزيز بناء الثقة وتقليل حدة التوتر، اختارت الحكومة الأذربيجانية انتهاج مسار المساعدات الإنسانية بدلاً من الرد العسكري. وأرسلت باكو مئات الأطنان من المواد الغذائية والإمدادات الطبية إلى المناطق الإيرانية المتضررة، مستهدفة بشكل خاص السكان في المحافظات الشمالية التي يقطنها الأذربيجانيون، تزامناً مع مناسبات دينية واجتماعية.

وتشير التقارير إلى أن استمرار هذا الهدوء النسبي يعتمد بشكل كبير على مستقبل المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. كما يلعب أمن الملاحة في مضيق هرمز دوراً محورياً في تحديد بوصلة العلاقات الثنائية، حيث تراقب باكو عن كثب أي تطور قد يؤدي إلى جولة جديدة من القتال الشامل.

تاريخياً، تعود العلاقات الرسمية بين البلدين إلى نهاية عام 1991 عقب استقلال أذربيجان، ومنذ ذلك الحين شهدت العلاقة تذبذباً بين التعاون والريبة. وقد أنشأت باكو مجموعات عمل برلمانية لتعزيز التواصل، إلا أن قضية الملايين من الأذربيجانيين الذين يعيشون في محافظات مثل أردبيل وزنجان تظل ملفاً شائكاً في حسابات الأمن القومي الإيراني.

وتخشى السلطات في طهران من تنامي النزعات القومية أو المطالب بالحكم الذاتي بين الأقليات العرقية، مما يدفعها أحياناً لتبني نهج قمعي تجاه استخدام اللغة والتقاليد الأذربيجانية. هذا القلق الأمني يضاعف من حساسية أي تقارب بين باكو والقوى الغربية، حيث تنظر إيران إلى هذه التحركات بعين الريبة والشك الدائمين.

إلى جانب التحديات السياسية، تعاني المناطق الشمالية في إيران من أزمات بيئية حادة، أبرزها جفاف بحيرة أرومية الذي خلق أزمة مياه خانقة للسكان المحليين. هذه الأزمات تزيد من الضغوط على الحكومة الإيرانية التي كانت تفكر بالفعل في نقل العاصمة من طهران، مما يجعلها أقل رغبة في فتح جبهة صراع خارجية جديدة مع جارتها الشمالية.

وفي سياق متصل، حذر باحثون في مؤسسات دولية من أن النظام الإيراني قد يتجه نحو مزيد من التشدد الداخلي عقب انتهاء العمليات العسكرية الخارجية. ويرى محللون أن عقلية 'البقاء' قد تدفع طهران لفرض إجراءات قمعية مشددة لضمان عدم حدوث انتفاضات شعبية أو محاولات انقلاب مدني في ظل الدمار الاقتصادي الذي خلفته الحرب.

وتسري شائعات حول محاولات دولية لتعبئة الأقليات العرقية داخل إيران، مما يعزز من فرضية تبني سياسات أكثر قسوة تجاه المجموعات التي يشتبه في عدم ولائها المطلق للمركز. وفي ظل انقطاع الإنترنت المتكرر، يصعب على المراقبين الدوليين الحصول على معلومات دقيقة حول حجم الانتهاكات أو الأنشطة القمعية التي قد تستهدف الأذربيجانيين أو غيرهم.

أما بالنسبة لمستقبل العلاقات بين طهران وباكو، فإن الكلمة الفصل ستكون لمسار الصراع الإقليمي العام وقدرة الطرفين على ضبط النفس. باكو من جانبها ستواصل السعي للبقاء بعيداً عن محاور الحرب، بينما تدرك طهران أن فتح ساحة عسكرية في القوقاز سيكلفها الكثير في وقت تواجه فيه ضغوطاً هائلة على جبهات متعددة.

في نهاية المطاف، يبقى المدنيون في كلا البلدين هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة الجيوسياسية المعقدة. ورغم المساعدات الإنسانية والجهود الدبلوماسية، فإن المعاناة الناجمة عن التوترات السياسية والأزمات البيئية لا تزال تلقي بظلالها على حياة الملايين، في انتظار استقرار دائم قد لا يكون قريباً في ظل الظروف الراهنة.

أحدث الأخبار

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 12:20 مساءً - بتوقيت القدس

طهران ترد على تشكيك ترمب بمقترحها وتلوح بفرض رسوم على عبور مضيق هرمز

تتصاعد حدة التوتر الدبلوماسي بين واشنطن وطهران عقب بروز مؤشرات على عدم رضا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن المقترح الإيراني الأخير. وترى الإدارة الأمريكية أن المقترح يفتقر إلى الجدية كونه لم يتطرق بشكل مباشر إلى ملف البرنامج النووي الإيراني، وهو ما تعتبره واشنطن حجر الزاوية في أي اتفاق مستقبلي.

في المقابل، قللت مصادر مطلعة في العاصمة الإيرانية من أهمية المواقف الصادرة عن البيت الأبيض، واصفةً نظرة ترمب للملف الإيراني بأنها تعكس حالة من التذبذب المستمر. وأكدت المصادر أن طهران تتعامل مع هذه التصريحات كـ 'تخيلات' لا تغير من الواقع الميداني أو الدبلوماسي الذي تسعى لفرضه في المنطقة.

وتضع القيادة الإيرانية في مقدمة أولوياتها حالياً الوصول إلى صيغة تضمن وقف الحرب بشكل نهائي وشامل. ويأتي هذا التوجه في ظل شعور طهران بخطر جدي ناتج عن التحشيد العسكري الأمريكي المتزايد في المنطقة، والذي تمثل مؤخراً في وصول حاملة طائرات جديدة إلى المياه الجنوبية القريبة من السواحل الإيرانية.

التحركات الأمريكية لم تقتصر على القطع البحرية، بل شملت تقارير عن تواجد عسكري بري مكثف، مما دفع إيران لاتخاذ خطوات دبلوماسية استباقية. وقد تمثلت هذه الخطوات في تقديم مقترح للجانب الباكستاني يتألف من ثلاث نقاط أساسية، تهدف في مجملها إلى تأمين وقف العمليات العسكرية ضد إيران وحلفائها الإقليميين.

وعلى الصعيد التشريعي، بدأ البرلمان الإيراني بالتحرك لصياغة مشروع قرار يهدف إلى إدارة مضيق هرمز بشكل رسمي وقانوني بالتنسيق مع سلطنة عمان. وتسعى طهران من خلال هذه الخطوة إلى ممارسة سيادة كاملة على الممر المائي الاستراتيجي بما يتماشى مع القوانين الدولية المنظمة للمضائق الحيوية في العالم.

وتصر طهران ضمن مشروعها الجديد على تحصيل رسوم مالية من كافة السفن والناقلات التجارية والنفطية التي تعبر المضيق. وتبرر الجمهورية الإسلامية هذا التوجه برغبتها في الحصول على تعويضات عن الأضرار الاقتصادية والمادية التي لحقت بها جراء المواجهات العسكرية الأخيرة في المنطقة.

وحذرت السلطات الإيرانية من أنها في حال تعذر حصولها على تعويضات مباشرة عن خسائر الحرب، فإنها ستلجأ لتحصيلها من الدول المتشاطئة ومن حركة التجارة البحرية. ويعد هذا التهديد تصعيداً جديداً في ملف أمن الملاحة الدولية، حيث تهدف طهران للضغط على المجتمع الدولي للاستجابة لمطالبها.

وفي سياق الحراك الدبلوماسي، توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى العاصمة الروسية موسكو لإجراء مشاورات رفيعة المستوى. وتأتي هذه الزيارة في وقت حساس يشهد تناقضاً كبيراً في التصريحات الرسمية بين طهران وواشنطن، مما يعكس تعقيد المشهد السياسي الراهن وصعوبة التنبؤ بالخطوات القادمة.

من جانبه، دعا دبلوماسي باكستاني إلى عدم الاستغراب من تضارب الأنباء والتصريحات الصادرة عن طرفي النزاع، واصفاً ما يحدث بـ 'سياسة تغيير الأقنعة'. وأوضح أن الدبلوماسية في الملفات المعقدة غالباً ما تستخدم تصريحات علنية لا تعكس بالضرورة الأهداف الحقيقية التي يتم التفاوض عليها خلف الأبواب المغلقة.

أما في واشنطن، فتسود حالة من التشكيك والريبة تجاه النوايا الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وتخشى الدوائر الأمريكية أن تستخدم طهران ملف المضيق كأداة ابتزاز سياسي، مؤكدة أن أي اتفاق يجب أن يضمن فتح الممر المائي بشكل دائم وغير مشروط عقب توقف الأعمال العدائية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 12:20 مساءً - بتوقيت القدس

تسريبات مصورة من داخل سجن صيدنايا تثير ضجة واسعة ومطالبات بالتحقيق

شهدت منصات التواصل الاجتماعي السورية، فجر الثلاثاء، موجة واسعة من التفاعل عقب تداول مقاطع مصورة مسربة من داخل سجن صيدنايا العسكري، الذي يُعرف بسمعته السيئة كأحد أبرز مراكز الاحتجاز والتعذيب التابعة للنظام السوري السابق. وتُظهر هذه التسجيلات مشاهد قاسية من داخل أروقة السجن، مما أعاد تسليط الضوء على ملف المعتقلين والمفقودين في سوريا.

وبحسب البيانات الظاهرة في المقاطع المسربة، فإن تاريخ تسجيلها يعود إلى الثاني من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وهو ما يعني أنها التُقطت قبل نحو ستة أيام فقط من الانهيار المتسارع لنظام بشار الأسد. وقد أثار هذا التوقيت تساؤلات عميقة بين الناشطين والحقوقيين حول كيفية خروج هذه المواد إلى العلن ودلالات توقيت نشرها في هذه المرحلة الانتقالية.

المقاطع التي نُشرت في البداية عبر حساب شخصي على منصة 'فيسبوك' قبل أن يتم حذفها لاحقاً، وثقت ظروفاً مأساوية للمعتقلين داخل غرف الاحتجاز. حيث ظهر عدد من السجناء بملابس موحدة وهم يجلسون على الأرض بوجوههم نحو الحائط، في وضعيات مهينة تعكس طبيعة التعامل القمعي الذي كان سائداً داخل جدران هذا المعتقل.

كما تضمنت التسريبات لقطات لغرفة المراقبة المركزية في السجن، والتي تحتوي على عشرات الشاشات المرتبطة بكاميرات موزعة في مختلف الأقسام. ويُعتقد أن هذه الغرفة كانت المركز الأساسي لإدارة الرقابة والسيطرة على المعتقلين، مما يجعل من الوصول إلى أرشيفها الكامل مطلباً ملحاً للمنظمات الحقوقية الدولية والمحلية.

وفي مشهد آخر، أظهرت المقاطع غرفة مخصصة لاستقبال زيارات الأهالي، حيث بدا أحد العناصر العسكرية وهو يستجوب رجلاً وسيدة خلف قضبان حديدية حول هوية المعتقل وصلة القرابة. هذه المشاهد أعادت للأذهان معاناة آلاف العائلات التي قضت سنوات طويلة في محاولات مضنية لمعرفة مصير أبنائها المغيبين خلف تلك القضبان.

من جانبها، أعربت سوسن العبار، المعتقلة السابقة وعضو رابطة الناجيات السوريات، عن قلقها إزاء حالة الغموض التي تكتنف ملف السجن بعد سقوط النظام. وأكدت في تصريحات صحفية أن التعامل مع هذا الملف الحساس لم يرقَ إلى المستوى المطلوب، داعية إلى ضرورة توخي الشفافية والوضوح في كشف الحقائق المتعلقة بالانتهاكات.

وطالب ناشطون سوريون بفتح تحقيق فوري وشامل للكشف عن مصدر هذه التسريبات والجهة التي تضع يدها حالياً على الأرشيف الرقمي للسجن. وأشار الناشط صبحي البصاص إلى أن نشر هذه المقاطع دون سياق قانوني أو حقوقي واضح يثير الشكوك، محذراً من تحويل آلام الضحايا إلى مادة للتداول الإعلامي دون تحقيق العدالة.

وفي سياق متصل، ظهر الناشطان عمر نزهت وحمزة عباس في تسجيل مصور لتوضيح بعض الملابسات، حيث أكدا أن المواد المسربة تم تسليمها بالفعل إلى الجهات المختصة لمتابعتها. ومع ذلك، لم يقدم الناشطان تفاصيل إضافية حول هوية هذه الجهات أو طبيعة الإجراءات التي سيتم اتخاذها حيال هذه الوثائق البصرية الهامة.

هذه التطورات أعادت إلى الواجهة قضية سرقة أجهزة الكمبيوتر والوثائق الرسمية من سجن صيدنايا، وهي القضية التي حذرت منها 'رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا' في وقت سابق. وتخشى المنظمات الحقوقية من أن يؤدي ضياع هذا الأرشيف إلى طمس الأدلة التي قد تساهم في كشف مصير آلاف المختفين قسرياً وتحديد المسؤولين عن الجرائم.

وتشير تقارير ميدانية إلى أن الشخص الذي نشر المقاطع كان من بين أوائل الذين دخلوا السجن عقب انسحاب قوات النظام، ويُرجح أنه حصل على قرص صلب يحتوي على تسجيلات الكاميرات. ويبدو أن الدافع وراء النشر كان البحث عن معلومات تخص شقيقه المعتقل، دون إدراك كامل للأبعاد القانونية والسياسية لنشر مثل هذه المواد الحساسة.

يُذكر أن سجن صيدنايا قد وُصف من قبل منظمات دولية، وعلى رأسها منظمة العفو الدولية، بأنه 'مسلخ بشري' نظراً لحجم الإعدامات الجماعية والتعذيب الممنهج الذي شهده. وقد وثقت المنظمة إعدام نحو 13 ألف شخص شنقاً في السجن خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، في ظل تعتيم كامل من قبل السلطات.

وتشير إحصائيات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن هناك أكثر من 96 ألف سوري لا يزالون في عداد المختفين قسرياً، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً منهم مر عبر زنازين صيدنايا. ومع سقوط النظام، تحول السجن إلى مزار لمئات العائلات التي تبحث عن أي أثر لذويها، وسط آمال وتخوفات من اكتشاف مقابر جماعية في محيطه.

ورغم عمليات البحث المكثفة التي نفذتها فرق الدفاع المدني السوري في مرافق السجن وأقبيته، لم يتم العثور على معتقلين أحياء بعد هروب الحرس. هذا الواقع زاد من تعقيد المشهد، حيث تتجه الأنظار الآن نحو الوثائق والتسجيلات المسربة كخيط أمل وحيد لفك رموز الجرائم التي ارتكبت خلف تلك الجدران الصماء.

ويبقى ملف سجن صيدنايا أحد أكثر الملفات إيلاماً في الذاكرة السورية المعاصرة، حيث يمثل رمزاً للقمع والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان. وتشدد الأوساط الحقوقية على أن المحاسبة والعدالة الانتقالية لا يمكن أن تتحقق دون الكشف الكامل عن مصير المفقودين وحماية الأرشيف الأمني من الضياع أو التلاعب.

اقتصاد

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 12:20 مساءً - بتوقيت القدس

رئيس 'ويز إير' يهاجم شركات طيران بالشرق الأوسط: قراراتها سياسية وليست مهنية

أطلق يوزف فارادي، الرئيس التنفيذي لشركة 'ويز إير' الهنغارية، موجة من الجدل في قطاع الطيران العالمي عقب تصريحات حادة وجهها لشركات الطيران العاملة في منطقة الشرق الأوسط. وزعم فارادي أن هذه الشركات قد تضع الاعتبارات السياسية فوق معايير السلامة والتشغيل المهنية، وهو ما يمثل خروجاً عن الأعراف الدبلوماسية بين قادة قطاع النقل الجوي.

وبحسب ما نقلته تقارير صحفية دولية، فإن فارادي أبدى تشككاً عميقاً في النهج الذي تتبعه بعض الناقلات الإقليمية، مشيراً إلى أن أسلوب عملها لا يتوافق مع المعايير التي يطبقها في شركته. وخصت التصريحات بالذكر شركات كبرى من بينها 'فلاي دبي'، حيث اعتبر أن قرارات تلك الشركات لا تستند بالضرورة إلى أسس أمنية وتقنية بحتة.

وذهبت انتقادات رئيس 'ويز إير' إلى أبعاد شخصية، حيث صرح علانية بأنه يتجنب السفر على متن طائرات بعض هذه الشركات الإقليمية نتيجة تحفظاته على نماذج التشغيل المتبعة لديها. وتعكس هذه التصريحات حجم التوتر المكتوم بين شركات الطيران منخفض التكلفة في أوروبا والناقلات الصاعدة في منطقة الخليج والشرق الأوسط.

وقد أثارت هذه الادعاءات ردود فعل متباينة داخل أروقة قطاع الطيران، لا سيما وأن الشركات الخليجية نجحت في السنوات الأخيرة في توسيع نفوذها العالمي بشكل غير مسبوق. ويرى مراقبون أن هذه الهجمات قد تكون مدفوعة برغبة في تقليص التنافسية العالية التي تفرضها شركات المنطقة على نظيراتها الأوروبية في المسارات الدولية.

وتأتي هذه التصريحات في توقيت حساس يشهد فيه سوق الطيران العالمي صراعاً محتدماً على الحصص السوقية، حيث تعتمد شركات الشرق الأوسط على شبكات ربط واسعة تصل بين القارات المختلفة. وفي المقابل، تحاول شركات الطيران الاقتصادي الأوروبية الحفاظ على هيمنتها في ظل ضغوط التكاليف المتزايدة والمنافسة القادمة من الشرق.

ولم تقتصر انتقادات فارادي على الجوانب التشغيلية فحسب، بل امتدت لتشمل التشكيك في استقلالية القرار الإداري داخل هذه المؤسسات، ملمحاً إلى تدخلات حكومية تؤثر على مسارات الرحلات وتوقيتاتها. وتعد هذه الاتهامات من أخطر ما يمكن توجيهه في قطاع يعتمد كلياً على ثقة المسافرين في إجراءات السلامة والأمان.

وفي ظل غياب ردود رسمية فورية من الشركات المستهدفة، يبقى قطاع الطيران بانتظار تداعيات هذه التصريحات على العلاقات البينية والتحالفات الجوية. ومن المتوقع أن تفتح هذه القضية باباً للنقاش حول شفافية معايير التشغيل والمنافسة العادلة بين الشركات المدعومة حكومياً والشركات الخاصة في القارة العجوز.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

الاحتلال المقنّع: إسرائيل تكرس 'الخط الأصفر' كمنطقة عازلة جنوبي لبنان

تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي تكريس نهج جديد من الاحتلال المقنع في جنوب لبنان، عبر فرض ما أسمته 'الخط الأصفر' كمنطقة أمنية عازلة خارج حدودها الدولية. وتأتي هذه الخطوة في إطار مساعي تل أبيب لتوسيع نطاق سيطرتها الميدانية، على غرار النماذج التي نفذتها سابقاً في قطاع غزة ومناطق سورية، وسط تحذيرات من تداعيات إنسانية كارثية.

ويتمثل 'الخط الأصفر' في حدود وهمية فرضها جيش الاحتلال جنوب نهر الليطاني، حيث تُعرف المنطقة الممتدة منه وصولاً إلى الحدود بأنها منطقة قتال مغلقة. ويهدف هذا الإجراء إلى منع عودة النازحين اللبنانيين إلى ديارهم، مع إعطاء الضوء الأخضر لاستهداف أي تحركات مدنية أو عسكرية باعتبارها خرقاً للتفاهمات الأمنية.

المعطيات الميدانية تشير إلى أن جيش الاحتلال توغل لمسافات تصل إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، شملت مناطق من محيط بلدة راشيا وصولاً إلى الناقورة ورأس البياضة. هذا التوغل لا يبدو مجرد إجراء مؤقت، بل هو مؤشر على رغبة إسرائيلية في ترسيخ واقع جغرافي جديد يمنحها تفوقاً نارياً دائماً.

من جانبه، أكد النائب حسين فضل الله أن كافة تداعيات الحرب، بما فيها 'الخط الأصفر'، سيتم إسقاطها ولن يتم السماح بتثبيتها كأمر واقع. ويأتي هذا الموقف في ظل رفض لبناني رسمي وشعبي واسع لمحاولات قضم الأراضي الحدودية وتحويلها إلى مناطق عازلة تفتقر لأي شرعية قانونية أو دولية.

وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان تجربة 'الشريط الحدودي' الذي أقامه الاحتلال بين عامي 1978 و2000، مع وجود فروق جوهرية في حجم الدمار الحالي. فبينما كان الاحتلال السابق يسمح ببقاء بعض السكان، تعتمد الاستراتيجية الحالية على التهجير الكامل وتدمير كافة مقومات الحياة في القرى المستهدفة.

ورصدت مصادر ميدانية دماراً هائلاً في بلدة الخيام والقرى المحيطة بها، حيث نفذت قوات الاحتلال عمليات تفجير وتجريف واسعة للمنازل والمرافق العامة. وتزعم إسرائيل أن هذه العمليات تستهدف بنى تحتية عسكرية، رغم استمرار سريان اتفاقات وقف إطلاق النار التي تم تمديدها مؤخراً.

وفي منطقة العرقوب، أوضح رئيس اتحاد البلديات قاسم القادري أن القرى التزمت بنهج المواجهة السلمية ولم تشهد أي مظاهر مسلحة طوال فترة النزاع. وأشار القادري إلى أن السلطات المحلية تتبع للدولة اللبنانية بشكل كامل، مما ينفي الذرائع الإسرائيلية التي تستخدم لتبرير استهداف المنطقة وتدمير بنيتها.

وأضاف القادري أن السكان فوجئوا بعد الهدنة بإنشاء الحزام الأمني الذي بدأ يلتهم مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمناطق السكنية. هذا الحزام أدى إلى عزل القرى عن بعضها البعض، وقطع الشرايين الحيوية التي تربط منطقة العرقوب بقضاء حاصبيا ومحافظة النبطية، مما فاقم الأزمة المعيشية.

وتعاني البلدات الواقعة ضمن نطاق 'الخط الأصفر' من أزمات حادة في قطاع الخدمات، لا سيما انقطاع المياه نتيجة منع فرق الصيانة من الوصول إلى المصادر الأساسية. وقد وجهت البلديات مذكرات رسمية إلى قوات 'اليونيفيل' والجهات الدولية للتدخل العاجل لضمان حرية الحركة وتأمين الاحتياجات الإنسانية.

ويرى مراقبون أن إسرائيل تسعى من خلال هذه المنطقة العازلة إلى امتلاك أوراق ضغط إضافية في أي مفاوضات سياسية مستقبلية مع لبنان. فمن خلال إفراغ المنطقة من سكانها، تحاول تل أبيب فرض شروط أمنية قاسية تتجاوز القرارات الدولية المعترف بها، وتشرعن اعتداءاتها المتكررة.

وعلى الصعيد السياسي، عقدت واشنطن جولتين من المحادثات المباشرة بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي لبحث سبل وقف الأعمال العدائية. ويتمسك الجانب اللبناني، برئاسة جوزيف عون، بضرورة انسحاب الاحتلال إلى الحدود الدولية ونشر الجيش اللبناني كقوة وحيدة مسؤولة عن الأمن في الجنوب.

الإحصائيات الرسمية تشير إلى حجم المأساة التي خلفها العدوان، حيث ارتقى أكثر من 2500 شهيد وأصيب الآلاف، فضلاً عن نزوح نحو خمس سكان لبنان. هذه الأرقام تعكس ضراوة الهجمة الإسرائيلية التي لم تقتصر على الأهداف العسكرية، بل طالت النسيج الاجتماعي والاقتصادي للدولة اللبنانية.

إن استمرار الاحتلال في قضم الأراضي اللبنانية والفلسطينية والسورية يعكس سياسة ثابتة ترفض الانصياع للقرارات الأممية الداعية للانسحاب. ويظل 'الخط الأصفر' عنواناً جديداً للصراع، حيث يحاول الاحتلال تحويل الحدود إلى منطقة محرمة على أصحابها الشرعيين تحت غطاء 'الأمن والدفاع'.

وفي الختام، يبقى مصير القرى الحدودية معلقاً بين صمود الأهالي والمناورات السياسية الدولية، في ظل إصرار إسرائيلي على تحويل الجنوب إلى حزام أمني مدمر. وتتجه الأنظار الآن نحو الموقف الدولي ومدى قدرته على إلزام الاحتلال باحترام السيادة اللبنانية ووقف عمليات التجريف الممنهجة.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

تحدٍ قانوني في بريطانيا: 130 شخصية بارزة توقع رسالة لدعم حركة 'فلسطين أكشن'

شهدت الساحة السياسية والقانونية في بريطانيا حراكاً واسعاً عقب توقيع أكثر من 130 شخصية عامة على رسالة علنية تعلن الدعم الصريح لحركة 'فلسطين أكشن'. وتأتي هذه الخطوة الجريئة قبل أيام قليلة من جلسة استئناف قضائية مرتقبة تهدف للنظر في شرعية قرار الحكومة البريطانية بحظر الحركة وتصنيفها كمنظمة إرهابية.

أفادت مصادر إعلامية بأن قائمة الموقعين ضمت أسماء عالمية وازنة، من بينها الناشطة البيئية السويدية غريتا ثونبرغ، والروائية الأيرلندية سالي روني، والممثلة جوديث بتلر. كما شملت الرسالة تواقيع أكاديميين بارزين وأساتذة قانون من جامعات عريقة مثل أكسفورد وكامبريدج، بالإضافة إلى نخبة من الموسيقيين والمثقفين البريطانيين.

جاءت الرسالة الموجهة إلى محكمة الاستئناف بصيغة مقتضبة وحازمة، حيث أعلن الموقعون معارضتهم لما وصفوه بـ'الإبادة الجماعية' وتأييدهم الكامل لنشاط حركة 'فلسطين أكشن'. ويمثل هذا الإعلان تحدياً مباشراً للسلطات، خاصة وأن قانون مكافحة الإرهاب البريطاني يجرم أي شكل من أشكال الدعم العلني للمنظمات المحظورة.

تسعى الحكومة البريطانية من خلال جلسة الاستماع المقبلة إلى الطعن في حكم سابق أصدرته المحكمة العليا في فبراير الماضي، والذي شكك في قانونية قرار الحظر. ويرى مراقبون أن هذا الصراع القضائي يعكس انقساماً عميقاً داخل مؤسسات الدولة البريطانية حول كيفية التعامل مع الاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة.

تعود جذور الأزمة إلى يوليو 2025، حينما اتخذت السلطات قراراً بتصنيف 'فلسطين أكشن' كمنظمة محظورة عقب سلسلة من الأنشطة الاحتجاجية المباشرة. وكان أبرز تلك الحوادث اقتحام نشطاء لقاعدة تابعة لسلاح الجو الملكي ورش طلاء أحمر على محركات طائرات عسكرية، تعبيراً عن رفضهم لما يسمونه التواطؤ البريطاني في الحرب.

تتهم المنظمة، التي تعتمد أسلوب 'العمل المباشر'، الحكومة البريطانية بالتورط غير المباشر في جرائم حرب من خلال تزويد إسرائيل بالدعم العسكري واللوجستي. وفي المقابل، تستخدم الحكومة هذه الهجمات على المنشآت العسكرية والشركات الدفاعية كمبرر أساسي لتشديد الخناق القانوني على نشطاء الحركة.

نُشرت الرسالة المفتوحة عبر منظمة 'دافع عن هيئات المحلفين' البريطانية، وهي جهة حقوقية تدافع عن استقلال القضاء وحقوق المتظاهرين. وأوضحت المنظمة أن الموقعين يدركون تماماً أن موقفهم قد يعرضهم لملاحقات جنائية وعقوبات محتملة بموجب قوانين الإرهاب الصارمة المعمول بها في البلاد.

أشارت المنظمة الحقوقية إلى أن إقدام الشرطة على اعتقال هذه الشخصيات المرموقة سيضع السلطات في مأزق أخلاقي وقانوني كبير، حيث سيكشف ذلك عما وصفته بـ'الطابع الاستبدادي' لقرار الحظر. وفي حال امتناع السلطات عن التحرك، فإن ذلك سيفتح الباب للتساؤل حول قانونية آلاف الاعتقالات التي طالت نشطاء مغمورين سابقاً.

برز اسم الموسيقي العالمي برايان إينو ضمن قائمة الموقعين، وهو المعروف بمواقفه السياسية الداعمة للقضية الفلسطينية ودعواته المتكررة لمقاطعة الفعاليات الفنية الإسرائيلية. ويعكس انضمام إينو للرسالة اتساع رقعة التأييد للحركة بين النخب الثقافية التي ترى في الحظر تقييداً لحرية التعبير والاحتجاج السلمي.

من جانبها، صرحت بيني غرين، أستاذة القانون في جامعة كوين ماري بلندن، بأن وصم المتظاهرين المعارضين للإبادة الجماعية بالإرهاب هو إجراء غير مقبول قانونياً. واعتبرت أن الحكومة تواجه اتهامات جدية بالتواطؤ في الأحداث الجارية، مما يجعل الجدل حول 'فلسطين أكشن' قضية سياسية بامتياز تتجاوز أروقة المحاكم.

شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيداً في وتيرة الاحتجاجات الميدانية المطالبة برفع الحظر عن الحركة، حيث نفذت السلطات اعتقالات واسعة في العاصمة لندن. وذكرت مصادر أن ميدان ترافالغار شهد توقيف أكثر من 500 شخص خلال تجمع احتجاجي ضخم، في إشارة واضحة إلى حجم الغضب الشعبي من السياسات الحكومية.

تعتبر هذه التظاهرات هي الأكبر من نوعها منذ صدور حكم المحكمة العليا الذي منح بصيص أمل للمدافعين عن الحركة بإمكانية إلغاء قرار الحظر. وتراقب المنظمات الحقوقية الدولية مسار هذه القضية، معتبرة إياها اختباراً حقيقياً لمدى التزام بريطانيا بحماية الحق في التظاهر والمعارضة السياسية.

يستمر الجدل القانوني في ظل ترقب كبير لما ستسفر عنه جلسات المحكمة المقبلة، والتي ستحدد مصير نشاط 'فلسطين أكشن' في المملكة المتحدة. ويرى قانونيون أن الحكم القادم سيشكل سابقة قضائية قد تؤثر على مستقبل الحركات الاحتجاجية الأخرى التي تتبنى أساليب مشابهة في التعبير عن مواقفها السياسية.

في نهاية المطاف، تضع هذه الرسالة المفتوحة الحكومة البريطانية أمام خيارات صعبة، فإما المضي قدماً في الملاحقات القانونية ضد رموز ثقافية وعالمية، أو التراجع عن قرار الحظر الذي يواجه انتقادات حقوقية واسعة. وتظل الأنظار شاخصة نحو محكمة الاستئناف التي باتت ساحة للصراع بين اعتبارات الأمن القومي وحقوق الإنسان الأساسية.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:50 صباحًا - بتوقيت القدس

البنتاغون يقر بالعجز عن مواجهة الأسلحة الفرط صوتية والصواريخ المجنحة

كشف مساعد وزير الحرب الأمريكي لسياسات الفضاء، مارك بيركوفيتش، عن ثغرات استراتيجية في منظومة الدفاع الجوي للولايات المتحدة، مؤكداً أن القوات المسلحة تفتقر حالياً للوسائل التقنية اللازمة للتصدي للأسلحة الفرط صوتية والصواريخ المجنحة ذات التقنيات المتقدمة.

وأوضح بيركوفيتش، خلال إفادة أدلى بها أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ أن القدرات الدفاعية الراهنة تعتمد على نظام أرضي أحادي المستوى يتسم بمحدودية شديدة، مبيناً أن هذا النظام جرى تصميمه في الأساس للتعامل مع سيناريوهات محددة تتمثل في هجمات مفاجئة وصغيرة النطاق قد تنطلق من كوريا الشمالية.

وفي سياق مراجعته لنظام الدفاع الصاروخي من الجيل التالي المعروف بـ 'القبة الذهبية'، أشار المسؤول الأمريكي إلى أن واشنطن تواجه تحديات حقيقية في اعتراض الصواريخ الباليستية خارج الأطر المحدودة المصممة لها، مشدداً على أن الفجوة الدفاعية تظهر بوضوح عند مواجهة الترسانات الصاروخية المتطورة التي تمتلكها قوى دولية أخرى.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:35 صباحًا - بتوقيت القدس

صناعة الجواسيس في غزة: دراسة تفكك دوافع التخابر وهيكلية المجموعات الميدانية

قدم الباحث ضياء نعيم الصفدي، في دراسة صادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، مقاربة معمقة لظاهرة التخابر في قطاع غزة، متجاوزاً التوصيف القانوني التقليدي للجريمة. يرى الصفدي أن التخابر ينمو في بيئة ضاغطة تفرزها الحرب، حيث يتحول الفرد تحت شروط معينة إلى أداة تعمل ضد مجتمعها ضمن منظومة اندماج جزئي مع الاحتلال.

تؤكد الدراسة أن مفهوم التجسس المعاصر بات أكثر تعقيداً، إذ يقوم على علاقة تواصل واعية ومقصودة تهدف لتمكين الجهة المعادية من تحقيق أهدافها الإستراتيجية. هذا الفعل لا ينتهي بانتهاء المهمة، بل يتحول إلى دور وظيفي يُعاد إنتاجه داخل شبكة معقدة من العلاقات الأمنية والميدانية التي تستهدف البنية التحتية للمجتمع.

كشفت المعطيات أن الحرب الأخيرة على غزة أحدثت تحولاً نوعياً في مهام المتخابرين، حيث انتقل الدور من تزويد الاحتلال بمعلومات عامة إلى المشاركة الميدانية المباشرة. يسهم هؤلاء الآن في رصد التحركات اللحظية وتحديد الأهداف العسكرية، مما يجعل الاختراق عمودياً يمس جوهر الفعل المقاوم ويعيد تشكيله من الداخل.

في تحليلها للدوافع، تشير الدراسة إلى أن الفقر والبطالة يمثلان مدخلاً أساسياً للاستقطاب، حيث تُقدم الإغراءات المالية كفرص نادرة في بيئة اقتصادية منهارة. ومع ذلك، لا يقتصر الأمر على العوز المادي، بل يتطور في بعض الحالات إلى علاقة تبادلية يحسب فيها الفرد مكاسبه مقابل ما يقدمه من خدمات أمنية.

تنتقل الدراسة من التفسير الاقتصادي إلى العوامل النفسية، معتبرة أن الإحباط والشعور بالتهميش يخلقان أرضية خصبة للاستقطاب المعادي. يجد بعض الأفراد في التعامل مع الاحتلال وسيلة لتعويض النقص أو استعادة إحساس زائف بالقدرة، وهو مسار يتشكل تدريجياً عبر تفاعل الحاجة النفسية مع العروض الخارجية.

تلعب الظروف الاجتماعية دوراً محورياً في تعميق هشاشة الأفراد، حيث يساهم التفكك الأسري وضعف الروابط المجتمعية في تقليل المناعة الذاتية. ويشدد الصفدي على أن فهم هذه العوامل لا يعني تبرير الفعل أو إضفاء الشرعية عليه، بل يهدف لتفكيك الظاهرة وفهم آليات عملها العميقة للتمكن من مواجهتها.

يبرز ضعف الوعي المعرفي والسياسي كفراغ تستغله الروايات المضللة لتشويه حقيقة العلاقة مع العدو وتسهيل عملية التجنيد. في المقابل، يظل الوازع الديني والوطني الصلب هو العائق الأكبر الذي يمنع تحويل الخيانة إلى مجرد صفقة تجارية، حيث يعيد هذا الوازع تعريف الفعل كجريمة كبرى لا تقبل المساومة.

تستعرض الدراسة نماذج ميدانية لمجموعات منظمة عملت مع الاحتلال، من أبرزها مجموعة (ك.ش) في مدينة رفح جنوب القطاع. تضم هذه المجموعة نحو 300 عنصر، وأنشأت نقطة اتصال ميدانية متقدمة لرصد التحركات الحدودية وجمع بيانات دقيقة حول النشاط اليومي في تلك المنطقة الحساسة.

وفي منطقة جنوب خان يونس، وتحديداً في مناطق خزاعة وعبسان والقرارة، تنشط مجموعة (ج.أ) التي تضم حوالي 40 مسلحاً. تخصصت هذه المجموعة في العمل الاستخباراتي الميداني المباشر، مستغلة وجود عناصرها داخل النسيج الاجتماعي لبناء قاعدة بيانات تفصيلية حول تحركات الأشخاص والمقاومة.

أما في شرق مدينة غزة، فتبرز مجموعة (ر.ج) التي تتركز مهامها في المناطق الحدودية وخطوط التماس المباشرة مع الاحتلال. توفر هذه المجموعة معلومات ذات قيمة استخباراتية عالية نظراً لموقعها الجغرافي، مما يتيح للاحتلال قراءة آنية للميدان في مناطق يصعب الوصول إليها بالوسائل التكنولوجية وحدها.

وفي المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة بشمال القطاع، تنشط مجموعة (أ.م) التي تستغل الاكتظاظ العمراني للتخفي والرصد. تتولى هذه المجموعة جمع معلومات حول البنية التنظيمية والتحركات الميدانية للفاعلين المحليين، مما يخدم الأهداف الأمنية للاحتلال ويقوض حالة الثقة داخل الحاضنة الشعبية.

تحذر الدراسة من أن الأثر الأعمق للتخابر يتجاوز الخسائر العسكرية المباشرة ليصل إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وإشاعة روح الشك. إن فقدان الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع يضعف القدرة على التماسك في مواجهة الضغوط الخارجية، وهو هدف إستراتيجي يسعى الاحتلال لتحقيقه عبر أدوات الحرب الاستخباراتية.

أشارت مصادر إلى أن المقاومة الفلسطينية تتابع هذه التحركات بيقظة، وقد نجحت في تصفية رؤوس قيادية لمجموعات العملاء مثل ياسر أبو شباب. تعكس هذه العمليات صراعاً مستمراً في الخفاء لحماية الجبهة الداخلية من الاختراقات التي تحاول النيل من صمود المجتمع الفلسطيني في غزة.

تخلص الدراسة إلى أن مواجهة التخابر تتطلب إستراتيجية شاملة لا تكتفي بالحلول القانونية والأمنية فقط، بل تمتد لبناء مناعة اجتماعية. إن تعزيز الوعي وترميم الروابط الوطنية يمثلان خط الدفاع الأول لمنع تحول الأفراد إلى أدوات في يد الاحتلال، في معركة تُخاض على مستوى الوعي والمعنى بقدر ما تُخاض في الميدان.

اسرائيليات

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:35 صباحًا - بتوقيت القدس

أكاديمي إسرائيلي: وقف إطلاق النار يمنح طهران فرصة للنجاة من الانهيار

أعرب البروفيسور الإسرائيلي إيال زيسر عن انتقاده الشديد لقرار وقف إطلاق النار الذي أنهى مؤقتاً عملية 'زئير الأسد'، مشيراً إلى وجود حالة من الاستياء الواسع داخل أوساط الاحتلال ودوائر في الولايات المتحدة. وأوضح زيسر أن التوقعات بانهيار النظام الإيراني لم تتحقق، حيث استمرت طهران في إطلاق الرشقات الصاروخية، مع وجود مؤشرات استخباراتية تؤكد امتلاكها مخزوناً تسليحياً يكفي للاستمرار في القتال لعدة أسابيع إضافية.

واعتبر المحلل الإسرائيلي أن القيادة الإيرانية سارعت لتوظيف التهدئة لإعلان 'النصر'، متصرفة من موقع القوة والمبادرة في إدارة وتيرة المفاوضات مع واشنطن. كما لفت إلى أن طهران بدأت تلوح بورقة إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي، تزامناً مع ما وصفه بنجاحها في فرض معادلة وقف إطلاق النار على جبهة لبنان، مما يعزز نفوذها الإقليمي في الساحات المختلفة.

وأشار المقال المنشور في صحيفة 'إسرائيل اليوم' إلى أن غياب المعلومات الدقيقة والصور التي توضح حجم الدمار الفعلي داخل العمق الإيراني، إلى جانب استمرار سياسة حجب الإنترنت، مكن النظام من تسويق المواجهة كإنجاز استراتيجي. ويرى زيسر أن هذا السلوك يحاكي نهج حزب الله في لبنان، الذي استطاع بدعم إيراني فرض قيود ملموسة على القدرات العسكرية للاحتلال مقارنة بالأوضاع التي سبقت اندلاع المواجهة.

وفي قراءته للمشهد الداخلي، أوضح الأكاديمي الإسرائيلي أن معادلة 'البقاء تعني الانتصار' هي المحرك الأساسي لمظاهر الاحتفال في شوارع طهران، رغم الواقع الاقتصادي المرير الذي تعيشه البلاد. وأكد أن هذا الخطاب الدعائي يحاول التغطية على دولة تقف فعلياً على حافة الهاوية، بعد عام من الاضطرابات والاحتجاجات غير المسبوقة التي هزت أركان استقرار النظام الحاكم.

وتطرق التحليل إلى الأرقام الاقتصادية الصادمة، حيث فقد الريال الإيراني نحو 90% من قيمته الأصلية، مما أدى إلى قفزات هائلة في معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين. وبينت المصادر أن ملايين الإيرانيين باتوا يعيشون تحت خط الفقر الحاد، حيث لا يتجاوز متوسط الدخل الشهري للفرد 120 دولاراً، في ظل أزمات معيشية خانقة تشمل نقص المياه وانقطاع التيار الكهربائي لفترات طويلة.

واختتم زيسر تحليله بالإشارة إلى أن النظام الإيراني يوجه ربع ميزانية الدولة نحو البرامج النووية وتطوير الترسانة الصاروخية وتمويل الأذرع العسكرية في العراق واليمن ولبنان على حساب الاحتياجات الأساسية للشعب. وحذر من أن أي اتفاق محتمل قد يبرمه الرئيس الأمريكي ترامب في هذه المرحلة قد يشكل 'طوق نجاة' للنظام، خاصة مع وجود تقارير تشير إلى أن الخسائر التي لحقت بالجيش الأمريكي في المنطقة قد تكون أكبر بكثير مما تم الإفصاح عنه رسمياً.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطينيو الداخل.. عقود من المواجهة ضد سياسات الأسرلة ومصادرة الأرض

خاض المجتمع الفلسطيني الذي بقي صامداً في الأراضي المحتلة عام 1948 مساراً نضالياً معقداً لمواجهة السياسات الاستعمارية التي استهدفت وجوده الوطني. تراوحت هذه المواجهة بين العمل السياسي المنظم والهبات الشعبية العارمة، في ظل محاولات مستمرة من السلطات الإسرائيلية لفرض 'الأسرلة' وعزل هذا الجزء الأصيل من الشعب الفلسطيني عن امتداده القومي والوطني.

مثلت فترة الحكم العسكري التي امتدت حتى عام 1966 ذروة القمع الإداري والأمني، حيث حوصر الفلسطينيون في قراهم ومدنهم تحت ذريعة 'الخطر الأمني'. واستندت هذه المنظومة إلى أنظمة الطوارئ البريطانية لتقييد الحركة ومنع تشكيل أي إطار وطني جامع، مما جعل الفلسطيني غريباً وملاحقاً في أرضه التاريخية التي تحول فيها إلى أقلية بعد تهجير مئات الآلاف خلال النكبة.

رغم الرقابة الاستخباراتية اللصيقة، برزت نماذج كفاحية مسلحة من داخل الخط الأخضر، كان أبرزها 'مجموعة عكا 778' بقيادة فوزي النمر. نجحت هذه الخلية في تنفيذ عمليات نوعية استهدفت مصافي النفط وخطوط السكك الحديدية، مستغلة قدرة أفرادها على التحرك داخل العمق الإسرائيلي وتضليل أجهزة الأمن لفترات طويلة قبل اكتشاف أمرها.

شكلت قضية التجنيد الإجباري الذي فُرض على الشبان الدروز عام 1956 محطة أخرى من محطات الرفض الشعبي، حيث سعى الاحتلال لسلخهم عن هويتهم العربية. ورغم الضغوط، انطلقت حراكات منظمة قادتها شخصيات دينية وفكرية، مثل لجنة المبادرة العربية الدرزية، التي أكدت على الانتماء الفلسطيني ورفض التورط في الخدمة العسكرية داخل جيش الاحتلال.

يعد 'يوم الأرض' في 30 مارس 1976 الانعطافة الأهم في تاريخ فلسطينيي الداخل، حيث تفجرت الهبة رداً على مخططات تهويد الجليل ومصادرة آلاف الدونمات. كسر هذا الحراك حاجز الخوف وأثبت فشل سياسات الاحتواء، بعدما توحدت الجماهير في إضراب شامل واجهته القوات الإسرائيلية بالرصاص الحي، مما أسفر عن ارتقاء ستة شهداء أصبحوا رمزاً للصمود الأبدي.

لم تتوقف محاولات السيطرة على الأرض، وهو ما أدى لاندلاع مواجهات 'الزابود' في بلدة بيت جن عام 1987، حيث خاض الأهالي إضراباً تاريخياً استمر لأكثر من مئة يوم. دافع السكان بصدورهم العارية عن أراضيهم المهددة بالمصادرة لصالح المستوطنات، وتمكنوا من مواجهة قوات الشرطة في اشتباكات عنيفة أدت لإصابة العشرات من عناصر الأمن الإسرائيلي.

في أواخر التسعينيات، برزت 'هبة الروحة' كنموذج ناجح للعمل الشعبي الميداني في منطقة أم الفحم ووادي عارة، احتجاجاً على إغلاق الأراضي لأغراض عسكرية. أجبرت الحشود الغاضبة والاعتصامات المستمرة وزير الجيش الإسرائيلي حينها على التراجع عن قراراته، مما شكل انتصاراً معنوياً ومادياً مهماً في مسيرة الحفاظ على ما تبقى من الأرض الفلسطينية.

شهدت مدينة اللد عام 1999 حراكاً قوياً ضد سياسة هدم المنازل، وهي السياسة التي تهدف لتضييق الخناق على الوجود الفلسطيني في المدن الساحلية. تعرض خلالها قادة سياسيون ومفكرون للاعتداء المباشر، لكن الخيام التي أقيمت فوق الأنقاض ظلت شاهدة على الإصرار الفلسطيني على البقاء ورفض التهجير الصامت الذي تمارسه البلديات الإسرائيلية.

جاءت هبة أكتوبر عام 2000 لتعيد ربط الداخل بالكل الفلسطيني بشكل دموي ومهيب، تزامناً مع اندلاع انتفاضة الأقصى في الضفة وغزة. واجهت إسرائيل المتظاهرين بوحشية غير مسبوقة، مستخدمة القناصة ضد مواطنيها الفلسطينيين، مما أدى لاستشهاد 13 شاباً، في مشهد كشف الوجه الحقيقي للمنظومة الاستعمارية التي لا تفرق بين فلسطيني وآخر.

يرى مراقبون أن السلطات الإسرائيلية انتهجت بعد عام 2000 سياسة 'الإغراق بالجريمة' كأداة بديلة للضبط الأمني وتفكيك النسيج الاجتماعي في الداخل. ويشير تواطؤ أجهزة الشرطة مع عصابات الإجرام إلى رغبة رسمية في إشغال المجتمع الفلسطيني بصراعات داخلية تستنزف طاقاته وتبعده عن الانخراط في القضايا الوطنية الكبرى.

أحدثت 'هبة الكرامة' في مايو 2021 صدمة عميقة في الوعي الإسرائيلي، حيث انفجرت المدن الساحلية والنقب في وجه المستوطنين وقوات الأمن. تزامنت هذه الهبة مع معركة 'سيف القدس'، وأثبتت أن الأجيال الشابة التي لم تعاصر النكبة أو يوم الأرض لا تزال متمسكة بهويتها الوطنية ومستعدة للتضحية من أجل القدس والأقصى.

تميزت هبة الكرامة بمشاركة فئات شبابية واسعة من خارج الأطر الحزبية التقليدية، مما عكس حالة من الغضب المتراكم ضد التهميش الاقتصادي والتمييز العنصري. واجهت إسرائيل هذا الحراك بحملة اعتقالات مسعورة طالت المئات، وأصدرت أحكاماً جائرة تهدف لردع أي تحرك مستقبلي قد يهدد الجبهة الداخلية خلال أي مواجهة عسكرية شاملة.

يحلل الباحثون واقع فلسطينيي الداخل عبر مفهوم 'حالة العتبة'، وهي الحالة التي تصف التمزق بين الانتماء الوطني الصادق والارتباط المادي بالواقع المدني الإسرائيلي. هذه الحالة، رغم تعقيدها، لم تمنع الجماهير من الانتفاض في اللحظات المفصلية، مؤكدة أن الهوية الوطنية تظل هي المحرك الأساسي رغم كل سياسات التدجين والضبط.

يبقى نضال فلسطينيي 1948 جزءاً لا يتجزأ من حكاية التحرر الفلسطيني الشاملة، حيث يواجهون بصدورهم العارية أعتى سياسات التهويد. إن استمرار الهبات الشعبية وتطور أدوات المواجهة يؤكد أن محاولات 'الأسرلة' قد تحطمت أمام صخرة الوعي الوطني، وأن الداخل الفلسطيني سيظل دائماً في قلب الصراع على الأرض والهوية.

اسرائيليات

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب يضغط على نتنياهو لـ 'ضبط النفس' في لبنان ريثما تتضح الرؤية مع إيران

كشفت تقارير إعلامية عبرية عن تفاصيل مكالمة هاتفية جرت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، طالب فيها ترامب بضرورة الحفاظ على حالة الاحتواء في الجبهة الشمالية. وشدد ترامب خلال الاتصال على أهمية عدم اتخاذ خطوات قد تؤدي إلى انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الهش في لبنان خلال المرحلة الراهنة.

وأوضحت المصادر أن التوجه الأمريكي الجديد يربط بشكل وثيق بين التهدئة في لبنان والمسار التفاوضي الذي تنوي واشنطن خوضه مع إيران. ويبدو أن البيت الأبيض يسعى لاستنفاد كافة الفرص الدبلوماسية مع طهران قبل السماح بأي تصعيد عسكري واسع قد يخلط الأوراق الإقليمية.

في المقابل، حاول نتنياهو خلال المحادثة انتزاع تفويض لتوسيع حرية حركة الجيش الإسرائيلي في لبنان، بدعوى الرد على التهديدات الفورية وحماية الجنود. إلا أن ترامب أبدى رفضاً واضحاً لهذه المطالب، مصمماً على أن استقرار الجبهة اللبنانية يمثل أولوية استراتيجية لإدارته في الوقت الحالي.

وعلى الصعيد الميداني، أعلن الجيش الإسرائيلي صباح اليوم الثلاثاء عن وقوع إصابات في صفوف جنوده إثر هجوم جديد بطائرة مسيرة في جنوب لبنان. وتأتي هذه الحادثة بعد سلسلة من الهجمات النوعية التي استهدفت عمليات نقل الجرحى وكادت أن تسقط مروحية عسكرية في بلدة الطيبة الحدودية.

داخلياً، يواجه الائتلاف الحاكم في إسرائيل موجة غضب متصاعدة من قبل رؤساء السلطات المحلية في مستوطنات الشمال. وقد أعلن هؤلاء المسؤولون عن تمرد علني ضد قرارات الحكومة عبر إغلاق المدارس اليوم، مؤكدين أن الوعود الأمنية التي تطلقها القيادة السياسية لا تترجم إلى أمن حقيقي على الأرض.

وأظهر استطلاع حديث أجرته الإذاعة العبرية الرسمية حالة من التشاؤم في الشارع الإسرائيلي، حيث يرى 57% من المستطلعين أن إسرائيل لم تحقق النصر في أي من جبهات القتال. وانخفضت نسبة القناعة بالنصر في الجبهة اللبنانية إلى 14% فقط، مما يعكس تآكل الثقة في الرواية الرسمية للجيش والحكومة.

من جانبه، حاول الوزير في الكابنيت زئيف إلكين طمأنة الجمهور الإسرائيلي عبر تصريحات إذاعية، زعم فيها أن إسرائيل نجحت في إبعاد قوات الرضوان عن الحدود. ومع ذلك، أقر إلكين بأن حزب الله لا يزال يمتلك قدرات عسكرية قائمة، معتبراً أن الاتفاقات المستقبلية مع لبنان وإيران قد تصب في مصلحة إسرائيل.

وفي واشنطن، وصف وزير الخارجية ماركو روبيو الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق دائم مع لبنان بأنها مساعٍ تاريخية وغير مسبوقة. وأشار روبيو إلى أن غياب حالة الحرب الرسمية بين الدولتين يسهل من مهمة الوصول إلى تفاهمات ترضي أغلبية الشعبين اللبناني والإسرائيلي الراغبين في السلام.

وتشير تحليلات إسرائيلية إلى أن نتنياهو يجد نفسه في مأزق استراتيجي، حيث لا يستطيع معارضة رغبات ترامب الذي يضع هيبته السياسية في ميزان هذه المفاوضات. ويخشى نتنياهو من أن تظهر إسرائيل كطرف معرقل لخطوات الإدارة الأمريكية الجديدة الرامية لتوسيع دائرة التطبيع واتفاقات أبراهام.

ونقلت مصادر عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين قولهم إن المفاوضات مع لبنان قد تساهم في زيادة الضغط الداخلي على حزب الله. ومع ذلك، تظل التقديرات تشير إلى أن الحالة الميدانية في الشمال ستبقى قابلة للانفجار لفترة طويلة بسبب ضعف قدرة الجيش اللبناني على كبح جماح الفصائل المسلحة.

وفي سياق متصل، اعتبرت صحيفة 'يديعوت أحرونوت' أن اتفاق وقف النار الحالي تحول إلى مشكلة استراتيجية معقدة تؤثر على هيبة الردع الإسرائيلي. وأكدت الصحيفة أن استمرار النزيف البشري والمادي في الشمال يضعف الموقف التفاوضي لإسرائيل ويؤجج الخلافات داخل المؤسسة العسكرية.

وتطرقت القناة 13 العبرية إلى الفشل التقني في مواجهة سلاح المسيرات الذي يمتلكه حزب الله، واصفة إياها بالأسلحة الذكية التي يصعب رصدها بالرادارات التقليدية. وأوضحت أن هذه المسيرات باتت قادرة على الوصول إلى أي هدف في الشمال، مما يجعل الجبهة الداخلية في حالة استنفار دائم.

ورغم التصريحات المتفائلة من بعض الأطراف الدولية، تسود تقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن المسار التفاوضي مع إيران قد ينتهي بالفشل. ويرى محللون أن مسألة اندلاع مواجهة شاملة على الجبهتين اللبنانية والإيرانية هي مسألة وقت فقط، بانتظار ما ستسفر عنه التحركات الدبلوماسية المكثفة.

ختاماً، يبقى المشهد في جنوب لبنان وشمال إسرائيل معلقاً بين ضغوط البيت الأبيض وطموحات نتنياهو السياسية، وسط واقع ميداني يفرض شروطه الخاصة. وتظل الأيام القادمة كفيلة بتحديد ما إذا كان 'الاحتواء' الذي طالب به ترامب سيصمد أمام التحديات الأمنية المتزايدة.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

اعترافات عسكرية إسرائيلية: قصف غزة في بداية الحرب كان 'هستيرياً' وبدافع الانتقام

أقرّ إيريز فينتر، رئيس شعبة التخطيط العملياتي في قيادة المنطقة الجنوبية بجيش الاحتلال الإسرائيلي، بأن العمليات العسكرية في الأيام الأولى للعدوان على قطاع غزة اتسمت بالعشوائية والكثافة المفرطة. ووصف فينتر في شهادته القصف بأنه كان 'هستيرياً'، مشيراً إلى أن هذه المقاربة العسكرية كانت تهدف بشكل أساسي إلى إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالقطاع وسكانه.

وأوضح المسؤول العسكري المسؤول عن وضع الخطط الميدانية للعملية البرية أن الدوافع وراء هذا المستوى من العنف كانت مزيجاً من الرغبة في الانتقام وإيقاع الأذى، إلى جانب حالة من انعدام الثقة التي سادت المؤسسة العسكرية في تلك المرحلة. وجاءت هذه التصريحات لتسلط الضوء على العقيدة القتالية التي اتبعت منذ الثامن من أكتوبر 2023، والتي خلفت دماراً هائلاً في البنى التحتية.

وتحدث فينتر عما أسماه 'الستار الناري' الذي رافق القوات البرية خلال توغلها الأول في أراضي القطاع، مؤكداً أن مستوى القصف المدفعي والجوي كان استثنائياً. واعتبر أن شدة النيران المستخدمة لم تُشاهد في الحروب الحديثة منذ عقود طويلة، مما جعل من غزة ساحة لمواجهة غير متكافئة من حيث القوة التدميرية.

وفي اعتراف لافت، أشار القائد العسكري إلى أن العالم سيحتاج إلى سنوات طويلة وربما عقود لإدراك حجم 'الجحيم' الذي تعرض له قطاع غزة فعلياً. وتعكس هذه الكلمات حجم الفظائع التي ارتكبتها الآلة العسكرية الإسرائيلية، والتي أدت بحسب الإحصائيات إلى استشهاد وإصابة مئات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير 90% من المرافق الحيوية.

أثارت هذه التصريحات، التي بثتها مصادر إعلامية عبرية، موجة غضب واسعة في الأوساط الفلسطينية وعلى منصات التواصل الاجتماعي. واعتبر ناشطون أن شهادة فينتر ليست سوى توثيق رسمي من داخل المؤسسة العسكرية لجرائم الإبادة الجماعية التي نُفذت على مرأى ومسمع من العالم أجمع.

ورأى مراقبون أن حديث المسؤول الإسرائيلي يعزز الروايات الحقوقية والشهادات الميدانية التي وثقها سكان القطاع منذ اللحظات الأولى للحرب. وأكدوا أن الاعتراف بوجود 'رغبة في إيقاع الأذى' يثبت النية المبيتة لارتكاب جرائم حرب واستهداف المدنيين بشكل مباشر ودون أي اعتبارات إنسانية أو قانونية.

من جانبهم، تفاعل مدونون فلسطينيون مع هذه الاعترافات بالتأكيد على أنهم لم يكونوا بحاجة لشهادة من قادة الاحتلال لإدراك حجم الإجرام الذي تعرضوا له. وأشاروا إلى أن القصف العنيف الذي نُقلت صوره مباشرة عبر شاشات التلفزة كان كافياً لإدانة الاحتلال أمام التاريخ والعدالة الدولية.

وشدد الناشطون على أن استخدام الأسلحة التدميرية، بما في ذلك القنابل الارتجاجية في المناطق المكتظة بالنازحين، كان سياسة ممنهجة لقتل أكبر عدد من الفلسطينيين. وأضافوا أن هذه السياسة لم تفرق بين طفل أو امرأة، بل استهدفت الوجود الفلسطيني في غزة بشكل كلي وشامل.

ورغم هذه الكثافة النارية 'الهستيرية' التي تحدث عنها فينتر، يرى محللون فلسطينيون أن الاحتلال فشل في تحقيق أهدافه الاستراتيجية والميدانية. وأكدوا أن الصمود الأسطوري في الميدان حال دون تحويل هذا الدمار إلى انتصار سياسي أو عسكري واضح للاحتلال، رغم حجم التضحيات البشرية والمادية.

تأتي هذه الشهادات في وقت تستمر فيه المطالبات الدولية بمحاسبة قادة الاحتلال على ما ارتكبوه في غزة من فظائع. وتعد تصريحات فينتر وثيقة إضافية يمكن استخدامها في المحافل القانونية الدولية لإثبات تعمد جيش الاحتلال تدمير مقومات الحياة في القطاع وتحويله إلى منطقة غير قابلة للعيش.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 11:20 صباحًا - بتوقيت القدس

الاعتدال العنيد: قراءة في العقل السياسي والتحولات الفكرية لحركة النهضة التونسية

يأتي صدور كتاب 'الاعتدال العنيد' للقيادي في حركة النهضة التونسية العجمي الوريمي، ليمثل محاولة جادة لترميم الذاكرة السياسية المهددة بالتشظي. فبالرغم من الحضور الطويل للحركة في المشهد التونسي منذ السبعينيات، إلا أن إنتاجها التوثيقي ظل محدوداً مقارنة بحجم تجربتها المعقدة.

يعتبر الكتاب أكثر من مجرد تجميع لمقالات ودراسات، بل هو أرشيف فكري يعيد تركيب صورة جيل كامل من الإسلاميين التونسيين. هؤلاء الذين تشكل وعيهم بين أروقة الجامعة وزنازين السجون، وصولاً إلى إكراهات الممارسة السياسية في الحكم.

يقدم أحمد عبد النبي، في تقديمه للكتاب، العجمي الوريمي بوصفه 'مثقفاً عضوياً' يتفاعل مع الواقع ويجعل من الفكر أداة للممارسة. فالكتاب يطمح لبناء 'سيرة ذهنية' لرجل تحرك طويلاً بين التنظيم والتأمل النظري في إدارة الصراع السياسي.

تكمن أهمية هذا الإصدار في كونه يتيح قراءة تطور العقل السياسي الإسلامي من الداخل، بعيداً عن البيانات الرسمية الجامدة. فالنصوص المنشورة كتبت في لحظات تاريخية مختلفة، مما يسمح بتتبع التحولات الفكرية العميقة التي طرأت على الحركة.

يشير عنوان الكتاب 'الاعتدال العنيد' إلى رؤية سياسية تتجاوز السلوك الشخصي للكاتب، لتعبر عن منهج في التفكير. فالاعتدال هنا هو خيار واعٍ يرفض الإقصاء، بينما يمثل العناد تمسكاً بالخيارات الفكرية الكبرى رغم الضغوط والتحولات.

يعكس الكتاب كيف انتقلت حركة النهضة من مرحلة العمل الطلابي والصدام الأيديولوجي، إلى مواجهة الدولة ثم تجربة السجن الطويلة. هذا المسار يمنح القارئ فرصة نادرة لرؤية التعددية الداخلية والنقاشات الحقيقية حول إدارة الخلاف وآليات اتخاذ القرار.

يبرز التكوين الفلسفي للعجمي الوريمي، واهتمامه المبكر بفكر يورغن هابرماس، كعامل أساسي في صياغة رؤيته المنفتحة. فالرجل لم يتشكل داخل بيئة دعوية مغلقة، بل حاول المزاوجة بين المرجعية الإسلامية وأسئلة الحداثة والسياسة المعاصرة.

يحتل راشد الغنوشي موقعاً مركزياً في الكتاب، حيث يرى الوريمي في مشروعه محاولة لتأسيس إسلام سياسي يجعل الحرية جوهر الفكرة. هذه العلاقة تتجاوز الولاء التنظيمي إلى تقاطع فكري يرى في الإصلاح مساراً ممتداً وليس مجرد تكتيك ظرفي.

تحضر تجربة السجن في الكتاب كفضاء لإنتاج المعنى وإعادة التفكير، وليس فقط كأداة للقمع السلطوي. فسنوات العزلة الطويلة ساهمت في بناء وعي تأملي يميل إلى فهم التعقيدات السياسية بدلاً من إطلاق الأحكام القطعية المطلقة.

يساهم الكتاب في تفكيك الصورة النمطية التي تقدم الحركات الإسلامية ككيانات أحادية التفكير أو مغلقة على نفسها. فما يظهر من خلال النصوص هو وجود صراعات رؤى ومحاولات مستمرة لإيجاد توازن بين وحدة التنظيم وحرية الاجتهاد الفردي.

يصدر هذا العمل في لحظة حرجة يعيشها الإسلام السياسي في تونس والمنطقة العربية، بعد سنوات من الصعود والانكسار. ومن هنا يكتسب الكتاب قيمة مضافة كونه يحاول إعادة التفكير في مسار كامل من خلال مراجعات نقدية من داخل التجربة.

يطرح الكتاب تساؤلاً جوهرياً حول مدى قدرة الإسلاميين على إنتاج مراجعات فكرية حقيقية دون القطيعة مع هويتهم. ورغم أن الكتاب لا يقدم إجابات جاهزة، إلا أنه يفتح آفاقاً واسعة للباحثين لفهم العلاقة بين المثقف والتنظيم.

إن 'الاعتدال العنيد' هو وثيقة سياسية وشهادة فكرية لجيل عاش تقلبات الجامعة والسجن والثورة وصولاً إلى الانقلاب السياسي. وهو بذلك لا يكتفي بسرد الماضي، بل يسعى لجعل التاريخ مادة حية للتفكير في مستقبل العمل السياسي.

في نهاية المطاف، يمثل الكتاب إضافة نوعية للمكتبة السياسية العربية، حيث يسد فراغاً معرفياً استغلته لسنوات سرديات الخصوم. إنه دعوة لفهم العقل النهضوي في تجلياته المختلفة، بعيداً عن الاستقطاب السياسي الحاد الذي تشهده المنطقة.

تحليل

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

انكسار شعار 'أمريكا أولاً': كيف ورطت الحرب مع إيران إدارة ترامب في مأزق الجغرافيا؟

مثّل صعود دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة ذروة التيار الشعبوي الذي تمحور حول شعار 'أمريكا أولاً'. هذا التوجه لم يكن مجرد دعاية، بل تعاقداً سياسياً لإنهاء استنزاف الموارد الأمريكية في صراعات خارجية لا تنتهي وإعادة التركيز على الاقتصاد الداخلي.

ومع ذلك، واجه هذا الخطاب اختباراً تاريخياً قاسياً مع اندلاع المواجهة العسكرية ضد إيران، مما كشف عن فجوة عميقة بين الوعود الانتخابية والواقع الجيوسياسي. لقد وجد الناخب الأمريكي نفسه أمام حرب لم يصوت لأجلها، بل صوت صراحة ضد تكرارها في منطقة الخليج.

تشير المعطيات الميدانية إلى أن الهجوم العسكري المباغت ضد طهران جاء بعد الانقلاب على مسار المفاوضات التي كانت قريبة من تسوية ثنائية. ويرى مراقبون أن هذا التحول يعكس استجابة لاعتبارات أمنية تخص حكومة نتنياهو أكثر من كونها مصلحة قومية أمريكية عليا.

لقد أحدث هذا التورط صدمة داخل قاعدة حركة 'ماكا' القومية، التي تؤمن بالانعزالية وترفض دور 'الشرطي العالمي'. هذا الجمهور لا يرى مصلحته في حروب بحرية معقدة، مما ينذر بشرخ داخلي بين ترامب وقاعدته التي بدأت تشعر بتنفيذ أجندات النخب التي كانت تعاديها.

يرى المفكر الأمريكي جيفري ساكس أن هذه المواجهة هي 'حرب أوهام'، بنيت على تقديرات خاطئة بإمكانية إخضاع طهران بالقوة العسكرية. ويبدو أن القرار لم يمر عبر القنوات المؤسساتية التقليدية، بل كان نتاج تفاهم شخصي مباشر بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب.

استثمر نتنياهو لسنوات في بناء سردية تعتبر إيران تهديداً وجودياً يتجاوز الملف النووي ليشمل نفوذها الإقليمي. ونجح في إقناع الإدارة الأمريكية بأن ضربات مركزة كفيلة بإسقاط النظام الإيراني أو دفعه للتراجع الجذري، وهو ما أثبت الواقع عدم صحته.

سقطت هذه المقاربة الأمنية أمام صمود الدولة الإيرانية، مما أدى إلى تكاليف جيوسياسية باهظة لم تكن في الحسبان. فقد ارتفعت أسعار الطاقة عالمياً واضطربت حركة الملاحة الدولية، مما وضع الاقتصاد العالمي في حالة من عدم الاستقرار الدائم.

برز مضيق هرمز كعنصر حسم استراتيجي في هذه المواجهة، حيث منحت الجغرافيا طهران قدرة على استنزاف الوجود البحري الأمريكي. وبدلاً من 'الصفقة السريعة' التي يفضلها ترامب، دخلت واشنطن في حرب استنزاف بطيئة ومكلفة تفتقر لأي أفق سياسي واضح.

وجدت الإدارة الأمريكية نفسها في حرج دولي وهي تستجدي دعم الحلفاء الأوروبيين لتأمين ممرات الملاحة، وهو ما يتعارض كلياً مع عقيدة الانعزالية. هذا التردد الدولي أظهر واشنطن معزولة نسبياً بسبب قرارات لم تُدرس تداعياتها الاستراتيجية بعناية كافية.

تتعالى الأصوات الفكرية في الغرب مؤكدة أن جذور التوتر في المنطقة لا تكمن في طهران بل في استمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. وتعتبر هذه الأصوات أن إسرائيل تعمد إلى توسيع الصراعات الخارجية للهروب من استحقاقات السلام العادل وإقامة الدولة الفلسطينية.

إن محاولة إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر كسر 'العقدة الإيرانية' أثبتت فشلها في معالجة جوهر الأزمة. فغياب الحل العادل للقضية الفلسطينية يظل الوقود الحقيقي لكل الصراعات الإقليمية التي تمنح الأطراف المختلفة مبررات للحضور العسكري والأيديولوجي.

وضعت هذه الحرب 'الترامبية' في مأزق سياسي يصعب تبريره أمام القواعد الشعبية التي سئمت التدخلات الخارجية. لقد أثبتت الوقائع أن القوة العسكرية الفائقة لا يمكنها دائماً التغلب على حقائق الجغرافيا السياسية المعقدة في منطقة الشرق الأوسط.

تظهر الخلاصة أن الطريق نحو تهدئة المنطقة لا يمر عبر التصعيد العسكري مع القوى الإقليمية، بل عبر معالجة القضية المركزية في القدس ورام الله وغزة. إن إنهاء الاحتلال هو المفتاح الوحيد لإغلاق أبواب الصراع التي استنزفت القوى الدولية لسنوات طويلة.

في نهاية المطاف، كشفت الحرب عن محدودية الخطاب الشعبوي عندما يصطدم بالواقع، حيث بدت الجغرافيا أقوى من الشعارات. ويبقى السؤال قائماً حول قدرة النظام السياسي الأمريكي على استعادة توازنه بعيداً عن تأثير اللوبيات التي تدفع نحو حروب الوكالة.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

تحقيق يكشف مأساة اختفاء عشرات الأطفال في غزة وتصاعد أعداد المفقودين تحت الأنقاض

تواجه العائلات الفلسطينية في قطاع غزة مأساة متفاقمة مع تصاعد أعداد الأطفال المفقودين، حيث تشير تقديرات المركز الفلسطيني للمفقودين إلى أن نحو 2700 طفل لا تزال جثامينهم مدفونة تحت أنقاض المنازل المدمرة. وبالتوازي مع هذه الأرقام الصادمة، يُرجح اختفاء نحو 200 طفل آخرين في ظروف غامضة مرتبطة بالنزوح القسري أو القرب من نقاط التماس مع قوات الاحتلال.

سلط تحقيق صحفي حديث الضوء على هذه الظاهرة، مستعرضاً قصصاً إنسانية مؤلمة لأطفال اختفوا من مخيمات النازحين أو أثناء بحثهم عن الطعام. ويأتي هذا الطرح في وقت يتجاهل فيه الإعلام العبري غالباً حجم الكارثة الإنسانية في القطاع، مما يعطي هذه الشهادات أهمية استثنائية في توثيق معاناة المدنيين.

من بين الحالات التي وثقها التحقيق، قصة الطفل محمد غبن البالغ من العمر أربع سنوات، والذي فقد أثره قبل ثلاثة أسابيع من خيمة عائلته في بيت لاهيا شمال القطاع. وأفادت والدته لمصادر إعلامية بأن طفلها كان يلعب أمام الخيمة قبل أن يختفي فجأة في غضون عشر دقائق فقط، دون ترك أي أثر يدل على مكانه.

وتشير التقارير إلى أن حالة محمد ليست معزولة، إذ تعج منصات التواصل الاجتماعي والمجموعات المحلية في غزة بنداءات يومية من عائلات تبحث عن أطفالها المفقودين. وتتراوح أعمار معظم هؤلاء الأطفال بين ثلاث وعشر سنوات، مما يزيد من خطورة وضعهم في ظل الفوضى الأمنية والإنسانية التي خلفها العدوان المستمر.

ويرتبط اختفاء بعض الأطفال بشكل مباشر بالعمليات العسكرية، حيث فُقد أثر عدد منهم بعد اقترابهم من محور نتساريم أو نقاط توزيع المساعدات. وهناك مخاوف جدية من تعرض هؤلاء الأطفال لإطلاق نار مباشر أو الاعتقال من قبل قوات الاحتلال التي تفرض حصاراً مشدداً على تلك المناطق.

وفي قصة أخرى تعكس حجم الصدمات النفسية، اختفى الطفل سامر أبو جامع البالغ من العمر عشر سنوات قرب مدينة رفح في شهر مارس الماضي. وكان سامر يعاني من اضطرابات نفسية حادة نتيجة مشاهدته لعمليات قتل مروعة خلال الحرب، مما جعله في حالة من الانغلاق النفسي قبل فقدانه.

وتحدثت والدة سامر بمرارة عن غياب أي معلومات حول مصير ابنها، مشيرة إلى أنها تراه في أحلامها باستمرار وهو يبكي طلباً للمساعدة. وأكدت العائلة عزمها على مواصلة البحث رغم الظروف القاسية، مطالبة الجهات الدولية بالتدخل لمعرفة ما إذا كان محتجزاً أو مصاباً.

على الصعيد الميداني، نفت الأجهزة الأمنية في غزة وقوع عمليات خطف منظمة، وأرجعت حالات الاختفاء إلى الضياع الناتج عن النزوح المتكرر أو الخلافات العائلية. واتهمت مصادر محلية جهات مرتبطة بالاحتلال بنشر شائعات تهدف إلى إثارة الذعر وزعزعة الاستقرار الداخلي في مجتمع النازحين.

وكشف التحقيق عن أساليب ابتزاز يمارسها الاحتلال، حيث تعرضت عائلة الطفلة 'زينة' لمساومة من قبل الاستخبارات الإسرائيلية بعد قصف منزل جيرانهم. وطالب ضابط مخابرات العائلة بتقديم معلومات أمنية مقابل الكشف عن مصير ابنتهم المفقودة، وهو ما رفضته العائلة بشكل قاطع.

من جهتها، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها تتعامل مع آلاف الطلبات المفتوحة لمفقودين في غزة، لكن قدرتها على التحرك تظل محدودة للغاية. وتعرقل سلطات الاحتلال وصول الطواقم الدولية إلى المعتقلين أو تزويدهم بقوائم الأسماء، مما يترك آلاف العائلات في حالة من القلق الدائم على مصير أبنائهم.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:40 صباحًا - بتوقيت القدس

يأخذ كل سفينة غصباً!

د. ابراهيم ملحم

رئيس التحرير

أقل الكلام

مع كل محاولة اغتيالٍ فاشلةٍ للرجل المفتون بذاته المتضخمة، فإن على العالم أن يحبس أنفاسه من رد فعل "الرجل المجنون"؛ الذي يرى في نجاته قدراً، وفي حروبه نعماً على البشرية، التي ينبغي لها أن تدعو له بطول العمر حتى يبلغ "سن الرشد السياسي". يرى أن على خصومه أن يبلعوا ألسنتهم، "فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، وعلى المرأة جارة القاعة الفارهة في البيت الأبيض أن تسحب دعواها القضائية، فلو كانت الاحتفالية داخل تلك القاعة لما وقعت المحاولة الفاشلة!
لا يترك الرجل حادثة دون أن يستثمر فيها ترهيباً لخصومه وتحريضاً لأنصاره؛ فالبطل في خطر. وبعد "أصفهان" التي جرّب فيها عملية الإنزال، أرسل سُفنه وحاملات طائراته إلى أعالي البحار ليحاصر حصاره، فبدأ يمارس هواية الملك الظالم: "يأخذ كل سفينة غصباً"، بينما يغط العالم في الظلام ويتضور عطشاً لـ"إكسير الحياة" الذي يحشره في المضيق، ولا فرق عنده بين العدو والصديق.
يتاجر "التاجر" في كل شيء، حتى في الخسارة وفي البورصات المنهارة. أصبح كلامه المتقلب مؤشراً لارتفاع الأسعار وانخفاضها، وسعاره ووعيده وصخبه وغضبه وتمديداته للهدن الهشة تربك الكون، وتشعل الإشارات الحمراء أمام رجلٍ لا يتورع عن التهديد بتدمير الحضارات. إنه زمن " الدولة المارقة"؛ حيث يُدار العالم بنزوات مقامرٍ يرى في مصائب الشعوب فوائد تصبّ دولاراتٍ في حصالته الشرهة.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:39 صباحًا - بتوقيت القدس

مكاسب التحالف الأميركي واخفاقاته


الحلقة الرابعة


توقفت الحرب العسكرية والهجوم الأميركي الإسرائيلي ضد إيران، بعد أن بدأت يوم 28/2/2026، واستمرت لغاية 8/4/2026، حيث بدأت أولى جلسات التفاوض بين واشنطن وطهران في إسلام آباد برعاية باكستانية يوم السبت 11/4/2026، والمفاوضات دائماً تكون حصيلتها نتائج الحرب بالضرورة، ولذلك لو كانت الحرب الأميركية على إيران تعكس انتصاراً لأحدهما سيكون في الموقع القوي ليفرض شروطه على الآخر المهزوم، ولهذا لم تكن نتائج الحرب بين الطرفين وحصيلتها الانتصار أو الهزيمة، بل كانت نتائجها العملية: 1- صمود إيران و2- عدم انتصار أميركي، وقد برز ذلك بشكل واضح وإنعكس على تعقيدات المفاوضات وفشلها في الجولة الأولى، وعدم التئام الجولة الثانية، لأن طرفي الحرب لم يتمكن أحدهما من فرض شروطه على الآخر.
لم تتمكن الولايات المتحدة من هزيمة إيران عسكرياً، رغم الدمار والخراب وعمليات الاغتيال لقياداتها السياسية والعسكرية والأمنية، وتدمير بناها التحتية، ومع ذلك لم تستسلم إيران، ولم تُهزم وصمدت أمام قوة الهجمة الأميركية الإسرائيلية وشراستها، وإيران لم تتمكن من هزيمة الولايات المتحدة، ولن تتمكن بسبب التفوق الأميركي، وعدم اجتياح أميركي للأراضي الإيرانية.
الحرب مازالت مستمرة بعد أن تحولت إلى أدوات أخرى، وأشكال صدامية غير عسكرية، واقتصرت على مواجهات سياسية مباشرة، فقد حولت الولايات المتحدة الأميركية قدراتها العسكرية وتفوقها في فرض الحصار البحري على إيران لعله يحقق سياسياً واقتصادياً ولوجستياً، ما لم تحققه الحرب العسكرية من نتائج لصالحها، وذلك عبر منع دخول وخروج أي من البواخر أو تصدير النفط أو إدخال الاحتياجات إلى إيران عبر البحر، مقابل ذلك فرضت إيران توقف العمل ومنع حرية الحركة في مضيق هرمز، وبات التصادم والمساومة الآن بالأدوات غير العسكرية، وعبر المفاوضات التي مازالت متعثرة.
خيارات الولايات المتحدة بات توقف الحرب العسكرية على الأغلب، ذلك أن الحرب العسكرية رغم تفوق القدرات الأميركية ولكنها لم تتمكن من فرض الاستسلام والهزيمة على إيران، وانعكس ذلك بأنها لم تتمكن من فرض شروطها التفاوضية في القضايا الخلافية المعلنة وهي:
1- التخصيب النووي، 2- الصواريخ البالستية، 3- توقف إيران عن دعم الحلفاء الذين يتفقون معها: حزب الله، حركة أنصار الله الحوثيين، الحشد الشعبي العراقي، وحركة حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين.
إيران صمدت ولكنها لم تتمكن من هزيمة الولايات المتحدة التي مازالت تفرض حصاراً صعباً على إيران، وبات الصراع بينهما مثل ما يُقال "العض على الأصابع" ومن منهما سيتأثر أكثر من هذا التصادم غير العسكري بينهما.
واقع الحال أن أطرافاً آخرى ستتأثر من هذا الحصار المفروض، وإن كان الحصار سيكون مؤذياً أكثر على المواطن الإيراني، ولكن نتائج الحرب الفاشلة المكلفة سيتأثر بها المواطن الأميركي، وسيظهر ذلك في سير الانتخابات الأميركية المقبلة، وهذا ما يدفع الرئيس ترامب للاستعجال بإنهاء المشكلة ووقف الصدام، حتى لا يدفع الثمن بفشل حزبه الجمهوري في نتائج انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب.
 



أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:38 صباحًا - بتوقيت القدس

دراما الاغتيال


سيد البيت الأبيض مهووس بمحاولات الاغتيال التي ينجو منها، فتارة تحدث النجاة في ساحة عامة وتارة في قاعة مغلقة محاطة ومحاصرة بكل وسائل الأمن والأمان، وفي الحادثة الأخيرة ما يثير الانتباه لعدة عوامل، أهمها أن القاعة ممتلئة بالضيوف الكبار من قادة عسكريين وأمنيين وسياسيين واقتصاديين ودبلوماسيين، وبالتالي لا بد وأن تكون خاضعة لإجراءات أمنية شديدة بل ومشددة بحضور الرئيس الأمريكي وزوجته ونائبه وكبار مستشاريه، فكيف بشخص يدخل إلى تلك القاعة والمربع الأمني ويصل إلى الدائرة الأولى وهو يحمل السلاح، فهل بهذه البساطة يمكن الوصول لرئيس البيت الأبيض، وهل بهذه الكوميديا الغبية يمكن التقاط المشهد، لتصديره إلى العامة على أنها محاولة اغتيال محقة. لو استعان أحدهم بخبراء السينما في هوليود القريبة من مكان الحدث، لأخرج لهم مسرحًا مصدقًا أكثر وصورة لا تقبل التأويل، أكثر تصديقًا من الحادثة التي تلفها جملة من الشكوك.
التقاط صورة النجاة من محاولة الاغتيال، هذا ما يبحث عنه ترمب؛ فهل تراه الهوس؟ أم شيء آخر؟
ترمب الذي يطارده هوس التعرض للاغتيال السياسي، كي يكون صورة بديلة عن الاغتيال في أبستين حيث الصور الفاضحة، والواقعة المشهودة بالدلائل، لعله يستعيد بعض الحوادث التي يتكئ عليها لبعثرة سنوات مراهقته المسعورة، والصور المسربة والتي توثق لحظات هواه في صباه، بين المثلية والسادية والدونية والحيوانية مع الأطفال والفتيات، برفقة آخرين ممن يتلذذون على عذابات الآخرين بالقتل والتعذيب، وغيرها من وسائل وأساليب يكاد العقل لا يتصورها من شدة دونيتها وبذاءتها وسفالتها.
تتكرر صورة النجاة للرئيس ترمب وراء كل حادثة اغتيال، وخلال عام واحد فقط تعرض لمحاولتين نجا منهما بأعجوبة على حد وصف البعض، بيد أن الصورة كلها غير مقنعة، ومثيرة للشكوك.
رجل التغريدات والسوشال ميديا، ورجل التصريحات والتهديدات والصفقات والمفاجآت، وهذه شخصية ترمب التي باتت معروفة للعالم بغرابتها، فهو من جهة يواصل أساليبه في الحرب ويروج لاستحقاقه جوائز السلام، ومن جهة أخرى يفتعل الأزمات ولا يتوقف عن التحذير والوعيد، وحتى اليوم لا انتصر في حرب ولا أشاع السلام.
ترمب منذ جاء إلى سدة الحكم في البيت الأبيض وهو يعمل على خلق القلاقل والاضطرابات والحروب، وبعنجهية فجة يخاطب الناس والصحفيين والرؤساء والعاديين، وبين حادثة وأخرى تتسلل صور أبستين وتتكشف الفضائح التي يندى لها الجبين، وتؤثر على صورة الولايات المتحدة الأمريكية، وتفتح الباب أمام تساؤلات مستمرة حول أخلاقيات القيادة، ومدى تأثير هذه السياسات على الاستقرار الدولي، ومستقبل العلاقات بين الدول، في وقت يبدو فيه أن الأزمات لا تنفك بل تتجدد مع كل تغريدة يصدرها الرئيس ترمب.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:38 صباحًا - بتوقيت القدس

معادلة : ماذا لو وجدوا عملة إيرانية او سورة قرآنية في جيبه؟


     ما كانت صفحة محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي لتطوى بهذه السرعة وهذه الشاكلة، لوكانت إيران هي من تقف خلفها، ردا على اغتيال مرشدها الأعلى ومعه نحو خمسين مسؤولا من كبار قادتها، عدا زوجته الثمانينية، وحفيدته الرضيعة، بل ما كانت الصفحة ستطوى لو وجدوا لدى المنفذ، (أمريكي من كاليفورنيا ومقيم في الفندق ومريض عقليا وقطعتا سلاحه قانونيتان) أوفي جيبه عملة إيرانية اوجريدة فارسية او حتى سورة قرآنية .
    لقد نجا الرئيس، وطويت الصفحة في وسائل الإعلام والأخبار، لكني أشك انها ستطوى من التاريخ، أقله من التاريخ الأمريكي الحديث، كما أنها لن تطوى لدى الرئيس نفسه، فهو رئيس أقوى دولة في العالم، ويطرح نفسه بالتالي انه رئيس العالم كله، ولا لدى زوجته التي كانت بصحبته، فهي سيدة أمريكا الأولى وبالتالي سيدة العالم كله .
    عملية محاولة الاغتيال فشلت، لكن المحاولة بحد ذاتها نجحت، بمعنى انها حدثت، وتم إطلاق النار، في فندق موصوف، في عاصمة الدولة الأقوى في العالم، في احتفال عشاء لمراسلي البيت الأبيض الذي لا يبعد بعيدا عن الفندق، برفقة عدد من الوزراء وكبار المدعوين، وبالتأكيد بحراسة مشددة، بل بحراسات متنوعة، تكلفتها السنوية بالملايين، فشلت كلها في منع هذا المنفذ من الوصول او الدخول او على الأقل منعه من الإطلاق وإصابة أحد افراد قوة الحراسة السرية .
    إن السادرين في غيهم، المريضين بنزعات التفوق والعظمة، المسكونين بالقوة والبطش والعدوان والتدمير حد الإبادة والإعادة الى تخوم العصر الحجري، وردم الجسور والبنيان والحضارة ، يأتيهم من حيث لا يحتسبون، تلامذة صغار، تخرجوا من نفس المدرسة العنصرية، الضاربة جذورها في أركان ومداميك هذا العالم الأسود المطلية جدرانه بالأبيض والأشقر . على الأقل، لم نسمع يا سيد القوة الضاربة، ان مادورو الذي اختطفت، أوخامنئي الذي اغتلت، قد أطلق عليهما النار من فنزويلي أو إيراني . لو قضيت في هذه المماحكة، لرأيت الشوارع الإيرانية والعربية والدولية تغص بالمحتفلين . والخيرة فيما اختاره الله، كما يقولون، فبقاؤك على قيد الحياة، يعني ان ترى ما هو أسوأ من الاعتقال والاغتيال .
   إن الأنفة الذاتية لرئيس أمريكا السابع والأربعين التي مسّت في الفندق، مسّتها إيران في المنطقة كلها، على مدار شهرين، ومرّغت خلالها أنفة أمريكا العظمى وهيبتها وهالتها في التراب، وعليه، فإن هناك شكوك ان يحضر الرئيس اللبناني، خلال أيام، ويلتقي مجرم حرب لإملاء سلام “إبراهيمي” خامس على لبنان .

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:37 صباحًا - بتوقيت القدس

وحدة لبيد- بينت تغير في الشكل .. لا في المضمون

هذه الوحدة الاندماجية لحزبي رئيسي وزراء سابقين لدولة الاحتلال نفتالي بينت ويائير لبيد، تقوم على أساس إنهاء حقبة حكم نتنياهو، وهي الحقبة الأطول في تاريخ دولة الاحتلال، وفاقت مدة حكم مؤسس دولة الاحتلال بن غوريون، فهو رئيس وزراء لدولة الاحتلال منذ عام 2009 وحتى اليوم، هذه الوحدة التي يمكن ان تستقطب قادة عسكريين سابقين غانتس واشكنازي، ويدعمها زعيم “إسرائيل بيتنا"، افيغدور ليبرمان، وكذلك ربما تحدث، شرخا وخلخلة داخل الليكود، وتنجح في استقطاب عدد من قياداته.
 كل المؤشرات تقول بأن المشهد الانتخابي السياسي القادم في إسرائيل في تشرين أول القادم، سيكون هو الأسخن،  لمجموعة اعتبارات وعوامل داخلية وإقليمية ودولية، ففي الليكود ستحتدم الخلافات والصراعات الداخلية على وراثة نتنياهو، بعد الكشف عن إصابته بمرض السرطان، وكذلك ستحتدم الخلافات والصراعات ما بين الموالاة والمعارضة.
 نتنياهو الخبير في تصدير أزماته الداخلية إلى الخارج، قد يلجأ الى توظيف الظروف الأمنية والسياسية لصالحه، وربما كما هو العادة في كل انعطافة حادة، وإمكانية توقف الحرب على جبهة من الجبهات، يعمد الى صب الزيت على نار لهيبها، أو يذهب لفتح جبهة عسكرية جديدة، فهو قد يقدم على القيام بمغامرة ما تعطل اجراء تلك الانتخابات، حيث سيتذرع بالظروف الأمنية، وعدم جواز اجراء الانتخابات في زمن الحرب،  يدرك بأن خسارته للانتخابات،  يعني بأن هناك لجنة تحقيق رسمية ستتشكل في اخفاقات السابع من اكتوبر/2023 ، أمنية واستخبارية، وسيطاله جزء  أساسي من المسؤولية عن ذلك، وبالتالي لن يحاكم فقط بالتهم الجنائية المنظورة ضده امام القضاء الإسرائيلي، الرشوة وسوء الائتمان وخيانة الأمانة، بل تلك الإخفاقات ستكون واحدة من التهم ضده، ولذلك نتنياهو سيحارب بكل قوة، لكي لا يخسر مستقبليه السياسي والشخصي، والخروج من المشهد، حتى لو لجأ الى خيار شمشون.
 نحن ندرك بأن الوحدة بين بينت ولبيد، لا تحمل سوى تغير في الشكل وليس في المضمون، فهؤلاء الجنرالات وقادة تلك الأحزاب، هم من صلب اليمين، ويتخندقون ويتموضعون على نفس الأرضية اليمينية، ويختلفون مع نتنياهو في استراتيجية إدارة الصراع وتقليص مساحته، في حين يتمسكون بقوه بموقف قوى اليمين، لا دولة فلسطينية مستقلة على جزء من أرض فلسطين التاريخية، ولا اعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية، وزيادة أعداد المستوطنين فيها الى مليون مستوطن، لتحويلها الى ما يعرف بدولة يهودا والسامرة، عبر سياسات الضم والتهويد، واستمرار عمليات "الهندستين" الجغرافية والديمغرافية بحق الشعب الفلسطيني فيها،  والسعي لحسم السيادة والسيطرة على القدس بشكل نهائي، واستمرار العدوان على قطاع غزة بمستويات منخفضة  الى متوسطة، عبر عمليات نوعية وتوغلات واغتيالات وتصفيات، وتوسيع المساحة المستولى عليها، والإبقاء على سياسات الحصار والتجويع ، وتوسيع عمليات تهويد النقب والجليل، ما يعرف بأرض إسرائيل التاريخية.
 البعض يعتقد أنه اذا ما نجحت تلك القوى في إسقاط نتنياهو وحكومته وائتلافه، ستروج وتنشر وعياً زائفاً بتحقيق نصر مؤزر، يضاف لعشرات الانتصارات السابقة، التي يدفع ثمنها شعبنا على جلده قمعا وتنكيلا وحصارا وتجويعا وطردا وتهجيرا وتطهيرا عرقيا. وقضيتنا الجوهرية متعلقة بزوال وانهاء الاحتلال، وليس إسقاط نتنياهو، وأن كان لذلك أهمية ليست بسيطة.
 في ظل ما يعانية جيش الاحتلال من نقص في العنصر البشري، وخاصة بأن الحرب الأخيرة على أكثر من جبهة قالت بأن هذا الجيش في ظل هذا النقص لن يستطيع القتال على اكثر من جبهة، ولذلك الصدام مع نتنياهو سيكون في القضايا الداخلية من طراز السعي لتشكيل لجنة تحقيق رسمية في اخفاقات السابع من اكتوبر/2023، أمنية واستخبارية، وقضية تجنيد اليهود الحريديم والميزانيات الكبيرة التي تضخ للأحزاب الدينية للحفاظ على ولائها، من خلال الصرف لمدارسها ومؤسساتها الدينية.
 يعتقد خبراء في الشؤون الإسرائيلية الداخلية أن فرص فوز بنيامين نتنياهو في الانتخابات القادمة بعد ستة شهور باتت معدومة بعدما نجحت المعارضة بتوحيد صفوفها وراء ثنائي نفتالي بينيت ويائير لبيد بما يضمن لها الأكثرية المريحة التي قد تصل إلى 70 صوتاً في ظل تراجع كبير في شعبية نتنياهو إلى حد الـ 35% وتوقعات بعدم تجاوز كتلته النيابية مع حلفائه الـ 40 نائباً. ويقول الخبراء إن الفشل في لبنان والمراوحة في حرب غير منتهية مع إيران يشكلان الأساس في تراجع شعبية نتنياهو وحكومته،  بعدما سجلت هذه الشعبية صعوداً ملموساً قبل الحرب الأخيرة مع الترويج لمعادلة القضاء على البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي في إيران والتخلص من تهديد حزب الله لجيش الاحتلال ومستوطنات الشمال، وجاءت الوقائع تكذّب هذه المزاعم بقوة.
 نتنياهو حتى اللحظة هو الرجل القوي في دولة الاحتلال، والذي يمتلك القرار السياسي والعسكري، وهو قادر على أخذ المعارضة الى حيث يريد، وهذه المعارضة، تحالفها يأتي في الإطار التكتيكي، ولا تمتلك برنامج سياسي متكامل، وليس لديها حلول للقضايا الجوهرية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وإنهاء الاحتلال ومعالجة العنصرية البنيوية،  أو حتى طرح حلول سياسية إقليمية.
 الأزمة التي يمر بها نتنياهو متعددة الأبعاد؛ فهي تتعلق بأدائه السياسي بعد وقف إطلاق النار في لبنان بضغط أميركي، إضافة إلى وضعه الصحي، الذي يوحي بأنه يمر بمرحلة تراجع سياسي. هذا قد يؤدي إلى إعادة اصطفاف داخل المعارضة الصهيونية، وكذلك داخل معسكر اليمين نفسه،  بما في ذلك الليكود، ما قد يضعف موقع نتنياهو داخليًا.
بالمناسبة علينا ان نتذكر بأن الأحزاب السياسية الإسرائيلية، في مقارباتها التاريخية لتشكيل الحكومات الإسرائيلية تعاملت مع العرب كاحتياطي سياسي يُستخدم لضمان البقاء في السلطة، وليس كشريك في تغيير السياسات أو إنهاء الاحتلال أو مواجهة العنصرية.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:36 صباحًا - بتوقيت القدس

الإسلام السياسي والدولة الوطنية: بين الإشكال البنيوي ومسؤولية النظام


في خضم الجدل المتجدد حول موقع التيارات الإسلامية في الحياة العامة، يبرز النقاش حول جماعة الإخوان المسلمين بوصفه الأكثر حساسية وإثارة للانقسام. بين من يراها تهديدًا وجوديًا للدولة الوطنية، ومن يضعها في سياق التعددية السياسية، تتشكل مساحة رمادية تحتاج إلى قراءة أعمق وأكثر صراحة، بعيدًا عن التجميل كما عن الشيطنة المطلقة.
لا يمكن فهم صعود هذا التيار دون العودة إلى السياق التاريخي الذي تشكّل فيه، خاصة خلال حقبة الحرب الباردة، حين سمحت أنظمة عربية بدرجات متفاوتة، بنمو الحركات الإسلامية كقوة موازنة لخصومها الأيديولوجيين.
 في هذا السياق، حصلت الجماعة على هامش للعمل الاجتماعي والتنظيمي، في وقت كانت فيه قوى سياسية أخرى تتعرض للتفكيك أو الإقصاء.
 هذه المفارقة التاريخية لم تمنح الإسلاميين فقط مساحة للحضور، بل أسهمت في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي، حيث اختلط الديني بالسياسي، والدعوي بالأيديولوجي.
غير أن هذا التمدد لم يكن بلا كلفة، فالبنية الفكرية التي قامت عليها الجماعة، منذ تأسيسها على يد حسن البنا، تنطلق من تصور يتجاوز حدود الدولة الوطنية، ويرى في "الأمة" إطارًا أعلى وأشمل.
هذا التصور، رغم وجاهته في سياق ديني حضاري، يصطدم عمليًا بمفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على السيادة، والحدود، والمواطنة المتساوية.
وهنا تتشكل أولى الإشكاليات البنيوية: هل الدولة هدف نهائي أم مرحلة ضمن مشروع أوسع؟
في التطبيق، لم تقدّم الجماعة إجابة حاسمة، بل ظهر خطاب مزدوج في كثير من الأحيان: لغة سياسية مرنة تعترف بالدولة ومؤسساتها، تقابلها بنية تنظيمية وفكرية تحتفظ بأولويات مختلفة.
هذا الازدواج لم يكن مجرد تفصيل، بل أصبح أحد أسباب فقدان الثقة، سواء لدى الدولة أو لدى قطاعات من المجتمع.
فالتعددية، في نظر كثير من منتقدي الجماعة، بدت أقرب إلى تكتيك مرحلي منها إلى التزام مبدئي، خاصة عندما تقترب الجماعة من مواقع التأثير أو السلطة.
أما في ما يتعلق بالمواطنة، فقد شهد خطاب الجماعة تطورًا نسبيًا، لكنه ظل محكومًا بمرجعية دينية تثير تساؤلات حول المساواة الكاملة بين المواطنين.
 فحين تكون "الهوية العقدية" جزءًا من البناء السياسي، يصبح من الصعب تحقيق حياد الدولة تجاه جميع مكوناتها.
غير أن البعد الأكثر خطورة في اختبار هذه الإشكاليات تجلّى بوضوح في الحالة الفلسطينية، حيث تحوّل التنافس السياسي إلى انقسام بنيوي أصاب النظام السياسي في الصميم.
 فقد شكّلت أحداث الانقسام الفلسطيني 2007 نقطة تحوّل مفصلية، عندما انتقل الخلاف بين القوى الوطنية وتيار الإسلام السياسي إلى مستوى السيطرة الميدانية، وما رافقه من تفكك في وحدة القرار السياسي والمؤسساتي.
هذا الانقسام لم يكن مجرد خلاف داخلي، بل فتح الباب أمام استثمارات مباشرة وغير مباشرة من قبل إسرائيل، التي وجدت فيه فرصة لتعميق الفصل الجغرافي والسياسي بين الضفة وغزة، وإضعاف الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية.
كما غذّت محاور الاستقطاب الإقليمي هذا الانقسام، فباتت الساحة الفلسطينية جزءًا من صراعات أوسع، على حساب وحدة القضية الوطنية.
والنتيجة كانت كارثية على مستويات عدة: تآكل شرعية النظام السياسي، إضعاف المشروع الوطني، إنهاك المجتمع، وتعميق معاناة الناس تحت الاحتلال والانقسام معًا.
وهنا تظهر بوضوح خطورة تغليب المشروع الأيديولوجي على متطلبات الوحدة الوطنية، حين يتحول "الاختلاف السياسي" إلى "انفصال سياسي".
مع ذلك، فإن تحميل هذا التيار وحده كامل المسؤولية، رغم وجاهة جانب كبير من النقد، قد يُغفل عوامل أخرى تتعلق ببنية النظام السياسي الفلسطيني ذاته، وطبيعة إدارته للصراع الداخلي.
 لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن إدخال البعد الأيديولوجي المغلق في ساحة تحرر وطني، يحتاج بطبيعته إلى أوسع درجات الوحدة، كان عاملًا حاسمًا في تعميق الأزمة.
الأردن، بحكم خصوصيته الجيوسياسية وتركيبته الاجتماعية، يقف أمام هذه التجربة بوصفها درسًا حيًا.
فالتحدي لا يكمن فقط في إدارة العلاقة مع التيار الإسلامي، بل في تجنب الوصول إلى لحظة ينكسر فيها التوازن الداخلي.
 أي خلل في هذا التوازن— سواء عبر الإقصاء الكامل أو التمكين غير المنضبط— قد يفتح الباب أمام احتمالات غير محسوبة.
خلاصة القول:
نعم، لدى التيار الإسلامي، وفي مقدمته جماعة الإخوان المسلمين، إشكاليات فكرية وتنظيمية حقيقية في التوفيق بين مشروعه الأيديولوجي ومتطلبات الدولة الوطنية الحديثة. وقد أظهرت التجربة الفلسطينية، خاصة بعد الانقسام عام 2007، كيف يمكن للخلاف السياسي عندما يُدار بعقلية مغلقة، أن يتحول إلى انقسام يضعف الجميع ويمنح الخصم فرصة التقدم. لكن الحقيقة الأهم، والتي يجب أن تكون واضحة للجميع، هي أن الدولة لا تضعف بسبب تيار واحد فقط، بل تضعف عندما تغيب القواعد العادلة والواضحة التي تحكم الجميع دون استثناء.
فعندما يشعر أي تيار— إسلامي أو غيره— أنه قادر على العمل خارج القانون، أو فوق الدولة، تبدأ الفوضى.
وعندما يشعر المواطن أن الدولة لا تمثله على قدم المساواة، أو أنها تميل لطرف دون آخر، تتآكل الثقة، ويتسع الشرخ داخل المجتمع.
وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: انقسام داخلي، وضعف عام، وفتح الباب أمام التدخلات والاستغلال الخارجي.
من هنا، فإن الحل لا يكمن في استبدال تيار بآخر، ولا في إقصاء طرف لصالح طرف، لأن الإقصاء لا يُنهي الأزمات بل يؤجلها ويجعلها أكثر تعقيدًا.
الحل الحقيقي يكمن في بناء دولة واضحة القواعد، يشعر بها كل مواطن، وتقوم على ثلاث ركائز أساسية:
أن يكون القانون فوق الجميع، فلا جماعة ولا حزب ولا فرد أقوى من الدولة؛ وأن تكون المواطنة متساوية، بحيث لا يُميَّز بين الناس على أساس الفكر أو الدين أو الانتماء؛ وأن تُدار التعددية السياسية ضمن إطار سلمي منظم، يحكمه الدستور، لا منطق الصراع المفتوح.
عندما تتحقق هذه القواعد، يصبح أي تيار سياسي— مهما كان فكره— مضطرًا للعمل ضمن حدود الدولة، فلا يستطيع فرض رؤيته على المجتمع، ولا احتكار الحقيقة أو السلطة.
بكلمات أبسط: الدولة القوية العادلة لا تخاف من أي تيار، لكن كل التيارات يجب أن تخضع لدولة قوية عادلة.
هنا فقط يمكن حماية المجتمع، وصون الوحدة الوطنية، ومنع تكرار التجارب المؤلمة التي شهدتها منطقتنا.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

بين أنقاض الكراسي المتحركة.. حكاية زوجين مقعدين يصارعان الموت في خيام النزوح بغزة

تتحول حياة الغزيين في ظل الحرب المستمرة من استقرار بسيط إلى جحيم لا يطاق، وهو ما تجسده قصة الزوجين نهاد وزينب جربوع. فبعد أن كانت غرفتهما الصغيرة تمثل لهما قصراً من السعادة والرضا رغم الإعاقة، وجدا نفسيهما اليوم حبيسي خيمة بائسة تفتقر لأدنى مقومات الحياة الآدمية في دير البلح.

بدأت رحلة المعاناة المضاعفة لزينب حين تزوجت من نهاد وهي تعلم بإصابته بشلل رباعي منذ الطفولة، عازمة على أن تكون سنده في الحياة. لكن القدر شاء أن تصاب بمرض أدى لبتر قدميها بعد أربعة أعوام من الزواج، لتصبح مقعدة بجانبه، ويتحول الثنائي من معيلين لأنفسهما إلى محتاجين لمن يرعاهما وسط ظروف الحرب القاسية.

كانت الكراسي الكهربائية المتحركة تمثل لنهاد وزينب شريان الحياة والحرية، حيث مكنتهما من التنقل وإعالة طفليهما الصغيرين قبل اندلاع العدوان. ومع اشتعال الحرب، دمر قصف الاحتلال هذه الكراسي، مما حول حركتهما إلى سجن دائم داخل خيمة ضيقة، وجعل من النزوح المتكرر رحلة عذاب لا تنتهي.

تصف زينب مرارة النزوح التي تكررت تسع مرات، مؤكدة أن وضع ذوي الاحتياجات الخاصة في الحرب هو مواجهة مباشرة مع الموت البطيء. فقد اضطرت العائلة للتنقل من مخيم الشابورة في رفح وصولاً إلى وسط القطاع، وسط انعدام الوسائل المساعدة التي تسهل حركة المقعدين في الطرقات الوعرة.

داخل الخيمة، تغيب الخصوصية وتنتشر الحشرات والقوارض، بينما يفتقر الزوجان لمرحاض ملائم لحالتهما الصحية الصعبة. وتضطر زينب لاستخدام وسائل بدائية جداً لقضاء الحاجة، مما يضيف عبئاً نفسياً وجسدياً ثقيلاً على كاهلها وكاهل أطفالها الذين باتوا يقومون بمهام تفوق أعمارهم بكثير.

يبرز الطفل إياد، البالغ من العمر 12 عاماً، كبطل مأساوي في هذه القصة، حيث تحول من تلميذ في المدرسة إلى 'رجل البيت' المسؤول عن رعاية والديه. يقع على عاتق إياد نقل والديه على كرسي يدوي متهالك، وإحضار الماء والطعام من مسافات بعيدة، مما حرمه من طفولته وحقه في التعليم.

أما الابنة الكبرى، التي لم تتجاوز 13 عاماً، فقد باتت تتحمل أعباء المنزل الشاقة من غسيل وتنظيف وإعداد للطعام على الحطب. وتعبّر والدتها عن حزنها العميق لرؤية طفلتها وهي تمارس أعمالاً شاقة لا تطيقها، في ظل غياب الغاز والكهرباء والماء الصالح للاستخدام.

تتفاقم الحالة الصحية لزينب بسبب مرض عصبي نادر يسبب لها انتفاخات وجروحاً دامية في يديها، ولا يتوفر له علاج في ظل انهيار المنظومة الصحية. ويخشى زوجها نهاد أن تفقد ما تبقى من أطرافها، حيث تضطر أحياناً لقضم أصابعها من شدة الألم الذي لا يسكنه سوى أدوية مفقودة تماماً.

من جانبه، يعيش نهاد فوق أريكة تحولت إلى سرير دائم لم يغادره منذ أكثر من شهرين، واصفاً حياتهم بأنها 'تحت الصفر'. ويؤكد أن فقدان الكراسي الكهربائية جعلهم يعيشون في سجن حقيقي، حيث لا يمكنهم التحرك أو حتى استنشاق الهواء خارج حدود الخيمة الضيقة دون مساعدة شاقة من الآخرين.

تتجاوز مطالب العائلة توفير الطعام والشراب، حيث تؤكد زينب أن صرختهم الوحيدة هي الحصول على العلاج وتركيب أطراف صناعية خارج القطاع. وتناشد الجهات الدولية بضرورة إجلائهم طبياً، معتبرة أن البقاء في غزة دون رعاية طبية متخصصة هو حكم بالإعدام على ذوي الإعاقة.

تشير الإحصائيات الرسمية الصادرة عن مصادر فلسطينية إلى أن هناك نحو 42 ألف شخص في قطاع غزة يعانون من إصابات جسيمة غيرت مجرى حياتهم. هذه الأرقام تعكس حجم الكارثة الإنسانية، حيث تتطلب هذه الحالات تأهيلاً مستمراً وطويل الأمد لا يتوفر حالياً في ظل استهداف المستشفيات.

سجلت المصادر الطبية قرابة 6 آلاف حالة بتر للأطراف منذ بدء العدوان، تتركز معظمها في الأطراف السفلية بنسبة تصل إلى 75%. هذه الزيادة المهولة في أعداد ذوي الإعاقة تضع ضغطاً هائلاً على المجتمع الذي يعاني أصلاً من فقدان الموارد الأساسية والأدوات المساعدة.

يبقى الأطفال هم الضحية الأكبر لهذه الحرب، حيث يعاني أكثر من 10 آلاف طفل من إصابات جسيمة تسببت في إعاقات دائمة. وتكشف البيانات أن الأطفال شكلوا أكثر من نصف حالات الإجلاء الطبي التي تمت بصعوبة بالغة، مما يستوجب تحركاً دولياً لإنقاذ ما تبقى من جيل يواجه مستقبلاً مثقلاً بالإعاقة واليتم.

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:35 صباحًا - بتوقيت القدس

بين الراتب والقسط: ماذا تقول القروض عن الاقتصاد الفلسطيني؟

في اقتصادٍ مثقلٍ بالهشاشة، لا يكفي أن نسأل عن حجم القروض، بل ينبغي أن نبدأ من الناس الذين يعيشون تحت وطأتها. فبحسب تقرير الاستقرار المالي 2024 الصادر عن سلطة النقد الفلسطينية، بلغت نسبة المقترضين إلى عدد البالغين نحو 18% في عام 2024، بواقع 14% للذكور و4% للإناث. وهذا يعني، بلغة الحياة اليومية، أن شريحة واسعة من الفلسطينيين تدير شهرها على إيقاع ثابت: راتب يدخل، وقسط يخرج، وما يتبقى يُترك لمواجهة سوق لا تكف تكاليفه عن الصعود. ومن هنا، لا يعود ملف القروض شأنًا مصرفيًا صرفًا، بل يتحول إلى مرآة لوضع اقتصادي بات فيه الائتمان، لدى كثير من الأسر، جزءًا من آلية التكيّف مع الضيق المعيشي.
هذه الزاوية تغيّر مسار القراءة بالكامل. فحين يكون الاقتراض ظاهرة تمس نسبة ملموسة من البالغين، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: كم اقترض الناس؟ بل أيضًا: لماذا يقترضون، وإلى أين يذهب هذا التمويل؟ في الاقتصادات السليمة، يُفترض أن يكون الائتمان جسرًا نحو المستقبل؛ أما في الحالة الفلسطينية، فإنه يبدو، في كثير من الأحيان، أقرب إلى ممر نجاة مؤقت تعبر من خلاله الأسر فوق فجوة متسعة بين دخل محدود وكلفة معيشة مرتفعة.

وتكشف أرقام سلطة النقد أن صورة الائتمان الفلسطيني أكثر تعقيدًا من الانطباع العام السائد. فداخل محفظة القطاع الخاص المقيم، استحوذت قروض الشركات على نحو 54.0% من إجمالي المحفظة، بما يقارب 4.9 مليار دولار، بينما شكّلت قروض الأفراد نحو 44.6%، بما يقارب 4.1 مليار دولار. وعلى مستوى أوسع، يبين تقرير الاستقرار المالي أن حصة الائتمان الموجه إلى الأسر بلغت 37.4% من إجمالي التسهيلات الائتمانية في 2024، مقارنة بـ 38.0% في 2023، فيما انخفض الإقراض للأسر بنحو 3.0% إلى قرابة 4.4 مليار دولار. لكن هذا التراجع لا يعني بالضرورة أن الأسر أصبحت أقل حاجة إلى الاقتراض؛ فقد يعكس، أيضًا، وصول جزء من المقترضين إلى حدود قدرتهم على الاستدانة، أو ازدياد تحفظ المصارف في بيئة أعلى مخاطرة.
لكن الأهم من النسب المجردة هو طبيعة هذا الائتمان. فحين يحتفظ إقراض الأفراد بهذا الوزن الكبير في اقتصاد ضعيف النمو، محدود السيادة النقدية، ومثقل بالصدمات، فإن السؤال يصبح مشروعًا: هل يذهب التمويل إلى خلق قدرة إنتاجية جديدة، أم إلى تثبيت الاستهلاك وتأجيل الأزمة؟ ذلك أن القرض الاستهلاكي لا يبدو دائمًا، في السياق الفلسطيني، تعبيرًا عن رفاه أو ترف إنفاقي؛ فكثيرًا ما يكون وسيلة لتغطية التعليم والعلاج والسكن والالتزامات الأساسية، أي لسد فجوة دخل لا لسلوك إنفاق زائد. ومع ذلك، فإن النتيجة الاقتصادية تبقى واحدة: جزء معتبر من الدخل المستقبلي يُستهلك مقدمًا، لا لتوسيع قاعدة الإنتاج، بل لحماية الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.

وتصبح الصورة أشد وضوحًا حين ندخل موظفي القطاع العام إلى المشهد. فسلطة النقد تشير إلى أن الائتمان الممنوح لموظفي القطاع العام بلغ نحو 2.0 مليار دولار في 2024، بزيادة 5.0% عن العام السابق، وبما يمثل نحو 16.3% من إجمالي المحفظة الائتمانية. وهذا ليس رقمًا مصرفيًا معزولًا، بل مؤشر على مدى تشابك الائتمان الأسري مع أوضاع المالية العامة. فهذه الفئة تعتمد، في جزء أساسي من قدرتها على السداد، على انتظام الرواتب الحكومية. وعندما تتعرض هذه الرواتب للتأخير أو الاقتطاع، لا يبقى الخطر محصورًا في الأسرة المقترضة وحدها، بل يمتد إلى جودة الائتمان نفسه.
وتزداد الصورة تعقيدًا حين ننتقل من هيكل القروض إلى الضغط المالي الذي يرافقها. فالتقرير السنوي لسلطة النقد يظهر أن التسهيلات المقومة بالشيكل شكّلت 48.9% من إجمالي التسهيلات في 2024، مقابل 40.8% بالدولار الأمريكي و8.9% بالدينار الأردني. وهذا ليس تفصيلًا فنيًا. فالمقترض الفلسطيني يسدد غالبًا بالشيكل، ويتلقى دخله في حالات كثيرة بالشيكل أيضًا، لكنه يستهلك في سوق تتأثر أسعار شريحة واسعة من سلعها بحركة الدولار والأسعار الخارجية. ومن هنا ينشأ اختلال صامت: القسط ثابت اسميًا، لكن كلفته الحقيقية تتضخم كلما تآكلت القوة الشرائية للدخل. أي أن المشكلة لا تكون دائمًا في ارتفاع قيمة القسط نفسه، بل في انكماش ما يبقى من الراتب بعد سداده.
وهذا ما يجعل قراءة القروض عبر مؤشرات التعثر الرسمية وحدها قراءة ناقصة. فسلطة النقد تشير إلى ارتفاع القروض غير العاملة إلى نحو 606.4 مليون دولار في 2024، وارتفاع نسبتها إلى إجمالي القروض إلى 5.08%، مقارنة بـ 4.49% في 2023 و4.29% في 2022. وهذه الزيادة لا تكشف فقط تدهورًا في جودة بعض المحافظ الائتمانية، بل تشير أيضًا إلى أن قدرة الاقتصاد على حمل الدين لم تعد بالصلابة السابقة. لكن ما لا تظهره هذه النسبة هو المساحة الواسعة بين «السداد المنتظم» و«الراحة المالية». فالمقترض قد يظل ملتزمًا بالقسط شهريًا، لكنه يفعل ذلك أحيانًا عبر تقليص إنفاقه الأساسي أو تأجيل نفقات ضرورية.
لهذا يبدو من الأدق الحديث عن استنزاف صامت للدخل، لا عن تعثر ظاهر فقط. فنجاح البنك في تحصيل القسط لا يعني بالضرورة أن الأسرة بخير، كما أن انخفاض التعثر لا يبرهن تلقائيًا على متانة المعيشة. وفي حالة موظفي القطاع العام على وجه الخصوص، قد يخفي انتظام السداد هشاشة أكبر تحت ضغط الرواتب غير المستقرة وكلفة المعيشة المتقلبة.

ومن زاوية أعمق، فإن المسألة لا تتعلق فقط بسلامة القطاع المصرفي، بل بوظيفة الائتمان في الاقتصاد الفلسطيني. وإذا كان جزء معتبر من القروض يذهب إلى الأفراد والأسر لتغطية التزامات معيشية، وكان جزء مهم من هذه الدائرة مرتبطًا بموظفي القطاع العام وحالة المالية العامة، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو: هل يدعم الائتمان الاقتصاد الفلسطيني فعلًا، أم أنه يعوّض ضعفه البنيوي؟ الجواب، على الأرجح، يقع بين الأمرين. فالائتمان يخفف اختناقات فورية، لكنه يتحول، في الوقت نفسه، إلى أداة تعويض عن غياب نمو إنتاجي كافٍ وعن قصور الدخل.

لهذا، فإن النقاش الجدي حول القروض لا ينبغي أن يُختزل في الدعوة إلى التشدد في الإقراض أو التوسع فيه، بل في إعادة توجيه البوصلة: نحو ائتمان أكثر اتصالًا بالإنتاج، وأكثر حساسية لقدرة الدخل على الاحتمال، وأكثر وعيًا بأثر تعدد العملات والتقلبات الاقتصادية على حياة المقترض. فالقضية، في النهاية، ليست أن الفلسطيني يقترض فقط، بل أن الاقتراض نفسه بات يؤدي، لدى شريحة واسعة، وظيفة تعويضية في اقتصاد عاجز عن منح الناس ما يكفي من الدخل والاستقرار. وعندما يصبح واحد من كل خمسة بالغين تقريبًا داخل هذه الدائرة، فإن القرض يتجاوز كونه عقدًا ماليًا بين بنك وعميل؛ إنه يتحول إلى مؤشر بالغ الدلالة على حدود قدرة الاقتصاد على حماية الناس من الارتهان الشهري للقسط.

مستشار اقتصادي دولي وعضو مجلس إدارة التحول الرقمي الدولية



أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

شرعية مُعلّقة… وفعل مُعطَّل: من يدير توقف التاريخ الفلسطيني؟

ليست المعضلة الفلسطينية في غياب الشرعية، ولا في نقص المعنى التاريخي أو الأخلاقي الذي راكمته القضية عبر عقود طويلة من الصراع والتجربة، بل في هذا الانفصال المتزايد بين فائض الشرعية من جهة، وبين العجز البنيوي عن تحويلها إلى فعل سياسي منظم وفاعل من جهة أخرى، بحيث تبدو القضية، رغم كثافتها الرمزية والقانونية والأخلاقية الاستثنائية، وكأنها تمتلك كل عناصر القوة ما عدا القدرة على تحويل هذه القوة إلى فعل سياسي ملموس.

وهكذا لا يعود الصمود حقيقيًا ولا فعلاً ينتج تحولاً، بل يتحول إلى حالة زمنية معلّقة؛ يمنع الانهيار من جهة، لكنه لا يفتح أفق العبور من جهة أخرى، وكأن التاريخ نفسه قد دخل في منطقة تعليق طويلة، تتراكم فيها الوقائع دون أن تُنتج مساراً، وتتوالد فيها الأحداث دون أن تُبلور اتجاهاً. ومن هنا يتشكل السؤال الجوهري الذي لا يمكن الإفلات منه: كيف يمكن لشرعية مكتملة من حيث المصدر والمعنى أن تبقى عاجزة عن إنتاج فعل سياسي مكتمل من حيث الأثر؟

هذا السؤال، في عمقه، لا يجد إجابته في سطح الأزمة أو في تفاصيلها اليومية، بل في بنيتها الداخلية. فالنظام السياسي الفلسطيني بكافة مكوناته، لم يعد يعمل كبنية قرار موحدة، بل كحقل تمثيل متشظٍ يعيد إنتاج "التعدد" دون أن يمتلك القدرة على تحويله إلى وحدة سياسية ملزمة. وفي هذا السياق، لا يعود الانقسام مجرد خلل في التمثيل، بل يتحول إلى آلية مستقرة لإنتاج السياسة نفسها، حيث يصبح الفعل محكوماً بحدود التعايش مع التشتت، لا بالسعي إلى تجاوزه.

ومع هذا التحول، يتغير معنى التمثيل ذاته بصورة جذرية. فلم يعد السؤال من يمثل الفلسطينيين، بل كيف يمكن للتمثيل أن ينتج قراراً في بنية لا تسمح بتراكم القرار، وكيف يمكن لشرعية موزعة على أكثر من مركز أن تتحول إلى إرادة سياسية واحدة دون أن تمتلك أدوات الوحدة؟ وهنا يتراجع الفعل السياسي من كونه مشروعاً لبناء كيانية وطنية، إلى كونه حركة دائمة داخل بنية تشتت مستقر، حيث يصبح استمرار النمطية المتآكلة بديلاً عن التحول.

هذا الانزياح البنيوي لا ينفصل عن التحول الأعمق الذي أصاب وظيفة السياسة مع قيام السلطة الفلسطينية، إذ انتقلت السياسة تدريجياً من كونها أداة لتغيير الواقع إلى كونها أداة لإدارته ضمن شروط قائمة يُعاد إنتاجها باستمرار. ومن هذا التحول نشأ نمط مزدوج لا ينفك يتغذى على ذاته؛ خطاب سياسي يُبقي التحرر كأفق رمزي مفتوح، وممارسة يومية تُعيد إنتاج شروط القيد كواقع فعلي، بحيث لا يعود التناقض بينهما استثناءً عابراً، بل يتحول إلى نمط استقرار سياسي قائم على تعليق التحول لا إنتاجه.

وفي هذا السياق، لا يمكن للانتخابات أن تُعامل بوصفها مدخلاً شكلياً أو تقنية إجرائية معزولة، بل باعتبارها محطة لاحقة على إعادة بناء التوافق الوطني وتثبيت مرجعية سياسية قادرة على إنتاجها وضمان معناها. فحين تُعزل الانتخابات عن شروطها السياسية التأسيسية، تتحول من أداة لتجديد الشرعية إلى إجراء يعكس عمق الانقسام بدلاً من تجاوزه.

إن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب الآليات الديمقراطية فقط، بل وفي غياب البنية السياسية القادرة على جعل هذه الآليات ذات معنى ونتيجة. ولذلك فإن أي مسار لا يبدأ بإعادة تعريف القرار الوطني الملزم وتوحيد مرجعيته، سيبقى أسير إعادة إنتاج الواقع نفسه بأدوات مختلفة.

في ظل هذا التكوين، تصبح إعادة التأسيس مسألة تتجاوز بكثير منطق الإصلاح المؤسسي أو الترميم الإداري، لأنها تتعلق بإعادة تعريف شروط إنتاج الفعل السياسي نفسه. فالمعضلة ليست في من يقرر، بل في الكيفية التي يُنتج بها القرار داخل بنية فقدت صلتها بالواقع ومركزها الموحد، وتوزعت سلطتها بين مستويات متداخلة لا تنتج وحدة بل تفاوتاً دائماً في القدرة على الفعل.

ومن هنا، فإن إعادة بناء مركز القرار لا تعني إضافة طبقة مؤسسية جديدة فوق بنية قائمة، بل تعني إعادة هندسة وحدة الفعل داخل تعددية باتت هي القاعدة لا الاستثناء. وبالمثل، فإن إعادة بناء التمثيل لا تعني توسيعه شكلياً أو إدارياً، بل تحويله من شرعية تاريخية تستمد قوتها من الماضي، إلى شرعية انجاز تُقاس بقدرتها على تحويل المعنى السياسي إلى قرار ملزم. أما الاستراتيجية الوطنية، فهي ليست تعدداً في الأدوات، بل قدرة على تحويل التعددية إلى فعل سياسي متراكم، بدل أن يبقى مسارات متوازية يتآكل بعضها البعض دون أن تلتقي في نقطة تحول.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز غزة ليس فقط كملف جغرافي أو سياسي منفصل، بل وكنقطة الانكشاف الأقصى لأزمة التمثيل وغياب وحدة القرار. فهي تختصر مأزق البنية الفلسطينية بأكملها: تعدد المرجعيات، وتآكل القدرة على إنتاج قرار وطني ملزم، وتعطل القدرة على تحويل الشرعية إلى فعل سياسي موحّد.

كما يبرز  أيضًا الجيل الجديد لا بوصفه امتداداً عضوياً للبنية القائمة، بل بوصفه تحولاً في شروط الفعل السياسي ذاته. فهو يتحرك خارج ثقل الأطر التنظيمية التقليدية، ويعيد تشكيل أدواته ضمن شبكات أكثر مرونة، ويعيد ربط المحلي بالعابر للحدود خارج الوسائط الكلاسيكية للتمثيل السياسي. لكن الإشكال لا يكمن في هذه الحيوية، بل في قدرة النظام السياسي القائم على تحويلها إلى فعل مؤسسي داخل منظومة القرار، لا إبقائها في حالة احتجاج دائم خارج دائرة التأثير.

وهنا يتحدد المفترق الحقيقي الذي ستُقاس عليه المرحلة: إما إدماج يعيد تشكيل البنية من الداخل ويعيد تعريف قواعدها، أو إبقاء هذه الطاقة في حالة تعليق سياسي، حيث تتحول إلى فعل احتجاجي كثيف لكنه غير قادر على إنتاج أثر في بنية القرار.

وفي المقابل، لا تعمل البيروقراطية بوصفها بنية مقاومة للتغيير فقط، بل بوصفها بنية قادرة على امتصاصه وإعادة تشكيله. فهي لا تنفي التحول، بل تعيد تعريفه بطريقة تحافظ على مركز القرار كما هو، وتسمح في الوقت ذاته بقدر من التغيير الشكلي الذي لا يمس جوهر البنية، بقدر ما يعزز السيطرة عليها. وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس لماذا تقاوم البيروقراطية التغيير، بل كيف تنجح في إعادة إنتاجه بطريقة تمنع تحوله إلى تغيير فعلي.

لا يقتصر هذا المنطق على الداخل الفلسطيني، بل يمتد إلى الخارج؛ إذ تُدار الحالة الفلسطينية إسرائيليًا كساحة يُراد حسمها عبر تعطيل تبلورها السياسي: تفكيك الوحدة، ورفع كلفة التبلور المؤسسي، واستنزاف يمنع التراكم والتحول. إقليميًا، تُعامل بالمنطق ذاته كعنصر ضمن توازنات أوسع: دعم مشروط، وتحفّظ بدعوى الاستقرار، وتوظيف في صراعات أخرى، بما ينكرها كقوة معرِّفة للمجال السياسي. وفي تقاطع هذا الداخل المعلّق مع خارج يدير شروط الإمكان لا نتائجه، وإقليم يعيد توزيع الفاعلية بدل إنتاجها، يتبدّى السؤال الاستنكاري: أيُّ معنى تبقى للشرعية الفلسطينية، بثقلها التاريخي والقانوني والأخلاقي، إن عجزت عن أن تتحول إلى قدرة سياسية فاعلة.

وكيف يمكن لهذه القدرة أن تتشكل وتستمر في نظام إقليمي ودولي لا يعمل فقط على تعطيل الفعل، بل على إبقائه في حالة ضعف دائم غير مكتمل، بحيث يبقى الحال على ما هو عليه وكأنه "صمود"، بينما يبقى التحول مؤجلاً باستمرار؟!

إنه ليس سؤال مرحلة عابرة، بل سؤال الفعل ذاته: كيف يُنتج التاريخ فعلاً سياسياً حين تُصمم شروطه بحيث يُسمح له بالبقاء دون أن يُسمح له بالاكتمال وبالقدرة على إنجاز التحول والتغيير ؟

أقلام وأراء

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 10:34 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة الهوية السياسية الفلسطينية.. ما بين وهم الدولة وعبء التحرر


ثمة لحظة في حياة الشعوب لا يكون فيها الخطر الحقيقي هو العدو وحدة، بل الغموض أيضاً. الغموض في تعريف الذات، في فهم المرحلة، وفي تحديد الوجهة. وهذه اللحظة، بكل صراحة، هي ما نعيشه اليوم في الحالة الفلسطينية.
لسنا أمام أزمة أدوات بقدر ما نحن أمام أزمة تعريف: ما نحن؟ هل نحن دولة ذات سيادة؟ أم ما زلنا في مرحلة تحرر وطني؟ قد يبدو السؤال نظريًا، لكنه في الحقيقة سؤال عملي بامتياز، لأن كل خيار منهما يفرض سلوكًا مختلفًا، وأدوات مختلفة، بل وحتى عقلية مختلفة في إدارة الصراع.
المشكلة لم تنشأ من غياب الإجابة، بل من محاولة الجمع بين إجابتين متناقضتين في آنٍ واحد. نحن نتحدث كدولة حين نطالب بالاعتراف الدولي، وندير المؤسسات، ونصرف الرواتب، ونبني العلاقات السياسية، لكننا في الوقت ذاته نتحدث كحركة تحرر حين نرفع خطاب المقاومة، ونؤكد على الصراع المفتوح، ونرفض الواقع القائم. هنا يكمن الخلل، لأن الدولة تحتاج إلى الاستقرار لكي تبني وتُراكم، بينما تحتاج حركة التحرر إلى حالة من القلق الدائم والصراع المفتوح لتفجير التناقض مع الواقع المفروض. وحين نحاول أن نكون الاثنين معًا دون وعي، فإننا لا نصبح أيًّا منهما.
وإذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فإن واقعنا أقرب إلى كيان سياسي ناقص السيادة يعيش تحت الاحتلال، ويحمل في داخله ازدواجية واضحة بين سلطة تُدير وحركة تحاول أن تُقاوم. وهذا التعريف ليس أمرًا ثانويًا، بل نقطة الانطلاق التي يتوقف عليها كل ما بعدها، وهو يمثل ضرورة حقيقية، لأن أي بناء فوق تعريف خاطئ، مهما بدا متماسكًا في ظاهره، سيكون عرضة للانهيار.
المسار الحالي لا يعمل، ليس لأننا نفتقر إلى الإمكانات، بل لأننا نعيش حالة تناقض داخلي عميق؛ فنحن نريد مزايا الدولة دون أن ندفع كلفة السيادة التي سنتطرق إليها في الحلقة الثالثة، ونريد أدوات التحرر دون أن نتحمل كلفة المواجهة. وهذه معادلة غير ممكنة في الواقع. لذلك لم ننجح في بناء دولة حقيقية مكتملة، ولم ننجح أيضًا في إدارة مشروع تحرر وطني واضح المعالم، فكانت النتيجة استهلاكًا للزمن، وتآكلًا في الثقة، وضبابية مستمرة في الاتجاه.
إذا أردنا الخروج من هذا المأزق، فإن الخيارات من حيث المبدأ واضحة، لكنها تتطلب شجاعة في الحسم. فهناك منطق يقود نحو التحول إلى مشروع دولة، يقوم على تثبيت الاعتراف الدولي وتحويله إلى قوة فعلية، وبناء مؤسسات حقيقية مستقلة، وتوحيد القرار والسلاح، مع الميل إلى تقليل منطق المواجهة المباشرة لصالح العمل السياسي والقانوني. وهذا المسار يمنح قدرة على التراكم الهادئ، لكنه يحمل خطر الانزلاق نحو إدارة مربع لا يحمد عقباه إن لم يكن مرتبطًا بهدف إنهائه.
وفي المقابل، هناك منطق آخر يقوم على العودة إلى مشروع تحرر وطني صريح، يُعاد فيه تعريف المؤسسات باعتبارها أدوات نضالية، ويتم بناء مرجعية وطنية حقيقية تمثل الجميع، وتُوحّد أشكال النضال ضمن استراتيجية واحدة، مع التحرر من القيود التي تعيق الفعل. وهذا المسار يتميز بالوضوح، لكنه مكلف ويتطلب استعدادًا شاملاً على المستويات كافة.
غير أن الواقعية لا تكمن في القفز الأعمى إلى أحد المسارين، بل في حسم التعريف أولًا، ثم توظيف الأدوات بذكاء. وبمعنى أدق، نحن ما زلنا في مرحلة تحرر وطني، لكن هذا لا يمنع من استخدام أدوات الدولة، لا باعتبارها حالة مكتملة نعيش وهمها، بل باعتبارها وسيلة من وسائل الصراع. فالدولة هنا لا تُفهم كغاية مكتملة، بل كأداة تخدم هدف التحرر، وهذا الطرح بمثابة طرح مركب للحالة الفلسطينية.
هذا الفهم يفرض بالضرورة خطوات عملية تبدأ بإنهاء الضبابية رسميًا عبر الاعتراف بأننا ما زلنا تحت الاحتلال ولسنا دولة مكتملة، وتمر عبر ضرورة توحيد القرار السياسي، لأن الانقسام كفيل بإسقاط أي مشروع مهما كان صحيحًا في جوهره، وتصل إلى إعادة بناء مرجعية وطنية تعبّر عن الكل الفلسطيني لا عن جزء منه، وتنتهي بتوجيه كل الأدوات، من دبلوماسية وإعلام واقتصاد، بل وكل أشكال النضال، ضمن استراتيجية واحدة واضحة الهدف.
في الخلاصة، المشكلة ليست أننا لا نملك طريقًا، بل أننا نقف في منتصف الطريق ونرفض أن نختار. فلا يمكن لشعب أن يصل وهو لا يعرف إلى أين يسير، ولا يمكن له أن ينتصر وهو لم يُعرّف معركته بعد. إما أن نكون دولة فنتصرف كدولة، أو نكون حركة تحرر فنُدير الصراع كما يجب، أما البقاء بينهما فليس سوى شكل من أشكال استنزاف الذات. فالأمم لا تنهزم فقط حين تُهزم، بل حين تعجز عن تعريف نفسها.
ومن هذا المنطلق، نجد أنفسنا أمام السؤال التالي: كيف نتحرك داخل الواقع المفروض دون أن نستسلم له؟.

كيف نتحرك داخل الواقع المفروض دون أن نستسلم له؟

ليست المشكلة الكبرى في أن يُفرض علينا واقع، فهذه سُنّة الصراعات عبر التاريخ، حيث يسعى الأقوى دائمًا إلى تشكيل المشهد بما يخدم مصالحه. لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين يتحول هذا الواقع المفروض من حالة نعيشها إلى حالة نؤمن بها، ومن ظرف مؤقت إلى مرجعية دائمة تضبط سلوكنا وتحدد سقف تفكيرنا.
في الحالة الفلسطينية، لم يعد التحدي فقط في وجود احتلال يفرض معادلاته، بل في كيفية التعامل مع هذه المعادلات دون أن نتحول، عن وعي أو دون وعي، إلى جزء من تثبيتها. وهنا يبرز سؤال أكثر عمقًا من مجرد الرفض: كيف نتحرك داخل هذا الواقع دون أن نستسلم له؟
الإجابة لا تكمن في الشعارات العالية، ولا في القفز فوق التعقيدات، بل في بناء قدرة حقيقية على التمييز بين "التكيّف الضروري" و"الاندماج الخطر". فليس كل تعامل مع الواقع استسلامًا، كما أن ليس كل رفض له مقاومة. الفارق بينهما دقيق، لكنه حاسم؛ إذ يمكن لشعب أن يتكيف مع ظروف قاهرة ليحافظ على بقائه، دون أن يمنحها شرعية، ويمكن في المقابل أن يرفع خطاب الرفض، بينما يمارس في سلوكه اليومي ما يكرّس هذا الواقع.
من هنا، تصبح الخطوة الأولى هي إعادة تعريف العلاقة مع الواقع المفروض. نحن لا نتعامل معه باعتباره وضعًا طبيعيًا، ولا كقدر نهائي، بل كحالة مؤقتة تُدار بوعي، بهدف تقليص آثارها، لا التعايش معها كحقيقة مستقرة. هذا التحول في الفهم ينعكس مباشرة على طبيعة القرارات، حيث لا يعود السؤال: كيف ننجح داخل هذا الواقع؟ بل يصبح: كيف نتحرك داخله دون أن نخدم استمراره؟
هذا الفهم يقود بالضرورة إلى تقليل مساحات الاعتماد التي يُمكن أن تتحول إلى أدوات ضغط. فالاحتلال لا يفرض سيطرته فقط عبر القوة المباشرة، بل عبر شبكة معقدة من الارتباطات الاقتصادية والإدارية التي تجعل أي محاولة للتحرك مكلفة. لذلك، لا يكون التحرر هنا فعلًا مفاجئًا، بل عملية تدريجية تقوم على تقليل الهشاشة، وبناء بدائل ولو كانت صغيرة في بدايتها، لكنها تتراكم مع الوقت لتمنح هامشًا أوسع من القرار.
وفي سياق موازٍ، لا يمكن تجاهل أثر الانقسام في تكريس الواقع المفروض. غير أن تجاوزه لا يكون دائمًا عبر الاتفاقات الكبرى التي غالبًا ما تصطدم بتعقيدات السياسة، بل يمكن أن يبدأ من مساحات العمل المشتركة التي تفرض نفسها من خلال الحاجة. حين يلتقي المختلفون على هدف عملي محدد، ويحققون من خلاله نتائج ملموسة، فإنهم يخلقون شكلًا من أشكال الوحدة الوظيفية، التي قد تسبق الوحدة السياسية وتمهد لها.
أما على مستوى أدوات الفعل، فإن محدودية التأثير الخارجي لا تعني غيابه الكامل، لكنها تعني أن التعويل عليه وحده لم يعد كافيًا. وهنا يصبح من الضروري إعادة توزيع الجهد، بحيث لا يبقى الضغط الدولي هو الرهان الأساسي، بل يتحول إلى جزء من منظومة أوسع تشمل بناء رواية ذكية قادرة على مخاطبة العالم، وتفعيل الأدوات القانونية بشكل تراكمي، والأهم من ذلك كله، إشراك المجتمع نفسه كفاعل حقيقي، لا كمتلقٍ سلبي للأحداث.
غير أن أخطر ما يمكن الوقوع فيه هو الانجرار إلى ردود الفعل. فالواقع المفروض غالبًا ما يُصاغ بطريقة تدفع الطرف الأضعف إلى التحرك ضمن إيقاع محدد، يجعله يستهلك طاقته دون أن يحقق أثرًا حقيقيًا. لذلك، يصبح من الضروري الانتقال من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل المقصود، حيث يتم اختيار اللحظة، وتحديد الأداة، وربط كل خطوة بهدف واضح، بدل الاكتفاء بالاستجابة اللحظية للضغوط.
وفي كل ذلك، يبقى الوعي هو الأساس. ليس الوعي بوصفه حالة معرفية مجردة، بل بوصفه قدرة على تفسير الواقع، وفهم آلياته، والتمييز بين ما يُفرض علينا وما نمنحه نحن من شرعية، لأن أي مشروع، مهما كان متماسكًا على مستوى الفكرة، لن يصمد إذا لم يجد حاضنة مجتمعية تدرك معناه وتؤمن بمساره.
في النهاية، لا أحد يملك رفاهية انتظار تغير الظروف من تلقاء نفسها. فالواقع المفروض لا يزول لأنه مرفوض، بل يتراجع حين يُدار بوعي، وتُبنى في داخله مسارات تقلص من تأثيره، وتفتح تدريجيًا أفقًا مختلفًا.
قد لا يكون الطريق سريعًا، وقد لا يحمل وعودًا بانفراج قريب، لكنه على الأقل طريق لا يُعيد إنتاج الأزمة، بل يعمل، بصمت وتراكم، على تفكيكها.
وهذا، في حد ذاته، بداية حقيقية.


السيادة المؤجلة
ليست كل دولة تُعلَن تُصبح دولة، وليست كل سيادة تُمنَح تتحقق على الأرض. في الحالة الفلسطينية، يبدو السؤال عن "إعلان الدولة" أكثر تعقيدًا من كونه خطوة سياسية، إذ يتحول إلى اختبار حقيقي للوعي: هل نحن أمام تتويج لنضال طويل، أم أمام قفزٍ فوق شروط الواقع؟
لقد ترسّخ في الوعي الجمعي أن الدولة تمثل الغاية الطبيعية لأي حركة تحرر، وأن إعلانها يُعدّ انتصارًا بحد ذاته. غير أن هذا التصور على وجاهته الظاهرية يغفل حقيقة أكثر صلابة مفادها بأن الدولة ليست اسمًا، بل وظيفة؛ وليست اعترافًا، بل قدرة.
من هنا، فإن الذهاب نحو تعريف الذات كـ"دولة" في السياق الفلسطيني، دون امتلاك أدوات السيادة الفعلية، قد لا يكون انتقالًا إلى الأمام، بل إعادة تموضع داخل قيدٍ جديد، أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة.
أول ما يُدفع ثمنه هو التحول في المكانة السياسية. فالحركة التي كانت تُخاطب العالم بوصفها حركة تحرر، تستند إلى سردية العدالة التاريخية، ستجد نفسها فجأة أمام منظومة دولية لا تعترف إلا بموازين القوة. وهنا، لا يعود السؤال: "هل قضيتك عادلة؟"، بل: "هل تلتزم بقواعد اللعبة؟". هذا التحول ليس شكليًا، بل يجرّد الخطاب الفلسطيني من جزءٍ مهم من زخمه الأخلاقي، ويضعه في موقع المساءلة بدل موقع المطالبة.
أما على الصعيد الأمني، فإن السيادة تعني في جوهرها احتكار استخدام القوة داخل الإقليم. لكن ماذا يحدث عندما تُعلَن السيادة دون القدرة على فرض هذا الاحتكار؟ هنا يظهر التناقض الحاد: كيان يُطالَب بضبط السلاح، وهو لا يملك السيطرة الكاملة على الأرض؛ وسلطة تُحاسَب على الأمن، بينما مفاتيح الجغرافيا ليست بيدها. النتيجة المحتملة ليست سيادة منقوصة فحسب، بل هشاشة داخلية قد تنزلق إلى صدامات أو فوضى مقنّعة.
وفي البعد الاقتصادي، تتكشّف مفارقة أخرى. فالدولة بحكم تعريفها تحتاج إلى موارد مستقلة، وحدود قابلة للتحكم، وقدرة إنتاجية تضمن الحد الأدنى من الاكتفاء. لكن الاقتصاد الفلسطيني، في بنيته الحالية، ما يزال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الإسرائيلي، سواء عبر المعابر أو العمل أو تدفق السلع. وعليه، فإن إعلان الدولة دون فك هذا الارتباط، يحوّل السيادة إلى إطار شكلي، تُدار داخله تبعية فعلية، بتكلفة مالية وسياسية مرتفعة.
ولا تقل الكلفة القانونية خطورة. فالدولة ليست فقط صاحبة حق، بل أيضًا طرف مُلزَم باتفاقيات كقضية هشام حرب (محمود العدرة) التي ليست عنا ببعيد، والدولة أيضاً طرف مُلَزم بمحاكم، وبمساءلة دولية. وفي بيئة غير متكافئة، قد تتحول هذه الالتزامات إلى أدوات ضغط، تُستخدم لتقييد القرار الفلسطيني بدل تمكينه.
لكن الكلفة الأعمق والأقل نقاشًا هي الكلفة النفسية والاجتماعية. فبمجرد إعلان الدولة يرتفع سقف توقعات الناس: حياة أفضل، استقرار، كرامة يومية. وعندما تصطدم هذه التوقعات بواقعٍ محدود الإمكانيات، تتآكل الثقة، ويتحوّل الإنجاز الرمزي إلى مصدر إحباط. وهنا، لا تكون الخسارة سياسية فقط، بل معنوية أيضًا.
مع ذلك، لا يمكن إنكار أن تأجيل تعريف الذات كدولة له كلفته كذلك. فهو يُبقي الحالة الفلسطينية في منطقة رمادية: لا هي حركة تحرر مكتملة الأدوات، ولا هي دولة مكتملة السيادة. وهذا الغموض ينعكس على الخطاب، وعلى الاستراتيجية، وعلى القدرة على بناء مشروع وطني واضح المعالم.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: "هل نعلن الدولة؟"، بل: "هل نملك شروط السيادة؟".
فالدولة التي تُعلَن قبل أوانها قد تتحول إلى قيدٍ جديد، يُكبّل الفعل السياسي بدل أن يحرّره.
إن التحدي الفلسطيني اليوم ليس في اختيار التسمية، بل في بناء القدرة: قدرة على التحكم بالأرض، وعلى إدارة الموارد، وعلى فرض القرار. وعندها فقط، يصبح إعلان الدولة تتويجًا طبيعيًا لمسار نضالي، لا محاولة لتعويض نقصه.
فالسيادة، في جوهرها، لا تُمنَح… بل تُمارَس.

من عدالة القضية إلى عبء المسؤولية و التحول الصامت

لطالما ارتكز الحضور الفلسطيني في الوعي الدولي على قاعدة أخلاقية صلبة: شعبٌ يطالب بحقه، وقضيةٌ تستند إلى مظلومية تاريخية واضحة. هذه المكانة لم تكن مجرد توصيف، بل كانت مصدر قوة ناعمة، منحت الفلسطينيين قدرة على مخاطبة العالم بلغة العدالة، لا بلغة القوة.
غير أن هذا التموضع ليس ثابتًا بطبيعته، بل هو مشروط بالسياق الذي تُعرّف فيه الذات سياسيًا. وهنا تبدأ الإشكالية: ماذا يحدث عندما تنتقل الحالة الفلسطينية من كونها "صاحبة قضية" إلى "صاحبة مسؤولية"؟
هذا التحول لا يُعلن رسميًا، لكنه يحدث تدريجيًا، وبآثاره العميقة.
في الحالة الأولى، حين تكون "صاحب قضية"، فإنك تتحرك ضمن إطار أخلاقي؛ تُطالب، تُدين، تُحرّك الرأي العام، وتستند إلى سردية الحق في مواجهة الظلم. أما في الحالة الثانية، حين تصبح "صاحب مسؤولية"، فإنك تدخل في منظومة مختلفة تمامًا: منظومة الالتزامات، والتوازنات، والحسابات المعقّدة.
لم يعد العالم يسألك: "ما الذي سُلب منك؟"
بل يسألك: "كيف تُدير ما لديك؟"
وهنا يكمن التحول الجوهري.
عندما يُعاد تعريف الفلسطيني ولو جزئيًا كـ"كيان مسؤول"، فإن الخطاب الدولي يتغير تبعًا لذلك. تصبح الأولوية للاستقرار، لا للتحرر؛ وللإدارة، لا للمقاومة؛ ولضبط الواقع، لا لتغييره. وبهذا، تنتقل البوصلة من مساءلة الاحتلال إلى مساءلة الفلسطيني ذاته.
الأخطر من ذلك، أن هذا التحول قد يحدث دون اكتمال شروطه. أي أن يُطلب من الفلسطيني أن يتصرف كدولة، بينما لا يملك أدوات الدولة. أن يُحاسب على الأمن، دون سيطرة كاملة على الأرض؛ وأن يُطالب بالازدهار الاقتصادي، دون سيادة على الموارد؛ وأن يُلزم بالقانون الدولي، دون حماية حقيقية من انتهاكاته.
وهنا تتجلى المفارقة القاسية: يُحمَّل عبء المسؤولية، دون أن يُمنح حق السيادة.
هذا الواقع لا يُنتج استقرارًا، بل يخلق توترًا دائمًا بين التوقعات والقدرة. فالشعب الذي اعتاد أن يرى نفسه في موقع المطالبة، يجد نفسه فجأة في موقع المساءلة. والقيادة التي كانت تُخاطب العالم بخطاب الحق، تصبح مطالبة بإدارة واقع معقّد، ضمن هوامش ضيقة.
لكن، هل هذا التحول كله سلبي؟
ليس بالضرورة.
فالانتقال إلى موقع "المسؤولية" قد يحمل في طياته فرصة لبناء نموذج وطني أكثر نضجًا، قائم على الفعل لا على رد الفعل، وعلى المبادرة لا على الانتظار. لكنه، في المقابل، يتطلب شرطًا أساسيًا: أن يكون هذا الانتقال نابعًا من امتلاك القدرة، لا مفروضًا بفعل الواقع أو الضغوط.
لأن المسؤولية، حين تُفرَض دون أدوات، تتحول إلى عبء؛ وحين تُبنى على أساس هش، تتحول إلى أزمة.
إن التحدي الحقيقي أمام الحالة الفلسطينية اليوم، ليس في التمسك بلغة القضية فقط، ولا في القفز إلى مربع الدولة دون شروط، بل في إدارة هذا التوازن الدقيق: كيف نحافظ على عدالة القضية، ونحن نبني تدريجيًا مقومات المسؤولية؟
فالقضية التي تفقد بعدها الأخلاقي، تخسر روحها؛ والمسؤولية التي تُحمَّل قبل أوانها، تفقد معناها.
وبين الاثنين، يقف الفلسطيني أمام مفترق حاسم: إما أن يُعاد تعريفه وفق ما لا يملك، أو أن يُعيد تعريف نفسه وفق ما يسعى لامتلاكه، وبمعنى اخر إما أن تعيش وفق حدودك… أو وفق طموحك.
———
إن التحدي الحقيقي أمام الحالة الفلسطينية اليوم، ليس في التمسك بلغة القضية فقط، ولا في القفز إلى مربع الدولة دون شروط، بل في إدارة هذا التوازن الدقيق: كيف نحافظ على عدالة القضية، ونحن نبني تدريجيًا مقومات المسؤولية؟



اسرائيليات

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

أزمة تقنية في جيش الاحتلال: مسيرات حزب الله السلكية تتحدى أنظمة الدفاع

أقرت مصادر عسكرية في جيش الاحتلال بوجود فجوة دفاعية خطيرة أمام الطائرات المسيرة الانتحارية التي يطلقها حزب الله من جنوب لبنان. وأوضحت المصادر أن التحدي الأكبر يكمن في اعتماد الحزب على تقنيات توجيه عبر الألياف الضوئية، وهي وسيلة تجعل من المستحيل على منظومات الحرب الإلكترونية اعتراضها أو التشويش على مسارها.

وذكرت تقارير صحفية عبرية أن المؤسسة الأمنية تتابع بقلق تزايد استخدام هذه المسيرات السلكية التي تمنح المشغل دقة عالية وقدرة على المناورة حتى لحظة الاصطدام. هذا التطور التقني وضع القوات البرية في حالة من الارتباك، نظراً لعدم توفر حلول تكنولوجية آنية قادرة على تحييد هذا النوع من التهديدات الجوية القريبة.

وفي تفاصيل ميدانية كشفت عنها صحيفة معاريف، تسببت إحدى هذه المسيرات في مقتل جندي يتبع للواء السابع المدرع خلال عمليات قتالية في العمق اللبناني. ولم يتوقف الهجوم عند هذا الحد، بل لاحق حزب الله قوة الإخلاء الطبي التي حاولت سحب المصابين من أرض المعركة باستخدام طائرة مسيرة ثانية استهدفت المروحية بشكل مباشر.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الضربات اليومية التي ينفذها حزب الله باتت تعتمد بشكل مكثف على هذا السلاح النوعي الذي يتجاوز الرادارات التقليدية. وتؤكد مصادر مطلعة أن العجز عن مواجهة هذه المسيرات أثار موجة من المخاوف داخل قيادة المنطقة الشمالية، خاصة مع فشل المنظومات الدفاعية الحالية في رصدها مبكراً.

وأمام هذا العجز التقني، لجأ جنود الاحتلال في المواقع الأمامية إلى اتخاذ تدابير وقائية بدائية وغير فعالة في محاولة لحماية أنفسهم من الاستهداف المباشر. وشملت هذه الإجراءات نصب شباك معدنية حول الثكنات والمواقع العسكرية، بالإضافة إلى وضع ألواح خشبية وبلاستيكية لتغطية تحركاتهم وحجب رؤية المسيرات الانقضاضية.

وتعكس هذه الحالة من اللجوء للوسائل التقليدية حجم الإحباط السائد بين القوات الميدانية التي تجد نفسها مكشوفة أمام سلاح جوي صغير الحجم وعالي الفعالية. ويرى مراقبون عسكريون أن استمرار حزب الله في تطوير ترسانة المسيرات يفرض معادلة استنزاف صعبة على جيش الاحتلال الذي يفتقر حتى الآن لرد تقني حاسم.

ختاماً، تواصل الدوائر العسكرية في تل أبيب البحث عن حلول مبتكرة لمواجهة 'تحدي الألياف الضوئية'، إلا أن الواقع الميداني يثبت تفوق التكتيكات التي يتبعها الحزب. ويبقى القلق قائماً من إمكانية توسيع نطاق استخدام هذه المسيرات لتشمل أهدافاً استراتيجية أعمق، في ظل استمرار الفشل في تطوير منظومة اعتراض كهرومغناطيسية ملائمة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

بريطانيا في مهب الريح.. حكومة ستارمر تواجه شبح 'الشلل السياسي' والانهيار

تواجه الساحة السياسية البريطانية حالة من الغليان مع تصاعد حدة الانتقادات الموجهة لرئيس الوزراء كير ستارمر، حيث تشير تقارير صحفية إلى أن الانطباع السائد داخل أروقة حزب العمال بدأ يتحول من اعتباره منقذاً إلى كونه شخصية تفتقر للخبرة والقدرة على القيادة. وتتزايد القناعة بأن الحكومة الحالية باتت تمثل حلقة جديدة في مسلسل الإدارات العاجزة التي مرت على البلاد خلال العقد الأخير.

وأفادت مصادر صحفية بأن التقييمات القاسية لستارمر لم تعد تقتصر على المعارضة، بل امتدت لتشمل الأوساط المقربة من الحزب الحاكم، حيث يُنظر إليه الآن كقائد غير قادر على إدارة فريقه السياسي بكفاءة. وتتوالى الاتهامات ضده بأنه يميل للتضحية بالآخرين من أجل الحفاظ على موقعه، مما أدى إلى حالة من فقدان الثقة في قدرته على إنجاز المهام الموكلة إليه.

وزادت قضية بيتر ماندلسون من تعقيد المشهد، خاصة بعد الكشف عن فشله في اجتياز الفحص الأمني، وهو الأمر الذي ادعى ستارمر عدم علمه به، مما بدد آخر آمال أنصاره في قدرته على ضبط المشهد الداخلي. وبدأ عدد من الوزراء في النأي بأنفسهم عن رئيس الوزراء، بل ووصل الأمر إلى إعلان استقالات على الهواء مباشرة، في إشارة واضحة إلى تفكك الجبهة الداخلية للحكومة.

وتدخل بريطانيا حالياً ما يوصف بعصر 'الزومبي السياسي'، وهي حالة تتميز بوجود حكومة مشتتة الذهن، خاملة، وتفتقر إلى أي طموح أو إبداع في مواجهة التحديات الحقيقية. هذا الوضع ليس جديداً على المملكة المتحدة، فقد شهدت السنوات الماضية فترات مشابهة مع رؤساء وزراء سابقين تشبثوا بالسلطة رغم وصول سياساتهم إلى طريق مسدود.

ويرى مراقبون أن بقاء ستارمر في منصبه حالياً ينبع من الجمود وقلة الخيارات البديلة وليس من كفاءته القيادية، وهو ما يقود البلاد نحو حكم فوضوي مدمر. هذا النمط من الحكم لا يؤدي بالضرورة إلى انهيار مفاجئ، بل يسبب تدهوراً تدريجياً في مستويات المعيشة وفقداناً للشعور بالمصير المشترك تحت قيادة مسؤولة.

على الصعيد الاقتصادي، حذر صندوق النقد الدولي من أن بريطانيا تواجه أكبر ضربة للنمو بين دول مجموعة العشرين نتيجة تداعيات الحرب الإيرانية وتأثيرها على أسعار الطاقة. وتتزامن هذه الصدمات الخارجية مع أزمة غلاء معيشة قائمة مسبقاً، في ظل غياب أي خطة حكومية واضحة لاستباق الأزمات أو تقديم تطمينات ملموسة للمواطنين.

وفيما يتعلق بالتماسك الاجتماعي، يبرز حزب 'الإصلاح' كتهديد جدي فشل حزب العمال في التعامل معه، بل وساهم في تأجيج المناخ السياسي بخطاب يحاكي التيارات اليمينية المتطرفة. وقد تلوث المناخ الثقافي بالعداء للمهاجرين، مما وضع حزب العمال في موقف دفاعي ضعيف لم ينجح في كبح جماح القوى السياسية الصاعدة.

وتشير التوقعات الانتخابية إلى أن حزب العمال يتجه نحو أسوأ أداء له على الإطلاق في الانتخابات المحلية الشهر المقبل، بعد هزائم قاسية في انتخابات فرعية سابقة. ورغم هذه المؤشرات الخطيرة، يلتزم ستارمر الصمت أو يكتفي بتصريحات وُصفت بأنها غير لائقة، مما يعزز الانطباع بغيابه التام عن معالجة الأزمات الراهنة.

ويسلك رؤساء الوزراء في مثل هذه الظروف عادة مسارين؛ إما محاولة فرض الوجود عبر سياسات مثيرة للجدل، أو التقاعس التام والانشغال بإخماد الحرائق الداخلية. ويبدو أن ستارمر اختار المسار الثاني الذي قد ينتهي بتمرد جماعي من النواب والوزراء، على غرار ما حدث في أواخر عهد بوريس جونسون.

ويشبه محللون الوضع الحالي بما وصفه ألكسيس دو توكفيل عن الأرستقراطية الفرنسية التي تشبثت بامتيازاتها بعد أن تخلت عن واجباتها، مما أشعل فتيل الثورة. ستارمر، في هذا السياق، يمثل طبقة سياسية تشعر بالاستحقاق للسلطة لكنها تفشل في توظيفها لتحقيق غايات مادية ملموسة للشعب البريطاني.

إن الأزمة الحقيقية تكمن في فشل السياسة التقدمية في إعادة صياغة دورها داخل بريطانيا المتغيرة، حيث تآكلت القواعد الصناعية والعمالية التقليدية لصالح رأس المال. ولم تنجح حكومة العمال في معالجة الاختلالات الاقتصادية التي تخدم مصالح فئة محدودة من ذوي الثروات الطائلة على حساب الأغلبية.

كما تعاني القيادة البريطانية من فراغ أخلاقي في ظل قوى دولية متوحشة وانتهازية، حيث فشل ستارمر في تقديم نموذج قيادي ملهم أو واضح المعالم. لقد كان غموض شخصيته في البداية ميزة سمحت لمؤيديه بإسقاط أوهامهم عليه، لكن هذا الفراغ أصبح الآن عائقاً أساسياً أمام أي تغيير حقيقي.

ويؤكد مراقبون أن ستارمر تحول إلى مجرد 'وعاء' للسياسات القائمة بدلاً من أن يكون عاملاً للتغيير، وهو ما يجعل ولايته تبدو وكأنها مرحلة انتقالية باهتة. الأمل الوحيد المتبقي هو أن تنتهي هذه الفترة دون الدخول في دوامة جديدة من البدايات الخاطئة التي استنزفت طاقة البلاد لسنوات.

ختاماً، فإن من سيخلف ستارمر في قيادة حزب العمال عليه أن يدرك أن المهمة تتجاوز مجرد إدارة إرث متهالك، بل تتطلب شجاعة في تبني التحديات الاقتصادية والسياسية. إن الاستمرار في النهج الحالي سيقود أي خليفة محتمل إلى المصير نفسه، وهو السقوط في فخ 'الزومبي السياسي' الذي يهدد مستقبل المملكة المتحدة.

فلسطين

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:51 صباحًا - بتوقيت القدس

تصعيد إسرائيلي يخرق الهدنة في لبنان: غارات على النبطية وتحليق فوق بيروت

صعّد جيش الاحتلال الإسرائيلي من وتيرة خروقاته لاتفاق الهدنة القائم في لبنان، حيث شنت مقاتلاته صباح اليوم الثلاثاء ثلاث غارات جوية استهدفت بلدة زوطر الشرقية التابعة لقضاء النبطية في الجنوب اللبناني. وتزامن هذا القصف مع إطلاق نيران مكثفة من الرشاشات الثقيلة باتجاه الأحياء السكنية في مدينة بنت جبيل، مما أثار حالة من الذعر بين المواطنين الذين يحاولون العودة إلى حياتهم الطبيعية في ظل التهدئة الهشة.

ولم يقتصر التصعيد الإسرائيلي على القصف الميداني، بل امتد ليشمل انتهاك الأجواء اللبنانية بشكل واسع، حيث أفادت مصادر ميدانية بتحليق مكثف للطيران الحربي والمسيّر فوق مدينة صور وقراها المحيطة. كما سجلت العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية خروقات جوية مماثلة، حيث جابت الطائرات المسيّرة سماء المنطقة على ارتفاعات متفاوتة، في خطوة اعتبرها مراقبون استفزازاً صريحاً لبنود الاتفاق الذي ترعاه أطراف دولية.

وفي سياق متصل، لا تزال فرق الإنقاذ والدفاع المدني تواصل عمليات البحث المضنية عن مفقودين تحت أنقاض المباني في بلدة حاريص بقضاء بنت جبيل. وتأتي هذه الجهود عقب غارة عنيفة نفذها طيران الاحتلال مساء أمس الإثنين، أسفرت عن وقوع إصابات متفاوتة وأضرار مادية جسيمة، مما يعقد الوضع الإنساني في المناطق الحدودية التي تعاني أصلاً من دمار واسع.

وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة اللبنانية، فقد بلغت حصيلة الاعتداءات الإسرائيلية يوم أمس الإثنين أربعة شهداء، من بينهم سيدة، بالإضافة إلى إصابة 51 شخصاً بجروح مختلفة. وتشير التقارير الطبية إلى أن من بين المصابين 3 أطفال و6 نساء، مما يعكس استمرار استهداف المناطق المأهولة رغم سريان الهدنة التي بدأت في السابع عشر من أبريل الجاري ومددها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مؤخراً.

على الجانب الآخر، أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي بوقوع إصابات في صفوف جنوده، حيث أعلن عن إصابة جنديين بجروح إثر استهداف قواته بمسيّرة مفخخة في إحدى النقاط العسكرية بجنوب لبنان. وادعى الجيش في بيان له أنه نفذ هجمات استهدفت أكثر من 20 منشأة وبنية تحتية تابعة لحزب الله في مناطق متفرقة من البقاع والجنوب، زاعماً أنها كانت تُستخدم لأغراض عسكرية.

وفي اعتراف لافت يعكس حجم التحديات الميدانية، نقلت مصادر إعلامية عن قائد لواء في جيش الاحتلال يعمل في الجبهة الشمالية، قوله إنه لا يوجد حلول سحرية لمواجهة الطائرات المسيّرة التي يطلقها حزب الله. وأوضح القائد العسكري أن هذه المسيّرات باتت تشكل تحدياً عملياتياً معقداً يصعب التعامل معه بشكل كامل، وهو ما يفسر القلق المتزايد في الأوساط العسكرية الإسرائيلية من تطور القدرات الجوية للمقاومة.

وتشير الإحصائيات الرسمية المحدثة إلى أن حجم الكارثة الإنسانية في لبنان منذ بدء العدوان في الثاني من مارس الماضي قد بلغ مستويات قياسية، حيث استشهد 2509 أشخاص وأصيب نحو 7755 آخرين. كما تسبب العدوان المستمر في نزوح أكثر من 1.6 مليون لبناني من قراهم ومدنهم، وسط ظروف معيشية صعبة ونقص حاد في الموارد الأساسية نتيجة الحصار والقصف الممنهج للبنية التحتية.

وتأتي هذه التطورات الميدانية في وقت حساس، حيث كان من المفترض أن تساهم الهدنة في تخفيف معاناة المدنيين وتسهيل وصول المساعدات. إلا أن استمرار عمليات النسف التي ينفذها الاحتلال في بلدات مثل حانين وشيحين، والقصف المدفعي الذي طال منطقة علمان - الشومرية، يضع الاتفاق الدولي على المحك ويهدد بانهيار التهدئة والعودة إلى مربع المواجهات الشاملة.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

في حدث تاريخي.. السيمفونية السورية لمالك جندلي تصدح في كاتدرائية واشنطن الوطنية

شهدت كاتدرائية واشنطن الوطنية حدثاً فنياً استثنائياً تمثل في عزف السيمفونية السورية الخامسة للموسيقار السوري مالك جندلي، ليكون بذلك أول مؤلف عربي تنال أعماله هذا الاعتراف الفني في أحد أكبر الصروح الروحية والوطنية في الولايات المتحدة. أقيمت الأمسية بحضور نخبة من الدبلوماسيين والمثقفين والجالية السورية، وسط تغطية إعلامية واسعة احتفت بهذا المنجز الحضاري الذي يجسد تلاقي الشرق والغرب.

تولت أوركسترا جامعة نورث كارولاينا للفنون تنفيذ العمل بقيادة المايسترو جيمي آلبرتين، وهي المفارقة التي أضفت لمسة وفاء على الحفل، كون جندلي أحد خريجي هذه الجامعة المرموقة التي احتضنت موهبته في بداياته بمنحة دراسية كاملة. وقد أثبت العرض قدرة الموسيقى على تجاوز الحدود الجغرافية، حيث امتزجت الألحان المستوحاة من العمق السوري مع الطراز القوطي للكاتدرائية التي اعتادت استضافة أعمال كبار الموسيقيين العالميين مثل باخ وبيتهوفن.

تعد السيمفونية الخامسة جزءاً من مشروع جندلي الطموح الذي يضم ثماني سيمفونيات، وقد سبق تسجيلها في فيينا بقيادة المايسترو مارين ألسوب. ويأتي هذا العرض ضمن سلسلة فعاليات دولية تشمل مدناً مثل لايبزيغ وبودابست، مما يعزز مكانة الموسيقى السورية المعاصرة في المحافل الدولية الكبرى، ويؤكد على عالمية اللغة الموسيقية التي يتقنها جندلي في صياغة هويته الفنية.

اعتمد جندلي في بناء سيمفونيته على توظيف معقد للمقامات الشرقية والتراث السوري بأسلوب أكاديمي رصين يتماشى مع نظريات الهارموني الكلاسيكي. ولم يكتفِ بتقديم الموسيقى كقالب إثني، بل أعاد صياغة المقام العربي ليحاور لغة كبار المؤلفين مثل مالر وشوستاكوفيتش، مما خلق صوتاً فريداً يحافظ على الهوية السورية دون أن يفقد بريق الحداثة الموسيقية العالمية.

تتألف السيمفونية من أربع حركات متنوعة، استلهمت الحركة الأولى منها ثيمات من الموشح الحلبي القديم 'اسق العطاش' وسماعي سوري قديم، حيث تفاعلت هذه الألحان في قالب 'السوناتا' لتنتج دفقات شعورية قوية. وتبرز هذه الحركة قدرة المؤلف على تحويل التراث الصوفي والديني إلى لغة سيمفونية عالمية تخاطب الوجدان الإنساني بمختلف خلفياته الثقافية.

في الحركة الثانية، انتقل الجمهور إلى أجواء 'النوكتيرن' الحالمة التي تعكس التأمل والهدوء، مستمدة إلهامها من سماعي حسيني وتجربة ذاتية للمؤلف في جبال سموكي الأمريكية. بينما جاءت الحركة الثالثة بقالب 'الاسكرتسو' السريع والحيوي، معتمدة على عنصر المفاجأة والإيقاع النشط المستقى من سماعي محير، مما أضفى توازناً درامياً بين الهدوء والاندفاع في بنية العمل.

اختتمت السيمفونية بحركتها الرابعة التي استلهمت تقنيات من مدرسة مالر، معتمدة على سماعي هزام قديم وتصاعد أوركسترالي مهيب قاد المستمعين إلى ذروة العمل. وقد تخللت السيمفونية انفرادات شجية لآلات التشيللو والأوبوا والباصون، مما عكس ثراء التوزيع الأوركسترالي وقدرة جندلي على توظيف كافة مجموعات الآلات الموسيقية لإيصال رسالته الفنية.

يحمل مشروع مالك جندلي أبعاداً تتجاوز الفن الصرف، إذ يسعى من خلال موسيقاه إلى توثيق آلام وآمال الشعب السوري، وتحويل نداءات الحرية إلى سيمفونيات خالدة. وقد كرس جندلي أعماله لتكريم ضحايا الحرب والنساء السوريات، مؤمناً بأن الفن الصادق يمتلك قوة خارقة قادرة على تغيير السرديات النمطية عن العرب والمسلمين وتقديم صورة مشرقة عن حضارتهم العريقة.

في ختام الحفل، صعد جندلي إلى المسرح وسط تصفيق حار، موجهاً رسالة أمل بمستقبل يسوده السلام في وطنه الأم، معبراً عن حلمه بعزف هذه السيمفونيات في ساحات حمص ودار الأوبرا بدمشق. ويمثل هذا العرض في واشنطن اعترافاً دولياً بقدرة المبدع العربي على المنافسة في أصعب الميادين الفنية، محققاً توازناً استراتيجياً ثقافياً يربط بين جذور أوغاريت وآفاق المستقبل العالمي.

عربي ودولي

الثّلاثاء 28 أبريل 2026 9:20 صباحًا - بتوقيت القدس

تقرير يكشف خسائر بمليارات الدولارات في القواعد الأمريكية إثر ضربات إيرانية

أفادت مصادر إعلامية مطلعة بأن الهجمات الإيرانية الأخيرة ألحقت أضراراً جسيمة بالأصول العسكرية التابعة للولايات المتحدة في منطقة الخليج العربي، حيث قدرت الخسائر بمليارات الدولارات. وشمل الدمار مرافق حيوية تتنوع بين مدرجات الطيران وأنظمة الرادار المتطورة، بالإضافة إلى تدمير عشرات الطائرات ومقرات القيادة والسيطرة وحظائر الصيانة والبنية التحتية المخصصة للاتصالات الفضائية.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن فاتورة إصلاح المنشآت المتضررة قد تبلغ نحو 5 مليارات دولار، وهذا الرقم لا يشمل تكاليف استبدال أو صيانة أنظمة الرادار والأسلحة والمعدات التقنية التي خرجت عن الخدمة تماماً. وقد امتدت خارطة الاستهداف لتشمل قواعد عسكرية في عدة دول، من بينها قاعدتا الظفرة والرويس في الإمارات العربية المتحدة، وقاعدة الأمير سلطان في المملكة العربية السعودية، وصولاً إلى قاعدة الموفق سلطي في الأردن.

وفي دولة الكويت، رصدت التقارير وقوع أضرار في قاعدة 'كامب بوهرينج' شملت طائرة من طراز إف-5، بالإضافة إلى استهداف قاعدة علي السالم الجوية ومجموعة من المخازن والموانئ الحيوية. كما طالت الضربات منشآت عسكرية في شمال العراق مخصصة لتخزين الذخيرة، ومدرجاً رئيسياً في قاعدة العديد الجوية الواقعة في دولة قطر، مما يعكس اتساع رقعة العمليات وتأثيرها على اللوجستيات الأمريكية.

أما في مملكة البحرين، فقد تعرض المبنى الرئيسي للبحرية الأمريكية لدمار واسع النطاق، حيث تشير البيانات إلى أن مقر الأسطول الخامس يحتاج وحده لميزانية إصلاح تقدر بـ 200 مليون دولار. ولم تقتصر الخسائر على المباني، بل شملت تعطيل نظامين للدفاع الجوي على الأقل، مما يضع تحديات كبيرة أمام القدرات الدفاعية للمنشآت الأمريكية في المنطقة خلال الفترة الراهنة.

وعلى صعيد العتاد الجوي، كشف التقييم عن خسائر فادحة شملت تحطم طائرة مقاتلة وعشرات الطائرات المسيرة من طراز 'إم كيو-9 ريبر' (MQ-9 Reaper) المعروفة بقدراتها الاستطلاعية والهجومية. كما تضرر عدد من المروحيات وطائرات الاستطلاع وطائرتي ناقلة للوقود، وهو ما يمثل ضربة قوية لسلاح الجو الأمريكي وقدرته على تنفيذ مهام المراقبة والانتشار السريع في مسرح العمليات بالشرق الأوسط.