بعد حرب دامت عامين بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، شهدت المنطقة انفراجة تمثلت في اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى بوساطة أميركية ومصرية وقطرية مع دعم أوروبي، وأنهى واحدة من أكثر جولات الصراع دموية وتعقيدا منذ قيام إسرائيل.
غير أن اليوم التالي للاتفاق لا يبدو أقل تعقيدا من الحرب نفسها، فبينما تتنفس تل أبيب الصعداء بعد استعادة بعض الأسرى، تتصاعد في أروقة المؤسسة الأمنية والسياسية أسئلة صعبة حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة، وماذا بعد انتهاء العمليات العسكرية في غزة.
قد يحمل الاتفاق تداعيات عميقة تمتد إلى ما هو أبعد من القطاع والضفة الغربية، إذ تدخل إسرائيل مرحلة جديدة تتطلب إعادة صياغة إستراتيجيتها الأمنية والسياسية والمدنية في التعامل مع الفلسطينيين.
تحديات وترى مراكز الأبحاث الإسرائيلية أن ما يعرف بـ"لعنة غزة" سيظل يلاحق تل أبيب حتى بعد وقف الحرب، بوصفها معضلة أمنية وسياسية بلا حل جذري، وسط تحديات متشابكة يصعب فصل بعضها عن بعض، تشمل مستقبل الردع وإدارة الصراع واستقرار الجبهة الداخلية.
واستعرضت قراءات هذه المراكز التحديات التي تواجه إسرائيل في "اليوم التالي" وسلطت الضوء على مخاوف تل أبيب من تصاعد نفوذ حماس واتساع رقعة المقاومة في الضفة.
وترى أن إسرائيل تقف على أعتاب مرحلة دقيقة قد يتحول فيها وقف الحرب من نهاية للصراع إلى بداية آخر جديد على السيطرة وإدارة التهديدات وتثبيت الردع في بيئة متغيرة وغير مستقرة.
أورد معهد "مسغاف" للأمن القومي والإستراتيجية الصهيونية قراءة تحليلية لأبرز 5 تحديات تواجه إسرائيل في اليوم التالي للاتفاق، التي صاغها رئيس المعهد مائير بن شبات الذي شغل منصب رئيس مجلس الأمن القومي بين عامي 2017 و2021، وكان أحد مهندسي اتفاقيات أبراهام.
سياسة استخدام القوة في غزة: إعادة النظر في جدوى العمليات العسكرية الواسعة مقابل إدارة التهديدات بأساليب أكثر دقة وفعالية، مع الحفاظ على الردع دون التورط في احتلال مباشر أو حرب استنزاف جديدة.
يوازن الجيش الإسرائيلي بين خيارين متناقضين، العودة إلى الضربات الوقائية ضد أي نشاط لحماس، أو الاحتواء المدروس لتفادي التصعيد.
بينما تستحضر تل أبيب تجربة "جز العشب" بعد حرب 2014، تخشى أن يفسر ضبط النفس كضعف، لتجد نفسها أمام معادلة صعبة بين ردع مفرط يولد حربا، وردع ناقص يبدد هيبة القوة.
حماية الحيز الأمني ومنع تآكله: تواجه المؤسسة الأمنية معضلة الحفاظ على "المنطقة العازلة" ومنع عودة الفصائل المسلحة إلى الحدود، في وقت يزداد فيه الضغط الدولي لإنهاء الإجراءات العسكرية وفتح المعابر.
بعد الانسحاب الميداني، يواجه الجيش الإسرائيلي سؤالا محوريا: كيف يحمي الحيز الأمني دون العودة لاحتلال غزة؟
وتطرح سيناريوهات مثل نشر قوة دولية أو عربية بإشراف مصري أميركي، لكن المؤسسة الأمنية تخشى تآكل الردع.
لذلك، يجري الاعتماد على أنظمة مراقبة ذكية وطائرات مسيّرة ومستشعرات أرضية، غير أن هذه الوسائل تبقى محدودة، مما يجعل الحيز الأمني بؤرة توتر دائمة بين العسكري والسياسي.
منع محاولات حماس لإعادة الإعمار العسكري: يتمثل التحدي الأكبر في منع الفصائل من إعادة بناء قوتها العسكرية تحت غطاء الإعمار المدني، مما يتطلب رقابة مشددة وتنسيقا مع أطراف دولية دون الظهور بمظهر من يعيق إعادة الحياة للقطاع.
تسعى إسرائيل إلى آلية دولية صارمة لمراقبة إدخال مواد الإعمار إلى غزة لضمان استخدامها المدني فقط، لكن مراقبين يحذرون من صعوبة الرقابة في ظل الأزمة الإنسانية.
ويطرح بديلا يتمثل في هيئة رقابة أممية متعددة الأطراف تشترط المساعدات بنزع السلاح، غير أن واقع حماس كقوة أمر واقع يعقد التنفيذ.
والخشية الإسرائيلية الكبرى أن يتحول الإعمار إلى "إعادة بناء للتهديد".