واشنطن – "القدس" دوت كوم- سعيد عريقات
أفاد مسؤول أميركي الخميس أن الولايات تركز في الوقت الراهن على استمرار وقف إطلاق في غزة، وإدخال المساعدات إليها، وتمرير مقترحها في مجلس الأمن الأممي لخلق "القوة الدولية للاستقرار"IFS ، وليس ما يجري بالضفة الغربية المحتلة.
وبينما تؤكد إدارة الرئيس دونالد ترمب أن اهتمامها منصبّ حالياً على الأوضاع في غزة، يرى مراقبون أن هذا التركيز الانتقائي يكشف عن خلل عميق في السياسة الأميركية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويمنح إسرائيل عملياً غطاءً لمواصلة الانتهاكات المتصاعدة في الضفة الغربية المحتلة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في غزة وتحسين الظروف الإنسانية هناك، تتزايد في المقابل الهجمات التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وسط صمت أميركي شبه كامل. ويشير المراقبون إلى أن هذه الهجمات شملت خلال الأسابيع الماضية حرق منازل ومركبات، وقطع أو اقتلاع أو حرق آلاف أشجار الزيتون، التي تمثل مصدر رزق رئيسي لآلاف العائلات الفلسطينية، فضلاً عن رمزيتها العميقة في الوجدان الوطني الفلسطيني.
ويقول دبلوماسيون غربيون إن تجاهل الإدارة الأميركية لهذه التطورات لا يمكن فصله عن التوجه السياسي العام للبيت الأبيض، الذي يفضّل التركيز على ملف غزة باعتباره أكثر إلحاحاً من الناحية الأمنية، متجاهلاً أن ما يجري في الضفة الغربية المحتلة يشكّل جزءاً أساسياً من جذور الصراع. ويرى هؤلاء أن هذا التجاهل يعادل، في نتائجه العملية، إعطاء إسرائيل ضوءاً أخضر لمواصلة التوسع الاستيطاني وفرض الوقائع على الأرض.
يشار إلى أنه من منظور القانون الدولي، تُعدّ هذه الانتهاكات – من تدمير الممتلكات إلى الاعتداء على المدنيين – خرقاً واضحاً لاتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر نقل السكان من دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة أو المساس بالممتلكات المدنية. غير أن الإدارة الأميركية لم تصدر أي إدانة رسمية، بل تواصل تكرار خطابها التقليدي حول "حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها"، وهو ما يراه المراقبون غطاءً سياسياً للسياسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.
ويحذر محللون من أن تجاهل واشنطن لتصاعد العنف في الضفة الغربية يقوّض أي أمل حقيقي في تحقيق تسوية سياسية أو حتى الحفاظ على الاستقرار الهشّ القائم حالياً. فكل اعتداء جديد، وكل بؤرة استيطانية تُقام، يساهم في تقويض ما تبقى من فكرة حل الدولتين، ويزيد من حالة الإحباط بين الفلسطينيين الذين يشعرون أن المجتمع الدولي يتجاهل معاناتهم اليومية.
ويشير خبراء في الشؤون الإسرائيلية إلى أن بعض الوزراء المتشددين في الحكومة الإسرائيلية يرون في هذا الصمت الأميركي فرصة نادرة لتوسيع رقعة السيطرة على الأراضي الفلسطينية. فغياب الضغط الدولي، خصوصاً من واشنطن، يشجع المستوطنين على المضي قدماً في سياسات تهدف إلى تفريغ مناطق واسعة من سكانها الفلسطينيين، في ما يشبه عملية ضم تدريجية دون إعلان رسمي.
في المقابل، تبدو السلطة الفلسطينية عاجزة عن مواجهة هذا الواقع، وسط تراجع دورها السياسي على الساحة الدولية. ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تصاعد الغضب الشعبي وربما اندلاع موجات جديدة من المواجهات، ما يهدد بامتداد التوتر مجدداً إلى غزة ومناطق أخرى.
ويرى مراقبون أن المفارقة تكمن في أن واشنطن التي ترفع شعار "الاستقرار" في المنطقة، تسهم عملياً في زعزعته من خلال تجاهلها لجذور الأزمة. فالميل إلى معالجة جزء من الصراع، وإغفال الانتهاكات اليومية في الجزء الآخر، يعمّق الانقسام ويغذي الشعور بعدم العدالة، الأمر الذي يجعل من أي جهود سلام مستقبلية مجرد خطوة شكلية تفتقر إلى المصداقية.
وبينما تواصل إدارة ترمب انشغالها بغزة، تبقى الضفة الغربية على هامش الاهتمام الدولي، لتتحول تدريجياً إلى ساحة مفتوحة أمام سياسة القوة الإسرائيلية. ومع كل صمت أميركي جديد، يزداد شعور الفلسطينيين بأن واشنطن لم تعد مجرد وسيط منحاز، بل طرف فعّال في تكريس واقع الاحتلال وإدامة الصراع.