في حقبة زمنية سابقة، كان تعريف المثقف يرتبط بذلك الشخص الذي يمتلك إلماماً بشيء من كل شيء، بينما كان النابغ هو من يحفظ المتون والأشعار. إلا أن نظامنا التعليمي نشأ في الأساس لتخريج موظفين لخدمة الدولة، ولم يتأسس لغرس قيم التعلم والتفكير النقدي وتطوير المعارف. ويعود ذلك إلى أن من وضع أسس التعليم الحديث في بلادنا هو المستعمر، الذي كان بحاجة إلى فئة قليلة من السكان المحليين لتدريبهم على نمط تفكيره لتسيير مصالحه الإدارية، فرسخ فيهم ثقافة الحفظ للاختبارات بدلاً من الفهم العميق، وعزز مبدأ سرية المعلومة وحصرها في أيدي فئة محددة، وهو نهج لا يزال متبعاً لدى بعض المدراء الذين يحجبون المعلومات عن أصحاب الاختصاص، مما يساهم في تكريس التخلف.
تتفاقم هذه المعضلة عندما يثق الشخص الذي يكدس المعلومات بمعرفته دون أن يقوم بمعالجتها أو تمحيصها، فيتخذها معياراً مطلقاً. وفي عصرنا الحالي، يستقي الكثيرون معلوماتهم من الهواتف والحواسيب، ويضيفون كل جديد إلى مخزونهم المعرفي دون تدقيق، ثم يعيدون نشرها على منصات التواصل الاجتماعي. وهناك، يجدون من يمدحهم ويعزز لديهم وهم الثقافة، ليخرجوا إلى المجتمع بآراء معارضة تناقش أدق المسائل والمقدسات، بينما هم في الحقيقة مجرد ناقلين يقتبسون دون ذكر المصادر، ويقبلون المعلومات كما سمعوها بلا تفكير. هؤلاء لا يشعرون بالحاجة إلى التعلم الحقيقي، بل يواجهون من يختلف معهم أو يطرح أسلوباً جديداً بالتسفيه والانتقاد والتقليل من الشأن.
تكمن خطورة "خزان المعرفة" في عجزه عن حل المشكلات أو تقديم إبداع حقيقي، لأنه نتاج منظومة تنمية التخلف. ومع ذلك، قد يكتسب هذا الشخص مكانة اجتماعية تفوق مكانة المثقف العالم الذي غالباً ما يكون مهمشاً في مجتمع سلبي. هذا المجتمع لا يعالج القضايا بمنطقية، بل يتبنى انطباعات جاهزة، وقد يضعها في خانة المقدسات ليس إيماناً بها، بل لتلبية غرائز حب السيطرة والتملك. في ظل هذا الواقع، يغيب البحث والاستقصاء، ويتحول الناس إلى مجرد مرددين لما يسمعون، يتناقلون الكلام ككرة تتقاذفها الألسن.
إن ما نشهده اليوم هو تباين صارخ بين الجيل الحالي والأجيال السابقة فيما يتعلق بجدلية الجودة والسوء. لقد تميز الجيل الماضي بالصرامة والدقة وعدم التهاون في الصواب، بدءاً من المظهر العام واحترام الذوق العام، وصولاً إلى إتقان العمل. كانت المهارة والإخلاص جزءاً أصيلاً من الذات الداخلية للفرد، بينما أصبحت اليوم خاضعة للمؤثرات الخارجية والتقلبات، بدلاً من أن تكون ثوابت راسخة في الشخصية.
إن الحلول والابتكار هي الواجب الحقيقي للمثقف والمعيار الفعلي لثقافته، وليست مجرد كمية المعرفة التي يختزنها، فتهذيب النفس هو جوهر التثقيف.
إن المهارة هي شكل من أشكال الثقافة التي يمتلكها العامل المخلص، سواء كان بناءً أو تاجراً أو مصلحاً. عندما يعتز صاحب المهنة بمهنته ويسعى لتطوير نفسه من خلالها، فإنه يحقق النجاح الحقيقي. أما أولئك الذين ينشغلون بتقييم الآخرين بدلاً من تقييم ذواتهم، فهم يعانون من عجز يولد الإحباط. التقييم الحقيقي يجب أن ينصب على الذات: هل تحسن إنتاجي؟ هل تطورت مهاراتي؟ وهذا لا يتحقق بمجرد امتلاك المعرفة، بل بالانغماس في التعلم والصرامة مع النفس. فالحلول والابتكار هي واجب المثقف ومعيار ثقافته، وليست كمية المعلومات التي يحفظها، فالثقافة هي تهذيب النفس كما قالت العرب: "تثقيف الرماح" أي تقويمها.
هذه الصرامة والدقة هي التي تجعلنا نقف مبهورين أمام جمال وإتقان البيوت القديمة، رغم غياب الأجهزة الحديثة وقت إنشائها. في المقابل، نجد اليوم توفر الأدوات التي تختصر الزمن، ولكن الجودة غائبة والذوق مفقود، مع ارتفاع التكاليف. ولأن اليأس قد تسرب إلى المجتمع، نجد الناس يتجنبون بعضهم البعض، ليس لسوء فيهم، بل لضعف قدرتهم على العطاء. وقد أدى سوء سلوك البعض وضياع الحقوق إلى لجوء المسالمين للعزلة بحثاً عن السلامة النفسية.
يكمن الحل في كلمة واحدة: التوازن. وهذا التوازن يتطلب إعادة تنظيم حياة المجتمع وإعلاء شأن القيم، ليس من خلال ضخ المزيد من الكتب والمواعظ، بل عبر استعادة الصرامة والثبات على المبادئ. المشكلة ليست في المعرفة ذاتها، بل في كيفية استثمارها والصدق مع النفس. يجب أن يتوقف الفرد عن لوم الناس لأنهم لا يمنحونه القيمة التي يفترضها لنفسه وهي غير حقيقية.
إن غياب الحوارات الصافية، وسيادة الشخصيات الفارغة، وقيادة الجاهلين، واستغلال المواهب دون إنصافها، كلها ظواهر تحتاج إلى دراسة جادة ومنظومة تدريب وتطوير حقيقية. يجب أن ننتقل من مرحلة الخطابة بالأخلاق إلى مرحلة التطبيق الفعلي، وإلا سنبقى كمن يدعو للفضيلة وسلوكه يجسد نقيضها. إن الاكتفاء بما لدينا من علم دون تطوير ذواتنا هو مساهمة في انحدار المجتمع، والظلم الذي يملأ العالم يبدأ من ظلم الإنسان لنفسه بضلال الطريق، وعلاجه يكمن في إنشاء مراكز تأهيل فكري ونفسي تنسجم مع احتياجات المجتمعات.




