بدأ الكولومبيون، اليوم الأحد، التوافد على مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات رئاسية توصف بأنها الأكثر استقطاباً في تاريخ البلاد الحديث. وتأتي هذه الانتخابات في لحظة فارقة لتحديد المسار السياسي للدولة اللاتينية، حيث يتنافس معسكران يمثلان رؤى متناقضة تماماً لمستقبل البلاد الاقتصادي والأمني.
ويغيب عن هذه المنافسة الرئيس الحالي غوستافو بيترو، الذي دخل التاريخ كأول رئيس يساري لكولومبيا، وذلك بسبب القيود الدستورية التي تمنع الترشح لولاية ثانية. ومع ذلك، يظل ظل بيترو حاضراً بقوة في السباق، إذ يعتبر مراقبون أن التصويت يمثل استفتاءً شعبياً على سياساته التي انتهجها منذ وصوله للسلطة في عام 2022.
وتتصدر التحديات الأمنية واجهة المشهد الانتخابي، خاصة مع تصاعد أعمال العنف إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ توقيع اتفاق السلام مع حركة 'فارك' عام 2016. وقد أدت الهجمات الأخيرة، التي استخدمت فيها سيارات مفخخة وطائرات مسيرة، إلى إثارة مخاوف جدية من عودة البلاد إلى دوامة الصراع المسلح الشامل.
ويقود المعسكر اليساري في هذه الانتخابات السيناتور إيفان سيبيدا، الذي يرتكز في حملته على إرثه كأحد مهندسي اتفاق السلام التاريخي. سيبيدا، وهو نجل قيادي شيوعي راح ضحية الاغتيالات السياسية، يسعى لمواصلة استراتيجية 'السلام الشامل' وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي للفئات الأكثر فقراً وتهميشاً.
في المقابل، يبرز المحامي ورجل الأعمال أبيلاردو دي لا إيسبرييا، الملقب بـ 'النمر'، كأقوى المنافسين من جناح اليمين المتشدد. ويتبنى دي لا إيسبرييا خطاباً هجومياً يدعو إلى المواجهة العسكرية المباشرة مع الجماعات المسلحة، معبراً في الوقت ذاته عن إعجابه بنموذج القيادة الذي يمثله الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.
كما تشارك في السباق السيناتورة المحافظة بالوما فالنسيا، التي تحظى بدعم من تيار الرئيس السابق ألفارو أوريبي، وتطالب بإنهاء سياسات الحوار مع المجموعات المتمردة. وترى فالنسيا أن الأولوية القصوى يجب أن تكون لفرض 'الأمن الشامل' عبر تعزيز القدرات العسكرية للدولة واستعادة السيطرة على المناطق المضطربة.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى أن سيبيدا يتصدر نوايا التصويت، لكنه قد لا يتمكن من حسم المعركة من الجولة الأولى، مما يمهد الطريق لجولة إعادة في يونيو المقبل. ويعكس هذا التردد في حسم النتائج حجم الانقسام الشعبي حول جدوى الحوار السياسي مقابل الحلول العسكرية في التعامل مع الأزمات المزمنة.
الناخبون سيصوتون في الواقع إما لمواصلة نهج غوستافو بيترو السياسي أو لإنهائه في ظل تحديات أمنية غير مسبوقة.
ولم تكن الحملة الانتخابية بمنأى عن الدماء، حيث خيم اغتيال المرشح اليميني ميغيل أوريبي العام الماضي بظلال ثقيلة على الأجواء السياسية. وقد أعاد هذا الحادث، الذي نُسب لجماعات مسلحة، ذكريات حقبة الاغتيالات السياسية التي طبعت عقوداً من تاريخ كولومبيا الدامي وأثارت قلق المجتمع الدولي.
وإلى جانب الصراع السياسي، تظل قضية إنتاج وتهريب المخدرات المحرك الأساسي لعدم الاستقرار، حيث لا تزال كولومبيا تحتفظ بمكانتها كأكبر منتج للكوكايين عالمياً. وتمثل الأموال المتدفقة من هذه التجارة غير القانونية شريان الحياة للجماعات المسلحة ومنظمات الجريمة المنظمة التي تتنافس على النفوذ في الأقاليم.
وعلى الصعيد التنظيمي، أكدت مصادر من المجلس الوطني للانتخابات انتشار أكثر من 1200 مراقب لضمان نزاهة العملية الانتخابية في مختلف الأقاليم. وأوضح القاضي ألفارو إتشيفيري أن هناك تنسيقاً واسعاً لضمان وصول الناخبين إلى الصناديق رغم التهديدات الأمنية القائمة في بعض المناطق الريفية والحدودية.
وبهدف تأمين العملية الديمقراطية، دفعت الحكومة الكولومبية بنحو 408 آلاف عنصر من قوات الجيش والشرطة لتأمين مراكز الاقتراع والمنشآت الحيوية. وتأمل السلطات أن تلتزم الجماعات المسلحة بوقف إطلاق النار غير المعلن الذي جرت العادة على الالتزام به خلال أيام التصويت لتجنب استهداف المدنيين.
وتفتح مراكز الاقتراع أبوابها للناخبين لمدة ثماني ساعات، وسط توقعات بظهور النتائج الأولية بسرعة بفضل نظام العد الإلكتروني المتبع. ويترقب الشارع الكولومبي هذه النتائج بحذر، حيث يرى الكثيرون أن هوية الرئيس القادم ستحدد ما إذا كانت البلاد ستمضي قدماً في مسار المصالحة أو ستعود لسياسات المواجهة.
ويراقب الجوار الإقليمي والمجتمع الدولي هذه الانتخابات باهتمام بالغ، نظراً للدور الاستراتيجي الذي تلعبه كولومبيا في استقرار منطقة الأنديز وأمريكا اللاتينية. ففوز اليسار قد يعزز كتلة الدول التي تنتهج سياسات اجتماعية مستقلة، بينما يمثل فوز اليمين عودة للتحالفات التقليدية الوثيقة مع واشنطن في ملفات الأمن والمخدرات.
وفي حال عدم حصول أي مرشح على نسبة 50% زائد واحد من الأصوات، سيتوجه الكولومبيون مرة أخرى للصناديق في الحادي والعشرين من يونيو المقبل. وستكون تلك الجولة بمثابة معركة كسر عظم نهائية بين رؤيتين للدولة، في ظل اقتصاد يعاني من تفاوت طبقي حاد ورغبة شعبية عارمة في تحقيق استقرار دائم.













