GENERAL

السّبت 31 يناير 2026 11:56 صباحًا - بتوقيت القدس

اكتشاف كائن منقرض محاصر منذ 40 مليون سنة في الكهرمان

نجح باحثون في دراسة عينة كهرمان استثنائية تعود إلى نحو 40 مليون سنة، تحتوي على نملة منقرضة محفوظة بشكل مذهل لدرجة أن أدق تفاصيلها التشريحية ما زالت واضحة.

لكن ما يضيف أهمية خاصة لهذا الاكتشاف هو مصدر العينة: فهي جزء من المجموعة الشخصية للأديب الألماني العالمي يوهان فولفغانغ فون غوته.

واحتوت قطعة الكهرمان التي عثر بداخلها على حشرة بعوضة فطرية وذبابة سوداء بالإضافة إلى النملة، على أفضل عينة محفوظة على الإطلاق للنوع المنقرض المعروف باسم Ctenobethylus goepperti.

ويقول العلماء إن حالة الحفظ المثالية تسمح بدراسة الكائن "بتفصيل غير مسبوق"، حتى أنهم تمكنوا من فحص الهياكل الداخلية لرأس وجسم النملة، وهو أمر نادر الحدوث في المتحجرات بسبب ضياع معظم الأعضاء الداخلية خلال عملية التحجر.

وقد أتاحت تقنيات التصوير ثلاثي الأبعاد الحديثة إنتاج صور مفصلة بشكل مدهش لهذه النملة القديمة.

وأشار الباحثون إلى أن الهياكل الداخلية التي تمت رؤيتها "لم توثق من قبل مطلقا" في أي نملة متحجرة من عصر السينوزوي (الممتد من 66 مليون سنة مضت وحتى اليوم).

وتمتلك قصة هذا الاكتشاف بعدا ثقافيا فريدا، فالعينة كانت جزءا من مجموعة غوته الشخصية التي تضم نحو 40 قطعة كهرمان جمعها الأديب الشهير، الذي كان إلى جانب إبداعاته الأدبية "عالم طبيعة موسوعي" بحسب وصف الدراسة.

وكانت المجموعة محفوظة في متحف غوته الوطني في فايمار، وأتيحت للعلماء الذين تحققوا من أن غوته نفسه لم يدرك على الأرجح الكنوز البيولوجية المخبأة داخل قطع الكهرمان التي امتلكها، إذ لم يشر إليها في كتاباته، وكان علم الأحافير الكهرمانية ما يزال في بداياته في عصره.

ومن خلال الدراسة، تبين أن النملة التي عثر عليها هي من فئة "العاملات"، وتشبه إلى حد كبير نوع النمل الحالي المعروف باسم Liometopum. وهذا التشابه يشير إلى أنها كانت على الأرجح نوعا سائدا في غابات الصنوبر المعتدلة الدافئة، حيث ربما شكلت "مستعمرات ضخمة" تمتد عبر الأشجار. كما أن فكها القوي يشير إلى إمكانية استخدامه في "حفر الخشب أو النقر فيه".

ولخص العلماء أهمية الاكتشاف بقولهم إنه يظهر كيف أن "الكهرمان يمكنه حفظ البنى البيولوجية بأمانة لا تضاهى"، وكيف أن مجموعة غوته التي حفظت "لقيمتها الثقافية وليس لغرض علمي"، أمكنها أن تقدم اليوم "رؤى جديدة من خلال التصوير الحديث"، ما يبرز التقاطع المثمر بين التراث الثقافي والاكتشاف العلمي.

صحة

السّبت 31 يناير 2026 11:53 صباحًا - بتوقيت القدس

من الحمامات الساخنة إلى الزرعات الطبية.. كيف تطورت وسائل منع الحمل للرجال؟

يسعى العلماء والأطباء لتطوير وسائل منع حمل ذكرية موثوقة وآمنة منذ حوالي 100 عام، ومع ذلك ما تزال هذه المسألة موضع نقاش في الأوساط الطبية والعلمية حتى اليوم.

تطور أساليب منع الحمل لدى الرجال على مدى قرن: لعقود، ظل منع الحمل حكرا على النساء، فقد صُممت حبوب منع الحمل واللولب والأدوية الهرمونية خصيصا لهن، أما الرجال فلم يكن أمامهم سوى خيارين رئيسيين: الواقي الذكري وقطع القناة الدافقة أي القناة التي تنقل الحيوانات المنوية من الخصيتين، إلا أن الخيار الأخير يفقد شعبيته تدريجيا: ففي المملكة المتحدة انخفض عدد هذه العمليات الجراحية بنسبة 64% بحلول عام 2016، وفي روسيا لم يُجر سوى 800 عملية بحلول عام 2022.

سعى العلماء مرارا وتكرارا لتطوير وسيلة غير جراحية وموثوقة لمنع الحمل لدى الرجال، وكانت إحدى التجارب الأولى في هذا المجال من عمل الطبيبة السويسرية مارثا فوغلي في الفترة ما بين ثلاثينيات وخمسينيات القرن العشرين، فدرست تأثير الحرارة على خصوبة الرجال: إذ أدى وضع الخصيتين في حمامات ساخنة يوميا إلى انخفاض مؤقت في إنتاج الحيوانات المنوية، لكن الخصوبة عادت إلى طبيعتها تماما بعد ذلك، ومع ذلك لم تنتشر هذه الطريقة على نطاق واسع.

ومع تطور وسائل منع الحمل الهرمونية للنساء بعد عام 1960، حاول العلماء تكييف الأساليب الهرمونية لتناسب الرجال، ففي ستينيات وسبعينيات القرن العشرين دُرست تركيبات من التستوستيرون والبروجستين، والتي تثبط تكوين الحيوانات المنوية. لكن العديد من المشاركين عانوا من آثار جانبية، منها تقلبات المزاج، وانخفاض الرغبة الجنسية، وزيادة الوزن.

في نهاية المطاف، لم يُعتمد أي دواء هرموني للرجال بشكل كامل وبحلول نهاية القرن العشرين تحول التركيز نحو الوسائل غير الهرمونية، وكان أحد أشهر المشاريع هو RISUG (تثبيط الحيوانات المنوية بشكل عكسي تحت التوجيه)، وهي طريقة لحقن هلام بوليمري في القنوات المنوية تعيق حركة الحيوانات المنوية. يُطور هذا المشروع منذ تسعينيات القرن العشرين ويخضع لتجارب سريرية في الهند، وفي عام 2002 أوقفت وزارة الصحة الهندية الاختبارات مؤقتا بسبب تقارير عن أورام لدى المشاركين، ولكن التجارب استؤنفت في عام 2011.

ويجري حاليا تطوير دواء مماثل في الولايات المتحدة، ففي يوليو 2022 أعلنت شركة NEXT Life Sciences بدء التجارب السريرية لطرح الدواء في السوق. يُطلق على المنتج اسم Plan A، في إشارة إلى حبوب منع الحمل النسائية Plan B. ومن المتوقع الحصول على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية بحلول عام 2027.

بعض وسائل منع الحمل الذكرية المتوفرة حاليا:

حبوب منع الحمل غير الهرمونية (YCT-529) تُعد حبوب منع الحمل غير الهرمونية YCT-529 (قيد التطوير في الولايات المتحدة) من أكثر الطرق الحديثة الواعدة، حيث تعمل على حجب مستقبلات حمض الريتينويك الضرورية لنضوج الحيوانات المنوية، وعلى عكس الأدوية الهرمونية، لا تؤثر هذه الحبوب على مستويات هرمون التستوستيرون أو الرغبة الجنسية، وفي دراسات ما قبل السريرية الأولية على الفئران والرئيسيات، أظهرت YCT-529 انخفاضًا في الخصوبة يصل إلى 99% دون آثار جانبية، مع استعادة الخصوبة في غضون أسابيع قليلة من التوقف عن تناول الدواء.

الزرعات الهيدروجيلية (ADAM) تُزرع غرسة الهيدروجيل ADAM في القنوات المنوية وتعمل لمدة تصل إلى عامين، وبعد الزرع، يشكل الدواء حاجزا فيزيائيا يمنع الحيوانات المنوية من الوصول إلى السائل المنوي، وهذه الطريقة لا تدمر القنوات المنوية، كما صممت الزرعات لتذوب طبيعيا مع مرور الوقت، ويرى المطورون في زرعة ADAM نظيرا محتملا للّولب الرحمي النسائي.

حقن الهلام البوليمري (Vasalgel / RISUG) يعتمد مشروع RISUG (تثبيط الحيوانات المنوية العكسي تحت التوجيه) من الهند ونظيره الأمريكي Vasalgel على حقن هلام بوليمري في القنوات المنوية، حيث يغطي الهلام طبقة رقيقة من الجدران الداخلية للقنوات، وعندما تعبر الحيوانات المنوية عبر هذه الطبقة يتم تحييدها مما يجعلها غير قادرة على تخصيب البويضة، وهذه الطريقة مصممة لتأثير طويل الأمد، لكنها تتطلب غسل أو إذابة الهلام لاستعادة الخصوبة، ومن المتوقع أن يظهر الدواء الأمريكي في الصيدليات بحلول عام 2027.

صحة

السّبت 31 يناير 2026 11:52 صباحًا - بتوقيت القدس

اكتشاف مهم قد يغير طريقة فهمنا لعلاقة السمنة بالأمراض العصبية

كشفت دراسة لباحثين صينيين أن خطورة السمنة على صحة الدماغ لا ترتبط فقط بكمية الوزن الزائد، بل بمكان تراكم الدهون في الجسم.

واستندت الدراسة، التي نشرتها مجلة Radiology في 27 يناير، إلى تحليل بيانات شاملة لحوالي 26 ألف شخص من البنك الحيوي البريطاني.

وتوصل الباحثون في المستشفى التابع لجامعة شوژو الطبية بالصين، باستخدام تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي الدقيقة (MRI)، إلى نمطين جديدين مقلقين لتوزيع الدهون في الجسم: السيادة البنكرياسية والنحافة الدهنية.

السيادة البنكرياسية: حيث تتراكم الدهون بشكل غير طبيعي في البنكرياس لتصل نسبتها إلى 30٪، أي أكثر بستة أضعاف المعدل الطبيعي. والغريب في هذا النمط أن حامليه قد لا يظهر عليهم علامات الكبد الدهني الواضحة التي يفحصها الأطباء عادة، ما يجعل حالتهم تمر دون تشخيص دقيق في الفحوصات الروتينية.

النحافة الدهنية: يتميز هذا النمط بوجود دهون زائدة موزعة في الجسم، خاصة في منطقة البطن، حتى إذا بدا الشخص نحيفا وفق المعايير التقليدية. تكمن المشكلة الأساسية في ارتفاع نسبة الدهون مقابل كتلة العضلات، خاصة عند الرجال.

وأظهرت الدراسة ارتباطا واضحا بين هذين النمطين ومشاكل عصبية خطيرة، حيث يعاني حاملو هذه الأنماط من فقدان المادة الرمادية في الدماغ بشكل أسرع، وتسارع عملية شيخوخة الدماغ، وتراجع ملحوظ في الوظائف الإدراكية، بالإضافة إلى زيادة خطر الإصابة بأمراض عصبية على المدى الطويل.

ويؤكد الدكتور كاي ليو، الباحث الرئيسي في الدراسة أن هذه النتائج تدعو لإعادة النظر في الأولويات التشخيصية الحالية. فبينما يركز الاهتمام الطبي حاليا على تشخيص "الكبد الدهني" باعتباره مؤشرا خطرا، تشير الأدلة الجديدة إلى أن تراكم الدهون في البنكرياس قد يشكل تهديدا أكبر وأكثر خطورة على صحة الدماغ.

ويأمل الباحثون أن تؤدي هذه الاكتشافات إلى تطوير فحوصات أكثر دقة لتقييم المخاطر الصحية، وبرامج وقائية مخصصة وفقا لأنماط توزيع الدهون لدى كل شخص.

وتلخص الرسالة الأساسية للدراسة بأن موقع الدهون في الجسم لا يقل أهمية عن كميتها عندما يتعلق الأمر بصحة دماغك.

كشف خبراء تغذية عن خطوة بسيطة قد تساهم في تقليل بعض الأضرار الصحية المرتبطة بالكربوهيدرات المكررة، والتي لطالما ارتبطت بزيادة الوزن وارتفاع خطر الإصابة بداء السكري وأمراض القلب.

كشفت دراسة أجراها باحثون من جامعة سيتشينوف الروسية كيف تؤثر السمنة وأنواعها على زيادة خطر الإصابة بالسرطان.

ساعدت حقن التخسيس ملايين الأشخاص على التحكم في شهيتهم وفقدان الوزن، بفضل تأثيرها على الجهاز الهضمي وكبحها "إشارات الجوع" التي تدفع إلى الإفراط في تناول الطعام.

صحة

السّبت 31 يناير 2026 10:50 صباحًا - بتوقيت القدس

تحذير هام من مخاطر سحق الأقراص وفتح الكبسولات قبل تناول الدواء

حذّرت صيدلانية سريرية من خطورة العبث بطريقة تناول الأدوية، في إطار جهودها للتوعية بالأخطاء الشائعة التي قد يرتكبها كثيرون دون إدراك عواقبها.

وفي مقطع فيديو توعوي على "إنستغرام"، أوضحت الصيدلانية البريطانية أنوم أن ليست جميع أقراص الدواء مناسبة للسحق، ولا جميع الكبسولات قابلة للفتح، مشيرة إلى أن بعض الأدوية معدّلة الإطلاق، ما يعني أنها مصممة لإفراز المادة الفعالة تدريجيا داخل الجسم.

وأضافت أن العبث بهذا النوع من الأدوية قد يؤدي إلى تعطيل آلية عمله، فيفقد مفعوله سريعا، ويزيد من احتمالية التعرض للآثار الجانبية.

كما لفتت إلى أن بعض الأدوية مغطاة بغلاف يحمي المعدة من تأثير الدواء، ويحمي الدواء من حموضة المعدة، مؤكدة أن كسر هذا الغلاف قد يسبب تهيجا أو ضررا صحيا، فضلا عن أن بعض الأقراص قد تكون مؤذية عند لمسها بعد سحقها.

ودعت الصيدلانية إلى ضرورة استشارة الطبيب أو الصيدلي قبل سحق أي دواء، خاصة في حال وجود صعوبة في البلع، مشددة على أهمية مناقشة البدائل الآمنة بدل اللجوء إلى حلول فردية قد تكون خطرة.

وبيّنت أن الصيدلي يمكنه اقتراح خيارات مناسبة، مثل الأدوية السائلة أو الأقراص الأصغر حجما، بما يضمن استمرار العلاج بطريقة صحيحة وآمنة.

وأكدت أنوم في تعليقها على الفيديو أن كثيرين قد يلحقون بأنفسهم ضررا أكبر عندما يعتقدون أنهم توصلوا إلى "حل بسيط"، مشيرة إلى أن تغيير شكل الدواء دون استشارة مختص قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

وكتبت: "قد يبدو سحق الكبسولات أو فتحها حلا سهلا، لكنه قد يسبب مشاكل خطيرة ويقلل من فعالية العلاج. لذلك، تحدث دائما مع الصيدلي أو الطبيب قبل تعديل طريقة تناول أي دواء".

ومن جانبها، شددت هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS) على عدم تغيير شكل الدواء أو طريقة تناوله دون استشارة طبية، محذّرة من أن ذلك قد يؤدي إلى فقدان الدواء لفعاليته.

كما أوصت الهيئة بعدد من الإرشادات لتسهيل بلع الأقراص، من بينها تناولها مع الماء والانحناء قليلا إلى الأمام أثناء البلع، والتدرّب تدريجيا على بلع قطع صغيرة من الطعام حتى تتحسن القدرة على البلع.

رياضة

السّبت 31 يناير 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد هدفه في مرمى الخلود.. كم هدفا يفصل رونالدو عن 1000 هدف في مسيرته الكروية؟

نجح النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو في فك شفرة شباك نادي الخلود بإحراز الهدف الأول في المباراة التي جمعت بينهما في الجولة 19 من الدوري السعودي.

وبعد سنوات طويلة من التألق والنجاح اقترب كريستيانو رونالدو من لحظة تاريخية جديدة في مسيرته الكروية حيث بات على بعد خطوات من الوصول إلى هدفه رقم 1000.

وارتفع رصيد رونالدو مع النصر في دوري المحترفين السعودي إلى 91 هدفا ليصبح بحاجة إلى 9 أهداف فقط لدخول نادي المئة بالدوري.

وصل مجموع أهداف الأسطورة كريستيانو رونالدو في مسيرته الكروية إلى 961 هدفا ليحتاج إلى 39 هدفا إضافيا فقط لتحقيق الرقم التاريخي 1000 هدف.

ويقترب كريستيانو رونالدو من إتمام 41 عاما ولا يزال مرتبطا بعقد مع نادي النصر حتى عام 2027 في وقت يواصل فيه سعيه لحصد الألقاب في المملكة العربية السعودية.

عربي ودولي

السّبت 31 يناير 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

بزشكيان: العدو يسعى لتحويل الاحتجاجات إلى حرب أهلية

ألقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان كلمة بمناسبة "عشرة الفجر" وهي الفترة التي تسبق ذكرى انتصار الثورة الإسلامية، أكد فيها أن "العدو يسعى لتحويل الاحتجاجات إلى حرب أهلية" في إيران.

وفي كلمته، اتهم بزشكيان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والدول الأوروبية بـ"تسليح بعض الأفراد" خلال التطورات الأخيرة.

وأوضح قائلاً: "الجميع يعلم أن ترامب ونتنياهو والأوروبيين قاموا بتسليح أشخاص خلال الأحداث الأخيرة".

وأضاف أنه في "في أي احتجاج اجتماعي، لا يتم حمل السلاح، ولا تُستهدف القوات العسكرية، ولا تُحرق سيارات الإسعاف أو الأسواق".

وشدد "على أن العدو يعمل على تحويل الاحتجاجات إلى حرب أهلية".

من جهة أخرى، أكد الرئيس الإيراني على استعداد حكومته للحوار، قائلاً: "من واجبنا أن نصغي إلى أقوال ومطالب المحتجّين وهمومهم ونعمل على حلّها؛ ونحن مستعدون للاستماع".

عربي ودولي

السّبت 31 يناير 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس

شرطة هونغ كونغ تعتقل 6 أشخاص في قضية سرقة مبالغ طائلة من يابانيين

أفادت مصادر بأن شرطة هونغ كونغ ألقت القبض على ستة أشخاص بتهمة سرقة أموال مواطنين يابانيين.

ووفقًا لوسائل الإعلام المحلية، وصل المواطنان اليابانيان إلى هونغ كونغ صباح يوم الجمعة. وهاجمهما مجهولون لدى نزولهما من سيارة أجرة بالقرب من مكتب صرافة في منطقة شونغ وان، وسرقوا حقيبة ظهر تحتوي على 58 مليون ين (حوالي 380 ألف دولار أمريكي). وأُلقي القبض على المشتبه بهم مساء ذلك اليوم. ثلاثة منهم مواطنون يابانيون.

وتُجري الشرطة اليابانية تحقيقًا في القضية، وتبحث في أي صلة محتملة بسلسلة هجمات وقعت في منطقة طوكيو.

ويوم الخميس، أطلق ثلاثة رجال مجهولين قنابل الغاز المسيل للدموع على مجموعة من خمسة أشخاص في شارع هيغاشي-أوينو بحي تايتو في طوكيو، وسرقوا حقيبة سفر تحتوي على حوالي 2.7 مليون دولار أمريكي نقدًا.

وقع هجوم مماثل يوم الجمعة في موقف سيارات بمطار هانيدا الدولي حيث اقترب أربعة رجال مجهولين بسيارتهم البيضاء من رجل ورشوه بمادة تشبه الغاز المسيل للدموع. كانت سيارته تحتوي على حقيبة سفر تحوي ما يقارب 1.24 مليون دولار نقدًا، لكن المهاجمين فروا قبل أن يتمكنوا من سرقة الأموال.

تحقق الشرطة اليابانية فيما إذا كان الحادثان من تدبير العقل المدبر نفسه، وما إذا كانا مرتبطين بجماعات الجريمة المنظمة. كما يجري التحقيق في وجود صلة محتملة بعملية السطو في هونغ كونغ.

فلسطين

السّبت 31 يناير 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

حركة "فتح" تنفي صلتها بغسان الدهيني وتؤكد أنه لا يمثلها

أصدرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) بيانا رسميا تنفي فيه أي صلة بالمدعو غسان الدهيني، مؤكدة أنه لا يمثل الحركة بأي شكل من الأشكال، واصفة أفعاله بأنها "خيانة لقيمنا وأهدافنا".

وجاء في البيان: "تؤكد حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) أن المدعو غسان الدهيني لا يمت بصلة إلى هذه الحركة العظيمة، ولا يمثل سوى خيانة لقيمنا وأهدافنا. إن ما قام به من أعمال مشينة بحق أبناء شعبنا هي بمثابة عار لا يمكن أن يمحى، وستظل وصمة في تاريخ الشعب الفلسطيني".

وحمل البيان إسرائيل المسؤولية، مشيرا إلى أنه "لن يحميه من العقاب الشعبي، ولن تبرأ يداه من دماء الشهداء والمقاومة". كما وجه تحذيرا صريحا لكل من يتعاون مع الاحتلال، مؤكدا أن "التاريخ لا يرحم العملاء والخونة، وكل من يختار طريق التعاون مع الاحتلال ستظل أفعاله خيانة تنكشف مع مرور الوقت، وسيواجه حساب الشعب الفلسطيني الذي لن ينسى تضحياته من أجل الحرية والكرامة".

وأكدت الحركة في ختام بيانها تمسكها بمسيرة النضال والتضحيات، قائلة: "نؤكد في هذا البيان أن حركة التحرير الوطني الفلسطيني ستبقى وفية لدماء شهدائنا وأسرانا، ولن تتوانى في محاسبة أي من يساهم في إضعاف نضالنا المشروع. الحرية للمقاومة، والعار لكل خائن".

يُذكر أن حركة فتح تُعد أكبر فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وتلعب دورا رئيسيا في المشهد السياسي الفلسطيني، ويأتي هذا البيان في إطار تأكيدها على خطها النضالي ورفضها لأي شكل من أشكال التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي.

وفي وقت سابق يوم الجمعة، نشرت مجموعة مسلحة تنشط في شرق مدينة رفح جنوب قطاع غزة مقطع فيديو يوثق اعتقال قائد ميداني في كتائب القسام، الجناح المسلح لحركة حماس، متوعدا عناصر الحركة بالمزيد من الاعتقالات.

وظهر في المقطع غسان الدهيني، قائد ما يسمى بمجموعة "جهاز مكافحة الإرهاب – القوات الشعبية"، وهي إحدى الميليشيات المسلحة التي تنشط في مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي شرق مدينة رفح، بجوار شخص قال إنه أدهم عطا لله العكر من عناصر حماس.

أعلن الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك)، مساء اليوم الجمعة، اعتقال قائد ميداني في المقاومة الفلسطينية شرق مدينة رفح، وذلك بعد محاولته الخروج من نفق تحت الأرض في المنطقة.

أعلنت ميليشيات يُنظر على نطاق واسع على أن عناصرها عملاء لإسرائيل ويحظون بدعمها، رفضها لأي ترتيبات مدنية أو سياسية ناتجة عن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام في غزة.

فلسطين

السّبت 31 يناير 2026 9:35 صباحًا - بتوقيت القدس

قصف "إسرائيلي" يستهدف شققا سكنية خارج مناطق التوغل في غزة

شنت الطائرات المروحية "الإسرائيلية" غارة على هدف غير معلوم داخل أحياء المدينة.

أفادت طواقم الإسعاف والطوارئ في قطاع غزة، صباح يوم السبت، بسقوط عدد من الشهداء والجرحى جراء سلسلة غارات جوية للاحتلال الإسرائيلي استهدفت شققا سكنية في مناطق مأهولة تقع خارج نطاق انتشار قوات الاحتلال بمدينة غزة.

وتأتي هذه الهجمات في ظل تصعيد ميداني مفاجئ طال أحياء وسط وشرق المدينة، مما أدى إلى حالة من الذعر بين السكان المدنيين.

وبحسب المصادر الطبية، فقد نفذت طائرات الاحتلال غارة مباشرة على شقة سكنية بالقرب من "مفترق العباس" وسط المدينة، مما أسفر عن ارتقاء شهداء ووقوع إصابات نقلت إلى مشفى المعمداني.

وبالتزامن مع ذلك، استهدف الطيران الحربي شقة أخرى بالقرب من "موقف جباليا" شرق مدينة غزة، خلفت عددا من الجرحى وأضرارا مادية جسيمة في المباني المجاورة.

ميدانيا، شنت الطائرات المروحية "الإسرائيلية" غارة على هدف غير معلوم داخل أحياء المدينة، وسط تحليق مكثف للطيران المسؤول عن الاستطلاع.

وفي وسط القطاع، رصد شهود عيان قيام الطيران الحربي الإسرائيلي بإطلاق صاروخين اتجاه مواقع تقع ضمن ما يعرف بـ "الخط الأصفر" شرق مخيمي البريج والمغازي، دون أن يتم التبليغ عن وقوع ضحايا في تلك المنطقة حتى اللحظة.

تأتي هذه الغارات التي طالت العمق السكني لمدينة غزة لتعزز المخاوف من عودة استهداف الشقق المدنية بعيدا عن محاور الاشتباك المباشرة.

وتواصل فرق الدفاع المدني عمليات البحث وإجلاء المصابين من تحت أنقاض المباني المستهدفة، في وقت تحذر فيه المنظمات الحقوقية من تبعات هذا القصف المركز على المناطق المكتظة، والذي يندرج ضمن سلسلة الخروقات المستمرة للتهدئة القائمة.

فلسطين

السّبت 31 يناير 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

أرامل الشهداء في غزة: قرار الزواج بين الوجع والاختيار

في غزة، لا تتخذ القرارات بسهولة، ولا تولد الخيارات حرة.. كل قرار تحمله أرملة شهيد هو قرار مثقل بالفقد، ومحاصر بالظروف، ومحكوم بنظرات المجتمع قبل أن يكون نابعا من القلب. ومن أكثر القضايا حساسية وتعقيدا مسألة زواج أرامل الشهداء بعد استشهاد أزواجهن؛ قضية يختزل فيها الألم أحيانا في سؤال واحد: لماذا ترفض؟ ولماذا تقبل؟ بينما الحقيقة أعمق بكثير.

هناك من ترفض الزواج رفضا قاطعا، لا عن عناد، بل عن وفاء خالص! امرأة ربطت حياتها برجل لم يكن زوجا فحسب، بل وطنا صغيرا، ورفيق حصار، وشريك خوف.. ترفض لأنها ما زالت ترى صورته في تفاصيل البيت، في وجوه أطفالها، في صوته الذي لم يغادر ذاكرتها؛ فهل الوفاء تهمة؟

وهناك من يطرق بابها رجل متزوج فتغلق الباب، لا كبرياء، بل خشية الانكسار. هي لا تريد أن تكون "ضرة"، ولا أن تدخل حياة تقسم فيها المشاعر، ويقسم فيها الوقت والاهتمام، خاصة بعد أن ذاقت الفقد مرة واحدة، ولا تحتمل فقد كرامتها مرة أخرى.

وهناك من ترفض لأنها اختارت أبناءها.. قررت أن تكون الأم والأب، الحنان والصرامة، السند والملجأ. اختارت أن تكرس ما تبقى من عمرها لتربية أطفال فقدوا أباهم؛ فهل تلام امرأة اختارت أبناء الشهيد على نفسها؟

الفقد: بداية متاهة لا تنتهي

تصف أرملة شهيد حالتها بعد استشهاد زوجها بأنها "متاهة وحيرة، وإحساس صعب وصفه"؛ فالفقد لم يكن فقد زوج فقط، بل فقد السند وشريك الحياة دفعة واحدة، دون أي مقدمات. تقول: "الحياة انقلبت رأسا على عقب، أبحث عنه في كل موقف وكل طارئ، في حياة أصبحت أواجهها وحدي". لكن الوجع الأكبر، كما تؤكد، هو السؤال اليومي لطفلتها: "وين بابا؟ بدي ياه.. ليش ربنا أخده؟".. سؤال يتكرر، ولا يملك القلب إجابة تشبه براءة الطفولة.

الزواج بعد الاستشهاد: خيار شخصي تحاصره الظروف

أرملة الشهيد هذه لم يطرح موضوع الزواج عليها بشكل مباشر، لكنه حاضر دائما كفكرة يفرضها الواقع. وهي تؤكد أن قرار الزواج من حيث المبدأ قرار شخصي، إلا أن المجتمع في غزة نادرا ما يتركه كذلك؛ فالقرار تحكمه عوامل كثيرة، منها شخصية المرأة وقابليتها النفسية للفكرة، ووجود الأطفال، ومصير حضانتهم، وضغط الأهل، ونظرة المجتمع للأرملة التي تعيش وحدها.

وتشير إلى أن بعض العائلات قد تنظر إلى الأرملة باعتبارها "عبئا"، ما يخلق ضغوطا خفية أو مباشرة تدفعها نحو القبول، لا عن قناعة بل اضطرارا.

رفض الزواج: وفاء أم هروب؟

هي ترى أن رفض الزواج لا يفهم على حقيقته، لأن كل حالة تختلف عن الأخريات، وتوضح أن أكثر سوء فهم تتعرض له الأرملة هو الاعتقاد بأنها: "تريد التحرر من أي ارتباط، أو العيش بلا قيود"، وهي تؤكد أن هذا تصور ظالم؛ فغالبا ما يكون الرفض مزيجا من الوفاء للزوج الشهيد، والخوف على النفس والأبناء معا، لا تمردا ولا اعتراضا على الواقع.

القبول.. حين يكون الرجل سندا لا عبئا

في حال القبول بالزواج، تختصر أرملة الشهيد الشرط الأساسي بكلمات قليلة: "أن يكون رجلا يخاف الله"! فالسند الحقيقي- كما تقول- هو من يحفظ الأمانة ويكون مصدر أمان، أما العبء الجديد فهو رجل لا يخاف الله في المعاملة، فيتحول إلى هم إضافي بدل أن يكون دعما. وتؤكد أن الظروف الاقتصادية القاسية قد تجبر بعض النساء على هذا القرار، حتى لو لم يكن نابعا من رغبة حقيقية.

الأطفال.. العقدة الأصعب

وجود الأطفال يشكل العامل الأكثر حساسية في قرار الزواج، والسؤال الذي يسبق أي خطوة هو: هل سيسمح لي بالاحتفاظ بأطفالي تحت رعايتي؟ وتؤكد محدثتنا أن المجتمع غالبا يحمّل الأرملة مسؤوليات مضاعفة، دون أن يوفر لها دعما حقيقيا يساعدها على اتخاذ قرار آمن وعادل.

مجتمع يحاكم المرأة في كل الحالات

وصفت لنا نظرة المجتمع بأنها ظالمة ومتناقضة: "إذا تزوجت ولديها أطفال تدان لأنها تركتهم، وإذا عاشت بمفردها تحاكَم بأحكام لا أساس لها". وتضيف القول إن النظرة تتراوح بين الشفقة أحيانا، والاستغلال أحيانا أخرى، وفي كلتا الحالتين تسلب المرأة حقها في أن ترى كإنسانة.

دعوا القرار لها

أرامل الشهداء لسن قضية اجتماعية تناقش من الخارج، ولا أرقاما في تقارير الحرب، بل نساء فقدن السند، ويواجهن الحياة بقلوب مثقلة وظهور مثقلة أكثر.. من اختارت الزواج تستحق الاحترام، ومن اختارت الرفض تستحق الاحترام، ومن ترددت تستحق الدعم لا الضغط.

تختم محدثتنا برسالة واضحة: "أتمنى ألا يحكم أحد على زوجة الشهيد دون أن يكون قد عاش هذه التجربة، لأن من لم يعشها لن يصل ولو لجزء بسيط من هذا الوجع اليومي". في غزة، آخر ما يجب أن يسلب من المرأة الأرملة، هو حق الاختيار.

تحليل

السّبت 31 يناير 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

كتاب "بعد الهمجية": غزة هي "كاشفة الحقيقة" التي فضحت عرقية الغرب

هذا كتاب كبير، ليس المقصود ضخامته أو عدد صفحاته، بل اتساع ما يفكّر فيه، وما يبني عليه من تاريخ، وما يقتبس من تقارير ويتوقّف عنده من قصائد وروايات، وما يحيل إليه من أحداث، وما يدعو إليه. وهو أيضًا حساب فلسفي كان المفكّر الإيراني الأميركي حميد دباشي (ولد عام 1951) فتحه مع الفلسفة الغربية في أعمال سابقة، ولا سيما في كتابه "هل يستطيع غير الأوروبيين التفكير؟"، ويستكمله هنا في عمله الأحدث "بعد الهمجية" (منشورات هايماركت بوكس). موضوع الكتاب هو غزّة، بما هي فاجعة عصرنا، وبما أصبحت تمثله، لدى المؤلف، من شرط معرفي وأرض إبستمولوجية. حين يقول دباشي إن "غزّة تمثّل تحوّلًا إبستيميًا في مستقبلنا المتشكّل"، فإنه يواجه الفكر النقدي الأوروبي بعمائه التاريخي، ومراوغته السياسية، وحدوده العرقية. ذلك التقليد الذي بشّر يومًا بالتحرّر يظهر هنا عاجزًا عجزًا بنيويًا عن مواجهة العنف الاستعماري حين لا يكون أوروبيًا ضد أوروبي.

الأطروحة المركزية في "بعد الهمجية" حاسمة: غير الأوروبيين لا يوجدون بوصفهم بشرًا كاملين داخل المتخيّل الفلسفي الأوروبي. من كانط إلى هيغل، ومن هايدغر إلى هابرماس وأدورنو، يظهر "الآخر" المُعَرْقَن إمّا كضجيج أنطولوجي، أو كتهديد، أو كفكرة أخلاقية مجرّدة، لكنه لا يظهر أبدًا كذات تاريخية. يبني دباشي، أستاذ الأدب المقارن في جامعة كولومبيا، كتابه على مقابلة ما يحدث في الواقع وما تفكّر فيه الفلسفة؛ كأن يفتتح فصل "نظرية غير نقدية" بتقرير المحامية فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة لشؤون فلسطين المحتلة، كتبته بعد الأشهر الخمسة الأولى من الحرب الأخيرة على غزّة، تقرير مفزع تتكثّف فيه لغة القتل والتشويه والتهجير، واستحالة حداد الأحياء على موتاهم.

يقدم دباشي هذا النص كشهادة إنسانية واتهام لعجز النظرية عن التفكير في العنف الاستعماري كبنية لا كاستثناء. وفي قلب هذا الاتهام تقف مدرسة فرانكفورت، وخصوصًا الألمانيان ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، إذ يصبح تمركزهما الأوروبي فضيحة أخلاقية حين يُوضع في سياق اصطفافاتهما السياسية الفعلية. يذكّر دباشي بدفاع أدورنو وهوركهايمر العلني عن العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حين وصفا جمال عبد الناصر بـ"الزعيم القبلي الفاشي"، وصوّرا البلدان العربية بوصفها "دول لصوص" تتربّص بإسرائيل. ويتساءل لماذا يُخصَّص هذا الوصف الإثنوغرافي المُهين لقائد عربي؟ لماذا لم يوصف رموز أوروبا الفاشية بالتعبيرات ذاتها؟ الجواب يكمن في خيال حضاري عنصري لم تغادره النظرية النقدية قط. فالفلاسفة الذين شخّصوا تواطؤ العقل التنويري مع الهيمنة ظلّوا عاجزين عن رؤية الهيمنة الاستعمارية حين وقعت خارج أفقهم الأوروبي، وظلّ "الغرب" مركز التاريخ الذي تُقاس عليه التجارب كلها.

يستعيد دباشي أيضًا حوارًا بين أدورنو وهوركهايمر أثناء صياغة ما سمّياه "البيان الجديد"، يقول أدورنو: "نحن لا نعرف شيئًا عن آسيا"، ويردّ هوركهايمر: "أعتقد أن أوروبا وأميركا هما أفضل الحضارات التي أنتجها التاريخ من حيث العدالة". رأى الاثنان في الحضارة الغربية منتهى العدالة في لحظة كانت فيها العنصرية البنيوية في الولايات المتحدة فاعلة متوحشة، والإمبراطوريات الأوروبية تمارس القتل والنهب والإخضاع في مستعمراتها. المفارقة أن نظرية وُلدت من الشك الراديكالي في الحضارة الغربية تنتهي إلى الدفاع عنها بوصفها ذروة التاريخ.

ما يقدّمه صاحب "ما بعد الاستشراق" ليس قراءة تقول إن هذه الفلسفة فشلت في الارتقاء إلى مُثُلها، ولا دعوة إلى إغنائها بأصوات غير غربية لتصبح كونية بحق إن أطروحة أكثر راديكالية: لقد كان الفكر الأوروبي دومًا وما يزال خطابًا محليًا قبليًا متنكرًا في هيئة كونية إنسانية، فرض نفسه بالغزو والاستعمار والتفوّق العسكري. لهذا يرفض النص لغة النفاق الأكاديمي في تبرير مفكرين مثل يورغن هابرماس. فهابرماس لا يخون التزاماته الفلسفية حين يدافع عن العنف الإسرائيلي؛ إنه يحقّقها ويتّسق معها. تمامًا كما استطاع كانط أن يُقصي قارات كاملة من حيّز العقل، يستطيع هابرماس أن يجعل موت الفلسطينيين مسألة أخلاقية ثانوية من دون تناقض منطقي. العنف هنا لا يكمن في عدم الاتساق، إنما في الاتساق ذاته.

كم كرّست الصناعة الأكاديمية الغربية نفسها لإنقاذ الفلاسفة الأوروبيين من عنصريتهم، وكم مارست من تهرّب فلسفي وأخلاقي وهي تدّعي أهمية التمييز بين "العنصرية" و"التمركز الإثني"! غير أن العنصرية تأسيسية في الفكر الغربي. فلسفة التاريخ الهيغلية، بهرمها الحضاري والعرقي، لا تنفصل عن المعارف الاستعمارية التي راجت عبر تقارير المبشّرين والكتابات الإثنوغرافية. لم يكن هيغل بحاجة إلى كراهية عمياء كي يبرّر الهيمنة؛ لقد عقلنها، وقدّمت فلسفته القواعد المفهومية التي مكّنت العنف الاستعماري من فهم ذاته كضرورة تاريخية. ومعاداة السامية لدى هايدغر، التي طالما جرى التقليل من شأنها بوصفها زلّة شخصية، تظهر هنا جزءًا بنيويًا من نقده للحداثة والديمقراطية.

يقترح الكتاب انقلابًا منهجيًا حاسمًا: بدل الاستمرار في تبرير الفلسفة الأوروبية عبر تأطيرها سياقيًا، يدعونا دباشي إلى أنسنتها أنثروبولوجيًا، أي التعامل معها كرؤية من بين رؤى أخرى، تشكّلت عبر مخاوفها وإقصاءاتها ومصالحها الإمبريالية. وكما حوّل الأنثروبولوجيون الأوروبيون أفريقيا وآسيا والأميركيتين إلى مختبرات للمعرفة العرقية، ينبغي لأقسام الفلسفة اليوم أن تخضع التراث الأوروبي للفحص ذاته.

يستدعي دباشي المفكر الأرجنتيني إنريكي دوسيل (1934-2023) الذي صاغ فلسفة تحرّر تنطلق من مساءلة الشرط التأسيسي الذي جعل الحداثة الأوروبية ممكنة وليس من نقد النتائج وتصحيح الانحرافات. فالحداثة كما يراها دوسيل ليست مشروعًا أخلاقيًا تعثّر الغرب في تطبيقه، إنها نظام تاريخي لم يكن في وسعه أن يتشكّل من دون نزع الإنسانية عن الآخر وتحويله إلى مادة خام للتراكم، سواء الاقتصادي أو المعرفي. بهذا المعنى، يقع الاستعمار في قلب العقل التنويري.

ما يمنح دوسيل فرادته، ويجعل حضوره حاسمًا في نص دباشي، هو إصراره على إعادة توطين الفلسفة أخلاقيًا. فالنظرية التي تبدأ من المركز حتى حين تنتقده تبقى أسيرة أفقه، وتعجز بنيويًا عن رؤية العنف الذي مكّن ذلك المركز من الوجود أصلًا. من هنا تأتي مطالبة دوسيل بقلب الإحداثيات الإبستمولوجية: التفكير ليس "عن" الضحايا، وإنما "من" موقعهم.

في هذا الانقلاب الفلسفي، يُعاد تعريف العقل ذاته ليصير علاقة أخلاقية مشروطة بالمسؤولية تجاه "الآخر المُنتهَك". العقل الذي لا يرى الضحية هو عقلٌ زائف، مهما بلغت درجة تجريده أو أناقته المفهومية. يلتقي هنا النقد الفلسفي مباشرة مع اللاهوت التحرّري: فـ "الآخر المُقصى" بتعبير دوسيل، عن النظرية هو حامل المعنى ومصدر الإلزام في منطق التحرّر، يؤدي وظيفة لاهوتية صريحة، حتى حين تُصاغ بلغة فلسفية علمانية: إنه موقع الوحي الأخلاقي في عالم ما بعد المقدّس.

بهذا المعنى، يظهر لاهوت التحرّر الفلسطيني في قراءة دباشي كتحقيق عملي لما تطالب به فلسفة التحرّر نظريًا. حين يقول القس منذر إسحق إن "الكتاب المقدّس يُسلَّح ضدّنا"، فإنه يعبّر عن صراع معرفي حول من يملك حق تأويل المعنى ذاته. لاهوت الإمبراطورية يحوّل النص المقدّس إلى أداة سيادة، بينما يعيد لاهوت التحرّر ربط المعنى بالجسد المعذّب. ويربط دباشي هذا المنطق اللاهوتي مباشرة بفلسفة دوسيل: فالضحايا، في الحالتين، ليسوا فائضًا عن النظام، إنهم النقطة التي ينهار عندها ادّعاء الغرب فلسفته الكونية، وتنكشف فيها العلاقة العضوية بين المعرفة والسلطة.

لا يسعى هذا اللاهوت إلى تأسيس عقيدة، ولا إلى منافسة اللاهوتيات التقليدية، وإنما إلى استعادة البعد الأخلاقي للفكر من خارج مؤسسات السيادة؛ سواء كانت دينية أو أكاديمية. بهذا التداخل بين الفلسفة واللاهوت، يمنح دوسيل نص دباشي مخرجًا من النقد السلبي إلى أفق تأسيسي جديد. الفلسفة، بعد غزّة، لا يمكنها أن تكتفي بتشخيص الهمجية؛ عليها أن تعيد تعريف نفسها من موقع الجرح. هنا تصير أفقًا يُبنى من الأسفل، من التجربة المشتركة للقهر، وليست هذه كونية "ما بعد غربية"، بل إنها فلسفة كونية مضادّة.

فلسطين

السّبت 31 يناير 2026 9:34 صباحًا - بتوقيت القدس

غزة 2023: الحرب التي كشفت زيف الحضارة الغربية وأعادت تشكيل العالم

عجب الذنب لكوكبنا! دعونا نفترض أن مجموعة من سكان الكواكب الأخرى أرادوا استطلاع أحوال كوكب الأرض، والتعرف على حضارة وثقافة ساكنيه. حطت مركبتهم الفضائية على رمال كوكبنا الأزرق في مطلع عام 2023، وباستخدام كل ما يملكون من تكنولوجيا في البحث والرصد والتحقيق، سيضعون تصورا كاملا لحياة هؤلاء البشر، عالمهم، بلدانهم، مجتمعاتهم، بيئتهم، ثقافتهم، وما يعتقدون فيه.

في البداية، سيتفاجؤون بحجم التلوث والانبعاثات الغازية والمواد الكيميائية التي أنتجتها الحضارة البشرية، فتسببت في اضطراب كبير بنظامهم البيئي، وخلل في توازن مكوناته، وأزمات مناخية عنيفة، بجانب استنزاف الموارد والثروات. سيكتشفون أن سكان الأرض يتوزعون على مساحة ست قارات، و195 دولة، تشكلت حدودها وقوتها بعد حربين عالميتين في أواسط القرن الماضي. إمبراطوريتان عظميان توارتا لتخلفهما دولتان اتحاديتان، سقطت إحداهما في العقد التاسع بالقرن العشرين، وبقيت دولة واحدة تمسك بخيوط السياسة العالمية، وتزداد قوتها وثرواتها عبر الحروب التي تشعلها في المناطق الغنية بالموارد ومصادر الطاقة والثروات.

عدد هؤلاء البشر يناهز الثمانية مليارات إنسان، قرابة 1.5% منهم فقط يستحوذون على حوالي 48% من إجمالي الثروة العالمية، ويتحكمون في كثير من المقدرات. واحد من بين كل ستة أشخاص لا يؤمن بوجود خالق، ولا يعتقد في أي من الأديان. بينما عدد البشر المؤمنين الموحدين بالله لا يزيد عن ربع هؤلاء السكان، يعيش أغلبهم في حالة ضعف وتشرذم وهوان، في أشد المناطق تأزما والتهابا بالصراعات، كثير منهم تحت أنظمة قمعية فاسدة مستبدة. بينما الحضارة المهيمنة على مقاليد السياسة في العالم حضارة غربية مادية رأسمالية متوحشة، تتمدد في قارتي أوروبا وأمريكا الشمالية. حضارة تعتمد على تطور الآلة، وتستثمر في التقدم العلمي، والقوة العسكرية التي تمكنها من استضعاف الشعوب الأخرى واستعمار بلدانهم، واستغلال مواردهم الطبيعية ونهب الثروات.

ولدينا دولة عظمى تتحكم في أغلب المنظمات الأممية والمؤسسات القانونية، وتهيمن على وسائل الإعلام ومنافذ الثقافة وأدوات الترفيه، وتمتلك كبرى الصحف والمواقع الإخبارية وشركات الإنتاج الدرامي، والشاشات والفضائيات. بينما يتحكم في رسم سياساتها جماعات يهودية صهيونية متنفذة، لديها القدرة على إيصال السياسيين بها إلى كافة مراكز ومؤسسات صنع القرار. "لوبي صهيوني" يتحكم في قرارات أقوى دول العالم، ويسير مجريات الأمور بها، ويملك وحده مفاتيح منظومتها الإعلامية الجبارة، ويستخدمون هذا كله لدعم كيانهم الاستعماري، ودولتهم القائمة على الاحتلال وسرقة أراضي الغير. بخلاف دول كبرى ينظر إليها كأقطاب سياسية صاعدة، ذات حضارات مختلفة وتعداد سكاني كبير. يبدو العالم البشري متطورا علميا وتكنولوجيا، لكنه في أسوأ حالاته على المستوى البيئي والإنساني والاجتماعي، وعلى صعيد التحضر والأخلاق والدين.

لكننا، وعلى بعد رمية حجر، عقب شهور قليلة من هذا التاريخ، ستكون أرضنا على موعد مع حدث كبير، حدث سيغير موازين القوى والسياسة العالمية، وسيصنع مشهدا إعلاميا جديدا. إنها حرب طوفان الأقصى التي بدأت بهجوم عسكري في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، شنته المقاومة في فلسطين، فهاجموا عددا من المستوطنات الصهيونية التي تعرف باسم مستوطنات غلاف غزة، فقتلوا وأصابوا وأسروا عددا من الجنود الصهاينة والمستوطنين، وترافق معها ضربات صاروخية لعمق الأراضي المحتلة. فردت عليهم دولة الاحتلال الإسرائيلي بحرب مروعة، وصفتها منظمات أممية بحرب إبادة عرقية هي الأعنف في التاريخ الحديث، ولم يتوقف إطلاق النار بها، رغم الاتفاقيات الموقعة، حتى اليوم.

حرب سيسجلها الباحثون والمؤرخون على كونها واحدة من الأحداث الفاصلة والتحولات الكبرى في التاريخ. ملامح حرب عالمية مكتملة الأركان، لكنها استثنائية في الشكل والتكوين. تحالف يضم سبع دول من أقوى دول العالم اقتصادا وتسليحا ونفوذا، تعهدوا فيها بتقديم الدعم الكامل لإسرائيل بالمال والسلاح والعتاد، والتعاون الأمني والاستخباراتي، والسماح بإرسال الجنود والمحاربين. يقاتلون، على الجانب الآخر، مقاومة شعبية من عدة آلاف من الجنود، ضُرب عليهم حصار خانق منذ 16 عاما، في بقعة جغرافية محدودة، ليست دولة ولا شبه دولة، بل مدينة صغيرة تبلغ مساحتها 360 كيلومترا مربعا. لا تملك جيشا، ولا أسطولا ولا قوة بحرية ولا جوية، ولا تملك طيرانا ولا مطارات ولا كليات عسكرية ولا دبابات، بل كل ما لديها جنود متطوعون، وباحثون سخروا علمهم لخدمة بلادهم، وورش تصنيع أسلحة بدائية بجهود ذاتية داخل أنفاق مظلمة تحت الأرض، تنتج أسلحة خفيفة إلى متوسطة. لكن أعظم ما يملكون هو إيمان راسخ بأن الحياة والأرواح والدماء رخيصة أمام هدف: تحرير الأرض من الاستعمار.

حرب كشفت عن الوجه الحقيقي للحضارة الغربية، وكيف انحازت بشكل سافر لكيان صهيوني إجرامي، قوامه مجموعات يهودية متفرقة تم تجميعها من الشتات، لتسطو على الأرض، وتزور التاريخ، وتمحو هوية المكان، مدعية لنفسها حقوقا كاذبة قائمة على وعود دينية مزعومة. حطمت بها كل ما توصلت إليه البشرية من قوانين دولية ومعاهدات ومواثيق في آخر قرنين من الزمان. فجأة، استيقظ العالم على مشاهد دموية مرعبة، تؤرق العقل، وتعصف بالمنطق، وتقوض الروح. محرقة نازية، ومذابح قادمة من العصور الوسطى، تجري فصولها في عصر التكنولوجيا والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات، ويتم نقل مشاهدها المفزعة على مدار الساعة وعلى الهواء.

صدمة أجبرت جميع شعوب الأرض على إعادة التفكير في كل ما تم استيعابه عبر عقود على أنه حقائق ومفاهيم وبديهيات: العلمانية الغربية، عصر الحداثة، القانون الدولي، المنظمات الأممية، حقوق الإنسان. حرب جعلت العالم ينقسم إلى فريقين كبيرين: فريق يعلي من إنسانيته، ويرفض الظلم، ويدعم أهل غزة، وأغلبه من الشعوب في شتى بقاع الأرض، وفريق آخر يشمل أنظمة سياسية كبرى، وحكومات عميلة، وطغاة ومستبدين، دعموا القتلة وتواطؤوا مع إسرائيل. أما الحلف الذي نشأ بين أوروبا وأمريكا على دعم إسرائيل في حربها الدينية- كما وصفها بكل وضوح عضو الكونغرس الأمريكي ليندسي غراهام- ما لبث أن تهاوى على أعتاب الطمع الأمريكي في الاستيلاء على جزيرة غرينلاند التي تقع تحت حكم الدانمارك. ورأينا أعلى مسؤول سياسي في دولة كندا، رئيس الوزراء، يحدثنا عن انهيار النظام العالمي الحالي، وأننا سنشهد حتما ميلاد نظام عالمي جديد.

شهد العالم حراكا شعبيا واحتجاجات ومظاهرات رافضة للحرب على غزة، لم يشهد مثلها من قبل في التاريخ. انتفضت الجامعات في أغلب دول العالم دعما لغزة وتأييدا لفلسطين. وعلى مدار عامين كاملين، كانت الأحاديث عن حرب غزة تسيطر على الشوارع والميادين في عشرات الدول، وباتت هي الحدث الأبرز الذي تتمحور حوله كلمات المدعوين في الاحتفالات والتكريمات والمهرجانات. ورأينا لأول مرة وسائل إعلام عالمية تتجرأ على انتقاد الصهيونية وإدانة إسرائيل.

أما الهدية الكبرى التي قدمتها غزة لعالمنا البئيس، وسطرتها بدماء أبنائها الأبرار، فهي ملحمة الصبر واليقين، التي أعادت تقديم دين التوحيد على المحجة البيضاء للملايين، فشهدنا أكبر موجة عالمية من الإقبال على دين الإسلام. ورأينا مشاهير ومؤثرين ونشطاء من مختلف بلدان العالم صدموا متابعيهم بالإعلان عن اعتناقهم دين الإسلام، وكشفوا عن السبب الذي دفعهم ليصبحوا مسلمين، فكان انبهارهم بذلك الصبر الأسطوري لأهل غزة على ما لاقوه من أهوال وويلات. وازداد احتقان الشعوب العربية المسلمة في منطقتهم المنكوبة، وسقط النظام السوري المتوحش، وسقطت ورقة التوت عن أنظمة عربية عديدة خذلت أهل غزة وتواطأت عليهم مع إسرائيل. وكأن غزة أحيت النفوس، وأيقظت الضمائر، ومهدت الأرض، وأعادت كتابة التاريخ. وكأن الله قد أراد لها أن تكون عجب الذنَب الذي يحيي به كوكبنا، تلك العظمة الصغيرة في أجساد البشر، وتقع أسفل عمودهم الفقري، والتي لا تبلى بالوفاة، ولا تأكلها الأرض، بل تنتظر مشيئة الله لتنبت منها الحياة من جديد. وقد وصفها نبينا الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، في حديثه في صحيح البخاري قائلا: (ما بين النفختين أربعون، ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل. قال: وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة). فسلام الله عليكم يا أهل غزة، كما أحييتم أرضنا، وغيرتم واقعنا، وصنعتم التاريخ.

فلسطين

السّبت 31 يناير 2026 7:40 صباحًا - بتوقيت القدس

لاءات نتنياهو... محاولة لتأبيد الاحتلال وإجهاض حلم الدولة

د. أحمد رفيق عوض: ما يُطرح ليس سياقاً انتخابياً وفي جوهره يعكس قناعة إسرائيلية راسخة برفض الدولة الفلسطينية وترجمة ذلك عملياً

خليل شاهين: التلاقي الاستراتيجي بين نتنياهو وترمب يتمثل بقطع الطريق على تمكين الفلسطينيين من تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة

د. ولاء قديمات: نتنياهو ملتزم سياسياً بعرقلة قيام الدولة الفلسطينية ضمن استراتيجية ثابتة ترى في قيامها تهديداً مباشراً للمشروع الإسرائيلي

محمد الرجوب: لاءات نتنياهو تشكل أداة لتعطيل "الزمن السياسي" بما يسمح لإسرائيل بفرض الوقائع وإبقاء المجتمع الدولي منشغلاً بإدارة الأزمة

د. أمجد بشكار: تصريحات نتنياهو لا يمكن قراءتها كخارطة طريق حتمية بل كورقة ضغط ورسالة ردع موجهة للفلسطينيين في الدرجة الأولى

سليمان بشارات: نتنياهو يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الزعيم الأكثر تمسكاً بما يسمى "يهودية الدولة" ورفض أي تنازل سياسي للفلسطينيين



رام الله - خاص ب"القدس"- تعود "لاءات" رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى الواجهة مجدداً، بوصفها تعبيراً مكثفاً عن موقف إسرائيلي متجذر يرفض بشكل قاطع قيام دولة فلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، بالتزامن مع رفعه شعار " إسرائيل من النهر إلى البحر".

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أن تصريحات نتنياهو الأخيرة حول رفض الدولة الفلسطينية والتأكيد على احتلال كامل الأراضي الفلسطينية لا تبدو مجرد خطاب سياسي عابر، بل تعكس توجّهاً استراتيجياً راسخاً بات يشكّل أحد أعمدة الإجماع الإسرائيلي، ويتجاوز حدود المناكفات الانتخابية إلى سياسات ممنهجة تُترجم ميدانياً على الأرض.

وتكشف القراءة المتأنية لهذه التصريحات أن "لاءات" نتنياهو لم تعد مقتصرة على تيار إسرائيلي بعينه، بل تحولت إلى قناعة جامعة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، تعززت في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

هذا التحول وفق الكتاب والمحللين والمختصين وأساتذة الجامعات، ترافق مع تآكل فعلي لمسار حل الدولتين، في ظل توسّع استيطاني متسارع في الضفة الغربية، وترتيبات مفروضة في قطاع غزة تهدف إلى إدارة السكان دون منحهم أي أفق سيادي أو سياسي، بما يفرغ فكرة الدولة الفلسطينية من مضمونها.

ويرون أن "لاءات" نتنياهو تؤدي وظائف متعددة؛ فهي أداة لتوحيد الداخل الإسرائيلي وضمان تماسك الائتلاف اليميني، ورسالة ضغط وردع موجهة للفلسطينيين، فضلاً عن كونها ورقة تفاوضية تُستخدم خارجياً تبعاً لموازين القوى، ولا سيما في العلاقة مع الولايات المتحدة، رغم أن هذه "اللاءات" تبقى قابلة للتآكل متى فُرضت كلفة سياسية أو دولية مرتفعة.



إستراتيجية "الإجماع القومي الإسرائيلي"


يرى الكاتب والمحلل السياسي د. أحمد رفيق عوض أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، التي شدد فيها على عدم إقامة دولة فلسطينية وعلى أن "إسرائيل من النهر إلى البحر"، لا يمكن قراءتها بوصفها مواقف انتخابية عابرة، بل تمثل رؤية استراتيجية مبدئية تشكّل جوهر ما يُعرف بـ"الإجماع القومي الإسرائيلي" الذي تبلور منذ نحو عام 2004 مع نهاية عهد أريئيل شارون.

ويوضح عوض أن رفض إقامة دولة فلسطينية لم يعد موقفاً خاصاً باليمين الإسرائيلي، بل بات محل توافق واسع بين مختلف أطياف الأحزاب الإسرائيلية، بما فيها اليسار، وتعزز هذا الإجماع بشكل أكبر بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

ويلفت عوض إلى أن نتنياهو عبّر عن هذه المواقف بصورة متواصلة منذ تسعينيات القرن الماضي، سواء في كتاباته أو في مواقفه السياسية، ولا سيما معارضته الصريحة لاتفاق أوسلو، وسلوكه العملي خلال فترات توليه رئاسة الحكومة حتى اليوم.


قناعة تُترجم ميدانياً


ويبيّن عوض أن ما يُطرح اليوم من تصريحات سياسية يجري في سياق انتخابي، لكنه في جوهره يعكس قناعة إسرائيلية راسخة برفض الدولة الفلسطينية، وهي قناعة تُترجم ميدانياً عبر تفكيك كامل لفكرة إقامة الدولة، من خلال الضم الواسع للضفة الغربية، وفرض ترتيبات في قطاع غزة تُشبه الوصاية الدولية أو الاحتلال المقنّع، إلى جانب تهميش دور السلطة الفلسطينية وإضعافها سياسياً واقتصادياً.

ويشير عوض إلى أن إسرائيل باتت تطرح بدائل جديدة لإدارة شؤون الفلسطينيين، مثل الحكم الذاتي أو الحكم العشائري أو الإداري، معتبراً أن الأخطر من ذلك هو التحول في الموقف الأمريكي، إذ لم تعد الإدارات الأمريكية، بما فيها الحالية، متمسكة بحل الدولتين باعتباره الخيار الوحيد.


التخلي الأمريكي والأوروبي عن حل الدولتين


ويلفت عوض إلى أن إدارة ترمب أعلنت صراحة أنها لا ترى في حل الدولتين السيناريو الأوحد، وهو ما انعكس في عدم تفاوضها مع السلطة الفلسطينية، وعدم الاعتراف بها، والإبقاء على نقل السفارة الأمريكية إلى القدس بعد ضمها، في خطوة تعزز الرؤية الإسرائيلية.

ويشير عوض إلى أن هذا التراجع لا يقتصر على الولايات المتحدة، بل يمتد إلى الاتحاد الأوروبي الذي لم يعد يرى في حل الدولتين الشكل الأمثل للحل، وبدأ بفرض شروط تعجيزية على السلطة الفلسطينية تحت عنوان الإصلاح، كما دعم قرارات دولية لا تتضمن نصاً صريحاً بشأن إقامة دولة فلسطينية.

ويرى عوض أن حل الدولتين جرى التخلي عنه عملياً بعد ثلاثة عقود من المماطلة والتسويف منذ عام 1994، مؤكداً أن أحداً لم يعمل بجدية لإنجازه، سواء على الصعيد الدولي أو العربي والإسلامي، ما استدعى البحث عن خيارات وحلول سياسية أخرى في ظل سقوط هذا المسار بشكل كامل.


قناعات أيديولوجية راسخة


يؤكد الكاتب والمحلل السياسي خليل شاهين أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الرافضة لإقامة دولة فلسطينية لا تمثل موقفاً جديداً، بل هي إعادة تأكيد لموقف تاريخي عبّر عنه مراراً، بل وتفاخر سابقاً بأن له الفضل في منع قيام دولة فلسطينية مستقلة. ويوضح شاهين أن هذا الرفض لا يرتبط فقط بحسابات انتخابية آنية، رغم حضورها، وإنما يستند بالأساس إلى قناعات أيديولوجية راسخة تبناها نتنياهو منذ معارضته لاتفاق أوسلو وخطة الانسحاب وإعادة الانتشار من قطاع غزة.

ويبيّن شاهين أن نتنياهو يستند في هذا الموقف إلى قاعدة إسرائيلية واسعة، تعززت بشكل خاص بعد السابع من أكتوبر / تشرين الأول 2023، مشيراً إلى أن هذا التوجه تُرجم عملياً بقرارات رسمية، أبرزها قرار الكنيست في يوليو/ تموز 2024، الذي صوّت عليه 68 عضواً، واعتبر قيام دولة فلسطينية "تهديداً وجودياً" لإسرائيل، ورفض أي مسار سياسي تفاوضي مرتبط بإقامة الدولة الفلسطينية.

ويلفت شاهين إلى أن هذا القرار جاء في عهد إدارة بايدن وقبل عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، ما يعكس إجماعاً إسرائيلياً عابراً للائتلاف والمعارضة.

ويشير شاهين إلى أن خطورة هذا القرار لا تكمن فقط في مضمونه، بل في حجم التأييد الذي حظي به، إذ لم يقتصر على أحزاب الائتلاف، بل دعمته قوى من المعارضة، وعلى رأسها حزب غانتس، فيما انسحبت أحزاب أخرى مثل "يش عتيد" و"العمل" من الجلسة، وامتنع معظمها عن التصويت ضد القرار، بينما لم يعارضه سوى تسعة أعضاء كنيست، ما يؤكد وجود شبه إجماع إسرائيلي على رفض الدولة الفلسطينية.

ويؤكد شاهين أن التركيز على تصريحات نتنياهو وحدها يغفل جوهر السياسات الجارية على الأرض، والتي تستهدف تقويض أي فرصة لقيام دولة فلسطينية، بل وتعمل على إضعاف السلطة الفلسطينية وتحويلها تدريجياً إلى ما يشبه "اتحاد بلديات" في الضفة الغربية، في وقت ترفض فيه إسرائيل عودة السلطة إلى قطاع غزة بأي صيغة.


تفتيت الكيانية السياسية الفلسطينية


ويعتبر شاهين أن المخطط الإسرائيلي، المتناغم في جوانب منه مع الطروحات الأمريكية، يهدف إلى تفتيت الكيانية السياسية الفلسطينية، سواء عبر تعميق الانقسام بين الضفة وغزة، أو عبر تفكيك السلطة المركزية في الضفة نفسها.

ويوضح شاهين أن نتنياهو تبنى منذ سنوات استراتيجية تقوم على تعزيز الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ماضٍ في تعميق هذا الفصل، مع السعي لإضعاف السلطة في الضفة، وربما استلهام نماذج إدارة بديلة، مثل لجان تكنوقراط أو إدارات محلية قائمة على العشائر والعائلات، في إطار مشاريع جرى تداولها إسرائيلياً، من بينها ما يُعرف بخطة "الإمارات السبع" في الضفة الغربية.

وفي ما يتعلق بقطاع غزة، يرى شاهين أن ما يُعرف بخطة "العشرين بنداً" التي طرحها الرئيس ترمب تتقاطع إلى حد بعيد مع رؤية نتنياهو، إذ لا تقدم التزاماً واضحاً بقيام دولة فلسطينية، بل تتعامل مع ذلك كاحتمال مؤجل مرتبط بمفاوضات طويلة، بعد استكمال إعادة إعمار غزة وفق نموذج اقتصادي استثماري. ويشير شاهين إلى أن هذه الخطة، كما الخطط الاقتصادية التي تحدث عنها اقتصاديون أمريكيون، تتجاهل حق تقرير المصير، وتسعى لتحويل غزة إلى منطقة استثمار طويلة الأمد، مع تغييب البعد السياسي والوطني للقضية الفلسطينية.

ويؤكد شاهين أن هذه الطروحات تقوم على نزع الملكية الخاصة، وفتح المجال أمام استثمارات بعقود طويلة قد تمتد لعقود، مع تهجير أعداد كبيرة من سكان القطاع، وهو ما وصفه بعض واضعي هذه الخطط أنفسهم بأنه يحمل طابعاً استعمارياً.

ويلفت شاهين إلى أن هذه النماذج طُرحت أيضاً كقابلة للتطبيق في الضفة الغربية، عبر مقاربات اقتصادية تفصل الفلسطينيين عن مشروعهم الوطني.

ويؤكد شاهين أن التلاقي الاستراتيجي بين حكومة نتنياهو وإدارة ترمب يتمثل في قطع الطريق على تمكين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة، بما يشمل القدس الشرقية، حتى وإن وُجدت تباينات تكتيكية حول سرعة التنفيذ وإيقاعه، خاصة في قطاع غزة.


وقائع تقضي على مشروع الدولة الفلسطينية


ويوضح شاهين أن نتنياهو يوظف هذا التشدد أيضاً في سياق البازار الانتخابي الإسرائيلي، سعياً للحفاظ على تماسك ائتلافه في ظل أزمات داخلية تتعلق بالموازنة وقانون التجنيد، ولتفادي الضغوط المتزايدة لتشكيل لجنة تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر 2023.

ويشدد شاهين على أن ما يجري على الأرض من توسع استيطاني، وهدم، واعتداءات للمستوطنين، وتصعيد أمني متواصل، يعكس سياسة ممنهجة تتجاوز الخطاب، وتهدف إلى فرض وقائع نهائية تقضي عملياً على مشروع الدولة الفلسطينية.


تقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية


تشدد الكاتبة والباحثة السياسية د. ولاء قديمات على أن الدولة الفلسطينية تمثل استحقاقاً سياسياً وتاريخياً للشعب الفلسطيني وليست منحة من أي طرف، معتبرة أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الأخيرة تأتي في سياق ترجمة عملية للسياسات التي انتهجتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بهدف تقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وتوضح قديمات أن نتنياهو ملتزم سياسياً وبشكل واضح بعرقلة قيام الدولة الفلسطينية، وأن موقفه لا يُعدّ ظرفياً أو مرتبطاً بمرحلة معينة، بل يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية ثابتة ترى في قيام دولة فلسطينية تهديداً مباشراً للمشروع الإسرائيلي في المنطقة، وفق الرؤية الأيديولوجية لتياره السياسي.

وتشير قديمات إلى أن هذا الالتزام يظهر في مختلف السياسات الإسرائيلية التي تعمل على إضعاف مقومات الدولة الفلسطينية على المستويات الجغرافية والسياسية والاقتصادية.


الدفع باتجاه التطبيع دون أثمان سياسية


وتبيّن قديمات أن نتنياهو يوظف مجمل التطورات الجارية على الساحتين الإقليمية والدولية من أجل الدفع باتجاه تطبيع دون شروط، ولا سيما تجاوز شرط إقامة الدولة الفلسطينية مقابل التطبيع، مشيرة إلى أن محاولاته المتواصلة لاستثمار المتغيرات الإقليمية تعكس سعياً إسرائيلياً لفرض وقائع سياسية جديدة تتجاهل الحقوق الوطنية الفلسطينية.


خلق ظروف لاستحالة إقامة الدولة الفلسطينية


وتوضح قديمات أن المشروع الفلسطيني يُقرأ داخل إسرائيل على أنه تقويض مباشر للمشروع الصهيوني، ما يدفع الحكومات الإسرائيلية إلى تكريس جهودها لخلق ظروف تجعل إقامة الدولة الفلسطينية أمراً مستحيلاً، سواء من خلال تفتيت الجغرافيا الفلسطينية أو إضعاف البنية السياسية والمؤسسية الفلسطينية.

وتؤكد قديمات أن إسرائيل تسعى أيضاً إلى تكريس واقع فلسطيني عاجز عن إنجاز مشروع الدولة على المستويات الفلسطينية والإقليمية والدولية، بما يحول دون نيل الاعتراف والسيادة الكاملة.


الدولة وثمرة النضال الطويل


وتشدد قديمات على أن على الفلسطينيين إدراك أن الدولة الفلسطينية هي ثمرة نضال طويل وتضحيات جسيمة، وليست منحة تُمنح في سياق تسويات سياسية.

وتؤكد قديمات ضرورة وعي القيادة الفلسطينية للمخاطر التي تهدد مشروع الدولة، محذّرة من أن أي حديث عن قيام دولة في قطاع غزة بمعزل عن باقي الأراضي الفلسطينية من شأنه أن يشكل تقويضاً خطيراً لاستحقاقات الشعب الفلسطيني ووحدته الوطنية.


دعاية انتخابية واستراتيجية محسوبة


يوضح الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المتكررة بشأن رفض إقامة دولة فلسطينية، ورفعه لشعار "إسرائيل من النهر إلى البحر"، لا يمكن فهمها في إطار واحد، بل تجمع بين كونها دعاية انتخابية موجهة للداخل الإسرائيلي، واستراتيجية سياسية محسوبة تهدف إلى إدارة الصراع مع الفلسطينيين وليس حله.

ويوضح الرجوب أن خطاب نتنياهو، الذي يقوم على ترديد "لاءات" مثل لا دولة فلسطينية ولا انسحاب، يبدو ظاهرياً كإعلان موقف نهائي، إلا أن قراءة تجربة نتنياهو السياسية وسياق تصريحاته تكشف أن الأمر لا يتعلق بعقيدة جامدة بقدر ما هو لغة سياسية وظيفية تُستخدم بمرونة تبعاً لموازين القوى، خاصة في العلاقة مع الولايات المتحدة.

ويشير الرجوب إلى أن هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن البيئة الداخلية الإسرائيلية، حيث يقود نتنياهو ائتلافاً هشاً قائماً على تحالف اليمين القومي والديني والتيارات الأكثر تطرفاً.


خطاب تعبوي إسرائيلي


ويلفت الرجوب إلى أن هذه القاعدة السياسية لا تطلب حلولاً سياسية بقدر ما تطلب طمأنة أيديولوجية مستمرة، وهو ما يحرص نتنياهو على تقديمه عبر خطاب تعبوي يؤكد ثوابت المشروع الصهيوني ويعيد إنتاج شعور التفوق والهيمنة الإسرائيلية.

ويبيّن الرجوب أن شعار "إسرائيل من النهر إلى البحر" لا يُطرح كمشروع قانوني أو تصور دستوري لدولة واحدة، بل كشعار تعبوي يهدف إلى شحن الوعي الجمعي اليميني، وإغلاق الباب أمام أي نقاش نظري حول الدولة الفلسطينية، حتى قبل الدخول في تفاصيل الحلول السياسية.

ويؤكد الرجوب أن الخطورة الحقيقية في هذا الخطاب تكمن في كونه يعكس استراتيجية إدارة الصراع لا حله، حيث لم يقدم نتنياهو، رغم سنوات حكمه الطويلة، تصوراً متكاملاً للتسوية، كما لم يذهب إلى الضم الكامل، بل حافظ على منطقة رمادية تُبقي الفلسطينيين في حالة "لا دولة ولا حقوق سيادية"، مع إدارة أمنية واقتصادية تمنع الانفجار دون فتح أفق سياسي.


أداة لتعطيل "الزمن السياسي"


ويرى الرجوب أن لاءات نتنياهو تشكل أداة لتعطيل "الزمن السياسي"، بما يسمح لإسرائيل بتوسيع الاستيطان وفرض وقائع ميدانية وجغرافية وديمغرافية جديدة، بينما يبقى المجتمع الدولي منشغلاً بإدارة الأزمة بدلاً من حلها.

ويشير الرجوب إلى تناقض جوهري في سلوك نتنياهو، يتمثل في التصلب الخطابي مقابل المرونة العملية عند توافر ضغط أمريكي حقيقي، مستشهداً بتفاهمات التهدئة والترتيبات الأمنية السابقة.

ويعتبر الرجوب أن هذا التناقض ليس ضعفاً، بل أسلوب حكم يعتمد إعلان الرفض علناً، وتمرير التراجعات بصيغ أمنية أو مؤقتة.

ويؤكد الرجوب أن تصريحات نتنياهو لا تمثل مواقف نهائية بقدر ما هي سقف تفاوضي متحرك، يتحول إلى سياسة أمر واقع عند غياب الإرادة الأمريكية، ويُعاد تدويره كأداة دعاية داخلية واستراتيجية أعمق لمنع قيام دولة فلسطينية، رغم قابليته للسقوط كلما تغيرت موازين القوى.


حمولة سياسية أعلى


يرى أستاذ العلوم السياسية د. أمجد بشكار أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الرافضة لإقامة دولة فلسطينية، ورفعه شعار "إسرائيل من النهر إلى البحر"، ليست جديدة في مضمونها، لكنها تحمل في الظرف الراهن حمولة سياسية أعلى، ويمكن فهمها ضمن ثلاثة مستويات رئيسية: داخلي، وخارجي، وأيديولوجي.

ويوضح بشكار أن المستوى الأول هو المستوى الداخلي الإسرائيلي، حيث تندرج هذه التصريحات في إطار دعاية انتخابية واضحة، وإن جاءت مغلفة بخطاب أيديولوجي.

ويبيّن بشكار أن نتنياهو يخاطب من خلال تصريحاته قاعدته الصلبة من اليمين الإسرائيلي والمستوطنين، إضافة إلى حلفائه من الأحزاب اليمينية المتطرفة، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.

ويعتبر بشكار أن شعار "إسرائيل من النهر إلى البحر" لا يشكل خطة تنفيذية بقدر ما هو تأكيد على هوية نتنياهو السياسية ورسالة يقدم فيها نفسه كـ"الضامن الحقيقي للمشروع الصهيوني الكامل".

ويؤكد بشكار أن نتنياهو اعتاد، في أوقات الأزمات السياسية أو القضائية أو خلال الحروب والاحتجاجات، اللجوء إلى تشديد الخطاب الأيديولوجي من أجل توحيد قاعدته ومنع تآكلها.


أداة تفاوض وضغط


وعلى المستوى الخارجي، يشير بشكار إلى أن هذه التصريحات تمثل أداة تفاوض وضغط، وليست إعلاناً سياسياً نهائياً.

ويلفت بشكار إلى أن نتنياهو تاريخياً يرفع سقف خطابه الأيديولوجي ثم يبدأ بالتراجع التدريجي عندما يُفرض عليه ميزان قوى أقوى منه، سواء بفعل ضغوط دولية أو أمريكية.

وبناءً على ذلك، يرى بشكار أن تصريحات نتنياهو لا يمكن قراءتها كخارطة طريق حتمية، بل كورقة ضغط ورسالة ردع موجهة للفلسطينيين بالدرجة الأولى.

أما على المستوى الأيديولوجي، يؤكد بشكار أن اعتراف نتنياهو بدولة فلسطينية يعني عملياً نهاية مشروعه السياسي، ليس فقط بالنسبة له شخصياً، بل أيضاً بالنسبة لحلفائه داخل اليمين الإسرائيلي.

ويشدد بشكار على أن نتنياهو، حتى لو قبل بتسويات معينة على أرض الواقع، لا يستطيع الإعلان عنها صراحة، لأن ذلك سيؤدي إلى خسارته لتحالفاته السياسية.


سقوط اللاءات أمام الإرادة الأمريكية


ويعتقد بشكار أن إمكانية قيام دولة فلسطينية في المرحلة الراهنة غير واقعي، في ظل التوسع الاستيطاني الكبير منذ عام 2017، والذي التهم مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية، إضافة إلى التقسيم الجغرافي المتفاقم في قطاع غزة.

ويوضح بشكل أن "اللاءات" التي يطلقها نتنياهو تسقط فقط عندما تتوفر إرادة أمريكية واضحة أو عندما تصبح كلفة استمرار الرفض عالية على إسرائيل.

ويؤكد بشكار أن نتنياهو يسعى دائماً إلى مخرج سياسي "يحفظ ماء الوجه"، مشيراً إلى أن ملفات حساسة عدة، مثل الاستيطان، والتهدئة، والتنسيق الأمني، والضرائب، شهدت تراجعات فعلية رغم الخطاب المتشدد.

ويشير بشكار إلى أن نتنياهو يرفع سقف خطابه بالرفض عندما يشعر بأن ميزان القوى يميل مؤقتاً لصالحه، لكن هذه "اللاءات" سرعان ما تبقى في الإعلام فقط، وتُفرغ من مضمونها على أرض الواقع إذا تغيّر الموقف الأمريكي.


وأد قيام الدولة الفلسطينية مستقبلاً


يوضح الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن تصريحات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الأخيرة، لا سيما المتعلقة برفض إقامة دولة فلسطينية سواء في الضفة الغربية أو قطاع غزة، تعبّر بوضوح عن جوهر الهدف الاستراتيجي للسلوك الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، وتكشف عن عقلية راسخة تعمل على وأد أي إمكانية مستقبلية لقيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967.

ويشير بشارات إلى أن نتنياهو عندما قال: "إن إقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة لم تحدث ولن تحدث"، فإنه لم يكن يعبّر عن موقف ظرفي أو تكتيكي، بل عن رؤية استراتيجية متكاملة تقوم على ترسيخ قناعة إسرائيلية مفادها باستحالة قيام دولة فلسطينية في أي جزء من الأرض الفلسطينية، سواء في الضفة الغربية أو غزة.

ويؤكد بشارات أن السلوك الإسرائيلي الميداني والسياسي ينسجم مع هذه الرؤية، عبر سياسات القضم والاستيطان والحصار واستخدام القوة المفرطة.


الزعيم الأكثر تمسكاً ب"يهودية الدولة"


ويبيّن بشارات أن نتنياهو يستثمر هذا الخطاب في بعدين أساسيين، أولهما البعد الداخلي الإسرائيلي، حيث يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الزعيم الأكثر تمسكاً بما يسمى "يهودية الدولة" ورفض أي تنازل سياسي للفلسطينيين، في محاولة لكسب ودّ الشارع الإسرائيلي والتيار اليميني المتطرف، وتهيئة الأرضية لإعادة انتخابه في حال التوجه إلى انتخابات مبكرة، مرجحاً أن يكون ذلك في أكتوبر / تشرين الأول المقبل.


رسائل إقليمية ودولية


أما البعد الثاني، وفق بشارات، فيتعلق بالرسائل الإقليمية والدولية، إذ يؤكد نتنياهو من خلالها أن إسرائيل غير مستعدة لمقايضة مستقبل الدولة الفلسطينية بأي ملفات أخرى، بما في ذلك مسار التطبيع واتفاقيات "أبراهام".

ويعتبر بشارات أن حديث نتنياهو عن إمكانية انضمام دول جديدة لهذه الاتفاقيات، وتحديداً في ظل الشروط التي تطرحها المملكة العربية السعودية، يهدف إلى تجاوز المسألة الفلسطينية، والتأسيس لمرحلة إقليمية جديدة تُهمَّش فيها الحقوق الفلسطينية.



توافق أمريكي إسرائيلي حول الصراع


وفي ما يخص الموقف الأمريكي، يرى بشارات أن هناك توافقاً إسرائيلياً–أمريكياً حول جوهر الصراع واستراتيجيته، حيث توفر الولايات المتحدة غطاءً سياسياً ودعماً عسكرياً للسلوك الإسرائيلي، لكنها تختلف مع تل أبيب في طبيعة الأدوات.

ويشير بشارات إلى أن واشنطن تفضّل استخدام المسار السياسي والضغوط غير المباشرة لدفع الفلسطينيين إلى القبول بالواقع القائم، بينما تميل إسرائيل إلى خيار الحسم بالقوة واستخدام فائض القوة العسكرية.

ويرى بشارات أن هذا التباين يبرز في ملفات مثل إعمار غزة وسلاح المقاومة والانسحاب من القطاع، حيث تسعى الإدارة الأمريكية إلى الربط بين الإغراءات السياسية وإعادة الإعمار وبين نزع السلاح، في حين ترى إسرائيل أن القوة المباشرة هي الطريق الأنجع لتحقيق أهدافها.

ويؤكد بشارات خطورة التبني الأمريكي للرؤية الإسرائيلية، محذراً من أن فشل المسار السياسي قد يدفع واشنطن إلى منح إسرائيل تفويضاً أوسع لاستخدام القوة، في ظل النفوذ الإسرائيلي القوي داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، ما يعني استمرار المشروع الاستعماري الإسرائيلي الذي بدأ منذ عام 1948 وحتى اليوم.

عربي ودولي

السّبت 31 يناير 2026 7:33 صباحًا - بتوقيت القدس

وهم الضربة الحاسمة: كيف تعيد السياسة الأميركية إنتاج أزمات الخليج في ملف إيران

تحليل إخباري

تُظهر الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس دونالد ترمب هذا الأسبوع على المملكة العربية السعودية لدعم عمل عسكري ضد إيران إصرارًا أميركيًا متجددًا على مقاربة إقليمية أثبتت فشلها مرارًا: تحويل التفوق العسكري إلى أداة لإعادة هندسة التوازنات السياسية. فبدل قراءة التحولات العميقة في حسابات الحلفاء الخليجيين، تتعامل واشنطن مع المنطقة وكأنها ما زالت ساحة طيّعة يمكن إدارتها بالردع القسري والضربات المحدودة.

تنطلق المقاربة الأميركية من افتراض أن إيران تمرّ بلحظة ضعف بنيوي بعد الضربات التي استهدفتها في عام 2025، وأن هذه اللحظة تمثل "نافذة إستراتيجية" ينبغي استغلالها قبل أن تُعيد طهران ترميم قدراتها. غير أن هذا التفكير يعكس قصورًا في فهم طبيعة الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط، حيث لا تُحسم المواجهات بتدمير الأهداف العسكرية فحسب، بل بقدرة الأطراف على امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج أدوات الردع بوسائل أقل كلفة وأكثر مرونة.

في هذا السياق، بدت زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى واشنطن أقرب إلى اختبار صريح لحدود النفوذ الأميركي على حلفائه. فالعروض التي قدّمتها إدارة ترمب، والمتمثلة في "ضمانات أمنية" بعيدة المدى، اصطدمت بسجل أميركي مثقل بالتعهدات غير المكتملة. تجربة هجوم "أرامكو" عام 2019 ما زالت حاضرة بقوة في الوعي السعودي، ليس بوصفها إخفاقًا أمنيًا فحسب، بل كنقطة مفصلية كشفت حدود الاستجابة الأميركية حين تتعارض الأولويات الإستراتيجية مع كلفة المواجهة المباشرة.

ما تتجاهله واشنطن، أو تتغاضى عنه عمدًا، هو أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى إيران من منظور الصدام الصفري. فبعد سنوات من الاستنزاف، توصّلت هذه الدول إلى معادلة توازن عملي، تسمح بإدارة الخلاف مع طهران دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذا التوازن، رغم هشاشته، مكّن العواصم الخليجية من تقليص المخاطر على أمن الطاقة، وضبط ساحات الاشتباك غير المباشر، لا سيما في اليمن والممرات البحرية.

في المقابل، تواصل الولايات المتحدة الاستثمار في منطق القوة العسكرية بوصفه بديلًا عن الإستراتيجية السياسية. فالحشود العسكرية، من حاملات الطائرات إلى منظومات الدفاع الجوي والتمركز الجوي في الأردن، قد تمنح واشنطن قدرة تنفيذية عالية، لكنها لا توفّر إجابة عن سؤال ما بعد الضربة. بل إن هذا الحشد يعمّق المخاوف الخليجية من أن تجد نفسها في قلب صراع لم تكن شريكًا في قراره، لكنها ستكون أول من يدفع ثمنه.

إيران، من جانبها، تُحسن استغلال هذا التناقض. فإعلانات المناورات العسكرية في مضيق هرمز، والتلويح بورقة الوكلاء في البحر الأحمر، ليست سوى أدوات ردع نفسية وسياسية تستهدف الحلفاء قبل الخصوم. الرسالة الإيرانية واضحة: أي ضربة أميركية ستُترجم إلى عدم استقرار طويل الأمد، وليس إلى "نهاية نظيفة" كما توحي الخطابات الأميركية.

الأخطر في المقاربة الأميركية الحالية أنها تفترض قابلية التحكم في التصعيد، وكأن المنطقة لم تختبر من قبل منطق "الانزلاق غير المقصود". فالتاريخ القريب، من العراق إلى أفغانستان، يقدّم أمثلة صارخة على كيف تحوّلت العمليات "المحدودة" إلى مستنقعات استراتيجية. ومع ذلك، تواصل واشنطن التعاطي مع الخليج بوصفه هامشًا يمكن التضحية باستقراره مقابل مكاسب ردعية قصيرة الأجل.

في المحصلة، لا يكمن الخلاف بين واشنطن والرياض في درجة العداء لإيران، بل في تعريف الأمن ذاته. فبينما تختزل السياسة الأميركية الأمن في إضعاف الخصم عسكريًا، تربطه دول الخليج بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي واستدامة الدولة. هذا التناقض يجعل الضغوط الأميركية ليست فقط غير واقعية، بل محفوفة بخطر إعادة إنتاج الأزمات التي تدّعي السعي إلى حلّها.

وتعكس السياسة الأميركية تجاه إيران نزعة مزمنة لتفضيل الأدوات العسكرية على الحلول السياسية، حتى حين تُظهر الوقائع محدودية هذا الخيار. فالإصرار على اختبار القوة، بدل الاستثمار في إدارة التوازنات، يكشف عقلية إستراتيجية قصيرة النفس، تتجاهل كلفة الارتدادات الإقليمية. في هذا السياق، لا يبدو الرفض الخليجي للحرب موقفًا دفاعيًا، بل قراءة أكثر واقعية لتعقيدات الصراع.

وتكمن خطورة المقاربة الأميركية في افتراض أن الحلفاء سيصطفون تلقائيًا خلف القرار العسكري. غير أن دول الخليج باتت أكثر استقلالية في حساباتها، وأقل استعدادًا لتحمّل كلفة خيارات لم تكن شريكًا في صياغتها. هذا التحوّل يضع واشنطن أمام مأزق استراتيجي: إما مراجعة سياستها، أو المخاطرة بتآكل نفوذها في أكثر مناطق العالم حساسية.

فلسطين

السّبت 31 يناير 2026 7:31 صباحًا - بتوقيت القدس

إعادة فتح معبر رفح: انفراجة إنسانية مشروطة أم إعادة إنتاج للسيطرة الإسرائيلية؟!

تحليل إخباري

أعلنت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، عبر منسق أعمال الحكومه، التوصل إلى صيغة لإعادة فتح معبر رفح الحدودي اعتبارًا من صباح يوم الاثنين ، في خطوة بدت للوهلة الأولى استجابة لضغوط إنسانية متراكمة، لكنها سرعان ما تكشف، عند التدقيق، عن نمط إسرائيلي مألوف يقوم على منح التسهيلات بيد، وسحب جوهرها باليد الأخرى. فإعادة الفتح المعلنة لا تتجاوز كونها فتحًا جزئيًا ومقيّدًا، يقتصر على حركة الأشخاص فقط، ويخضع لرقابة أمنية إسرائيلية مباشرة، ما يُفرغ الإجراء من مضمونه السيادي والإنساني.

وبحسب الإعلان، فإن عمليات الدخول والخروج ستتم وفق آلية تنسيق دقيقة مع الجانب المصري، مع إسناد مهام الإشراف الميداني إلى طرف أوروبي. غير أن هذا الغلاف "الدولي" لا يغيّر من حقيقة أن القرار النهائي يظل بيد الاحتلال، الذي اشترط موافقة أمنية مسبقة على كل حالة عبور. هكذا، يتحول المعبر من بوابة سيادية فلسطينية–مصرية إلى نقطة فحص أمني متقدمة تخضع للإرادة العسكرية الإسرائيلية، ولو جرى ذلك بوساطة أطراف ثالثة.

وفيما تسمح الترتيبات بعودة فلسطينيين من مصر إلى قطاع غزة، خاصة ممن غادروه خلال الحرب، فإن هذه العودة مشروطة بسلسلة من إجراءات "التدقيق الإسرائيلي" الصارمة. وتُقدَّم هذه الإجراءات، كالعادة، تحت ذريعة "منع التهديدات الأمنية"، وهي ذريعة فضفاضة استخدمها الاحتلال تاريخيًا لتكريس سياسة العقاب الجماعي، وإدامة التحكم بحركة السكان، وتحويل الحق الطبيعي في التنقل إلى امتياز أمني قابل للمنح أو المنع.

تأتي هذه الخطوة في سياق ضغوط دبلوماسية تقودها الإدارة الأميركية، حيث تسعى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تسويق ما تسميه "حلولًا لوجستية" تخفف من حدة الكارثة الإنسانية في غزة، دون الاقتراب من جذور الأزمة أو المساس بتفوق الاحتلال الأمني. فالمطلوب أميركيًا ليس إنهاء الحصار، بل إعادة تنظيمه بصورة أقل فجاجة، وأكثر قابلية للتسويق السياسي والإعلامي.

ويرى ترمب أن إخضاع معابر غزة لإشراف دولي، وخصوصًا أوروبي، يندرج ضمن صفقة أوسع تستهدف تقليص نفوذ الفصائل الفلسطينية، وتعزيز منظومة الرقابة على حركة الأفراد، بما يحوّل المعابر إلى أدوات ضبط أمني لا إلى شرايين حياة. وفي هذا الإطار، يُقدَّم التنسيق المصري–الأميركي كعامل حاسم في "انتزاع" القرار، لكنه في جوهره يعكس ضغوطًا مركبة تُمارَس على القاهرة لإدارة الملف بما يراعي أولويات واشنطن وتل أبيب أكثر مما يستجيب للحقوق الفلسطينية.

وفي هذا السياق، لا بد من تسليط الضوء على النقاط الخمس التالية:

1. المراوغة الإسرائيلية بصيغة إنسانية: تعكس إعادة فتح معبر رفح المحدودة نموذجًا إسرائيليًا متكررًا يقوم على الالتفاف على الضغوط الدولية عبر خطوات شكلية. فالاحتلال لا يرفض التسهيلات علنًا، لكنه يعيد تعريفها بطريقة تُبقي السيطرة بيده. استخدام العناوين الإنسانية لإخفاء جوهر أمني–عسكري هو جزء من هذه المراوغة، حيث يُسوَّق الإجراء كاختراق، بينما يُكرَّس عمليًا كأداة جديدة للتحكم بالسكان وحركتهم.

2. هل الإشراف الأوروبي غطاء أم شراكة؟: إقحام طرف أوروبي في الإشراف الميداني لا يعني تدويلًا حقيقيًا للمعبر، بقدر ما يوفر غطاء سياسيًا وأخلاقيًا للترتيبات الإسرائيلية. التجارب السابقة تشير إلى أن هذا الدور غالبًا ما يكون تقنيًا ورقابيًا، بلا قدرة على تحدي القرار الإسرائيلي. وبدل أن يشكل الإشراف الأوروبي ضمانة للفلسطينيين، قد يتحول إلى شريك صامت في إدارة الحصار بصيغة "ناعمة".

3. التدقيق الأمني كسلاح سياسي: ما يُسمى "التدقيق الإسرائيلي" ليس إجراءً أمنيًا محايدًا، بل أداة سياسية بامتياز. فمن خلاله، يحتفظ الاحتلال بحق الفيتو على عودة الأفراد، ويعيد تصنيف الفلسطينيين وفق معايير أمنية غامضة. هذا النهج لا يستهدف الأمن بقدر ما يهدف إلى إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني، والتحكم بتركيبته البشرية، ومعاقبة غزة جماعيًا تحت لافتة الوقاية.

4. الدور الأميركي: إدارة الأزمة لا حلّها: المقاربة الأميركية، كما تعكسها ضغوط إدارة ترمب، تنطلق من مبدأ إدارة الأزمة بدل حلّها. المطلوب هو تخفيف حدة الانفجار الإنساني بما يمنع الإحراج السياسي، لا إنهاء الحصار أو معالجة أسبابه البنيوية. بذلك، تتحول "الحلول اللوجستية" إلى مسكنات مؤقتة، تُبقي جوهر السيطرة الإسرائيلية قائمًا، وتؤجل الانفجار بدل معالجته.

5. معبر رفح بين السيادة والوظيفة الأمنية: القضية الجوهرية ليست فتح المعبر أو إغلاقه، بل السؤال: من يملك السيادة عليه؟ الصيغة المطروحة تُفرغ معبر رفح من معناه كمنفذ سيادي، وتحوله إلى وظيفة أمنية ضمن منظومة إقليمية–دولية لإدارة غزة. ما لم يُفك هذا الارتباط، سيبقى كل فتحٍ مؤقتًا، وكل انفراجة مشروطة، وكل أمل قابلًا للانتكاس.

إن إعادة فتح معبر رفح، بصيغته الحالية، ليست كسرًا للحصار بقدر ما هي إعادة تنظيم له. وبين الضغوط الأميركية، والمراوغة الإسرائيلية، والإشراف الدولي المحدود، يبقى الفلسطيني هو الحلقة الأضعف، يُمنَح حقه الطبيعي مشروطًا، ويُطالَب بالشكر على ما يفترض أنه حق لا منة.


عربي ودولي

السّبت 31 يناير 2026 7:29 صباحًا - بتوقيت القدس

بيترايوس يوظّف خبرته الكولونيالية في العراق لتحويل حرب غزة لكسب ملايين الدولارات‎

في زيارة أثارت أسئلة سياسية وأخلاقية عميقة، ظهر المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، الجنرال ديفيد بترايوس، في مركز التنسيق المدني–العسكري (CMCC) الذي يديره الجيش الأميركي في جنوب إسرائيل، والمكلّف بالإشراف على ما يوصف بترتيبات "وقف إطلاق النار" في قطاع غزة. الزيارة، التي كشفت عنها مصادر دبلوماسية لموقع "دروب سايت"، لم تكن بروتوكولية، بل حملت دلالات تتجاوز الأمن إلى إعادة هندسة غزة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

بترايوس، أحد أبرز مهندسي عقيدة "مكافحة التمرد" الأميركية، أشاد في كلمته بتحول الجيش الإسرائيلي نحو نموذج "التطهير، ثم السيطرة، ثم إعادة البناء"، وهو النموذج ذاته الذي طبّقه في العراق وأفغانستان، وقام على تقسيم المدن إلى "مجتمعات مسوّرة" تخضع لرقابة أمنية ولأنظمة تعريف بيومترية. هذا الإطراء جاء بعد انتقاداته السابقة لإسرائيل بسبب عدم استيعابها دروس الاحتلال الأميركي للعراق.

قبل زيارة بترايوس بأيام، كان الجيش الأميركي قد قدّم إلى مركز CMCC تصورًا لما سُمّي "أول مجتمع مخطط لغزة" في رفح، وهو مجمّع سكني مغلق يتسع لنحو 25 ألف فلسطيني، يقع تحت سيطرة عسكرية إسرائيلية كاملة، ويخضع لنظام دخول بيومتري -Biometrics ، وبرامج "إعادة تأهيل"، وتحكم صارم بالمساعدات والسكن. ووفق مصادر مطلعة، يُنظر إلى المشروع باعتباره نموذجًا تجريبيًا لـ"غزة الجديدة"، بتمويل إماراتي.

وتزامنت زيارة بترايوس مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتدى دافوس عن "مجلس السلام"، حيث قدّم غزة لا بوصفها قضية سياسية أو إنسانية، بل كفرصة استثمارية "عقارية" على البحر. تبعه صهره جاريد كوشنر بالإعلان عن خطة تنمية اقتصادية لغزة، مشددًا على "مواءمة الأطر الأمنية والحوكمة" لجذب المستثمرين، في خطاب يكشف بوضوح أولوية رأس المال على الحقوق.

يستدعي هذا المشهد تاريخ بترايوس نفسه؛ فالرجل قاد "الطفرة العسكرية" في العراق عام 2007، وأسهم في عسكرة المجتمع عبر تسليح الميليشيات، ووسع العمليات الليلية السرية، وكان لاعبًا مركزيًا في الحروب الخفية الأميركية بالمنطقة. اليوم، يعود المنطق ذاته، لكن بواجهة "إعمار" و"حوكمة".

اهتمام بترايوس بغزة لا ينفصل عن موقعه الحالي شريكًا ورئيسًا لمعهد الشرق الأوسط في شركة "كولبيرج كرافيس روبرتس وشركاه KKR "، إحدى أضخم شركات الاستثمار الأميركية، ذات الاستثمارات الواسعة في مجالات الأمن السيبراني، والهوية الرقمية، والدفاع، مع روابط مباشرة بإسرائيل. وهنا تتقاطع العقيدة الأمنية مع مصالح رأس المال، ويتحول ضبط السكان إلى فرصة ربح.

في كلمته، أشاد بترايوس بجهود CMCC في إدخال المساعدات، رغم أن إسرائيل ما زالت تمنع مواد أساسية، وتحظر عمل عشرات المنظمات، الأمر الذي دفع دولًا أوروبية إلى سحب موظفيها من المركز. هذا التناقض يكشف وظيفة المركز: إدارة الأزمة لا حلّها، وتنظيم الحصار لا رفعه.

في الخلفية، يبرز ملف غاز غزة كرافعة مالية محتملة لإعادة الإعمار، ضمن شبكة مصالح تربط إسرائيل والإمارات وشركات استثمار غربية، في إطار أوسع لاتفاقات أبراهام. هكذا، تصبح الموارد الفلسطينية ضمانة لمشاريع لا يملك الفلسطينيون قرارها.

وانتقد رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، في تصريح لموقع "دروب سايت" هذه الطروحات واعتبرها "صورة جميلة صممتها الذكاء الاصطناعي"، لا تعكس الواقع ولا تستشير الفلسطينيين، متسائلًا: من سيملك غزة المعاد بناؤها؟ ومن سيخدم من؟

زيارة بترايوس- الجنرال الفريق الذي أخمد المقاومة في العراق- في هذا السياق، ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشر على تقاطع الأمن والاستثمار، حيث يُعاد تعريف غزة كمساحة ضبط سكاني، وسوق ناشئة، ومختبر لعقائد "الحرب الناعمة"، فيما يُختزل الفلسطينيون إلى قوة عمل أو نزلاء دائمين في "مجتمعات مسوّرة".

وفق العديد من الخبراء ، إن ما يُطرح لغزة ليس إعادة إعمار ، بل إعادة تشكيل قسرية للمجتمع تحت مظلة أمنية–اقتصادية واحدة. نموذج "المجتمعات المسوّرة" لا يعالج جذور الصراع، بل ينقل تجربة فاشلة من العراق إلى سياق أكثر هشاشة. وهو عبارة عن مشروع ضبط جماعي، يُدار بالبيانات والبطاقات البيومترية، ويهدف إلى فصل السكان عن السياسة، وتحويل الحقوق إلى امتيازات مشروطة بالطاعة.

كما أن خطاب الرئيس الأميركي ترمب، وصهره وكوشنر، يكشف الذهنية الاستعمارية الجديدة: الأرض كموقع استثماري، والسكان كمتغير أمني. تغيب اللغة السياسية لصالح لغة السوق، ويُمحى السؤال الوطني لصالح "الحوكمة" و"الجاذبية الاستثمارية". في هذا الإطار، تصبح غزة مشروعًا تجريبيًا للرأسمالية الأمنية، حيث تتقدم الأرباح على السيادة، والاستقرار القسري على العدالة.

ويحذّر خبراء حقوق الإنسان من أن الخطر الأعمق في هذه المقاربة يكمن في إلباس السجن ثوب الإعمار. فكما يشير غسان أبو ستة، يجري تحويل غزة من سجنٍ مفتوح إلى سجنٍ مغلق فائق التقنية، حيث لا يكون الهدف تحرير الحياة اليومية بل إدارتها والتحكّم بها. إنها هندسة لمستقبلٍ بلا أفق سياسي، يُدار فيه الجسد بدل أن تُصان الطموحات، وتُحوَّل المعاناة من جرحٍ إنساني إلى موردٍ للاستثمار والضبط.

فلسطين

السّبت 31 يناير 2026 6:50 صباحًا - بتوقيت القدس

مدير صحة غزة يشكك في مصادر الأعضاء البشرية لدى الاحتلال ويكشف عن جثامين "ناقصة"

أثار مدير عام وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، الدكتور منير البرش يوم الجمعة، تساؤلات جدية ومشروعة حول "الأرقام القياسية" التي يعلنها الاحتلال الإسرائيلي في مجال التبرع بالأعضاء، مؤكدا أن هذه الإحصائيات الضخمة لا تجيب عن السؤال الجوهري والملح المتعلق بمصادر هذا العدد الكبير من الكلى والأعضاء البشرية التي يتم زراعتها.

وأوضح البرش، في تصريح صحفي صدر عنه أن ثمة مفارقة صارخة تكمن في أن الاحتلال الذي يحتجز جثامين الشهداء الفلسطينيين لسنوات طويلة في "مقابر الأرقام" والثلاجات، هو ذاته الذي يتباهى اليوم بأرقام تبرع غير مسبوقة، محاولا تقديم نفسه كنموذج إنساني متقدم في هذا المجال أمام المجتمع الدولي.

وأشار المسؤول الصحي إلى رصد حالات موثقة لجثامين سلمت لعائلاتها بعد فترات احتجاز طويلة وهي "ناقصة الأعضاء"، لا سيما الكلى، دون إرفاق تقارير طبية أو تشريحية توضح أسباب ذلك، ودون إتاحة أي حق قانوني للمساءلة أو التحقيق.

وشدد الدكتور البرش على أن هذه الوقائع لا تقوم على ادعاءات مرسلة، بل تستند إلى شهادات أطباء عاينوا الجثث المادة وحالات ميدانية مثبتة لجثامين أعيدت مبتورة الأعضاء بعد سرقتها في مرافق الاحتلال.

وأكد أن الفلسطينيين لا يعارضون العلم الطبي ولا مبدأ التبرع بالأعضاء كقيمة إنسانية سامية، ولكنهم يرفضون بشكل قاطع تحويل هذه القيم إلى "واجهة دعائية" للتغطية على جرائم استغلال الجسد الفلسطيني، حيا كان أو شهيدا، لصناعة إنجازات طبية مشبوهة يتم الترويج لها عالميا بينما تغيب الحقيقة المأساوية لمصدر تلك الأعضاء.

تأتي هذه التصريحات في وقت تطالب فيه منظمات حقوقية فلسطينية ودولية بضرورة تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للكشف عن مصير الأعضاء المفقودة من جثامين الشهداء المحتجزين، وسط مخاوف من استشراء ظاهرة "سرقة الأعضاء" التي تلاحق السجل الطبي للاحتلال منذ عقود، في ظل غياب الرقابة الدولية على المشافي ومراكز الطب الشرعي الإسرائيلية التي تتعامل مع الجثامين الفلسطينية.

فلسطين

السّبت 31 يناير 2026 4:35 صباحًا - بتوقيت القدس

حرق وضرب وتنكيل.. موجة اعتداءات لجيش الاحتلال والمستوطنين بالضفة والقدس

تتواصل اعتداءات قوات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس المحتلة، بما في ذلك مداهمة المنازل والقرى وإطلاق القنابل الصوتية، في وقت اعتدى فيه مستوطنون إسرائيليين على فلسطينيين بالحجارة شمالي القدس. أفادت مصادر بأن قوات الاحتلال داهمت منزلا خلال اقتحام قرية مادما جنوبي نابلس شمال الضفة الغربية. كما اقتحمت قوات الاحتلال قرية المغير، في قضاء رام الله وسط الضفة الغربية، للمرة الثانية خلال ساعات. وأفادت مصادر بأن قوات الاحتلال أطلقت قنابل الصوت والغاز، واعتقلت مواطنا وطفلا وشابة، قبل انسحابها من القرية. وفي منطقة حوارة بمسافر يطا، جنوبي الخليل، اعتقلت قوات الاحتلال شقيقين فلسطينيين. وأفادت مصادر بأن مستوطنين أقدموا على رفع أعلام إسرائيلية داخل أراض لفلسطينيين في المنطقة، مما دفع الفلسطينيين إلى الاحتجاج، وذلك بالتزامن مع وجود جيش الاحتلال في المنطقة لحماية المستوطنين. واعتقلت قوات الاحتلال فلسطينيَين اثنين في منطقة خلة النتش، بقضاء مدينة الخليل جنوبي الضفة الغربية، عقب هجوم نفذه مستوطنون على المنطقة. وقال شهود عيان إن عددا من المستوطنين هاجموا منازل المواطنين، تحت حماية قوات الجيش الإسرائيلي، وقاموا بعمليات تخريب.

إصابة فلسطينيَين وشمالي القدس، أصيب فلسطينيان بجروح مساء الجمعة، إثر اعتداء مستوطنين إسرائيليين عليهما بالحجارة، وقالت محافظة القدس -في بيان- إن مستوطنين هاجموا فلسطينيَين اثنين في تجمع معازي جبع شمالي المدينة، مما أدى إلى إصابتهما بجروح متفاوتة. وأضافت المحافظة أن المستوطنين المعتدين أضرموا النار في أحد منازل التجمع قبل أن يتمكن الأهالي من إخمادها، وأوضحت أن الاعتداء يأتي ضمن سلسلة هجمات متكررة يتعرض لها التجمع من جانب المستوطنين، في إطار محاولات تضييق تهدف إلى دفع السكان للرحيل القسري.

ومنذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي استمرت عامين، كثف الجيش الإسرائيلي والمستوطنون اعتداءاتهم في الضفة الغربية، وشملت القتل والهدم والتهجير والتوسع الاستيطاني. وأسفرت هذه الاعتداءات عن استشهاد ما لا يقل عن 1110 فلسطينيين، وإصابة أكثر من 11 ألفا و500 آخرين، إضافة إلى اعتقال ما يفوق 21 ألف فلسطيني، وفق معطيات رسمية.

فلسطين

السّبت 31 يناير 2026 2:20 صباحًا - بتوقيت القدس

مجلس سلام غزة.. هل يختزل القضية الفلسطينية في ملف إنساني؟

ناقش محللون وسياسيون فلسطينيون وعرب ما يُعرف بـ"مجلس سلام غزة" في مساحة على منصة إكس، في ظل تساؤلات بشأن ما إذا كان يشكل بداية لإعادة الإعمار، أو إطارا لفرض وصاية دولية. وأجمع المتحدثون على أن مستقبل غزة لا يمكن فصله عن السياق السياسي الأوسع للقضية الفلسطينية، وحذروا من محاولات حصر القضية في أبعاد إنسانية واقتصادية، على حساب إنهاء الاحتلال وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم. وأعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تأسيس "مجلس السلام" في 15 يناير/كانون الثاني الجاري، بإطار خطته المكونة من 20 بندا لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي اعتمدها مجلس الأمن الدولي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وفي 22 يناير/كانون الثاني، أطلق ترمب رسميا "مجلس السلام" بتوقيع ميثاقه خلال منتدى دافوس بحضور عدد من قادة العالم الذين وافقوا على الانضمام إلى هذه المبادرة، التي من المقرر أن تركز على إعادة إعمار غزة.

وخلال جلسة النقاش على منصة إكس، قال مدير مركز دراسات الإسلام والشؤون الدولية، الدكتور سامي العريان إن النقاش الدولي شهد تحولا مع الانتقال من شبه إجماع على حل سياسي شامل، إلى مقاربات تركز على إعادة الإعمار فقط. واعتبر العريان أن ما يُطرح اليوم "ليس مشروع سلام"، بل محاولة لتحقيق مكاسب سياسية عجز الاحتلال عن فرضها عسكريا. كما حذّر من أن تحويل غزة إلى ملف إنساني منفصل عن سياق التحرر الوطني "يعد انحرافا خطيرا في طبيعة الصراع" مع الاحتلال.

بدوره، رأى الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني معين نعيم أن الإشكالية الأساسية لا تتعلق بمجلس السلام وحده، بل بانهيار النظام الدولي وعجز مؤسساته عن فرض القانون الدولي. وأشار إلى أن محكمة العدل الدولية نفسها "تتعرض للعقاب" عندما تحاول محاسبة إسرائيل. وأضاف أن مجلس السلام بُني بما يخدم مصالح إسرائيل ومشاريعها المستقبلية، لافتا إلى أن إعادة إعمار غزة تحولت إلى ساحة مصالح اقتصادية دولية، "يتقاسمها اللاعبون الكبار، بينما لا يصل إلى الفلسطينيين سوى الحد الأدنى".

أما الناطق باسم حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، جمال نزال، فحذّر من أن النماذج الإدارية المطروحة لغزة تمثل تصورا إسرائيليا أوسع، لا يقتصر على القطاع وحده. وأكد أن تجاوز السلطة الوطنية الفلسطينية سيقود إلى تفكيك وحدة الأرض الفلسطينية. وشدد نزال على أن منظمة التحرير الفلسطينية تمثل الإطار الشرعي للوجود السياسي الفلسطيني، وأن أي محاولة لخلق بدائل أو كيانات مؤقتة "لن تصمد أمام الواقع والتاريخ".

من جانبه، اعتبر المدير التنفيذي لمنظمة "أمريكيون من أجل العدالة في فلسطين"، أسامة أبو أرشيد أن مجلس السلام "مختزل بالكامل في الولايات المتحدة، وهي بدورها مختزلة في ترمب". وأشار إلى تنسيق مباشر بين واشنطن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخصوص مجلس السلام. كذلك حذّر من تداخل السياسة مع المصالح الاقتصادية، موضحا أن شركات مرتبطة بدوائر أمريكية نافذة قد تستفيد من مشاريع إعادة الإعمار، ما يحوّل غزة إلى "أرض اختبار دولية" بدل كونها جزءا من قضية تحرر وطني.

وفي مداخلة السفير المصري السابق لدى إسرائيل حازم خيرت، شدد على أن المجلس يعاني مشكلة سياسية، مضيفا أن غياب التمثيل الفلسطيني الحقيقي يضع مسؤولية إضافية على الدور العربي، لا سيما المصري. ولفت إلى أن أي انخراط عربي في هذه المسارات يجب أن يكون مشروطا بمنع فرض حلول تنتقص من الحقوق الفلسطينية، وبالبحث عن مسارات توقف الانتهاكات الإسرائيلية وتحمي المدنيين الفلسطينيين.

ومن غزة، أكد الكاتب والمحلل السياسي إياد القرا أن كل الطروحات الاقتصادية التي تقدم بوصفها حلولا ستفشل، كما فشلت سابقاتها، لأن جوهر الأزمة سياسي مرتبط باستمرار الاحتلال لأراضي القطاع والسياسات الإسرائيلية. وشدد على أن الأولوية لدى الفلسطينيين اليوم ليست للمجالس أو الهياكل الإدارية، بل لضمان انسحاب الجيش الإسرائيلي، وتدفق المساعدات، ومنع عودة الحرب.

فلسطين

الجمعة 30 يناير 2026 8:15 مساءً - بتوقيت القدس

بسبب المخاطر الأمنية..."أطباء بلا حدود" تمتنع عن مشاركة بيانات طواقمها في غزة مع تل أبيب

تمسكت تل أبيب بموقفها الداعي إلى تسجيل البيانات بذريعة "منع وصول المساعدات إلى عناصر حركة "حماس". أعلنت منظمة "أطباء بلا حدود" الخيرية، يوم الجمعة، رفضها القاطع لتقديم قوائم أسماء موظفيها التي تطلبها تل أبيب كشرط لاستمرار عملها في قطاع غزة والضفة الغربية.

وأوضحت المنظمة الدولية أن هذا القرار جاء بعد فشل الحصول على ضمانات حقيقية لسلامة فريقها، مؤكدة أن كشف بيانات العاملين في ظل الظروف الراهنة قد يعرض حياتهم لخطر مباشر، لا سيما مع سقوط مئات العاملين في مجال الإغاثة بين قتيل وجريح خلال الحرب المستمرة منذ عامين.

ويأتي هذا الموقف في أعقاب مهلة منحتها السلطات الإسرائيلية لـ 37 منظمة دولية، بما فيها "أطباء بلا حدود"، للالتزام بقواعد جديدة تتضمن مشاركة المعلومات الشخصية للموظفين مع وزارة الاحتلال لشؤون الشتات، وإلا سيتم وقف أنشطتها الإنسانية في الأراضي الفلسطينية.

ورغم إبداء المنظمة ليونة في البداية عبر عرض مشاركة قائمة جزئية ممن وافقوا طوعيا، إلا أن بيانها اليوم جزم بتعذر التوصل إلى تباهم مع سلطات الاحتلال الإسرائيلية بشأن الحماية المطلوبة لهؤلاء الموظفين.

من جانبها، تمسكت تل أبيب بموقفها الداعي إلى تسجيل البيانات بذريعة "منع وصول المساعدات إلى عناصر حركة "حماس"، وهو ما نفته المنظمات الإغاثية جملة وتفصيلا، معتبرة أن هذا الإجراء يهدف إلى التضييق على العمل الإنساني.

وفي سياق متصل، أيدت وزارة الصحة في غزة هذا التوجه، معلنة رفضها التام لمشاركة بيانات الكوادر الطبية مع المؤسسات الشريكة، لما يشكله ذلك من تهديد لأمنهم الشخصي وسلامة عائلاتهم.

وحذرت "أطباء بلا حدود" من أن حظر عملها سيكون له "تأثير مدمر" على المنظومة الصحية المتهالكة أصلا في غزة والضفة، حيث تقوم المنظمة بدور محوري في دعم المستشفيات وتقديم الرعاية العاجلة للمصابين.

وأكدت أن الإصرار على هذه الشروط المرفوضة يضع مصير آلاف المرضى والجرحى في مهب الريح، في ظل أزمة إنسانية وصفت بالأسوأ عالميا.

فلسطين

الجمعة 30 يناير 2026 7:02 مساءً - بتوقيت القدس

رقابة "عن بعد".. إعلام عبري يكشف تفاصيل الآلية الجديدة لتشغيل معبر رفح

كشفت مصادر عبرية، يوم الجمعة، عن ملامح الآلية المقترحة لإعادة تشغيل معبر رفح الحدودي في كلا الاتجاهين، والتي تعتمد بشكل جوهري على التنسيق الأمني المرتبط بأنظمة الرقابة التقنية المتطورة.

ويستند المخطط الجديد إلى منظومة تمكن الجانب الإسرائيلي من تدقيق هويات المسافرين ومراقبة التحركات دون حاجة للتواجد الميداني المباشر في كافة مراحل العبور، مع فرض ضوابط صارمة على حركة الخروج والدخول لضمان عدم نفاذ مطلوبين أمنيين إلى خارج أو داخل القطاع.

وبحسب التقارير المنشورة، فإن إجراءات الخروج من قطاع غزة ستخضع لسلسلة من التعقيدات التنظيمية؛ حيث يتعين على الراغبين في المغادرة الحصول على تصريح مصري مسبق، بينما تحال القوائم تلقائيا إلى جهاز الأمن العام للاحتلال الإسرائيلي (الشاباك) للمصادقة عليها أمنيا.

ورغم أن إدارة المعبر ميدانيا ستوكل إلى بعثة من الاتحاد الأوروبي وموظفين فلسطينيين محليين لتولي إجراءات التفتيش، إلا أن تل ابيب ستحتفظ برقابة "عن بعد" عبر غرف عمليات أمنية مجهزة بتقنيات التعرف على الوجوه، لضمان مطابقة المسافرين مع القوائم المصرح لها، مع امتلاك الجانب الإسرائيلي صلاحية التحكم الرقمي بإغلاق حواجز العبور إلكترونيا في حال رصد أي خرق.

في المقابل، تعتمد آلية الدخول إلى قطاع غزة إجراءات أكثر حدة وصرامة؛ إذ سيخضع كافة العائدين لرقابة "إسرائيلية" مباشرة تتضمن مرورهم عبر نقطة تفتيش تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، مزودة بأجهزة استشعار متطورة وكاشفات للمعادن.

وستشمل عملية التحقق الفردي استخدام تقنيات البصمة الحيوية، ولن يسمح للمسافرين بتجاوز "الخط الأصفر" نحو المناطق الداخلية للقطاع إلا بعد الاجتياز الناجح لهذه الفحوصات الدقيقة وتخطي نقاط التفتيش العسكرية.

ويرى مراقبون أن هذه الآلية تعكس سعي تل أبيب لفرض طوق أمني تقني شامل حول المعبر دون التورط في احتكاك ميداني مباشر مع المدنيين في مسار الخروج، فيما تصر على "القبضة الأمنية المحسوسة" لتأمين العائدين.

وتأتي هذه التسريبات وسط حالة من الترقب للموقف الفلسطيني والمصري الرسمي من هذه المقترحات، التي يعتقد أنها ستشكل حجر الزاوية في الترتيبات الأمنية المرتقبة لإدارة القطاع في مرحلة ما بعد التهدئة ورسم ملامح الواقع الحدودي الجديد.

فلسطين

الجمعة 30 يناير 2026 6:02 مساءً - بتوقيت القدس

تنحي القائدين العسكري والمدني للمهمة الأمريكية في غزة

أفادت مصادر يوم الجمعة عن دبلوماسيين قولهم إن القائدين الأمريكيين، العسكري والمدني، المسؤولين عن مهمة واشنطن في قطاع غزة سيتنحيان عن منصبيهما، في خطوة تتزامن مع إعادة دول أوروبية النظر في مشاركتها في المبادرة الرامية لرسم ملامح القطاع بعد انتهاء العمليات العسكرية، بينما لم يتم الإعلان بعد عمن سيخلفهما في هذه المهام الحساسة.

وبحسب المصادر الدبلوماسية، فإنه من المتوقع استبدال القائد العسكري الأعلى، وهو برتبة لفتنانت جنرال (فريق) بثلاث نجوم في مركز القيادة المدنية العسكرية، بضابط آخر برتبة أدنى، في حين غادر القائد المدني موقعه ليعود إلى وظيفته الأصلية سفيرا للولايات المتحدة في اليمن.

ويأتي هذا التحول في القيادة وسط ما وصفه مسؤولون غربيون بأنه حالة من الضبابية الميدانية والسياسية تجاه الدور المستقبلي لهذا المركز.

وكان قد جرى تشكيل مركز القيادة المدنية العسكرية في شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وذلك ضمن المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإنهاء الحرب. وتركزت أهداف المركز في الإشراف على اتفاقات وقف إطلاق النار بين تل أبيب وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إضافة إلى تسهيل دخول المعونات الإنسانية وصياغة الأطر السياسية لإدارة شؤون القطاع.

وينظر المراقبون إلى هذه التغييرات باعتبارها جزءا من جهود ترمب للمضي قدما في المرحلة التالية من رؤيته لالسلام، والتي تتضمن تشكيل "مجلس سلام" يتألف من وفود أجنبية لتولي الإشراف على الجانب السياسي المحض.

وكان اللفتنانت جنرال باتريك فرانك، القائد الأعلى للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط، قد تولى مهامه في قيادة المركز بجنوب إسرائيل منذ انطلاقه، قبل صدور قرار ترقيته الشهر الماضي إلى منصب نائب قائد القيادة المركزية الأمريكية.

ومع مغادرة الكوادر القيادية الحالية، تتجه الأنظار نحو مدى قدرة واشنطن على الإبقاء على التزام الشركاء الأوروبيين بالمبادرة، حيث تتزايد التساؤلات حول هوية القيادات الجديدة وطبيعة التفويض الممنوح لها، خصوصا في ظل السعي لتحويل مهام الإشراف إلى أعضاء "مجلس السلام" الذي يراهن عليه البيت الأبيض لتحقيق الاستقرار طويل الأمد.

فلسطين

الجمعة 30 يناير 2026 4:17 مساءً - بتوقيت القدس

الاحتلال: معبر رفح سيفتح الأحد المقبل لحركة محدودة للأشخاص فقط وفي الاتجاهين

التوصل إلى صيغة لإعادة فتح معبر رفح الحدودي اعتبارا من الأحد المقبل.

أعلن منسق أعمال حكومة الاحتلال، يوم الجمعة، عن التوصل إلى صيغة لإعادة فتح معبر رفح الحدودي اعتبارا من الأحد المقبل، وذلك لحركة محدودة تستهدف الأشخاص فقط وفي كلا الاتجاهين.

وأوضح المنسق أن عمليات الدخول والخروج عبر المعبر ستتم ضمن آلية تنسيق دقيقة مع الجانب المصري، بيد أنها ستظل مرهونة بموافقة أمنية مباشرة من قبل سلطات الاحتلال. وسيتولى جانب أوروبي مهام الإشراف الميداني على هذه الترتيبات، بما يضمن تنفيذ قواعد الاشتباك والرقابة التي تم الاتفاق عليها بين الأطراف المعنية.

وفي سياق الإجراءات الجديدة، أكد منسق أعمال حكومة الاحتلال أن المجال سيتاح لعودة السكان الفلسطينيين من جمهورية مصر العربية إلى قطاع غزة، لا سيما أولئك الذين غادروا خلال فترة الحرب. إلا أن هذه العودة لن تكون دون قيود؛ حيث نص القرار على خضوع كافة العائدين لعمليات "تدقيق إسرائيلي" صارمة للتأكد من خلفياتهم الأمنية. ويهدف هذا التدقيق، حسب زعم سلطات الاحتلال، إلى منع دخول أي عناصر قد تشكل تهديدا للأمن، مما يجعل من المعبر نقطة رقابة متقدمة تخضع للإرادة العسكرية للمحتل.

وتأتي هذه الخطوة في ظل ضغوط دبلوماسية تقودها أمريكا، حيث تدفع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نحو إيجاد "حلول لوجستية" تخفف من الاحتقان الإنساني دون المساس بالتفوفق الأمني لـ الاحتلال.

ويرى ترمب أن ضبط حدود غزة ومعابرها بإشراف دولي (أوروبي) هو جزء من صفقة أوسع تهديف إلى تقليص نفوذ الفصائل وتعزيز الرقابة على حركة الأفراد. إن التنسيق المصري الأمريكي الأخير كان حاسما في انتزاع هذا القرار، الذي يعد اختبارا لمدى قدرة هذه الأطراف على إدارة الملف الأمني بعيدا عن سلطة الأمر الواقع في القطاع.

أقلام وأراء

الجمعة 30 يناير 2026 8:39 صباحًا - بتوقيت القدس

“درع أورشليم”… معركة الحسم في قلب القدس

مع انتقال حرب الإبادة في غزة إلى طورٍ جديد أقل كثافةً في القصف وأكثر تركيزًا على الحصار، وعلى نزع الشرعية عن المقاومة، ودفع المجتمع الفلسطيني نحو الصدام الداخلي، عاد الاحتلال الإسرائيلي ليتفرغ بصورة أوسع لجبهة الحسم المفتوحة في القدس، وإلى جانبها جبهة الضم والتهجير في الضفة الغربية، وهما الجبهتان اللتان ستتصدّران استراتيجية الاحتلال في المرحلة المقبلة، حتى وإن قاطعهما تصعيدٌ مؤقت على جبهات لبنان أو سوريا أو حتى إيران.

أحد أبرز أهداف هذا المسار هو الوصول إلى “حدود نهائية” للقدس، عبر ضم أكبر عدد ممكن من المستوطنات والمستوطنين، وابتلاع أوسع مساحة جغرافية ممكنة، مقابل إقصاء أكبر عدد من المقدسيين خارج المعادلة الديمغرافية والسياسية للمدينة.

ضمن هذا السياق أطلق الاحتلال سلسلة عمليات أسماها “درع أورشليم”، بدأت أولى حلقاتها في 23 كانون الأول 2025 باستهداف كفر عقب ومخيم قلنديا، اللذين فصلهما الجدار عن القدس، ثم أتبعها بحلقة ثانية في 12 كانون الثاني 2026 ضد مخيم شعفاط، استمرت عدة أيام، وجاءت تمهيدًا لهدم مقر الأونروا في حي الشيخ جراح في 20 كانون الثاني من العام ذاته.

في 26 كانون الثاني 2026 دشّن الاحتلال الحلقة الثالثة من هذه الحملات، موجّهًا عملياته إلى حي مطار قلنديا داخل الجدار، وإلى بلدتي كفر عقب وحزما خارجه. وخلال يومين فقط هدم أكثر من أربعين عقارًا في محيط مطار قلنديا، وأكثر من سبعين عقارًا في المناطق الثلاث مجتمعة، بحسب محافظة القدس، وهو رقم يعادل قرابة 28% من مجمل عمليات الهدم التي شهدتها القدس طوال عام 2025، الذي كان أصلًا الأكثر تدميرًا منذ احتلال المدينة عام 1967.

باختصار، نحن أمام عودة مركز معركة الحسم إلى القدس، وبوتيرة غير مسبوقة، ما يفرض استعادة إرادة الدفاع عنها بكل الأشكال الممكنة، وعلى رأسها استعادة الفعل الشعبي في مرحلة ما بعد الإبادة، وإلا فإن النتيجة ستكون مزيدًا من التغول الصهيوني المتجه نحو التصفية النهائية.

أما العدوان الجاري في شمال القدس فيمكن قراءته على النحو التالي:

أولًا، يشكّل تمهيدًا لبناء مستوطنة كبرى على أنقاض مطار القدس الدولي في قلنديا، الذي افتُتح في العهد الأردني، ولا تزال أراضيه، البالغة نحو 1200 دونم، مسجلة باسم خزينة الدولة الأردنية. ورغم اتفاقية وادي عربة، يتعامل الاحتلال مع هذه الأرض بوصفه وريثًا لها، ويخطط لإقامة نحو 9400 وحدة استيطانية، تُدمج مع المنطقة الصناعية “عطروت” جنوبًا، ومع حاجز قلنديا شمالًا، بما يكرّس فصل كفر عقب ومخيم قلنديا عن القدس ليس بالجدار فقط، بل بطبقات سكانية وصناعية وأمنية متراكبة.

ثانيًا، تعمّد الاحتلال طوال سنوات ترك كفر عقب متنفسًا وحيدًا للبناء المقدسي، متغاضيًا عن الفوضى العمرانية، بهدف تحويلها إلى نقطة جذب سكاني قبل إتمام فصلها النهائي عن القدس، بحيث يُقصي معها أكبر عدد ممكن من المقدسيين، هكذا تحولت البلدة إلى مساحة شديدة الاكتظاظ، ضعيفة البنية التحتية، غارقة في الاحتكاك اليومي، حتى بات أهل القدس يطلقون عليها تسميات ساخرة كـ“كفر عجب” و“كفر غضب”، واليوم يستكمل الاحتلال هذا المسار بحملات أمنية وهدمٍ انتقائي يعيد “هندسة” المكان وفق احتياجاته.

ثالثًا، يتجه الاحتلال إلى تكريس الفصل النهائي لحزما عن القدس، ودفعها للتحول إلى ريفٍ معزول بلا مركز مدني، وإذا ما وُضعت هذه السياسة إلى جانب ما يجري في الخان الأحمر وبرية القدس، وفي مخماس والتجمعات البدوية المحيطة بها، وعلى امتداد شرق رام الله، فإن الصورة لا توحي بعزلٍ جغرافي فحسب، بل برؤية إقصائية أوسع تستهدف إفراغ الامتداد الشرقي للقدس ورام الله، وربطه بمشروع تهويد غور الأردن والمناطق المؤدية إليه، ودفع الفلسطينيين نحو مراكز حضرية قابلة بدورها للإلغاء لاحقًا.

في المحصلة، كانت القدس دائمًا مرآة الصراع مع المشروع الصهيوني، ومنها انطلقت الانتفاضات والثورات، وما تقوله وقائعها اليوم أن ما بعد حرب الإبادة ليس تهدئة، بل انتقال للحرب من شكلٍ إلى آخر، ومن جبهةٍ إلى أخرى، حرب التصفية لم تعد تكتفي بالتقدم البطيء، وهي لن تتوقف إلا بإحدى نهايتين: إما أن تُواجَه بقوةٍ مكافئة تُسقط رهان الاحتلال على استمرارها، أو أن تُترك لتبلغ غايتها الكارثية، لا قدّر الله.

تحت وطأة الإبادة، عاد جزء من الوعي العربي والفلسطيني لطرح سؤال “طوفان الأقصى” وجدواه، بل لتحميل المقاومة وزر الجريمة، غير أن السؤال الحقيقي، قبل الطوفان وبعده، هو ذاته: كيف نمنع التصفية؟ وكيف نُفشل مشروع الإلغاء الجاري بشراكة أمريكية وتواطؤٍ رسمي عربي وإسلامي؟ الطوفان، كما المحطات التي سبقته، لم يكن سببًا للتصفية، بل محاولةً لتعطيلها، وقد نجح في ذلك مؤقتًا، والتحدي اليوم هو كيف نواصل الصراع حتى إدخال اليأس في وعي المشروع الصهيوني وداعميه من إمكانية إنجاز هذا الحسم، لأن تجاوز هذه العتبة وحده كفيل بنقل الصراع إلى مرحلة غير مسبوقة، مرحلة يفقد فيها الاحتلال إيمانه بإمكانية تحقيق سقوفه الأيديولوجية.

فلسطين

الجمعة 30 يناير 2026 8:37 صباحًا - بتوقيت القدس

خطة كوشنر.. إعادة تدوير لـ"صفقة القرن"

د. دلال عريقات: خشية حقيقية من تمرير فصل قطاع غزة إداريًا وسياسيًا عن الضفة تحت غطاء لجان تكنوقراطية أو ترتيبات انتقالية

د. سهيل دياب: الخطة المطروحة تحت عنوان "إعمار غزة" تتقاطع مع "صفقة القرن" وتعكس جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية

د. عقل صلاح: أحد أخطر أبعاد الخطة يتمثل في هندسة القطاع على الطريقة الأمريكية باقتطاع مساحات منه والإبقاء على السيطرة الإسرائيلية

د. تمارا حدّاد: خطة كوشنر وهم سياسي وفخ مالي وستؤدي إلى إعادة هيكلة قطاع غزة جغرافيًا وديموغرافيًا وترسيخ سيطرة الاحتلال

د. جمال حرفوش: طرح كوشنر وهم سياسي مغلف بخطاب اقتصادي وأي إعمار دون حل سياسي يبقى مؤقتًا فوق أرض قابلة للتدمير

د. سعيد شاهين: الخطة تعكس بوضوح تطلعات ترمب للسيطرة على القطاع والاستيلاء على ثرواته الطبيعية عبر ما يسمى "مجلس السلام"

رام الله – خاص بـ"القدس"-

تثير الطروحات التي قدّمها جاريد كوشنر مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وصهره، بشأن مستقبل قطاع غزة تحذيرات، على أنها لا تشكّل مسارًا حقيقيًا لإعادة الإعمار أو السلام، بل تمثّل إعادة إنتاج قديمة لفلسفة "السلام الاقتصادي" ضمن ما يعرف بـ"صفقة القرن" التي فشلت سابقًا.

ويرى كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع"القدس"، أنه برغم اللغة الجذابة التي تُقدَّم بها خطة كوشنر، وما تحمله من وعود استثمارية وعمرانية، إلا أنها تتجاهل جوهر حرب الإبادة على قطاع غزة، وتغيب عنها أي مقاربة سياسية تضمن الحقوق الوطنية والسيادة الفلسطينية.

ويرى الكتاب والمختصون وأساتذة الجامعات أن الخطر الأكبر في هذه الخطة يكمن في محاولتها إعادة هندسة الواقع الفلسطيني، لا سيما عبر تمرير فصل إداري وسياسي لقطاع غزة عن الضفة الغربية، تحت عناوين لجان تكنوقراطية أو ترتيبات انتقالية قد تتحول إلى واقع دائم، مع تجاوز التمثيل السياسي الفلسطيني المعترف به، وشرعنة بدائل مصطنعة تُدار اقتصاديًا وأمنيًا، في لحظة إنهاك وطني وإنساني غير مسبوقة، ما يفتح الباب أمام حلول خطيرة بقبول حلول مجتزأة مقابل وقف العدوان أو تحسين الظروف المعيشية.

ويشيرون إلى أن خطة كوشنر تتقاطع بوضوح مع تجارب سابقة، أبرزها مؤتمر المنامة وصفقة القرن، من حيث تغليب البعد الاقتصادي على السياسي، واستخدام الإعمار كأداة نفوذ ووصاية لا كمبادرة إنسانية، كما تكشف عن فجوة عميقة بين الرؤية المثالية المعلنة والواقع الميداني في غزة، المتمثل في الدمار الواسع، واستمرار السيطرة الأمنية الإسرائيلية، وغياب أي ضمانات قانونية أو سياسية.

ويؤكدون أنه بذلك، تبدو الخطة محكومة بالفشل سلفًا، كونها لا تنطلق من إنهاء الاحتلال أو تطبيق الشرعية الدولية، بل تكرّس أوهام التنمية وتفتح أفخاخًا سياسية وديموغرافية قد تعمّق الأزمة بدل حلّها.

وتأتي هذه القراءة فيما كان تقرير لشبكة NBC NEWS الإخبارية الأمريكية أن خطة كوشنر غير واقعية وكأنها من عالم آخر في ظل ما يزال جزء كبير من قطاع غزة مدمراً جراء أكثر من عامين من الغارات الإسرائيلية، ويعيش سكانه غالباً في خيام، ولا تزال قوات الاحتلال تحتل نحو نصف القطاع.

وكان كوشنر كشف عن خطط لإنشاء "غزة جديدة" مليئة بأبراج شاهقة لامعة وشواطئ مكتظة بالسياح - وهي رؤية بحسب الشبكة، متفائلة تتناقض بشكل صارخ مع واقع منطقة مدمرة بعد عامين من الحرب.


محاولة إعادة هندسة الواقع الفلسطيني


تحذّر أستاذة الدبلوماسية وحلّ الصراعات في الجامعة العربية الأمريكية، د. دلال عريقات، من مخاطر الطرح الذي يقدمه جاريد كوشنر مبعوث الرئيس الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، معتبرة أن ما عُرض منذ حواره في جامعة هارفارد يتجاوز مفهوم "السلام الاقتصادي" إلى محاولة واعية لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني بعيدًا عن الشرعية السياسية الوطنية والتمثيل الفلسطيني المعترف به.

وتؤكد عريقات أن كوشنر كان "فجًّا وواضحًا" في استهدافه المباشر للسلطة الفلسطينية، إذ لا ينظر إليها كشريك سياسي، بل كـ"عائق وظيفي" يجب تجاوزه، وهو ما يمكن توصيفه بعقيدة كوشنر السياسية.


شرعنة بدائل مصطنعة


وتوضح عريقات أن انتقادات كوشنر العلنية للرئيس محمود عباس ولما سماه "الحرس القديم" لا تندرج في إطار النقد السياسي الطبيعي، بل تشكل مدخلًا لشيطنة القيادة الفلسطينية وشرعنة بدائل مصطنعة، مثل "مجالس سلام" محلية أو صيغ تكنوقراطية مرتبطة مباشرة بالخطة الاستثمارية المطروحة.

وتشير عريقات إلى أن كوشنر استخدم خطاب "فساد النخبة" لربط تمدد الاستيطان بما وصفه بـرفاهية القيادة الفلسطينية، في محاولة لضرب الأخلاق السياسية للمفاوض الفلسطيني، وتبرير تجاوز القيادة الرسمية والالتفاف عليها عبر التواصل المباشر مع القطاع الخاص أو شخصيات تكنوقراطية، بما يفرغ التمثيل السياسي الفلسطيني من مضمونه.


خطة في لحظة إنهاك غير مسبوقة


وتشدد عريقات على أن الخطر الأكبر يكمن في ما سمته "الفصل الواقعي بموافقة فلسطينية"، معتبرة أن طرح ما يُعرف بـ"غزة الجديدة" يأتي في لحظة إنهاك غير مسبوقة يعيشها الفلسطينيون، ما قد يدفع قطاعات منهم إلى القبول بأي حل مقابل وقف العدوان.

وتوضح عريقات أن الخشية الحقيقية تتمثل في تمرير فصل قطاع غزة إداريًا وسياسيًا عن الضفة الغربية تحت غطاء لجان تكنوقراطية أو ترتيبات انتقالية، مؤكدة أن التجربة التاريخية أثبتت أن الحلول المؤقتة غالبًا ما تتحول إلى واقع دائم مفروض على الأرض.


منطق المطوّر العقاري


وتشير عريقات إلى أن كوشنر يتعامل مع غزة كـ"قطعة أرض عقارية" مستقلة، مستخدمًا منطق المطوّر العقاري، مع حديث عن مشاريع استثمارية وتواصل جغرافي مع الضفة الغربية بصيغة اقتصادية بحتة، وبمشاركة القطاع الخاص، دون أي إطار سيادي أو وطني جامع.

وفيما يتعلق بالحوكمة وحقوق الملكية، تؤكد عريقات أن الطرح يتجاهل الإنسان والقانون، ولا يتطرق إلى حقوق مئات الآلاف من أصحاب الأراضي والمنازل المدمرة، ولا يوضح كيفية تنظيم السجل المدني أو حماية حقوق المواطنين في مواجهة المستثمرين الأجانب. وتشير عريقات إلى أن الخطر لا يكمن فقط في خطة كوشنر بحد ذاتها، بل في الانجرار الفلسطيني، تحت ضغط الحرب والحصار، نحو حلول تُقسّم الجغرافيا وتنهي التمثيل السياسي الموحد مقابل وعود رفاهية بلا ضمانات قانونية أو سياسية.


جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية


يؤكد أستاذ العلوم السياسية د. سهيل دياب أن خطة جاريد كوشنر التي طُرحت مؤخرًا في دافوس تحت عنوان "إعمار غزة" تتقاطع بشكل واضح مع تجربة مؤتمر المنامة سنة 2019 وما عُرف حينها بـ"صفقة القرن"، مشيرًا إلى وجود ثلاثة عناصر مشتركة جوهرية بين الطرحين تعكس جوهر المقاربة الأمريكية للقضية الفلسطينية.

ويوضح دياب أن أول هذه العناصر يتمثل في الارتكاز شبه الكامل على البعد الاقتصادي، دون تقديم أي مقاربة سياسية واضحة لمستقبل الحكم في قطاع غزة، سواء تعلق الأمر بحكم ذاتي أو سيادة فلسطينية أو دولة مستقلة، مؤكدًا أن تجاهل البعد السياسي لم يكن صدفة، وهو ما يفسر الرفض الفلسطيني المتواصل لهذه الطروحات منذ صفقة القرن وحتى اليوم.

أما العنصر المشترك الثاني، بحسب دياب، فهو إعادة إنتاج نمط أمريكي تقليدي يقوم على اعتبار التنمية الاقتصادية حلًا مركزيًا للأزمات السياسية المعقدة، مع تجاهل كامل للعناصر السياسية الجوهرية للصراع، بما في ذلك جذوره التاريخية والحقوق الوطنية الفلسطينية، وهو ما يجعل هذه الخطط منفصلة عن الواقع الحقيقي للصراع.

ويشير دياب إلى أن العنصر الثالث يتمثل في الفجوة العميقة بين الرؤية "المثالية" التي تروج لها هذه الخطط وبين الواقع الميداني القائم في قطاع غزة، معتبرًا أن هذه الفجوة تشكل الحاضنة الأساسية للأوهام والأفخاخ الكامنة في مثل هذه المشاريع.


إعمار غزة لتعميق نفوذها السياسي


ورغم هذه المشتركات، يرى دياب أن خطة كوشنر في دافوس تعكس مستوى أكثر وضوحًا وخطورة مقارنة بخطة المنامة، إذ لم تعد الولايات المتحدة تكتفي بطرح إعادة الإعمار كمسار اقتصادي، بل تسعى إلى استخدام إعمار غزة كرافعة لتعميق نفوذها السياسي، وصولًا إلى ممارسة نوع من الوصاية ووضع اليد على القطاع.

ويشير دياب إلى أن ما كان غائبًا في صفقة القرن من تصور سياسي لإدارة غزة، يجري اليوم بلورته عبر الحديث عن الحوكمة والتأثير الأمريكي المباشر.

ويؤكد دياب أن مشروع دافوس لا يُطرح كمبادرة إنسانية لإعادة الإعمار بقدر ما يُستخدم كأداة للتأثير السياسي الإقليمي والدولي.


إمكانية نجاح الخطة وفق شروط


وبشأن فرص نجاح الخطة، يوضح دياب أنها ممكنة نظريًا فقط في حال توفر أربعة شروط أساسية، هي: وقف إطلاق نار دائم، وإزالة الأنقاض والألغام، وتوفير رأس مال مالي ضخم، وإقامة هيكلية مؤسساتية واضحة للحوكمة.

غير أن هذه الشروط، وفق دياب، غير متوفرة حاليًا، ولا توجد حتى بدايات جدية لتحقيقها، خاصة في ظل غياب واقع أمني مستقر تتحكم به إسرائيل، وغياب الشرعية الفلسطينية اللازمة لإشراك سكان قطاع غزة في أي مشروع من هذا النوع، وهو ما تتحمل مسؤوليته الولايات المتحدة سياسيًا.

ويؤكد دياب أن الحديث لا يدور فقط حول أوهام اقتصادية، بل عن أفخاخ سياسية مرتبطة بتوازنات القوى الإقليمية والدولية، ومرهونة بمسار الإقليم واحتمالات التصعيد، وباتجاه النظام الدولي، سواء نحو هيمنة أمريكية متجددة أو نحو عالم متعدد الأقطاب، الأمر الذي سينعكس مباشرة على كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية عمومًا وقطاع غزة على وجه الخصوص.


طرح نظري يتعارض مع الواقع الميداني


يعتبر الكاتب والباحث السياسي وأستاذ النظم السياسية المقارنة، د. عقل صلاح، أن خطة جاريد كوشنر تجاه قطاع غزة ليست خطة عملية قابلة للتنفيذ، بل طرح نظري يتعارض جذريًا مع الواقع الميداني والسياسي والأمني القائم في القطاع، واصفًا إياها بأنها "وعود برجوازية كاذبة" تخدم أهدافًا أمريكية وإسرائيلية ولا تمت بصلة للحل الجذري للقضية الفلسطينية.

ويوضح صلاح أن الخطة ترتبط بشكل مباشر بأجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي ينظر إلى غزة باعتبارها مجالًا لجمع المليارات والسيطرة على ثروات الغاز قبالة سواحلها. ويشير صلاح إلى أن الخطة تُسوَّق دوليًا كخطة تشجيعية لجذب الدعم والاستثمارات، لكنها على مستوى قطاع غزة غير قابلة للنجاح، لأن القائمين عليها ينطلقون من أهداف استثمارية ومالية خاصة، منفصلة تمامًا عن واقع الاحتلال وعن متطلبات الحل السياسي العادل.


استبدال المرجعيات الدولية


ويبيّن صلاح أن جوهر الخطة يقوم على استبدال المرجعيات الدولية وقرارات الشرعية الدولية، التي تنص على إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، بمقاربة اقتصادية تهدف إلى التغطية على استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وتبييض صورته أمام المجتمع الدولي.

ويؤكد صلاح أن للخطة عدة أهداف متداخلة، من بينها هدف اقتصادي يتمثل في الاستثمار الأمريكي، وهدف سياسي يتمثل في شرعنة الاحتلال، إضافة إلى هدف آخر يتمثل في تحسين صورة إسرائيل دوليًا، وصولًا إلى هدف مرتبط بإنقاذ رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو من الملاحقة القضائية والضغط الدولي.


هندسة غزة على الطريقة الأمريكية


ويشير صلاح إلى أن أحد أخطر أبعاد الخطة يتمثل في هندسة قطاع غزة على الطريقة الأمريكية، من خلال اقتطاع مساحات واسعة منه والإبقاء على السيطرة الإسرائيلية عليها، ما يعني تحويل غزة إلى كيان منقوص السيادة، وحرمانها من مناطقها الزراعية التي كانت تشكل عنصرًا أساسيًا في تحقيق الاكتفاء الذاتي.

ويؤكد أن خطة كوشنر، القديمة المتجددة، تقوم على فرض "الحل الاقتصادي" كبديل عن الحل السياسي، وتمكين الاحتلال من الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يشكل جوهر التآمر على تضحيات الشعب الفلسطيني، لا سيما في قطاع غزة.

ويشير صلاح إلى تجربة "خطة المنامة" سنة 2019، التي روّج لها كوشنر تحت مسمى "السلام من أجل الازدهار" بقيمة 50 مليار دولار، والتي استهدفت عمليًا إنهاء حل الدولتين، مشيرًا إلى أن تلك الخطة لم تحقق سلامًا اقتصاديًا ولا ازدهارًا ولا حلًا سياسيًا. ويؤكد صلاح أن كوشنر عاد في سنة 2026 بالمنطق ذاته، عبر طرح تحويل غزة إلى "دبي فلسطين"، في محاولة لتحويل الصراع من قضية تحرر وطني إلى قضية خدمات ورفاه اقتصادي.

ويحذر صلاح من أن الخطة الجديدة تسعى لإحلال ما يسمى "مجلس السلام"، برئاسة ترمب، محل القانون الدولي والأمم المتحدة ووكالاتها، وعلى رأسها "الأونروا"، في خطوة تهدف إلى تصفية قضية اللاجئين وحق العودة، وربط ذلك كله بصفقة القرن واتفاقيات "أبراهام"، عبر استخدام الضغط الاقتصادي والإنساني في غزة لفرض حل اقتصادي يُنهي أي أفق لحل سياسي عادل.


فلسفة "السلام الاقتصادي"


تحذّر الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حدّاد من خطورة الطرح الذي يقدّمه جاريد كوشنر بشأن مستقبل قطاع غزة، معتبرة أنه لا يشكّل مشروع سلام أو إعادة إعمار بقدر ما هو إعادة إنتاج لفلسفة "السلام الاقتصادي" التي طُرحت سابقًا في مؤتمر المنامة، وأثبتت فشلها الكامل سياسيًا ووطنيًا.

وبحسب حدّاد، فإن كوشنر يعيد تسويق تجربة المنامة بلغة جديدة، تجمع بين العمران والاستثمار والتمويل، لكن من دون أي معالجة لجوهر الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، المتمثل بالاحتلال.

وتوضح حداد أن الرؤية المطروحة تتعامل مع غزة كملف استثماري وعقاري، لا كقضية تحرر وحقوق سياسية، مشيرة إلى أن تحويل القطاع إلى "صفقة عقارية" يخدم مصالح شركات وشخصيات ذات خلفية تجارية، على رأسها كوشنر وشركاؤه، ولا يستجيب لحقوق الفلسطينيين أو تطلعاتهم الوطنية.


تحييد البعد السياسي بالكامل


وتبيّن حدّاد أن أخطر ما في هذه الخطة هو تحييد البعد السياسي بالكامل، وإنهاء أي حديث عن السيادة الفلسطينية أو الحدود الجغرافية أو إنهاء الاحتلال، مقابل تقديم الاقتصاد كبديل عن الحقوق.

وتؤكد حداد أن هذا النهج كان جوهر مؤتمر المنامة، الذي لم يُنتج سلامًا، ولم يحسّن الواقع المعيشي للفلسطينيين، بل ساهم في تهميش حقوقهم السياسية وإنكار وجودهم الوطني.

وفي ما يتعلق بالواقع الميداني، توضح حدّاد أن خطة كوشنر تتجاهل حقيقة أن قطاع غزة مدمَّر على نحو شبه كامل، وأن الاحتلال يسيطر على أكثر من نصف مساحته، في ظل حصار مستمر، وغياب أي أفق سياسي حقيقي.

وتشير حداد إلى أن الحديث عن مراحل انتقالية لا يستند إلى ضمانات أمريكية أو التزامات إسرائيلية، ما يعني عمليًا تكريس مرحلة مؤقتة تتحول إلى دائمة، مع بقاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية.


أبعاد يموغرافية بالغة الخطورة


وتلفت حدّاد إلى أن الخطة تتضمن أبعادًا ديموغرافية بالغة الخطورة، إذ تُحدِّد أعداد السكان في المدن الرئيسية للقطاع، مثل مدينة غزة ورفح وخان يونس، ما يعني عمليًا تقليص الوجود السكاني الفلسطيني وفتح الباب أمام تهجير واسع النطاق.

وتعتبر حداد أن هذا التوجّه يشكّل جوهر الخطة، الهادفة إلى تقليل الديموغرافيا الفلسطينية تحت غطاء الإعمار والاستثمار.


رفض شعبي لهياكل مفروضة


وتؤكد حداد أن الشارع الفلسطيني في غزة لا يُبدي أي رضا عن الطروحات المتعلقة بـ"مجلس السلام" أو "المجلس التنفيذي" أو "اللجنة الإدارية"، إذ يُنظر إليها على أنها هياكل فُرضت بضغط أمريكي–إسرائيلي وبدعم من أطراف إقليمية، من دون توافق أو تمثيل فلسطيني حقيقي.

وتوضح حداد أن حالة الشك والرفض الشعبي تتزايد، في ظل قناعة متنامية بأن الهدف النهائي هو التهجير، وليس إعادة الإعمار.

وتؤكد حدّاد أن ما يطرحه كوشنر ليس سوى مزيج من الوهم السياسي والفخ المالي، يقوم على جمع الأموال من المانحين، ولا سيما دول الخليج، لنقل عبء تدمير غزة من الاحتلال إلى المجتمع الدولي، فيما يبقى الفلسطينيون الضحية، محذّرة من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى إعادة هيكلة غزة جغرافيًا وديموغرافيًا، وترسيخ سيطرة الاحتلال، بدل إنهائه.


تجاهل جوهر الصراع


يؤكد أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل، د. جمال حرفوش، أن الموقف الذي عبّرت عنه وسيلة إعلام أمريكية بشأن عدم نجاح تجربة جاريد كوشنر في قطاع غزة، لا يمكن فهمه بمعزل عن التجربة السابقة لكوشنر في مؤتمر المنامة عام 2019، الذي شكّل الركيزة الاقتصادية لما عُرف حينها بـ"صفقة القرن".

ويوضح حرفوش أن الدلالة الأهم في الطرح الحالي تكمن في إعادة إنتاج المنهج نفسه الذي اعتمده كوشنر سابقًا، والقائم على فصل الاقتصاد عن السياسة، والتنمية عن الحقوق، والإعمار عن السيادة.

ويشير حرفوش إلى أن مؤتمر المنامة قدّم مليارات الدولارات كبديل عن إنهاء الاحتلال، وتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة معيشية قابلة للحل عبر الاستثمار، لا قضية تحرر وطني وحقوق غير قابلة للتصرف، وهو ما قاد إلى فشل سياسي وأخلاقي ورفض فلسطيني واسع، بسبب تجاهله جوهر الصراع المتمثل في الاحتلال والأرض والسيادة وحق تقرير المصير.

ويؤكد حرفوش أن الطرح الحالي لما يُسمّى "غزة الجديدة" يعكس المنطق ذاته، لكن بواجهة عمرانية مختلفة، موضحًا أنه في المنامة جرى الترويج لأموال بلا دولة، وفي غزة يجري الحديث عن أبراج بلا سيادة، وفي الحالتين هناك تغييب متعمد للفاعل الفلسطيني الحقيقي. ويعتبر حرفوش أن الخطورة تكمن في أن الطرح الجديد أكثر تجريدًا من الواقع من مؤتمر المنامة نفسه، خاصة أن غزة اليوم ليست فقط تحت الاحتلال والحصار، بل مدمّرة، ومنزوعة البنية التحتية، ومثقلة بالأنقاض والذخائر غير المنفجرة، ويعيش أهلها في ظروف إنسانية قاسية داخل خيام.


وهم سياسي مغلف بخطاب اقتصادي


ويؤكد حرفوش أن ما يُعرض اليوم يمكن توصيفه كوهم سياسي مغلف بخطاب اقتصادي جذاب، وقد يتحول إلى فخ مزدوج.

يتمثل الفخ الأول وفق حرفوش، في وهم القابلية للتنفيذ، حيث يجري الحديث عن ناتج محلي بمليارات الدولارات وموانئ ومطارات وأبراج، في تجاهل لحقائق موثقة، أبرزها وجود أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض، والحاجة إلى سنوات لإزالة الركام وتطهير الذخائر، إضافة إلى غياب السيطرة الفلسطينية على الحدود والبحر والجو واستمرار الاحتلال في أجزاء واسعة من القطاع.

أما الفخ الثاني، بحسب حرفوش، فيكمن في التمويل بلا ضمانات سياسية، إذ يحذر حرفوش من استجلاب أموال دولية دون التزام واضح بإنهاء الاحتلال ودون ضمان السيادة الفلسطينية على الأرض والمشاريع، ما يحول المال من أداة إنقاذ إلى أداة لإدارة الأزمة.

ويشير حرفوش إلى أن أي إعمار لا يسبقه أو يوازيه حل سياسي حقيقي، يبقى إعمارًا مؤقتًا فوق أرض قابلة لإعادة التدمير.


لغة إعلامية جذابة دون مضمون سياسي


يعتبر أستاذ الإعلام السياسي في جامعة الخليل د. سعيد شاهين أن الخطة التي طرحها جاريد كوشنر خلال ملتقى دافوس الأسبوع الماضي، تبدو "جميلة وطموحة" من الناحية التسويقية والإعلامية، لكنها في جوهرها تفتقر لأي مضمون سياسي حقيقي يضمن مستقبل سكان قطاع غزة وحقوقهم الوطنية، محذرًا من أنها ليست أكثر من حبر على ورق.

ويوضح شاهين أن الخطة صيغت بلغة إعلامية جذابة توحي لمن لا يعرف طبيعة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بأن سكان غزة، الذين يواجهون حرب إبادة مستمرة بوتيرة متفاوتة، سيُكافأون بمستقبل مزدهر مليء بالفرص والأمل.


تجاهل مستقبل الفلسطينيين


إلا أن الخطة، وفق شاهين، تتجاهل بشكل كامل مستقبل الفلسطينيين السياسي، ولا تتضمن أي إشارة لحقهم في التحرر أو إنهاء التبعية للاحتلال أو حتى الوصاية الدولية، بل تحمل في تفاصيلها المخفية ما يسلبهم حقوقهم ويقضي على أي أفق وطني.

ويشير شاهين إلى أن الخطة تعكس بوضوح تطلعات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في السيطرة على قطاع غزة والاستيلاء على ثرواته الطبيعية، عبر ما يسمى "مجلس السلام"، الذي لم يلبِّ حتى الآن سوى جزء ضئيل من احتياجات قطاع غزة الإنسانية، مع الحفاظ على الهدف الأساسي للحرب، والمتمثل في إزالة أي تهديد لإسرائيل، والتحكم الأمني الكامل في تفاصيل حياة الفلسطينيين من خلال غرفة قيادة أمريكية–إسرائيلية مشتركة.

ويوضح شاهين أن إسرائيل تسعى، من خلال هذه الخطة، إلى فرض سيطرة أمنية دائمة والإبقاء على مساحات واسعة من القطاع فارغة، لضمان ما تصفه بأمن حدودها الجنوبية، تحت غطاء دولي وقرارات أممية، بينما يُروَّج للخطة على أنها مشروع إعادة إعمار.


أرباح استثمارية بغلاف الإعمار


ويبيّن شاهين أن الجانب المالي للخطة يقوم على جمع الأموال باسم الإعمار، في حين أنها عمليًا تهدف إلى جني أرباح استثمارية، خصوصًا في القطاع العقاري، تعود ملكيتها لترمب وصهره بالدرجة الأولى، لا لسكان غزة.

ويحذر شاهين من أن الخطة تستهدف إنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أو تحقيق تواصل جغرافي مع الضفة الغربية، التي يجري فيها تنفيذ مخطط موازٍ لتكريس السيطرة الإسرائيلية.

ويؤكد شاهين أن أي خطة لا تنطلق من إنهاء الاحتلال وفق الشرعية الدولية ومقرراتها تبقى عقيمة، مشددًا على أن ما يُروَّج له اليوم ليس سوى أوهام سياسية تمهّد لاستكمال السيطرة الإسرائيلية على كامل الأرض الفلسطينية وفرض أمر واقع دائم.

أقلام وأراء

الجمعة 30 يناير 2026 8:36 صباحًا - بتوقيت القدس

حتمية الحرب ... وفرملة الاندفاعات الترامبية



تقف منطقة الشرق الأوسط هذه الأيام على حافة الهاوية أمام تزايد الحشد العسكري الأمريكي حول إيران، وتحذيرات إيران من تداعيات أي عدوان أو حرب تشن عليها مهما كان مستواها ودرجتها وأهدافها،  وهذه الحافة هي الأخطر منذ بدأ الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران في العام 1979 بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، التي جاءت بانقلابات شاملة في الفكر والسياسة والاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية، وقد شهدت السنوات السبعة والأربعين من عمر هذا الصراع والعداء، توترات دائمة، وحالة شحن متواصلة،  وتعبئة لا تتوقف، وصلت لحرب الظل بين إسرائيل وإيران تمثل في ضرب السفن التجارية بمسيرات، وتفجيرات في الموانيء، واغتيال العلماء، وضرب المراكز والاهداف  والقادة والشخصيات في إيران وسوريا ولبنان وغيرها، ودعم المناوئين لإسرائيل بالمال والتدريب والخبرات،  وصولا لاستكمال إيران مشروعها النووي السلمي الذي كانت بدايته قد انطلقت في زمن الشاه المخلوع محمد رضا بهلوي،  وتعرض للتجميد لفترة قبل ان تعود  إيران الحديثة لإطلاقه واستكماله في زمن الرئيس الإيراني الراحل هاشمي رافسنجاني على أرضية حقها في الحصول على الطاقة النووية السلمية،  كباقي الدول التي تسعى للتقدم والتطور وفق الاتفاقيات الدولية والشروط العالمية.

إن إصرار إيران على اكتساب الطاقة النووية، كان ولا زال الهاجس الأكبر لدى إسرائيل والولايات المتحدة والقوى الغربية بشكل عام، وهذا الهاجس المتنامي والمتصاعد مرده عقدة الإبادة التي تعرض لها اليهود في الحرب العالمية الثانية على يد النازية، ويكفي ان تستدل على عمق هذه العقدة ما قام به نتنياهو عندما فاز في الانتخابات الثانية في العام 1999، حيث زار في اليوم التالي مقر قيادة الجيش الإسرائيلي للطلاع على خطط ضرب إيران، وقال بعدها بأيام في خطاب له في الكنيست "انه لن يسمح بحصول إبادة ثانية للشعب اليهودي"، بالإضافة الى قلق إسرائيل الكبير من تطويقها بقوى مسلحة موالية لإيران في جنوب لبنان وقطاع غزة والعراق واليمن وسوريا قبل سقوط نظام بشار الأسد،  ومشروع اللواء قاسم سليماني الذي كان يعمل على مشروع استراتيجي طويل الأمد يتمثل بتطويق إسرائيل بمليون صاروخ في كل من لبنان وسوريا وإيران والعراق واليمن وغزة، وان ما جرى في السابع من أكتوبر يصب في مخاوف العقدة المذكورة وما ردة الفعل الإسرائيلية العنيفة و القاسية والغير مسبوقة الا تعبير هائل عن الخوف من الوصول لحالة تقارب وتشابة عقدة " الإبادة" ولو بشكل مصغر.

إزاء ذلك، كانت عباءة الرد الإسرائيلي على ما جرى في السابع من أكتوبر أوسع من حيزها الجغرافي في قطاع غزة، بل توسعت وشملت لبنان واليمن وسوريا والعراق وإيران، فكان العدوان على إيران في الثالث عشر من حزيران العام الفائت، والذي بالرغم من المفاجئة الأمنية التي تحسب لصالح إسرائيل، الا أن خارطة الحرب بأيامها الاثنى عشر، حملت مؤشر واضح يدل على أن إسرائيل لا تستطيع تواصل هذه الحرب زمنا أطول، لان الاستنزاف فيها موجع ومؤلم للجانب الإسرائيلي أكثر مما هو الحال عليه للجانب الإيراني، لذلك تدخلت الولايات المتحدة بضربة مساندة تمثلت بالاغارة على بعض المنشأت المهمة  في المشروع النووي، وإنكفأت وسحبت معها إسرائيل تحت مظلة وقف اطلاق النار.

أما اليوم، وبعد مرور سبعة اشهر على هذه المواجهة، والتي عمل فيها الجانب الإيراني على ترميم واقعه الأمني الداخلي، والإسراع في سد الثغرات العسكرية التي كشفتها الحرب، من شراء  طائرات حربية متطور ، وأنظمة دفاع جوي، وتطوير وتعويض الصواريخ البالستية والفرط صوتية، وبشكل متسارع ومتواصل، والإبقاء على الموقف الإيراني الرافض لكل الشروط التي تطلب منه دبلوماسيا والمتمثلة في تصفير التخصيب، وتقصير مديات الصواريخ البالستية والفرط صوتية، والتوقف عن دعم قوى المقاومة في المنطقة، وعدم حل مسألة كمية اليورانيوم المخصب الموجودة لدية الا في حال اتفاق شامل متوازن، كل هذه المواقف الإيرانية وغيرها، اصتدمت بالتوجه الأمريكي الجديد  الساعي لتطبيق شعارات ترامب الانتخابية بآلية توسعية وعاجلة لا تنتظر التمهل، جوهرها خوف الإدارة الامريكية وعلى رأسها ترامب في ان تفقد الولايات المتحدة مكانتها العالمية امام نمو الصين وروسيا  وتوسعهما عالميا، وظهور تكتلات مثل البريكس وملتقى شغنهاي التي تهدد القطبية الأحادية للولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا، فإن التوجه نحو إيران بالحشد والحصار ولتهديد بالحرب واسقاط النظام لا يحمل ترف الوقت الذي يسمح للدبلوماسية في فك فتيل الازمة، وبالتالي ستكون الحرب اسرع مما نتصور،  واكبر مما يتوقعه الساسة والمحللون، لان قائمة البرنامج الذي يسعى ترامب لتحقيقه خلال فترة الثلاث سنوات المتبقية له في الحكم كبيرة ومزدحمة، وامامها عوائق حية منظورة، وعوائق غير متوقعة.

إن هدف الحرب سيكون إسقاط النظام بالدرجة الأولى، استكمالا لما جرى مع فنزويلا ورئيسها مادورو، وهذا الهدف في إيران ربما يتطلب قوة كبيرة ومراحل واسعة من نطاق النار وايام وأسابيع واشهر من القتال، أبعد من تقديرات ترامب ونتنياهو، لأن الحرب هذه لا يقصد فيها إيران فقط، بل الصين وروسيا، وكأن إيران تشكل العقدة التي تقف في وجه واشنطن في سيرها نحو بحر الصين، وحدود روسيا وكرواتيا، وبذلك مفاتيح الحرب لا يمكن ان يتحكم فيها الامريكان والإسرائيليين لان الغموض العسكري الذي  تمارسة إيران يجعل الجانبان الأمريكي والإسرائيلي رغم اصرارهما على التخلص من هذا النظام الإيراني حاجة ملحة  في قلق وتردد،  بل عدم استشراف واضح لنتائج هذه الحرب، ومآلاتها.

لقد ضاق الامريكيون ومن خلفهم الإسرائيليون والغربيون ذرعا بالحالة الإيرانية التي استعصت عليهم طيلة العقود الخمسة الماضية، وحان الوقت حسب تقديراتهم ان يغلق هذا الملف اغلاقا تاما، في ظل هذه الموجة من التغيرات التي يشهدها العالم بيد ترامب وطموحاته في السيطرة والهيمنة، لكن ما لا يريد ترامب ومن خلفه نتنياهو حله أو عجز كلاهما عنه هو شفيرة  إيران الثورة الإسلامية التي مكنت إيران من الصمود والتحدي طيلة العقود الخمسة تقريبا، برغم من الحصار والعقوبات التي لم يتعرض لها كما ومدة في التاريخ احد، ومستوى التقدم والمكانة التي وصلت اليها طهران على مستوى المنطقة والعالم سواء كانت عسكرية او اقتصادية او علمية، لذلك ومع حتمية الحرب، لا يمكن التكهن بالنهايات، او التحكم بآليات وخيوط ومساحة  الصراع العسكري القادم الذي برأيي ستكون إيران هي الأكثر تحكم به، وتوظيفه لافشال اهداف الحرب، بل فرملة الاندفاع الترامي نحو الهيمنة والسيطرة وإعادة الوجه الحديث للاستعمار والتبعية ونهب خيرات الشعوب.

أقلام وأراء

الجمعة 30 يناير 2026 8:35 صباحًا - بتوقيت القدس

عملية "درع العاصمة" للحسم النهائي في مدينة القدس

بعد انتقال حرب الإبادة والطرد والتهجير في قطاع غزة، مع الإعلان عن بدء المرحلة الثانية، بما يعرف بخطة ترامب، إلى درجة وطور أدنى من السابق في "التغول" و"التوحش" حيث الحرب مستمرة ومتواصلة، ولكن بوتائر منخفضة الى متوسطة، لفرض وقائع جديدة على الأرض، تكرس السيطرة الأمنية لدولة الاحتلال ، والحق لها في الخروج على الاتفاق، حسب تقديراتها بأن هناك مخاطر عسكرية وأمنية على جيشها وأمنها.

 معركة الحسم للسيادة على المدينة والسيطرة عليها بشكل نهائي، مستمرة ومتواصلة وبدون توقف، وعبر مجموعة من الاستراتيجيات القائمة على استهداف الوجود الفلسطيني بكل أشكالة وتمظهراته، تكثيف الاستيطان وزيادة أعداد المستوطنين، وتوسيع مساحة مدينة القدس، لكي تصبح 10% من مساحة الضفة الغربية، في إطار سياسة "الهندستين"، الديمغرافية والجغرافية للوجود الفلسطيني فيها، وتحقيق أغلبية للمستوطنين على حساب سكان المدينة الأصليين، أي العرب الفلسطينيين، وعبر سياسات الهدم المستمر للمباني الفلسطينية في القدس وضواحيها وبتسارع غير مسبوق، والطرد والتهجير القسرى لأحياء بكاملها، كما هو الحال في أحياء سلوان الستة، وفي المقدمة منها حيي بطن الهوى والبستان، وحيي الشيخ جراح الشرقي والغربي.

 وكذلك ضم الكتل الاستيطانية الكبرى اليها، من مجمع مستعمرات "غوش عتصيون"  قرب الخليل، الى مجمع "افرات" الإستيطاني، جنوب غرب بيت لحم أيضاً، مروراً، بالمستوطنات المقامة على أراضي قرية الولجة "جفعات شاكيد" وكذلك المستوطنات المقاومة على أراضي بيت صفافا وشرفات "جفعات همتوس" و"جفعات هتحموتس"، ومن ثم الى شمال مدينة القدس، والمخطط الإستيطاني الواسع الذي سيقام على ارض مطار مدينة القدس (9400) وحدة استيطانية، ومن ثم نحو البوابة الشرقية لمدينة القدس، وإقامة مستوطنة "أي ون"، (3401) وحدة استيطانية، بما يعزل قرى شرق المدينة" ويغلق بوابتها الشرقية بشكل نهائي، وعملية الحسم والسيادة على المدينة، لا تقتصر على التهويد، بل تترافق مع السعي "لأسرلة " الوعي و"كيه" و"تطويعه" و"صهره" و"تجريفه"، عبر ضخ ميزانيات تقدر بمئات الملايين من الدولارات لتحقيق هذا الهدف.

 العمليات المتلاحقة والمستمرة، تحت مسمى "درع العاصمة"، والتي تتركز في شمال المدينة، المطار داخل جدار الضم والتوسع، وكفر عقب وحزما خارجه، وفي مخيم شعفاط، والمناطق الشرقية من المدينة، قرى العيزرية وابوديس وعناتا والزعيم والعيسوية والتجمعات البدوية، وادي الجمل وجبل البابا وبدو الخان الأحمر والحثرورة، وصولاً الى برية القدس، هدفها الحسم والسيطرة والسيادة النهائية على القدس.

 سلسلة هذه العمليات بدأت أولها في 23-12-2025 ضد كفر عقب ومخيم قلنديا اللذين عزلهما الجدار عن مدينة القدس،  ثم عاد ليطلق جزءاً ثانياً من العملية في 12-1-2026 ضد مخيم شعفاط واستمرت لعدة أيام، وجاءت لتستبق هدم مقر "الأونروا" في حي الشيخ جراح، ومن ثم حرقه، وتفاخر قادة الاحتلال  بالتخلص من "العدو النازي" واعتبروا ذلك يوما عظيما وتاريخيا.

 يوم الإثنين 26-1-2026 بدأ الاحتلال الحلقة الثالثة من حملات "درع العاصمة"،  ووجَّهها ضد حي مطار قلنديا داخل الجدار وإلى بلدتي كفر عقب وحزما خارجه، وهدم خلالها على مدى يومين فقط حتى الآن أكثر من 40 عقاراً في محيط مطار قلنديا، وأكثر من 70 عقاراً بالمجموع في المناطق الثلاث شمال القدس بحسب ما أعلنته محافظة القدس، ما يعني أن الهدم خلال هذين اليومين فقط يساوي تقريباً 28% من المنشآت المهدومة في القدس طوال عام 2025، علماً أنه كان أكثر عام هُدمت فيه المنشآت في القدس من بعد سنة احتلالها في 1967.

 العمليات مستمرة في شمال المدينة، ولم تتوقف وكذلك على مخيم شعفاط، حيث جرى يوم أمس الأول الأربعاء، اقتحام مخيم شعفاط وفرض غرامة بقيمة 247 ألف شيكل على مركز شباب مخيم شعفاط.

 كما أمهلت المركز النسوي واللجنة الشعبية ومركز شباب مخيم شعفاط أسبوعا واحدا لتصويب أوضاعهم القانونية والحصول على ترخيص من بلدية الاحتلال.

 علما ان قوات الاحتلال قامت صباح الأربعاء بقطع الكهرباء والماء والاتصالات عن كافة المؤسسات التابعة لوكالة الاونروا في المخيم بالاضافة لمركز صحي ( كوبات حوليم ) مستأجر من المركز النسوي في المخيم.

 باختصار، الأمور ماضية إلى عودة مركز معركة الحسم إلى القدس كما بدأت منها في 2017،  وإلى حدٍّ لم تشهده المدينة منذ احتلالها،  وهذا يفرض استعادة إرادة الدفاع عنها بكل الطرق الممكنة، وعلى رأسها استعادة الإرادة الشعبية في مرحلة ما بعد الإبادة،  وإلا فالنتيجة ستكون مزيداً من العدوان والتغول الصهيوني المتطلع إلى التصفية النهائية.

 نحن نقرأ في العدوان المستمر والمتواصل على شمال المدينة، سعي لتحقيق مجموعة من الأهداف منها:- 

أولاً: أنه تمهيد لبناء مستوطنة جديدة في مكان مطار القدس الدولي في قلنديا والذي يعود افتتاحه للعهد الأردني في القدس، وما تزال أراضيه- وتبلغ مساحتها 1,243 دونماً- مسجلة باسم خزينة الدولة الأردنية، حيث قرر الاحتلال بناء 9,400 وحدة استيطانية فيها تستكمل مع منطقة قلنديا الصناعية "عطروت" الواقعة إلى جنوبه، ومع حاجز قلنديا الواقع إلى شماله، فصل كفر عقب ومخيم قلنديا عن القدس بطبقاتٍ صناعية وسكانية وأمنية، وليس بالجدار فقط.

 ثانياً: لقد ترك الاحتلال كفر عقب لفترة طويلة لتكون متنفس البناء الوحيد للمقدسيين، إذ غض الطرف عن البناء فيها متقصداً تحويلها إلى نقطة جذب للمقدسيين قبل إكمال فصلها عن بقية القدس، بحيث يفصل مع كفر عقب أكبر عدد ممكن من أهل المدينة، ويحول هذه البلدة إلى منطقة شديدة الاكتظاظ منعدمة التخطيط محدودة البنى التحتية ما يجعلها في دوامة احتكاكٍ ونكد دائم بين أهلها، وهو ما دفع المقدسيين اليوم لتسميتها بـ"كفر عجب" أو حتى "كفر غضب"،  ويأتي الاحتلال ليكمل ذلك بحملات أمنية انتقائية،  وعمليات هدمٍ واسعة في بعض النقاط التي يرى الحاجة لـ"إعادة هندستها".

 ثالثاً: تكريس الفصل النهائي لحزما عن القدس، ودفعها نحو التحول إلى ريف معزول لا يتصل بمركز مدني، حيث الحملة على قرية حزما مستمرة ومتواصلة، ويجري اغلاق كامل لكل طرقها، بما فيها الداخلية الترابية، ويبدو أن المخطط عزلها بشكل كلي، ومنع أي مواطن لا يحمل هوية تحدد مكان سكنه حزما بدخولها او الخروج منها، كما هو الحال في قرية النعمان جنوب شرق مدينة القدس، والتي يمنع الدخول والخروج منها، إلا لمن هو مكان سكنه قرية النعمان.

 وإذا ما وضعت إلى جانب ذلك الحملات المتتالية على برية القدس في الخان الأحمر وما حوله، وعلى شمالها الشرقي في مخماس وجبع والتجمعات البدوية من حولها، وعلى شرق رام الله كذلك،  فإن تصور الاحتلال ربما لا يقتصر على "العزل" فقط،  بل لعله يتجاوز ذلك عملياً إلى رؤية إفناء شامل لكل الامتداد الشرقي للقدس ورام الله، وتكريس تهويد غور الأردن والمناطق "الشفا غورية" المؤدية إليه، وعزل الفلسطينيين عنه نحو المراكز المدنية، التي لن تلبث أن توضع تحت منظار الإلغاء هي الأخرى.

 ما تقوله وقائع القدس اليوم أن الوضع العام ليس ذاهباً إلى تهدئةٍ بعد حرب الإبادة، وأن تلك الحرب تحولت من شكلٍ لآخر ومن جبهة لأخرى، وأن حرب التصفية والإلغاء لم تعد تكتفي بالتقدم بالنقاط.

أقلام وأراء

الجمعة 30 يناير 2026 8:33 صباحًا - بتوقيت القدس

الإدارة الحكومية والتخطيط الاستراتيجي فيل في الغرفة... أم فأر سدّ مأرب؟

لماذا نحتاج أحيانًا إلى عشرة أشخاص لتبديل مصباح؟

ليس السؤال ساخرًا بقدر ما هو تشخيصي. ففي كثير من البيئات الإدارية، قد يكون أسرع طريق لتعطيل مهمة بسيطة هو إحاطتها بلجنة.

في أحد المباني الحكومية، تعطّل مصباح في نهاية ممر خارجي. لم يكن الأمر جوهريًا في بدايته، لكن الظلام بدأ يزعج المراجعين، وتكررت الملاحظات. أُحيلت المسألة أولًا إلى الإدارة الفنية، التي فضّلت إشراك السلامة المهنية نظرًا لقرب المصباح من درج الطوارئ. السلامة المهنية رأت ضرورة التنسيق مع الشؤون الإدارية بسبب الميزانية، فيما طلبت الشؤون الإدارية رأي الصيانة. اقترحت الصيانة نوعًا موفرًا للطاقة، وتذكّر أحدهم تعميمًا قديمًا حول كفاءة الاستهلاك، بينما أشار آخر إلى أهمية الالتزام بالمواصفات القياسية.

بعد أيام، صدر قرار بتشكيل لجنة. لجنة ضمّت ممثلين عن الصيانة، والسلامة، والإدارة، والمالية. اجتمعت اللجنة أكثر من مرة، وناقشت نوع المصباح، والشركة الموردة، ومدة الضمان، وآلية التركيب، ومن سيوقّع محضر الاستلام. طُرح سؤال إضافي: هل نحتاج إلى موافقة أخرى لأن الممر يخدم طابقين؟ لم يجب أحد، لكن السؤال سُجّل في المحضر.

انتهى الاجتماع بتوصيات واضحة، لكنها احتاجت إلى اعتماد. مرّ أسبوع، وبقي المصباح معطّلًا. لم يكن هناك خلاف، ولا اعتراض، ولا تعقيد حقيقي. ومع ذلك، لم يتقدّم أحد خطوة واحدة لتبديله.

السؤال هنا ليس: لماذا تأخر تبديل المصباح؟

بل: لماذا احتجنا أصلًا إلى كل هذا العدد من الناس لقرار كان يمكن حسمه في خمس دقائق؟

في بعض أنظمة العمل، لا يُقاس النجاح بعودة الضوء، بل بسلامة الإجراء.

الفيل في الغرفة: تفتيت المسؤولية

العطب الحقيقي في هذه القصة ليس المصباح، بل تفتيت المسؤولية. حين تتحول اللجنة من أداة للمشورة إلى درع يحتمي خلفه الجميع، نكون أمام نمط إداري يمكن تسميته بـ الاحتماء بالكثرة.

ويقصد بهذا المفهوم ذوبان سلطة الفرد المسؤول داخل كيان جماعي هلامي، بحيث لا يُعرف على وجه الدقة من صاحب القرار، ولا تُحمّل كلفة الفشل على أحد بعينه. في علم الإدارة السلوكية يُشار إلى هذا السلوك بمفهوم اتخاذ القرار الدفاعي، حيث يلجأ الأفراد غريزيًا إلى الأمان الذي توفره الجماعة.

كما لا يهاجم الذئب فريسة تتحرك في وسط القطيع، يصعب على أي نظام مساءلة شخص يختبئ خلف توقيعات عشرة مديرين آخرين. في هذا السياق، يُنسب النجاح إلى الجميع إن تحقق، بينما يتبدد الفشل بين الأطراف إن أخفق القرار، ويضيع دم القرار بين القبائل.

منطق العطب المؤسسي

ينشأ هوس اللجان غالبًا في البيئات التي يكون فيها ثمن الخطأ مرتفعًا. وحين لا يوفر النظام حماية مؤسسية للخطأ المعقول، يبحث الأفراد عن صيغ تخفف كلفة القرار. هنا تظهر اللجنة كحل عملي: توزّع المسؤولية، وتؤجل الحسم، دون أن يبدو ذلك تعطيلًا صريحًا.

كلما اتسعت دائرة المشاركين، تراجعت ملكية القرار. تتكاثر التواقيع، ويختفي صاحب القرار، ويغدو القرار حدثًا جماعيًا بلا عنوان. ومع التكرار، يتحول هذا السلوك إلى نمط مستقر، لأن النظام لم يحدد مسارًا واضحًا للحسم، ولم يربط القرار بشخص مسؤول عنه.

متى تصبح اللجنة مشكلة؟

وجود اللجان في العمل العام ليس خللًا بحد ذاته، ولا دليلًا على ضعف الإدارة. الخلل يبدأ حين تتحول اللجنة إلى استجابة افتراضية لكل مسألة، بصرف النظر عن طبيعتها أو مستوى القرار المطلوب فيها.

في كثير من المؤسسات، يُكافأ تجنب الخطأ أكثر مما يُكافأ تحقيق الأثر. في هذا المناخ، تبدو اللجنة خيارًا مريحًا: تمنح انطباعًا بالعمل المنظم، وتمتص القلق المرتبط بالحسم، وتؤجل القرار دون إعلان ذلك صراحة. النتيجة مع الوقت هي تآكل روح المبادرة، وتحوّل الموظفين إلى منفذين حذرين بدل صانعي قرار مسؤولين.

دعوة للتأمل

بعيدًا عن المصباح واللجان ومحاضر الاجتماعات، يبقى سؤال جوهري:

ما الذي نحاول حمايته حين نُكثر من المشاركين في القرار؟

الحديث هنا ليس دعوة لإلغاء اللجان، ولا لاختزال العمل العام في قرارات فردية متسرعة، بل دعوة لطرح السؤال الذي غالبًا ما يُتجنب:

هل شُكّلت هذه اللجنة لتنجز، أم لتؤجل لحظة الحسم؟

في اجتماعك القادم، انتبه لتلك اللحظة التي يُقال فيها: "دعونا نشكّل لجنة". اسأل نفسك بهدوء:

ماذا كنا سنفعل لو لم يكن خيار تشكيل اللجنة متاحًا؟

أحيانًا، يكشف هذا السؤال ما إذا كانت اللجنة ضرورة تنظيمية حقيقية، أم ملجأً مريحًا من قرار كان يمكن اتخاذه وتحمل تبعاته.

أما عن فأر سدّ مأرب، فهي قصة تاريخية أترك للقارئ متعة البحث عنها... وربما إسقاطها على واقعه الإداري بنفسه.

أقلام وأراء

الجمعة 30 يناير 2026 8:31 صباحًا - بتوقيت القدس

كيف يحتفي كُتّاب مصر بالحدث الفلسطيني والمشاركات الفلسطينية

من المؤكد والطبيعي أن تزداد فلسطين قوة بقوة أصدقائها، وتضعف بضعف أصدقائها وحلفائها، ولذا وجب على الفلسطينيين أن يكونوا أبر الناس بأصدقائهم وأن يحدثوا بعضهم بعضا عن كل من عرفوه نصيرا لهم ولقضيتهم. ولعل مجتمعات الفكر، او مجتمعات القوة الناعمة لها التأثير العظيم عاجلا أو آجلا في انتصار الحق وأهله، مهما كانت درجة تسلح الخصم وحجم كيده وتلاقي مصالحه مع قوى الاستكبار العالمي، وتتفاوت مستويات التأييد التي تحظى بها فلسطين في أقطار العالم. وفي الحديث عن أصدقاء فلسطين في مصر مثلا، نجد المثير الإيجابي جدا إذا تحدثنا عن كُتاب وإعلاميي مصر كأهم مكونات المجتمع الفكري هناك, ومن خلال الحديث عن كبار الُكتاب المصريين نكتب اليوم عن ثلاثة من كُتاب مصر الحاليين عما فعلوه أخيرا من أجل فلسطين، مع ذكر سريع في النهاية لكُتاب آخرين صاحبوا القضية الفلسطينية وتابعوا سيرها، كمن تابعوا منبع النهر من البحيرة وساروا معه طويلا دون أن يصلوا إلى مصبه في البحر العظيم.


الكاتب والأديب الكبير أسامة الألفي: مساعد رئيس التحرير في جريدة الأهرام


أسامة الألفي الذي نشرت سيرته دار نشر عراقية، جاء فيها أن هذا الكاتب قد أثرى المكتبة العربية كثيرا في مجالات الثقافة والفكر والأدب، الألفي زار معرض الكتاب السابع والخمسين في القاهرة الذي سوف يستمر إلى بداية شهر شباط – فبراير2026 ولم يرَ في هذا المعرض العريق، ثاني معارض الكتاب العالمية حجما بعد معرض فرانكفورت، لم يرَ إلا فلسطين لشدة انشغاله بالهم الفلسطيني وخصوصا ما يشهده قطاع غزة من جريمة صهيونية تتواصل منذ ما يقارب سنتين ونصف، يتحدث عن زيارته لهذا المعرض فيقول : لم تكن الدورة 57 لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، مجرد مناسبة لالتقاء إصدارات 1457 دار نشر من 83 دولة مع 6637 عارضا في مكان واحد، ولكنها جسدت رغبة في إعادة الكتاب إلى حياة الأسرة المصرية، برفعها شعار "من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قرونًا"، وهو اقتباس عن الأديب الكبير نجيب محفوظ، ثم انتقل إلى إحصائيات عن عدد الضيوف الرسميين وكبار الكتاب العرب والأجانب في المعرض، وعدد الفعاليات التي سوف تنظم في أيام المعرض. وبعد بعد ذلك انتقل فورا إلى الشأن الفلسطيني فقال: والأجمل أن فلسطين كانت حاضرة بقوة في المعرض، فجناحها وضع برنامجًا ثقافيًا تفاعليًا يوميًا بعنوان «لقاء مع كاتب»، يهدف إلى عقد لقاءات مباشرة مع الكتاب الذين تناولوا القضية الفلسطينية ضمن مشاركاتهم في المعرض. كما يضم الجناح إصدارات أدبية وتاريخية وفكرية تُسلط الضوء على قضايا القدس، واللاجئين، والأسرى، والجغرافيا السياسية، إلى جانب الفنون الفلكلورية والتراثية الفلسطينية، وإصدارات وزارة الثقافة الفلسطينية والاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، وحرصت سفارة فلسطين بالقاهرة على المشاركة في عدد من الندوات الثقافية والفكرية والفنية ضمن البرنامج الثقافي العام للمعرض.


نائبا رئيس التحرير في جريدتي الأهرام والجمهورية المصريتين:


الكاتب مدبولي عثمان – انتبه نائب رئيس تحرير في جريدة الجمهورية المصرية، لمقال منشور في جريدة “ے” بعنوان غزة : دوامة السؤال وصراع الإردات للكاتب سعيد يقين، فعلق عليه بالآتي: الإرادة الصلبة لأهل غزة وثبات المقاومة هزمت القوى الكبرى في عالم اليوم ومنحت الأمة أملا في النهضة من جديد، وأشد على يد كل فلسطيني في قبول دعوة الكاتب لهم بالاعتماد على الذات لاعمار غزة بقولة : وعليه لا يظن احد منا نحن الفلسطينيون انه بريء من إثم ما يجب أن يبادر به لانتشال أبناء القطاع من محنتهم دون انتظار شروط التعليمات الدولية." لم يكتف الأستاذ مدبولي بهذا التعليق بل نشر المقال وشارك به على صفحات جريدة "وضوح المصرية" التي يرأس مجلس إدارتها، بعد تحليل المقال إلى المفاصل الأساسية التي وردت فيه لإبراز كل منها بعنوان لافت على صفحات الجريدة المصرية.

وقبل ذلك انتبه أبو بكر عبد السميع : نائب رئيس تحرير في جريدة الأهرام، أيضا لمقال في جريدة “ے” بعنوان: إعلام العدو الإسرائيلي الممغنط في الكتابات والمداولات والمواقف، فعلق عليه بكلمات تزيد عن كلماته، جاء منها موجها إلى الكاتب الفلسطيني دمت متألقا رائعا في سرد متقن يتفق اللفظ فيه ودالة المعني، ورغم أن نصك النثري سباحة فى بحر متلاطم الأمواج لكن سفينة كتابتك جرت فى البحر الهائج ، تدافع أمواجه بقلب إنساني يُلاطم خطر البحر، اليوم وإن ظننا أننا بمأمن بالشواطئ وعلى جنبات السواحل. لكن جنون البعض منا يتجه بالامة وهو يخوض السفينة خوض الباطل، فالشاطيء نراه والساحل حقيقيا، بينما حزمة المصالح حطت علي وجوه كالحة جعلوا من النضال الفلسطيني مسرح هراء سياسي، فصول بالتعاون مع الكيان الصهيوني ومشاهد انفصام الشخصية بين اللا والنعم بين الموقف العربي المرتجى وبين الموقف المتخاذل ! ومن يعود بنا إلي زمن الجاهلية سيجد شخوصا عبثت بشكول فعال ضربت القبائل العربية بعضها بعضا مرة صوب الروم ومرة صوب الفرس ومرة نحو الأحباش، فضاعت حقوق العرب جراء ذلك وكانت بداية المصالح الشخصية للطليعة مقدمة عن الوطن، فداس ديارنا العربية قيصر وكسري وابرهة الأشرم ،وتوزع العرب للنجاة بالتنازلات كما فعل الملوك التبابعة حتي سيف بن ذي يزن. وفى العصر الحديث ٠٠فلسطين والعراق وسوريا واليمن، والخليج يبتز ماليا ومواردا، مصاحبا لغزو ثقافي كريه، ساعدهم فى ذلك أصحاب المصالح الطوالح غير الصوالح. لقد غدا الشأن السياسي العربي كما نراه فى الفضاء والفناء اتهامات وشتائم وقطع وصل للعروبة، وستكون حماس تحت مقصلة الخيانة اتهاما، وسنجد من يحملها مسئولية مذابح نتنياهو وترامب والسكوت العربى و العالمى ككل، فمقالك اخى الفاضل د٠ سعيد يقين استباقي بوشم اسقاطي لتقولب الزمن فالكتابات والتصاريح وبطاقات الهوية والبرامج والإعلانات كثير منها ممغنط، أي لا مرور اوعبور أو خروج أو دخول إلا بإذن الصهاينة والعم سام ورأس الأفعى بريطانيا ودمتم بنصر وسؤدد في أرض فلسطين.

وقبل من ذكرنا من أعلام الكتابة الحاليين في مصر، كان من الراحلين أحمد بهاء الدين الذي زار نابلس مرة واحدة قبل نكسة 1967 واحتفى به أعيان نابلس في بيت من بيوت آل طوقان كانت فيه مكتبة عظيمة، عن تلك المكتبة وتلك الزيارة كتب الكثير جدا في الصحافة الكويتية يوم كان رئيس تحرير مجلة العربي الشهيرة، ولما عاد إلى مصر واصل حديثه عن تلك الزيارة، وفي إحدى كتابته عن أبناء نابلس، كتب مقالا أنقذ به منزل أحمد شوقي من مصير منزل أم كلثوم الذي تحول إلى عمارة عالية جدا نسفت تاريخ الفن المصري الراقي، حيث قال اتصل بي صديق من نابلس وقال لي هل وصل طمع مقاولي البناء لمنزل كرمة إبن هانيء"، ومع أحمد يهاء الدين كان يكتب أحمد بهجت بكل حنو وصدق محبة مقالا سنويا في يوم فلسطين، كان طلاب فلسطين في الجامعات المصرية يعلقونه في منازلهم ويتفاخرون بما كتب، ويوم أن استلم المصريون العريش من العدو في أواخر السبعينات، كتب أحمد بهجت مقاله الشهير بعنوان : آه يا حبيبتي. وختمه بالعبارة التالية، باسترداد العريش نكون كمن استرد طرف رداء الحبيبة التي وجهها غائب في القدس، أحضرت المقال من مصر وقرأته على أبي في ريف القدس وهالني كيف اغرورقت عينا أبي بدمع المفاجأة، ما جعل ذلك المقال يستقر في مخي وقلبي إلى أبد الآبدين، وما وظفه هيكل من فصاحة لخدمة القضسة الفلسطينية وجعلها موضع اهتمام نُخب الفكر في مصر، كان عظيما، وما كشفه المسيري من زيف كيان العدو ربما كان أعظم، وما قاله محمود عوض في برنامجه الشهير من قلب اسرائيل في إذاعة الشرق الأوسط المصرية، حري بالعرب إعادة استماعه، كان محمود عوض يوجب مناصرة فلسطين في كل الأحوال على منهج الرسول الكريم عندما قال : أنصر أخاك ظالما أو مظلوما" وفي اللحظة المشؤومة التي أعقبت اغتيال علم الثقافة يوسف السباعي رحمه الله تعالى والذي صاحبه غضب مصري وفلسطين وعربي وظن الكثيرون أن من قاما بالجريمة فلسطينيان، جعل من برنامجه مجالا لتبرئة فلسطين من تلك الجريمة وقال إن من اغتال السباعي ليسا فلسطيننيان، بل هما من الجنسة الفلانية والجنسية الفلانية وأنهما فعلا ذلك لحساب المدعو حافظ الفلاني، وفي جانب مهاجمة العدو وصف أواخر السبيعنات المرحوم مُحسن محمد، رئيس مجلس إدارة جريد الجمهورية، وصف بيجن بالخنازير، فتنامى الى الرسميين مطلب العدو لمحسن محمد بالاعتذار، فقال لهم سوف أعتذر للخنزير أن شبهت به بيجن.

ومن خلال إذاعة فلسطين من القاهرة قدم طاقم هذه الإذاعة لفلسطين عبر أكثر من سبعين سنة ما نعجز عن ذكره ولو بكل التفاصيل، في السنوات الأخيرة قدم حبيب فلسطين إبراهيم البيك برنامجه الشهير "عين على القدس وقال فيه العجائب" من خلال ذلك البرنامج تعرفت النخب الفلسطينية على بعضها أسماء كثيرة أخرى تستحق الذكر ولكن من اين نأتي بطاقة للصحف والجرائد تحتمل كل ماف القلب، من سيدات القلم في مصر نقرأ هذه الأيام للسيدة مروة محمد عبد المنعم وسلوان مهدي وزينب المغاوري ومن فنانات الفن التشكيلي والكاريكاتير وجدنا إنجي حسن دوام المناصرة الصادقة المتواصلة للفنانة إنجي حسن التي أبدعت حتى الآن مئات اللوحات التي تناصر فلسطين بمهاجمة العدو، فهي مهاجمة قبل أن تكون مقاومة، كانها فهمت قانون "درهم مهاجمة خير من قنطار مقاومة" وفي النهاية تحية منا كل من وقف مع فلسطين، ودعاء إلى الله تعالى أن يُكرم أنصار فلسطين بقدرته وكرمه، فنحن أعجز من تكريمهم بما يستحقون.









أقلام وأراء

الجمعة 30 يناير 2026 8:29 صباحًا - بتوقيت القدس

حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ : قراءة موسّعة في مشروع الباحثة والشاعرة إيمان مصاروة

ليست الكتابة في جوهرها العميق، فعلَ تعبيرٍ محايدًا، أو مجرّد تمرينٍ لغويٍّ على البلاغة أو الإفصاح، فثمة كتابة تتجاوز حدود البوح لتغدو مساءلة جذرية توجّه إلى اللغة ذاتها قبل أن تُوجَّه إلى العالم! ماذا تستطيع اللغة أن تقول دون أن تُزيّف؟ وماذا تختار أن تصمت عنه دون أن تتورّط في التواطؤ؟ في هذا الحيّز الدقيق تحديدًا، حيث الأخلاقي يلامس المعرفي، وهكذا تتشكّل تجربة إيمان مصاروة بوصفها مشروعًا كتابيًا لا يهادن، ولا يبحث عن مناطق الراحة.

وإيمان مصاروة ليست كاتبة تُقيم في تعريف واحد، ولا تستكين إلى تصنيفٍ أدبيٍّ جاهز! فهي لا تُقرأ شاعرة فحسب، أو باحثة أكاديمية فحسب، بل بوصفها مشروعًا معرفيًا متكاملًا، ينشأ في منطقة التوتّر بين الحدس والدقّة، بين الوثيقة والقصيدة، وبين التحليل البارد والالتزام الإنساني الصارم!! كتابةٌ وكاتبةٌ تعرف أنّ الحياد في سياقات الظلم الفادح، ليست قيمة أخلاقية وأنّ الصمت حين يُمارَس طويلًا، قد يتحوّل إلى شريكٍ خفيٍّ في إنتاج القهر والمعرفة!


المعرفة حين تفقد براءتها

في مجمل أعمالها البحثية، ولا سيّما في دراساتها المتعلّقة بالقدس، والطفولة، والتعليم، والاستيطان، وأدب المدينة شعرًا ونثرًا، لا تتعامل مصاروة مع المعرفة بوصفها نشاطًا أكاديميًا منزوع السياق، بل باعتبارها فعلَ مسؤوليةٍ أخلاقية تتطلب الوقوف. فالمعلومة لديها ليست رقمًا ولا هامشًا، بل شاهدًا، والعنوان ليس إطارًا شكليًا، بل مدخلًا إلى الوعي بالوقائع، وحاجزًا أخيرًا يمنعها من السقوط في التكرار المألوف.

إنّها تكتب وهي تدرك أنّ أخطر ما قد يصيب الظلم ليس استمراره فحسب، بل اعتياده! لذلك تأتي لغتها البحثية مشدودة، متقشّفة، محكومة بمنطق الرصد الدقيق والاحتراز من الانزلاق إلى العاطفية السهلة، والمناهج العلمية‪, غير أنّ هذه الصرامة لا تعني البرودة، فالموضوعية في مشروعها لا تُساوي الانفصال! والدقّة لا تُعفي من الانحياز للإنسان بوصفه قيمةً كلية!، هنا لا تكون الباحثة شاهدًا من خارج الحدث، بل شاهدةً منخرطةً في مساءلة شروط المعرفة نفسها، وحدودها، ووظيفتها الأخلاقية.


النقد: إصغاءٌ إلى ما تقوله النصوص خلف أقنعتها

إلى جانب عملها الأدبي الممتدّ لأكثر من عقدين، أنجزت مصاروة مشروعًا نقديًا واسعًا، تناولت فيه تجارب عشرات الكتّاب الفلسطينيين من أراضي عام 1948، إضافةً إلى عدد كبير من الكتّاب العرب من مشارب وتجارب متعدّدة، وفي هذه القراءات لا يُختزل الأدب إلى تقنياتٍ شكلية، ولا يُفصل النصّ عن شروط إنتاجه التاريخية والثقافية، بل يُقرأ بوصفه فعلًا إنسانيًا مشروطًا بالهوية، والسياق، وتاريخ التهميش أو المقاومة.

اقتربت من تجارب كتّاب الداخل الفلسطيني بوعيٍ حادٍّ لتخليد موقعهم الثقافي والوجودي، وسعت من خلال النقد إلى سدّ فجوة الإقصاء والتهميش العربي، وردّ الاعتبار لتجارب إبداعية كُتِب لها أن تُقرأ على الهامش طويلًا. أمّا في قراءتها للتجارب العربية: فقد تجاوزت المركزيات الجاهزة واضعة النصّ في علاقته بالسلطة، واللغة، والذاكرة، وبالتجربة الحياتية للمبدع العربي. نقدها لا يسعى إلى الاحتفاء المجاني، ولا يميل إلى الإدانة السهلة، بل يقوم على إصغاءٍ عميق لما تقوله النصوص حين تتجاوز وعي كتّابها، وحين تكشف هشاشتها أو تعثّرها، من هنا يغدو النقد جزءًا بنيويًا من مشروعها الإبداعي، لا هامشًا تابعًا له، وفعلَ مسؤوليةٍ مزدوجة تجاه النصّ والقارئ.


القصيدة: معرفةٌ حين تعجز الوثيقة

تدرك مصاروة، بوعيٍ فلسفيٍّ عميق أنّ المعرفة مهما بلغت دقّتها تبقى قاصرة عن احتواء التجربة الإنسانية كاملة، فثمة خسارات لا تُقاس بالأرقام وتصدّعات لا تُوثَّق بالأرشيف! وأسئلة لا تستجيب للغة التقرير، هنا تتقدّم القصيدة لا بوصفها ملاذًا جماليًا بل باعتبارها أداة معرفةٍ موازية، قادرة على الإمساك بما يفلت من قبضة العقل التقريري.

لا يحضر الوطن في شعرها كرمزٍ جاهز، ولا المدينة كاستعارةٍ مستهلكة، فالمكان يُكتب بوصفه علاقةً حيّة، مركّبة، تتجاور فيها المحبّة مع الخيبة، والانتماء مع الشكّ! والمدن التي تستدعيها: " الناصرة، القدس، بيت لحم" لا تُستحضر للتقديس، بل لتفكيك معنى الانتماء ذاته، بوصفه تجربةً قاسية ومفتوحة على الأسئلة، مشدودةً بين الذاكرة والجرح والتشكّل الشخصي داخل فضاءاتٍ مثقلة بالتاريخ.

والتراث في نصوصها ليس زينةً لغوية ولا حنينًا رومانسيًا، بل لغةً ثانية، تُستدعى حين تعجز اللغة الراهنة عن الإحاطة بالتجربة، إنّه وعيٌ ممتدّ، متراكم، لا قناعٌ للعبور، بل خلاصة اشتباك طويل مع الذاكرة الثقافية والإنسانية، عبر سنواتٍ من الكتابة والبحث والمعايشة.


بين البحث والقصيدة: المسافة الأخطر

فرادة إيمان مصاروة لا تكمن في جمعها بين البحث والنقد والشعر، بل في رفضها أن يتحوّل أحد هذه المسارات إلى ذريعةٍ لتبرير الآخر. فالقصيدة لا تُخفّف من قسوة الواقع والبحث لا يمنح النصّ الشعري شرعيةً إضافية، كلاهما يقف في منطقة اختبارٍ دائم: ماذا تفعل اللغة حين يكون الواقع أثقل منها؟ وكيف يمكن للكتابة أن تحافظ على أمانتها دون أن تنكسر؟ لذلك نجد أن القدس، في مشروعها، ليست موضوعًا مركزيًا فحسب، بل امتحانًا مستمرًا للأمانة اللغوية والتوثيقية. كيف نكتب مدينةً مثقلةً بكلّ هذا التاريخ دون أن نختصرها؟ وكيف نحبّ مكانًا دون أن نحوّله إلى أسطورةٍ تُعفينا من واجب التفكير والمساءلة؟


الكتابة بوصفها التزامًا طويل النفس

في زمنٍ يُطالَب فيه الكاتب بالموقف السريع واللغة الجاهزة، والعبارة القابلة للاستهلاك، تختار إيمان مصاروة المسار الأبطأ والأشقّ: مسار الشكّ، والتفكير العميق، والكتابة التي تعرف أنّ العدالة ليست نبرةً عالية، بل جهدًا معرفيًا طويل النفس.

هي لا تقدّم نصوصًا مريحة، ولا تمنح القارئ عزاءً سهلًا. كتابتها تتطلّب التأنّي، واحتمال الثقل، والقبول بأنّ بعض الأسئلة يجب أن تبقى مفتوحة، بهذا المعنى لا تكتب عن المكان بوصفه موضوعًا خارجيًا، بل تكتب من داخل سؤالها، ومن داخل أمانتها الإنسانية والأخلاقية. ومن هنا تنبع قابليتها للقراءة عربيًا وعالميًا، لا لأنها تمثّل قضية، بل لأنها تُعيد إلى الكتابة معناها الأعمق في أن تكون مسؤولية تجاه الحقيقة، والإنسان، واللغة نفسها!