أقلام وأراء

الجمعة 30 يناير 2026 8:39 صباحًا - بتوقيت القدس

“درع أورشليم”… معركة الحسم في قلب القدس

مع انتقال حرب الإبادة في غزة إلى طورٍ جديد أقل كثافةً في القصف وأكثر تركيزًا على الحصار، وعلى نزع الشرعية عن المقاومة، ودفع المجتمع الفلسطيني نحو الصدام الداخلي، عاد الاحتلال الإسرائيلي ليتفرغ بصورة أوسع لجبهة الحسم المفتوحة في القدس، وإلى جانبها جبهة الضم والتهجير في الضفة الغربية، وهما الجبهتان اللتان ستتصدّران استراتيجية الاحتلال في المرحلة المقبلة، حتى وإن قاطعهما تصعيدٌ مؤقت على جبهات لبنان أو سوريا أو حتى إيران.

أحد أبرز أهداف هذا المسار هو الوصول إلى “حدود نهائية” للقدس، عبر ضم أكبر عدد ممكن من المستوطنات والمستوطنين، وابتلاع أوسع مساحة جغرافية ممكنة، مقابل إقصاء أكبر عدد من المقدسيين خارج المعادلة الديمغرافية والسياسية للمدينة.

ضمن هذا السياق أطلق الاحتلال سلسلة عمليات أسماها “درع أورشليم”، بدأت أولى حلقاتها في 23 كانون الأول 2025 باستهداف كفر عقب ومخيم قلنديا، اللذين فصلهما الجدار عن القدس، ثم أتبعها بحلقة ثانية في 12 كانون الثاني 2026 ضد مخيم شعفاط، استمرت عدة أيام، وجاءت تمهيدًا لهدم مقر الأونروا في حي الشيخ جراح في 20 كانون الثاني من العام ذاته.

في 26 كانون الثاني 2026 دشّن الاحتلال الحلقة الثالثة من هذه الحملات، موجّهًا عملياته إلى حي مطار قلنديا داخل الجدار، وإلى بلدتي كفر عقب وحزما خارجه. وخلال يومين فقط هدم أكثر من أربعين عقارًا في محيط مطار قلنديا، وأكثر من سبعين عقارًا في المناطق الثلاث مجتمعة، بحسب محافظة القدس، وهو رقم يعادل قرابة 28% من مجمل عمليات الهدم التي شهدتها القدس طوال عام 2025، الذي كان أصلًا الأكثر تدميرًا منذ احتلال المدينة عام 1967.

باختصار، نحن أمام عودة مركز معركة الحسم إلى القدس، وبوتيرة غير مسبوقة، ما يفرض استعادة إرادة الدفاع عنها بكل الأشكال الممكنة، وعلى رأسها استعادة الفعل الشعبي في مرحلة ما بعد الإبادة، وإلا فإن النتيجة ستكون مزيدًا من التغول الصهيوني المتجه نحو التصفية النهائية.

أما العدوان الجاري في شمال القدس فيمكن قراءته على النحو التالي:

أولًا، يشكّل تمهيدًا لبناء مستوطنة كبرى على أنقاض مطار القدس الدولي في قلنديا، الذي افتُتح في العهد الأردني، ولا تزال أراضيه، البالغة نحو 1200 دونم، مسجلة باسم خزينة الدولة الأردنية. ورغم اتفاقية وادي عربة، يتعامل الاحتلال مع هذه الأرض بوصفه وريثًا لها، ويخطط لإقامة نحو 9400 وحدة استيطانية، تُدمج مع المنطقة الصناعية “عطروت” جنوبًا، ومع حاجز قلنديا شمالًا، بما يكرّس فصل كفر عقب ومخيم قلنديا عن القدس ليس بالجدار فقط، بل بطبقات سكانية وصناعية وأمنية متراكبة.

ثانيًا، تعمّد الاحتلال طوال سنوات ترك كفر عقب متنفسًا وحيدًا للبناء المقدسي، متغاضيًا عن الفوضى العمرانية، بهدف تحويلها إلى نقطة جذب سكاني قبل إتمام فصلها النهائي عن القدس، بحيث يُقصي معها أكبر عدد ممكن من المقدسيين، هكذا تحولت البلدة إلى مساحة شديدة الاكتظاظ، ضعيفة البنية التحتية، غارقة في الاحتكاك اليومي، حتى بات أهل القدس يطلقون عليها تسميات ساخرة كـ“كفر عجب” و“كفر غضب”، واليوم يستكمل الاحتلال هذا المسار بحملات أمنية وهدمٍ انتقائي يعيد “هندسة” المكان وفق احتياجاته.

ثالثًا، يتجه الاحتلال إلى تكريس الفصل النهائي لحزما عن القدس، ودفعها للتحول إلى ريفٍ معزول بلا مركز مدني، وإذا ما وُضعت هذه السياسة إلى جانب ما يجري في الخان الأحمر وبرية القدس، وفي مخماس والتجمعات البدوية المحيطة بها، وعلى امتداد شرق رام الله، فإن الصورة لا توحي بعزلٍ جغرافي فحسب، بل برؤية إقصائية أوسع تستهدف إفراغ الامتداد الشرقي للقدس ورام الله، وربطه بمشروع تهويد غور الأردن والمناطق المؤدية إليه، ودفع الفلسطينيين نحو مراكز حضرية قابلة بدورها للإلغاء لاحقًا.

في المحصلة، كانت القدس دائمًا مرآة الصراع مع المشروع الصهيوني، ومنها انطلقت الانتفاضات والثورات، وما تقوله وقائعها اليوم أن ما بعد حرب الإبادة ليس تهدئة، بل انتقال للحرب من شكلٍ إلى آخر، ومن جبهةٍ إلى أخرى، حرب التصفية لم تعد تكتفي بالتقدم البطيء، وهي لن تتوقف إلا بإحدى نهايتين: إما أن تُواجَه بقوةٍ مكافئة تُسقط رهان الاحتلال على استمرارها، أو أن تُترك لتبلغ غايتها الكارثية، لا قدّر الله.

تحت وطأة الإبادة، عاد جزء من الوعي العربي والفلسطيني لطرح سؤال “طوفان الأقصى” وجدواه، بل لتحميل المقاومة وزر الجريمة، غير أن السؤال الحقيقي، قبل الطوفان وبعده، هو ذاته: كيف نمنع التصفية؟ وكيف نُفشل مشروع الإلغاء الجاري بشراكة أمريكية وتواطؤٍ رسمي عربي وإسلامي؟ الطوفان، كما المحطات التي سبقته، لم يكن سببًا للتصفية، بل محاولةً لتعطيلها، وقد نجح في ذلك مؤقتًا، والتحدي اليوم هو كيف نواصل الصراع حتى إدخال اليأس في وعي المشروع الصهيوني وداعميه من إمكانية إنجاز هذا الحسم، لأن تجاوز هذه العتبة وحده كفيل بنقل الصراع إلى مرحلة غير مسبوقة، مرحلة يفقد فيها الاحتلال إيمانه بإمكانية تحقيق سقوفه الأيديولوجية.

دلالات

شارك برأيك

“درع أورشليم”… معركة الحسم في قلب القدس

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.