تحليل إخباري
تُظهر الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس دونالد ترمب هذا الأسبوع على المملكة العربية السعودية لدعم عمل عسكري ضد إيران إصرارًا أميركيًا متجددًا على مقاربة إقليمية أثبتت فشلها مرارًا: تحويل التفوق العسكري إلى أداة لإعادة هندسة التوازنات السياسية. فبدل قراءة التحولات العميقة في حسابات الحلفاء الخليجيين، تتعامل واشنطن مع المنطقة وكأنها ما زالت ساحة طيّعة يمكن إدارتها بالردع القسري والضربات المحدودة.
تنطلق المقاربة الأميركية من افتراض أن إيران تمرّ بلحظة ضعف بنيوي بعد الضربات التي استهدفتها في عام 2025، وأن هذه اللحظة تمثل "نافذة إستراتيجية" ينبغي استغلالها قبل أن تُعيد طهران ترميم قدراتها. غير أن هذا التفكير يعكس قصورًا في فهم طبيعة الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط، حيث لا تُحسم المواجهات بتدمير الأهداف العسكرية فحسب، بل بقدرة الأطراف على امتصاص الصدمة وإعادة إنتاج أدوات الردع بوسائل أقل كلفة وأكثر مرونة.
في هذا السياق، بدت زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى واشنطن أقرب إلى اختبار صريح لحدود النفوذ الأميركي على حلفائه. فالعروض التي قدّمتها إدارة ترمب، والمتمثلة في "ضمانات أمنية" بعيدة المدى، اصطدمت بسجل أميركي مثقل بالتعهدات غير المكتملة. تجربة هجوم "أرامكو" عام 2019 ما زالت حاضرة بقوة في الوعي السعودي، ليس بوصفها إخفاقًا أمنيًا فحسب، بل كنقطة مفصلية كشفت حدود الاستجابة الأميركية حين تتعارض الأولويات الإستراتيجية مع كلفة المواجهة المباشرة.
ما تتجاهله واشنطن، أو تتغاضى عنه عمدًا، هو أن دول الخليج لم تعد تنظر إلى إيران من منظور الصدام الصفري. فبعد سنوات من الاستنزاف، توصّلت هذه الدول إلى معادلة توازن عملي، تسمح بإدارة الخلاف مع طهران دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذا التوازن، رغم هشاشته، مكّن العواصم الخليجية من تقليص المخاطر على أمن الطاقة، وضبط ساحات الاشتباك غير المباشر، لا سيما في اليمن والممرات البحرية.
في المقابل، تواصل الولايات المتحدة الاستثمار في منطق القوة العسكرية بوصفه بديلًا عن الإستراتيجية السياسية. فالحشود العسكرية، من حاملات الطائرات إلى منظومات الدفاع الجوي والتمركز الجوي في الأردن، قد تمنح واشنطن قدرة تنفيذية عالية، لكنها لا توفّر إجابة عن سؤال ما بعد الضربة. بل إن هذا الحشد يعمّق المخاوف الخليجية من أن تجد نفسها في قلب صراع لم تكن شريكًا في قراره، لكنها ستكون أول من يدفع ثمنه.
إيران، من جانبها، تُحسن استغلال هذا التناقض. فإعلانات المناورات العسكرية في مضيق هرمز، والتلويح بورقة الوكلاء في البحر الأحمر، ليست سوى أدوات ردع نفسية وسياسية تستهدف الحلفاء قبل الخصوم. الرسالة الإيرانية واضحة: أي ضربة أميركية ستُترجم إلى عدم استقرار طويل الأمد، وليس إلى "نهاية نظيفة" كما توحي الخطابات الأميركية.
الأخطر في المقاربة الأميركية الحالية أنها تفترض قابلية التحكم في التصعيد، وكأن المنطقة لم تختبر من قبل منطق "الانزلاق غير المقصود". فالتاريخ القريب، من العراق إلى أفغانستان، يقدّم أمثلة صارخة على كيف تحوّلت العمليات "المحدودة" إلى مستنقعات استراتيجية. ومع ذلك، تواصل واشنطن التعاطي مع الخليج بوصفه هامشًا يمكن التضحية باستقراره مقابل مكاسب ردعية قصيرة الأجل.
في المحصلة، لا يكمن الخلاف بين واشنطن والرياض في درجة العداء لإيران، بل في تعريف الأمن ذاته. فبينما تختزل السياسة الأميركية الأمن في إضعاف الخصم عسكريًا، تربطه دول الخليج بالاستقرار الاقتصادي والاجتماعي واستدامة الدولة. هذا التناقض يجعل الضغوط الأميركية ليست فقط غير واقعية، بل محفوفة بخطر إعادة إنتاج الأزمات التي تدّعي السعي إلى حلّها.
وتعكس السياسة الأميركية تجاه إيران نزعة مزمنة لتفضيل الأدوات العسكرية على الحلول السياسية، حتى حين تُظهر الوقائع محدودية هذا الخيار. فالإصرار على اختبار القوة، بدل الاستثمار في إدارة التوازنات، يكشف عقلية إستراتيجية قصيرة النفس، تتجاهل كلفة الارتدادات الإقليمية. في هذا السياق، لا يبدو الرفض الخليجي للحرب موقفًا دفاعيًا، بل قراءة أكثر واقعية لتعقيدات الصراع.
وتكمن خطورة المقاربة الأميركية في افتراض أن الحلفاء سيصطفون تلقائيًا خلف القرار العسكري. غير أن دول الخليج باتت أكثر استقلالية في حساباتها، وأقل استعدادًا لتحمّل كلفة خيارات لم تكن شريكًا في صياغتها. هذا التحوّل يضع واشنطن أمام مأزق استراتيجي: إما مراجعة سياستها، أو المخاطرة بتآكل نفوذها في أكثر مناطق العالم حساسية.





شارك برأيك
وهم الضربة الحاسمة: كيف تعيد السياسة الأميركية إنتاج أزمات الخليج في ملف إيران