عربي ودولي

السّبت 31 يناير 2026 7:29 صباحًا - بتوقيت القدس

بيترايوس يوظّف خبرته الكولونيالية في العراق لتحويل حرب غزة لكسب ملايين الدولارات‎

في زيارة أثارت أسئلة سياسية وأخلاقية عميقة، ظهر المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، الجنرال ديفيد بترايوس، في مركز التنسيق المدني–العسكري (CMCC) الذي يديره الجيش الأميركي في جنوب إسرائيل، والمكلّف بالإشراف على ما يوصف بترتيبات "وقف إطلاق النار" في قطاع غزة. الزيارة، التي كشفت عنها مصادر دبلوماسية لموقع "دروب سايت"، لم تكن بروتوكولية، بل حملت دلالات تتجاوز الأمن إلى إعادة هندسة غزة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

بترايوس، أحد أبرز مهندسي عقيدة "مكافحة التمرد" الأميركية، أشاد في كلمته بتحول الجيش الإسرائيلي نحو نموذج "التطهير، ثم السيطرة، ثم إعادة البناء"، وهو النموذج ذاته الذي طبّقه في العراق وأفغانستان، وقام على تقسيم المدن إلى "مجتمعات مسوّرة" تخضع لرقابة أمنية ولأنظمة تعريف بيومترية. هذا الإطراء جاء بعد انتقاداته السابقة لإسرائيل بسبب عدم استيعابها دروس الاحتلال الأميركي للعراق.

قبل زيارة بترايوس بأيام، كان الجيش الأميركي قد قدّم إلى مركز CMCC تصورًا لما سُمّي "أول مجتمع مخطط لغزة" في رفح، وهو مجمّع سكني مغلق يتسع لنحو 25 ألف فلسطيني، يقع تحت سيطرة عسكرية إسرائيلية كاملة، ويخضع لنظام دخول بيومتري -Biometrics ، وبرامج "إعادة تأهيل"، وتحكم صارم بالمساعدات والسكن. ووفق مصادر مطلعة، يُنظر إلى المشروع باعتباره نموذجًا تجريبيًا لـ"غزة الجديدة"، بتمويل إماراتي.

وتزامنت زيارة بترايوس مع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب في منتدى دافوس عن "مجلس السلام"، حيث قدّم غزة لا بوصفها قضية سياسية أو إنسانية، بل كفرصة استثمارية "عقارية" على البحر. تبعه صهره جاريد كوشنر بالإعلان عن خطة تنمية اقتصادية لغزة، مشددًا على "مواءمة الأطر الأمنية والحوكمة" لجذب المستثمرين، في خطاب يكشف بوضوح أولوية رأس المال على الحقوق.

يستدعي هذا المشهد تاريخ بترايوس نفسه؛ فالرجل قاد "الطفرة العسكرية" في العراق عام 2007، وأسهم في عسكرة المجتمع عبر تسليح الميليشيات، ووسع العمليات الليلية السرية، وكان لاعبًا مركزيًا في الحروب الخفية الأميركية بالمنطقة. اليوم، يعود المنطق ذاته، لكن بواجهة "إعمار" و"حوكمة".

اهتمام بترايوس بغزة لا ينفصل عن موقعه الحالي شريكًا ورئيسًا لمعهد الشرق الأوسط في شركة "كولبيرج كرافيس روبرتس وشركاه KKR "، إحدى أضخم شركات الاستثمار الأميركية، ذات الاستثمارات الواسعة في مجالات الأمن السيبراني، والهوية الرقمية، والدفاع، مع روابط مباشرة بإسرائيل. وهنا تتقاطع العقيدة الأمنية مع مصالح رأس المال، ويتحول ضبط السكان إلى فرصة ربح.

في كلمته، أشاد بترايوس بجهود CMCC في إدخال المساعدات، رغم أن إسرائيل ما زالت تمنع مواد أساسية، وتحظر عمل عشرات المنظمات، الأمر الذي دفع دولًا أوروبية إلى سحب موظفيها من المركز. هذا التناقض يكشف وظيفة المركز: إدارة الأزمة لا حلّها، وتنظيم الحصار لا رفعه.

في الخلفية، يبرز ملف غاز غزة كرافعة مالية محتملة لإعادة الإعمار، ضمن شبكة مصالح تربط إسرائيل والإمارات وشركات استثمار غربية، في إطار أوسع لاتفاقات أبراهام. هكذا، تصبح الموارد الفلسطينية ضمانة لمشاريع لا يملك الفلسطينيون قرارها.

وانتقد رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، أمجد الشوا، في تصريح لموقع "دروب سايت" هذه الطروحات واعتبرها "صورة جميلة صممتها الذكاء الاصطناعي"، لا تعكس الواقع ولا تستشير الفلسطينيين، متسائلًا: من سيملك غزة المعاد بناؤها؟ ومن سيخدم من؟

زيارة بترايوس- الجنرال الفريق الذي أخمد المقاومة في العراق- في هذا السياق، ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشر على تقاطع الأمن والاستثمار، حيث يُعاد تعريف غزة كمساحة ضبط سكاني، وسوق ناشئة، ومختبر لعقائد "الحرب الناعمة"، فيما يُختزل الفلسطينيون إلى قوة عمل أو نزلاء دائمين في "مجتمعات مسوّرة".

وفق العديد من الخبراء ، إن ما يُطرح لغزة ليس إعادة إعمار ، بل إعادة تشكيل قسرية للمجتمع تحت مظلة أمنية–اقتصادية واحدة. نموذج "المجتمعات المسوّرة" لا يعالج جذور الصراع، بل ينقل تجربة فاشلة من العراق إلى سياق أكثر هشاشة. وهو عبارة عن مشروع ضبط جماعي، يُدار بالبيانات والبطاقات البيومترية، ويهدف إلى فصل السكان عن السياسة، وتحويل الحقوق إلى امتيازات مشروطة بالطاعة.

كما أن خطاب الرئيس الأميركي ترمب، وصهره وكوشنر، يكشف الذهنية الاستعمارية الجديدة: الأرض كموقع استثماري، والسكان كمتغير أمني. تغيب اللغة السياسية لصالح لغة السوق، ويُمحى السؤال الوطني لصالح "الحوكمة" و"الجاذبية الاستثمارية". في هذا الإطار، تصبح غزة مشروعًا تجريبيًا للرأسمالية الأمنية، حيث تتقدم الأرباح على السيادة، والاستقرار القسري على العدالة.

ويحذّر خبراء حقوق الإنسان من أن الخطر الأعمق في هذه المقاربة يكمن في إلباس السجن ثوب الإعمار. فكما يشير غسان أبو ستة، يجري تحويل غزة من سجنٍ مفتوح إلى سجنٍ مغلق فائق التقنية، حيث لا يكون الهدف تحرير الحياة اليومية بل إدارتها والتحكّم بها. إنها هندسة لمستقبلٍ بلا أفق سياسي، يُدار فيه الجسد بدل أن تُصان الطموحات، وتُحوَّل المعاناة من جرحٍ إنساني إلى موردٍ للاستثمار والضبط.

دلالات

شارك برأيك

بيترايوس يوظّف خبرته الكولونيالية في العراق لتحويل حرب غزة لكسب ملايين الدولارات‎

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.