عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

تصدع في التحالف الدولي: بريطانيا وإسبانيا والبرتغال ترفض الانخراط العسكري ضد إيران

أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بشكل رسمي أن المملكة المتحدة لن تشارك في العمليات العسكرية الجارية ضد إيران، مؤكداً أن بلاده تضع خيار التفاوض في مقدمة أولوياتها. وأوضح ستارمر أن المسار الأفضل لطهران وللمجتمع الدولي يكمن في التوصل إلى حل سياسي شامل، شريطة تخلي النظام الإيراني عن طموحاته وقدراته النووية بشكل كامل.

وتأتي هذه التصريحات البريطانية في وقت حساس تواجه فيه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب صعوبات في حشد تحالف دولي واسع لدعم العمليات العسكرية المشتركة مع إسرائيل. ويبدو أن لندن اخترت النأي بنفسها عن الضربات الأولية، رغم استمرار تعاونها الوثيق مع واشنطن في ملفات أمنية أخرى، مما يعكس تبايناً في تقدير الموقف العسكري الراهن.

وفي مدريد، اتخذت الحكومة الإسبانية موقفاً حازماً برفض استخدام قواعدها العسكرية كنقاط انطلاق لشن هجمات ضد الأراضي الإيرانية. وأكد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أن الاتفاقيات الدفاعية الموقعة مع الولايات المتحدة لا تمنح الحق في استخدام المنشآت الإسبانية لأغراض هجومية في هذا الصراع، داعياً إلى تغليب لغة الدبلوماسية على لغة السلاح.

وشدد سانشيز على أن بلاده، رغم إدانتها لسياسات القمع التي يمارسها النظام الإيراني ضد مواطنيه، لا ترى في العنف حلاً مستداماً للأزمات الدولية. واعتبر أن الاعتقاد بإمكانية بناء ديمقراطيات من تحت الأنقاض هو نوع من الوهم، مؤكداً أن إسبانيا لن تنجر إلى صراع عسكري قد يؤدي إلى عواقب كارثية على الاستقرار العالمي.

من جانبها، انضمت البرتغال إلى جارتها إسبانيا في إغلاق أجوائها ومنشآتها العسكرية أمام العمليات الهجومية، حيث رفضت لشبونة استخدام قاعدة 'لاجيس' الجوية في جزر الأزور. وصرح رئيس الوزراء البرتغالي، لويس مونتينيغرو، بأن أي تحرك عسكري يجب أن يلتزم بضوابط القانون الدولي من حيث الضرورة والتناسب، وأن يوجه حصراً نحو أهداف عسكرية محددة.

هذه المواقف الأوروبية المتصلبة تأتي بالتزامن مع ما رصده موقع 'Flightradar24' من تحركات جوية مكثفة للطائرات الحربية وطائرات التزويد بالوقود الأمريكية التي انطلقت من إسبانيا. وتشير هذه البيانات إلى أن واشنطن تحاول إعادة تموضع قواتها في شمال أوروبا والشرق الأوسط للالتفاف على القيود التي فرضتها دول جنوب أوروبا على قواعدها.

أما الموقف الفرنسي فقد جاء مغايراً جزئياً، حيث سمحت باريس للجيش الأمريكي باستخدام القواعد العسكرية الواقعة داخل الأراضي الفرنسية فقط. وأوضحت هيئة الأركان العامة الفرنسية أن هذا الإذن لا يشمل القواعد الفرنسية المنتشرة في منطقة الخليج، وذلك لتجنب الانخراط المباشر في العمليات الهجومية وحصر الدعم في إطار الدفاع عن الشركاء الإقليميين.

ميدانياً، تشير التقارير إلى أن إيران تمكنت من تنفيذ رد عسكري سريع عقب الضربة الأمريكية الإسرائيلية المشتركة التي انطلقت في أواخر فبراير الماضي. وشمل الرد الإيراني قصفاً مكثفاً بالمسيرات والصواريخ قصيرة المدى استهدف قواعد أمريكية حيوية في منطقة الخليج، من بينها قاعدة العديد، وذلك بعد ساعة واحدة فقط من استهداف قيادات إيرانية عليا.

وقد أكدت مصادر ميدانية استشهاد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي والقائد محمد باكبور خلال الغارات الجوية الأولى التي استهدفت طهران. وأدى هذا التصعيد غير المسبوق إلى اشتعال أسواق الطاقة العالمية، حيث قفزت أسعار النفط والغاز بنسبة وصلت إلى 25% نتيجة التهديدات المباشرة لحركة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يواجه الاحتلال الإسرائيلي ضغوطاً هائلة مع وصول خسائره الأسبوعية إلى نحو 9.4 مليارات شيكل، في حين تتكبد الولايات المتحدة مليار دولار يومياً لتمويل عملياتها. وتتفاقم هذه الأزمة في ظل استنزاف حاد لمخزونات الذخيرة الأمريكية والإسرائيلية، التي تأثرت مسبقاً بالحروب المستمرة في أوكرانيا وقطاع غزة.

وتسعى إدارة ترمب من خلال هذه العمليات إلى تحقيق هدف معلن يتمثل في إسقاط النظام الإيراني وتغيير الخارطة السياسية في المنطقة. إلا أن غياب الدعم اللوجستي من حلفاء تقليديين مثل بريطانيا وإسبانيا يضعف من فاعلية هذه الاستراتيجية ويزيد من العبء العسكري والمالي على واشنطن وتل أبيب في مواجهة ردود الفعل الإيرانية.

وفي ظل هذا الانقسام الدولي، تبرز مخاوف من توسع رقعة الصراع لتشمل لبنان وجبهات أخرى في الشرق الأوسط، وهو ما حذرت منه فرنسا صراحة. ويبقى التساؤل قائماً حول قدرة الولايات المتحدة على الاستمرار في هذه المواجهة العسكرية المنفردة، في ظل تزايد الأصوات الأوروبية المطالبة بالعودة إلى طاولة المفاوضات لتجنب حرب إقليمية شاملة.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

تحذيرات من 'فخ بحري' في مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة

أفادت مصادر صحفية بأن الحرب المستمرة مع إيران بدأت تدفع القوى الدولية نحو أزمة طاقة غير مسبوقة، في ظل محاولات طهران لفرض واقع جديد في مضيق هرمز. وأشارت التقارير إلى أن هذا الممر المائي الحيوي بات يمثل 'فخاً بحرياً' يستهدف الضغط على الإدارة الأمريكية وتقويض استقرار الأسواق العالمية.

ووفقاً لتحقيقات اقتصادية حديثة، فإن الحرس الثوري الإيراني يلوح بشكل مستمر بتعطيل الملاحة في المضيق الذي يتدفق عبره خمس إمدادات النفط والغاز في العالم. هذه التهديدات لم تقتصر على التصريحات، بل امتدت لتشمل مخاوف من استهداف منشآت حيوية للغاز الطبيعي المسال في المنطقة، مما أربك حسابات شركات الشحن الدولية.

وتسببت هذه التوترات في تداعيات حادة على حركة الملاحة الإقليمية، حيث سجلت المصادر تراجعاً حاداً في حركة ناقلات النفط المتجهة عبر القنوات المائية في مصر بنسبة بلغت 90%. هذا الانخفاض يعكس حالة القلق الشديد لدى الموردين من تصاعد العمليات العسكرية في الممرات البحرية الحساسة.

في المقابل، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهدئة الأسواق عبر التعهد بتقديم حزم تأمين حكومية للسفن التجارية لضمان استمرار تدفق الإمدادات. كما تضمنت الخطة الأمريكية توفير مرافقة عسكرية بحرية مباشرة، وهي خطوة يراها مراقبون محفوفة بالمخاطر الأمنية والسياسية.

وحذر خبراء أمنيون من أن مرافقة السفن قد تجعل القطع البحرية الأمريكية هدفاً سهلاً للصواريخ الساحلية الإيرانية والأسلحة المتطورة. ويرى هؤلاء أن الاقتراب من السواحل الإيرانية يضع القوات الدولية في مواجهة مباشرة مع ترسانة طهران البحرية، بما في ذلك الغواصات المتمركزة في القواعد الاستراتيجية.

وتشير التقديرات العسكرية إلى أن إيران تمتلك أسطولاً يضم 17 غواصة في قاعدة بندر عباس، ورغم الجهود التقنية لتعطيل بعضها، إلا أن البقية لا تزال تشكل تهديداً فعلياً. هذا الوجود العسكري يهدف بحسب محللين إلى جر واشنطن لصراع استنزاف طويل الأمد يضعف الدعم الشعبي لأي تدخل عسكري خارجي.

على الصعيد الاقتصادي، تلقت القارة الأوروبية الصدمة الأولى بارتفاع أسعار الغاز بنسبة تجاوزت 50% خلال أيام معدودة. وقفزت الأسعار من 31 يورو إلى نحو 48 يورو لكل ميغاواط/ساعة، مما زاد من الأعباء المالية على المستهلكين والصناعات الكبرى في دول مثل ألمانيا وإيطاليا.

وتفاقمت الأزمة مع تراجع مخزونات الغاز في الاتحاد الأوروبي إلى مستويات حرجة بلغت أقل من 30%، وهو ما يقل بكثير عن المعدلات الموسمية المعتادة. هذا النقص يضع الحكومات الأوروبية في سباق مع الزمن لتأمين بدائل قبل اشتداد الطلب في مواسم الذروة، وسط منافسة شرسة من الأسواق الآسيوية.

ولم تكن الولايات المتحدة بمعزل عن هذه التأثيرات، حيث تشير تقارير مصرفية من 'غولدمان ساكس' إلى أن استمرار ارتفاع أسعار النفط سيؤدي حتماً إلى زيادة التضخم. ويُقدر المحللون أن كل زيادة بمقدار 10 دولارات في سعر البرميل ترفع معدلات التضخم الأمريكية بنسبة 0.3%، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي الداخلي.

وفي تطور ميداني آخر، أدت أوامر إغلاق مضيق باب المندب من قبل جماعة الحوثي في اليمن إلى شلل إضافي في حركة التجارة العالمية. هذا الإغلاق دفع كبرى شركات الشحن، ومن بينها 'ميرسك'، إلى اتخاذ قرارات صعبة بتحويل مسار سفنها نحو طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأكثر تكلفة.

تضع هذه المعطيات المجتمع الدولي أمام معضلة معقدة، حيث يؤدي عدم التدخل إلى اضطراب التجارة وارتفاع تكاليف المعيشة بشكل جنوني. وفي الوقت ذاته، فإن الخيار العسكري قد يفتح الباب أمام حرب إقليمية واسعة النطاق، يتحمل الحلفاء والشركاء الدوليون الجزء الأكبر من تبعاتها المدمرة.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 3:03 مساءً - بتوقيت القدس

الأمم المتحدة: مقتل 56 مدنياً ونزوح الآلاف جراء التصعيد العسكري بين أفغانستان وباكستان

أعرب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، فولكر تورك، عن قلقه البالغ إزاء تصاعد حدة العنف على الحدود الأفغانية الباكستانية، مؤكداً مقتل 56 مدنياً بينهم 24 طفلاً منذ اندلاع المواجهات الأسبوع الماضي. ودعا تورك في بيان رسمي كافة الأطراف المنخرطة في النزاع إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية وتغليب مصلحة السكان المتضررين.

وأوضح البيان الأممي أن المدنيين على طرفي الحدود يعيشون ظروفاً مأساوية تحت وطأة القصف الجوي ونيران المدفعية الثقيلة وقذائف الهاون. وقد تسبب هذا القصف العشوائي في موجات نزوح واسعة، حيث اضطر آلاف السكان لترك منازلهم والفرار نحو مناطق أكثر أمناً هرباً من الموت المحدق.

تعود جذور موجة التصعيد الأخيرة إلى السادس والعشرين من فبراير الماضي، حينما شنت القوات الأفغانية هجوماً عسكرياً رداً على غارات جوية نفذتها باكستان. وتطورت المواجهات لتشمل ضربات باكستانية استهدفت مواقع استراتيجية ومدناً رئيسية، من بينها العاصمة كابول ومدينة قندهار وقاعدة باغرام الجوية.

وفي تفصيل للخسائر البشرية، ذكر تورك أن من بين القتلى الـ56 ست نساء، فيما أصيب نحو 129 شخصاً بجروح متفاوتة الخطورة، بينهم 41 طفلاً و31 امرأة. وتعكس هذه الأرقام حجم المأساة الإنسانية التي تخلفها العمليات العسكرية في المناطق المأهولة بالسكان على الشريط الحدودي.

وتشير الإحصائيات الأممية إلى أن إجمالي الضحايا المدنيين في الجانب الأفغاني منذ مطلع العام الجاري قد ارتفع ليصل إلى 69 قتيلاً و141 جريحاً. وفي المقابل، تصر السلطات الباكستانية على عدم تسجيل أي ضحايا في صفوف المدنيين بداخل أراضيها، وهو ما يصعب التحقق منه بشكل مستقل.

وعلى صعيد أزمة النزوح، أفادت مفوضية شؤون اللاجئين بأن المعارك الأخيرة تسببت في تشريد نحو 115 ألف مواطن أفغاني، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف نازح في الجانب الباكستاني. وتواجه هذه الجموع النازحة نقصاً حاداً في الاحتياجات الأساسية وسط ظروف جوية وميدانية معقدة للغاية.

وحذر المفوض السامي من أن استمرار أعمال العنف يعيق بشكل مباشر وصول القوافل الإغاثية والمساعدات الإنسانية إلى الفئات الأكثر احتياجاً. وأشار إلى أن المدنيين في هذه المناطق يعانون أصلاً من تبعات صراعات طويلة الأمد، مما يجعل التصعيد الحالي تهديداً وجودياً لسبل عيشهم.

وتطرق التقرير الأممي إلى وضع اللاجئين الأفغان في باكستان، مبيناً أن أكثر من مليوني شخص عادوا إلى بلادهم منذ بدء تنفيذ خطة ترحيل الأجانب غير النظاميين في سبتمبر 2023. ولا يزال هناك عدد مماثل يواجهون مخاطر الاعتقال والترحيل القسري، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار الاجتماعي.

وفي ختام بيانه، وجه تورك نداءً عاجلاً إلى الجيش الباكستاني والقوات الأمنية الأفغانية بضرورة تغليب لغة الحوار ووقف إطلاق النار بشكل فوري. وأكد أن الملايين في المنطقة يعتمدون كلياً على المعونات الدولية التي لا يمكن تأمينها دون توفر بيئة أمنية مستقرة تسمح بمرور المساعدات.

فلسطين

الجمعة 06 مارس 2026 2:49 مساءً - بتوقيت القدس

روسيا تحذر من 'عواقب وخيمة' لانخراط الناتو في الحرب ضد إيران وتكشف مخططات المحاصرة

صعدت القيادة الروسية من لهجتها التحذيرية تجاه التطورات العسكرية المتسارعة في الشرق الأوسط، حيث انتقد رئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي غريغوري كاراسين تصريحات الأمين العام لحلف الناتو مارك روته. واعتبر كاراسين أن التلويح بتفعيل بند الدفاع الجماعي ضد إيران يمثل حالة من 'النفاق الصارخ'، في ظل العدوان المستمر الذي تقوده الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة.

من جانبه، حذر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من الانزلاق نحو مواجهة شاملة، مؤكداً أن انجرار حلف الناتو إلى الحرب الدائرة سيؤدي إلى عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها على مستويي الاستقرار السياسي والاقتصاد العالمي. وأشار لافروف إلى أن الأزمة الحالية تتجاوز الحدود الإقليمية لتشكل تهديداً مباشراً لمنظومة الأمن الدولي برمتها.

وفي سياق التحركات الميدانية، نفى المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الأنباء التي تحدثت عن طلب طهران مساعدات عسكرية عاجلة أو صفقات تسلح جديدة من موسكو. ويأتي هذا النفي في وقت تداولت فيه تقارير صحفية دولية معلومات حول صفقة دفاع جوي بقيمة 500 مليون دولار، مما يعكس حساسية الموقف الروسي في موازنة علاقاته الاستراتيجية.

أمين عام مجلس الأمن الروسي سيرغي شويغو وصف العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية ضد الأراضي الإيرانية بأنها حرب 'غير مسبوقة ولا مبرر لها'. وأوضح شويغو أن هذه التحركات تهدف إلى فرض واقع جيوسياسي جديد بالقوة، محذراً من أن الاستمرار في هذا النهج سيقود المنطقة إلى كارثة محققة تتجاوز قدرة الأطراف على الاحتواء.

وتشير القراءات السياسية في موسكو إلى أن القلق الروسي ينبع من احتمال تحول الصراع إلى حرب يقودها الناتو بتقدم أوروبي واضح، بهدف ردع روسيا عن دعم حلفائها. وترى الدوائر الروسية أن هناك محاولة جادة لمحاصرة الاتحاد الروسي عبر إيران وسواحل بحر قزوين وصولاً إلى جبال آسيا الوسطى، ضمن استراتيجية تهدف لتضييق الخناق على موسكو وبكين معاً.

المشاركة الأوروبية الفعلية بدأت تتبلور من خلال إرسال قطع بحرية فرنسية وألمانية وهولندية وإسبانية إلى منطقة شرق المتوسط، لدعم العمليات الجارية. كما فتحت فرنسا وبريطانيا قواعدهما ومنشآتهما العسكرية أمام القوات الأمريكية والإسرائيلية، مما يعزز فرضية اتساع نطاق المواجهة لتشمل أطرافاً دولية متعددة بشكل مباشر.

الأهداف الاستراتيجية لهذه الحرب، وفقاً للمنظور الروسي، لا تقتصر على تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية أو تغيير النظام السياسي فحسب، بل تمتد لإعادة هندسة المنظومة الدولية. وتسعى واشنطن من خلال هذا التصعيد إلى إضعاف القوى الصاعدة ومحاصرة نفوذ الصين وروسيا في الممرات المائية الحيوية والمناطق الغنية بالموارد الكربونية.

جغرافياً، تمددت رقعة الصراع لتشمل مساحات شاسعة تصل إلى 9000 كيلومتر، بدءاً من أعالي المحيط الهندي قرب سريلانكا وصولاً إلى مضيق جبل طارق. هذه المنطقة الحيوية تتقاطع فيها خطوط التجارة العالمية مع صراعات النفوذ على الثروات المعدنية، مما يجعل أي اضطراب فيها بمثابة هزة عنيفة للاقتصاد العالمي الذي يعاني أصلاً من تبعات الأزمات السابقة.

وتخشى موسكو من نجاح الاستفزازات العسكرية والاستخباراتية في جر دول عربية إلى الصراع بشكل علني، مما يمنح الحرب 'مشروعية إقليمية' زائفة. وحذر لافروف من أن أحد الأهداف الخفية للتصعيد هو ضرب مسار التطبيع الإيجابي الذي شهده الإقليم مؤخراً بين إيران وجيرانها العرب، وزيادة ارتهان هذه الدول للأجندة الأمنية الأمريكية.

نائب رئيس مجلس الأمن الروسي ديمتري مدفيديف شن هجوماً لاذعاً على قيادة الناتو، واصفاً المناقشات حول استخدام المادة الخامسة لمساعدة واشنطن بأنها انحدار سياسي خطير. وترى موسكو أن إقحام الناتو هو رسالة ردع غير مباشرة لها، تزامنت مع تحركات أوكرانية لحشد دعم إقليمي ضد المصالح الروسية والإيرانية المشتركة في المنطقة.

ميدانياً، استطاعت إيران احتواء الصدمة الأولى للعدوان الذي بدأ في أواخر فبراير الماضي، رغم تأكيد استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي في الغارات الأولى. وجاء الرد الإيراني سريعاً باستهداف قاعدة العديد وقواعد أمريكية أخرى في الخليج العربي، مما أربك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية التي كانت تراهن على انهيار سريع للنظام.

التداعيات الاقتصادية بدأت تظهر بوضوح مع ارتفاع أسعار النفط والغاز بنسبة 25%، نتيجة التهديدات المباشرة لحركة الملاحة في مضيق هرمز. وفي المقابل، يواجه الاحتلال الإسرائيلي نزيفاً اقتصادياً حاداً يقدر بنحو 9.4 مليارات شيكل أسبوعياً، بينما تتكبد الميزانية الأمريكية مليار دولار يومياً لاستمرار عملياتها العسكرية المكثفة.

دخول أطراف مثل تركيا وباكستان على خط الأزمة، سواء عبر الترقب أو التحشيد المتبادل، يضع إقليم كردستان وبلوشستان في قلب العاصفة الجيوسياسية. هذا التمدد للصراع ينذر بتحول المواجهة من حرب استنزاف ثنائية بين واشنطن وطهران إلى صدام إقليمي ودولي شامل تتقاطع فيه مصالح القوى العظمى بشكل صدامي مباشر.

في الختام، يقف العالم اليوم على حبل مشدود بين التصعيد العسكري والبحث عن مخارج دبلوماسية باتت تضيق يوماً بعد يوم. وإذا لم تفضِ الجهود الدولية إلى معادلة لوقف إطلاق النار، فإن المنطقة تتجه نحو فوضى عارمة ستكون فيها روسيا والصين وأوروبا في قلب مواجهة استنزاف طويلة الأمد ستغير وجه النظام الدولي المعاصر.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 2:49 مساءً - بتوقيت القدس

الكرملين: الحرب في إيران ترفع الطلب على الطاقة الروسية وتحذيرات دولية من ارتهان أوروبا لموسكو

أفادت مصادر رسمية في الكرملين، اليوم الجمعة، بأن العمليات العسكرية الدائرة في إيران ساهمت بشكل مباشر في زيادة الطلب العالمي على موارد الطاقة الروسية. وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه أسواق النفط والغاز حالة من الارتباك الشديد نتيجة إغلاق مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الحيوي الأبرز لنقل إمدادات الطاقة حول العالم.

وجاءت التصريحات الروسية عقب إعلان وزارة الخزانة الأمريكية عن منح إعفاء استثنائي لمدة 30 يوماً يسمح للهند باستلام شحنات من النفط الروسي كانت عالقة في عرض البحر. وتعكس هذه الخطوة الأمريكية تراجعاً مؤقتاً في الضغوط التي مارستها واشنطن على نيودلهي لخفض مشترياتها من موسكو، وذلك لتأمين احتياجات السوق العالمية المتضررة من الصراع.

ودخل العدوان العسكري على إيران يومه السابع، حيث تسبب استهداف المنشآت الحيوية وإغلاق الممرات البحرية في تعطل جزء كبير من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال المتجهة إلى الأسواق الدولية. وأكد المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف أن بلاده تلاحظ زيادة كبيرة في الطلب على مواردها، مشدداً على أن روسيا تظل مورداً موثوقاً للغاز عبر الأنابيب والغاز المسال.

وأشار بيسكوف في تصريحات للصحفيين إلى أن موسكو ملتزمة بالوفاء بكافة التزاماتها التعاقدية تجاه شركائها الدوليين، رغم العقوبات والضغوط السياسية. ورفض المتحدث تحديد الكميات الدقيقة التي قد تتدفق نحو الهند بموجب الإعفاء الأمريكي الجديد، مكتفياً بالتأكيد على استمرارية عمليات التسليم المتعاقد عليها دون انقطاع.

في المقابل، أطلق مدير وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، تحذيرات شديدة اللهجة من مغبة عودة الدول الأوروبية للاعتماد على الغاز الروسي. ووصف بيرول أي توجه من هذا القبيل بأنه سيمثل خطأً اقتصادياً وسياسياً فادحاً، خاصة في ظل التحولات الجذرية التي يشهدها سوق الطاقة العالمي نتيجة الأزمات المتلاحقة.

وجاءت تحذيرات بيرول عقب اجتماع رفيع المستوى في بروكسل ضم رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ومفوضي الاتحاد الأوروبي. وأوضح بيرول أن الأزمة الحالية في الشرق الأوسط أعادت طرح تساؤلات حول أمن الطاقة، مؤكداً أن الاعتماد المفرط على مصدر وحيد كان من أكبر الأخطاء التاريخية للقارة العجوز.

وتشير البيانات الإحصائية إلى تراجع حاد في حصة الغاز الروسي داخل السوق الأوروبية، حيث انخفضت من 40% قبل عام 2022 إلى نحو 6% فقط في العام الماضي. ويأتي هذا التراجع نتيجة سعي الاتحاد الأوروبي لفك الارتباط الطاقي مع موسكو عقب اندلاع الحرب في أوكرانيا، والبحث عن بدائل أكثر استقراراً.

وعلى الصعيد الميداني، تشير التقارير إلى أن الحرب التي بدأت بضربة أمريكية إسرائيلية مشتركة في 28 فبراير الماضي، أدت إلى استشهاد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وردت طهران بقصف مكثف استهدف القواعد الأمريكية في منطقة الخليج، بما في ذلك قاعدة العديد، باستخدام صواريخ وطائرات مسيرة، مما زاد من حدة التوتر في الممرات الملاحية.

وأدت هذه التوترات العسكرية إلى قفزة في أسعار النفط والغاز عالمياً بنسبة وصلت إلى 25%، وسط مخاوف من استنزاف مخزونات الذخيرة الأمريكية والإسرائيلية. كما كشفت تقارير اقتصادية عن خسائر فادحة يتكبدها الاقتصاد الإسرائيلي تقدر بنحو 9.4 مليارات شيكل أسبوعياً، بينما تبلغ تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية مليار دولار يومياً.

وتواجه شركة غازبروم الروسية، المملوكة للدولة، تحديات هيكلية رغم زيادة الطلب الحالية، حيث تراجعت قيمتها السوقية بشكل حاد خلال العقدين الماضيين. فبعد أن كانت الشركة تحتل المرتبة الثالثة عالمياً بقيمة تتجاوز 330 مليار دولار في عام 2007، تقدر قيمتها الحالية بنحو 40 مليار دولار فقط، مما يعكس حجم التحولات في قطاع الطاقة العالمي.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

مضيق هرمز تحت التهديد: سباق دولي لتأمين إمدادات الطاقة وسط طبول المواجهة

تتصاعد حدة المخاوف الدولية من احتمالات تعطل الملاحة في مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر حيوية لتجارة الطاقة في العالم، وذلك في ظل التوترات العسكرية المتزايدة التي تشهدها المنطقة. وتأتي هذه المخاوف في وقت تؤكد فيه الولايات المتحدة وفرنسا عزمهما المشترك على ضمان أمن هذا الممر الاستراتيجي ومنع أي محاولات لعرقلة حركة السفن.

ويمثل مضيق هرمز شريان الحياة للاقتصاد العالمي، حيث يتدفق عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يومياً. وأي اضطراب في هذا المسار البحري سيؤدي بالضرورة إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار الطاقة، مما يضع استقرار الأسواق الدولية على المحك في ظل الظروف الراهنة.

ومع اندلاع المواجهات العسكرية السبت الماضي، رصدت مصادر ميدانية بدء طهران بشن هجمات استهدفت سفناً تجارية داخل حدود المضيق. هذه التطورات أثارت تساؤلات جدية حول إمكانية لجوء إيران إلى خيار الإغلاق الشامل، وهو السيناريو الذي تخشاه العواصم الكبرى وتستعد لمواجهته بكافة الوسائل.

من جانبه، حاول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تهدئة المخاوف نسبياً بتصريحات أكد فيها أن طهران لم تتخذ بعد قراراً رسمياً بإغلاق المضيق. ومع ذلك، لا تزال التباينات واضحة بين المستويين السياسي والعسكري في إيران، حيث تلوح القيادات الميدانية بخيارات أكثر تصعيداً في حال استمرار الضغوط الدولية.

وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني فرض سيطرته الكاملة على الملاحة في المضيق، موجهاً تحذيرات شديدة اللهجة للسفن العابرة. وأشار الحرس الثوري إلى أن أي تحرك غير منسق قد يجعل السفن عرضة للاستهداف المباشر بواسطة الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيّرة الانتحارية التي تنتشر بكثافة في المنطقة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دخل على خط الأزمة، مشيراً إلى أن البحرية الأمريكية مستعدة للتدخل المباشر لحماية ناقلات النفط. وأوضح ترمب أن واشنطن قد تبدأ في تسيير دوريات مرافقة للسفن التجارية لضمان استمرار تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية دون انقطاع، مؤكداً أن أمن الطاقة يمثل أولوية قصوى لبلاده.

وعلى الصعيد الأوروبي، يقود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون جهوداً لبناء ائتلاف دولي يضم قدرات عسكرية متنوعة لتأمين الممرات البحرية الأساسية. وتهدف باريس من خلال هذه الخطوة إلى خلق مظلة حماية تشمل مضيق هرمز وقناة السويس، لضمان انسيابية التجارة الدولية بعيداً عن التهديدات العسكرية المباشرة.

ورغم هذه التحركات الدبلوماسية والعسكرية، يرى خبراء في الشؤون البحرية أن تنفيذ خطط الحماية قد يواجه تعقيدات لوجستية كبيرة. وأشار ديرك سيبلز، الباحث في مكتب 'ريسك إنتليجنس'، إلى أن أي عملية واسعة لتأمين السفن لم تبدأ فعلياً على الأرض، معتبراً أن حجم التهديدات يجعل المهمة صعبة للغاية في الوقت الراهن.

المحلل قيس مخلوف أوضح بدوره أن تأمين الملاحة في هرمز يتطلب موارد عسكرية ضخمة قد لا تكون متاحة بالكامل حالياً. وأشار مخلوف إلى أن انشغال القوى الكبرى بالعمليات الحربية الجارية في جبهات أخرى يحد من القدرة على تخصيص قطع بحرية كافية لفرض مراقبة عسكرية شاملة على طول المضيق.

وتتنوع التهديدات التي تواجه السفن التجارية بين الأسلحة التقليدية والتقنيات الحديثة التي يمتلكها الحرس الثوري. وتشمل هذه المخاطر الزوارق السريعة القادرة على زرع عبوات ناسفة في هياكل السفن، بالإضافة إلى الغواصات الصغيرة التي يمكنها تنفيذ عمليات تخريبية تحت سطح الماء بعيداً عن أعين الرادارات.

ويعتبر خبراء عسكريون أن السيناريو الأخطر يتمثل في نشر الألغام البحرية العائمة أو المغناطيسية في الممرات الضيقة للمضيق. وفي حال حدوث ذلك، ستحتاج القوى الدولية إلى اعتماد نظام القوافل البحرية التي تتقدمها كاسحات ألغام متطورة لتنظيف المسارات وضمان عبور السفن بأمان.

وتشير التقارير إلى أن النموذج المتبع في البحر الأحمر لحماية السفن من هجمات الحوثيين قد يتم استنساخه في مضيق هرمز. وتبرز في هذا الإطار عملية 'أسبيديس' الأوروبية التي انطلقت في فبراير 2024، كإطار عمل محتمل يمكن توسيعه ليشمل منطقة الخليج العربي لمواجهة التهديدات الإيرانية المتزايدة.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو أكد أن بلاده تسعى لتطبيق ذات المنطق الأمني المتبع في البحر الأحمر على مضيق هرمز. وكشفت مصادر دبلوماسية عن مشاورات أوروبية مكثفة لبحث إمكانية تعزيز الانتشار البحري في شرق المتوسط كخطوة تمهيدية قبل الانتقال لتأمين الملاحة في المضيق إذا تطلب الأمر.

وفي الختام، يجمع المراقبون على أن أي تحرك فعال لحماية الملاحة في هرمز يتطلب ائتلافاً دولياً واسعاً يتجاوز القوى الغربية. وقد يفتح هذا التوجه الباب لمشاركة دول آسيوية كبرى، مثل الصين والهند، التي تعتمد بشكل حيوي على النفط القادم عبر المضيق، مما قد يغير التوازنات العسكرية في المنطقة.

فلسطين

الجمعة 06 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

رواية "بين أروقة الموت".. صرخة أدبية توثق وجع النزوح وفقدان الأحبة في غزة

تطل رواية "بين أروقة الموت" للكاتبة ريهام الزعلان كشهادة أدبية من قلب الركام، حيث تقتفي أثر العائدين إلى ما تبقى من وطن وتستنطق صمت الخيام الممتدة في قطاع غزة. الرواية لا تكتفي بنقل الأحداث كأرقام صماء، بل تنبض بالحقيقة من صدر أم مكلومة وعين طفل يبحث عن والده وسط غبار الحرب والدمار.

تقول الكاتبة ريهام الزعلان في حديث لمصادر إعلامية إن هذا العمل يمثل ميلاداً جديداً لها من رحم المعاناة التي قلبت موازين حياتها، ودفعتها للكتابة كمحاولة لفهم الفقد وتوثيق الألم. وتؤكد أن الرواية ليست مجرد حكاية متخيلة، بل هي حفظ لأصوات الذين ابتلعتهم الحرب وعلقوا بين مطرقة الخوف وسندان الأمل.

استحضرت الزعلان في صفحات روايتها الأيام القاسية التي عاشتها تحت أزيز الطائرات وهدير المدافع، مسجلةً لحظة فقدها لزوجها الذي تصفه بـ "شهيد قلبها". كما نقلت بصدق ملامح المجاعة التي عاينتها بنفسها، حين أصبح الحصول على رغيف الخبز حلماً بعيد المنال والمأوى مجرد أمنية وسط نزوح لا ينتهي.

تعتبر الكاتبة أن فعل الكتابة هو وسيلتها لمقاومة الانكسار ومنح الذاكرة صوتاً لا يموت، مشددة على أن وراء كل رقم يظهر في نشرات الأخبار حكاية إنسان ووجعاً عميقاً. وفي غزة، كما تصف الرواية، لا يلغي الألم الأمل بل يصقله ويجعل من التشبث بالحياة فعلاً يومياً من أفعال التحدي والصمود.

نبعت الرواية من تجربة شخصية مؤلمة عاشتها الكاتبة في ظروف الحرب القاسية، حيث كانت الكتابة ملاذها الوحيد بعد انهيار تفاصيل حياتها السابقة. وتعد الرواية رد فعل وجداني يمثل معاناة كل امرأة فلسطينية فقدت بيتها أو سندها، لكنها بقيت صابرة تبحث عن بصيص ضوء وسط الخراب الشامل.

تركز فصول الرواية على التجربة الإنسانية العميقة، فتروي قصصاً لمواقف عاشها الفلسطينيون بصبر يشبه الإيمان، من الأم التي تعبر الفقد بصمت إلى الرجل الذي يواجه الأهوال بشموخ. وترصد السردية سيرة الصمود الإنساني، وكيف يمكن للروح أن تعيد تشكيل نفسها وتنهض من قلب الدمار لتعلن بداية جديدة.

من جانبها، ترى الكاتبة نهيل مهنا أن الرواية تمثل شهادة أدبية حية على واحدة من أقسى مراحل التاريخ الفلسطيني الحديث، حيث تتمازج فيها الذاكرة الفردية بالجماعية. وأوضحت في تصريحات لمصادر صحفية أن النص يحول الألم إلى مادة نابضة توثق الإبادة عبر وجوه وحكايات إنسانية ملموسة بعيداً عن لغة الأرقام الجافة.

وتشير مهنا إلى أن الرواية نجحت في رصد تفاصيل الحياة اليومية داخل الخيام، متنقلة بين حر الصيف وبرد الشتاء القارس، ومن الجوع إلى مرارة النزوح المستمر. وقد منحت الكاتبة شخصياتها صوتاً واعياً يتجاوز صورة الضحية المستسلمة، ويضع المعاناة في سياقها الوطني والإنساني الأشمل كفعل بقاء وترميم للذات.

اعتمدت الزعلان لغة شفيفة ومكثفة تمزج بين السرد التوثيقي والنفس الشعري، مما جعل النص أقرب إلى شهادة وجدانية تلامس الوجع الجمعي للفلسطينيين. وتكمن أهمية هذا العمل في قدرته على تحويل الكتابة إلى مساحة لانتزاع المعنى من قلب العتمة، وإثبات أن الأدب يظل شكلاً أصيلاً من أشكال المقاومة الثقافية.

تصف الرواية بدقة متناهية رحلة العبور عبر حاجز "نتساريم"، وتصورها كرحلة على تخوم الموت حيث يصبح المرور اختباراً فاصلاً بين الحياة والعدم. وتصف الكاتبة المشهد بأنه أشبه بفصل من الجحيم، حيث الخطى ثقيلة والوجوه شاحبة، والعائلات تحمل أجساداً منهكة وأطفالاً يفتك بهم الجوع والخوف.

وفي قراءة نقدية، يرى الأديب ناصر رباح أن كتابة الزعلان تندرج ضمن الإطار الذي يصور التفاصيل الكارثية في مواجهة ويلات الحرب الشاملة. وتصف الرواية عذابات الحياة تحت نيران القصف أو التشتت في مراكز النزوح، مع تصوير دقيق لانعدام مقومات الحياة الأساسية في ظل سياسة التجويع الممنهجة.

استخدمت الكاتبة تقنية الراوي العليم لتنقل المشاهد على ألسنة أصحابها، متنقلة بين صوت أم الشهيد وزوجة الفقيد، وبين المسعف والصحفي. وتركز الرواية بشكل خاص على دور النساء في الحفاظ على تماسك الأسرة وبث روح الأمل في نفوس الصغار، مشيدة بروح غزة التي ترفض الاستسلام للموت.

تعتبر الرواية رحلة إنسانية مريرة تتأرجح بين لحظات اليأس الخانقة وبصيص الأمل الذي يرفض الانطفاء رغم هيستيريا الاحتلال ودمويته. ويرى نقاد أنها تمثل شكلاً من أشكال "الصراخ الإيجابي" الذي يسعى للوصول إلى ضمائر العالم وقلوبه، ليكون مرآة لوطن ينزف وشهادة حية على الثبات الأسطوري.

أخيراً، توضح الكاتبة والمترجمة نجوى جمعة أن الرواية تخلق حالة من اليقظة المفرطة، حيث يعيش الإنسان في استعداد دائم للخطر المحدق. وتكشف السردية عن قدرة الشخصيات على تحويل النقص إلى معنى، فبالرغم من حضور الموت الكثيف، تظهر مرونة نفسية تقوم على التعايش مع الألم واعتبار الحياة في حد ذاتها شكلاً من أشكال المقاومة.

اقتصاد

الجمعة 06 مارس 2026 2:34 مساءً - بتوقيت القدس

وزير الطاقة القطري يحذر من قفزة تاريخية لأسعار النفط وتوقف إمدادات الخليج

أطلق وزير الطاقة القطري، سعد الكعبي، تحذيرات شديدة اللهجة بشأن مستقبل استقرار أسواق الطاقة العالمية، مشيراً إلى أن استمرار الصراع العسكري الحالي قد يؤدي إلى توقف كامل لصادرات الطاقة من منطقة الخليج في غضون أسابيع قليلة. وأوضح الكعبي أن هذا السيناريو القاتم قد يدفع بأسعار النفط الخام للقفز إلى مستويات قياسية تصل إلى 150 دولاراً للبرميل الواحد، مما يهدد الاقتصاد العالمي بأزمات غير مسبوقة.

وفي مقابلة صحفية حديثة، لفت الوزير القطري إلى أن التوترات المتصاعدة في المنطقة وضعت سلاسل الإمداد في مهب الريح، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية التي تستهدف خطوط الملاحة والمنشآت الحيوية. وأكد أن دولة قطر اتخذت بالفعل خطوة استثنائية بوقف إنتاجها من الغاز الطبيعي المسال منذ يوم الاثنين الماضي، في ظل الظروف الأمنية الراهنة التي تعصف بالمنطقة وتؤثر على حركة الناقلات.

وشدد الكعبي على أن قطر تمثل ركيزة أساسية في سوق الطاقة الدولي، حيث تساهم بنحو 20 بالمئة من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية، وهو ما يجعل أي اضطراب في إنتاجها سبباً مباشراً في اختلال توازن الطلب في الأسواق الآسيوية والأوروبية على حد سواء. وحذر من أن استمرار الوضع الراهن سيجبر جميع المصدرين في منطقة الخليج على إعلان حالة 'القوة القاهرة' خلال الأيام القليلة المقبلة.

وتوقع المسؤول القطري أن تشهد الأسواق العالمية نقصاً حاداً في المنتجات الأساسية وسلسلة من التداعيات الاقتصادية التي ستعجز معها المصانع عن الوفاء بالتزامات التوريد. وأشار إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيتأثر بشكل مباشر وعميق إذا لم يتم احتواء الحرب الدائرة حالياً، مؤكداً أن تداعيات هذه الأزمة ستطال الجميع دون استثناء من خلال ارتفاع جنوني في تكاليف الطاقة.

وفيما يتعلق بالمدى الزمني للتعافي، أوضح الكعبي أن عودة سلاسل الإمداد إلى طبيعتها لن تكون فورية حتى في حال توقف العمليات العسكرية غداً، إذ يتطلب الأمر فترة تتراوح بين أسابيع إلى شهور لاستعادة الدورة الطبيعية للتوريد. هذا التأخير يضيف عبئاً إضافياً على الدول المستهلكة التي تعاني أصلاً من ضغوط تضخمية ونقص في المخزونات الاستراتيجية.

كما كشف الوزير، الذي يرأس أيضاً شركة 'قطر للطاقة'، عن تأثر المشاريع الاستراتيجية الكبرى بهذه التطورات، وعلى رأسها مشروع توسعة حقل الشمال الذي يعد من أضخم مشاريع الغاز عالمياً. وأكد أن خطط التوسعة ستواجه تأخيرات حتمية في بدء الإنتاج الذي كان مقرراً في منتصف عام 2026، مشيراً إلى أن استمرار الأزمة لشهر أو شهرين سيغير خارطة التوقعات بالكامل.

وربط الكعبي القفزة المتوقعة في أسعار النفط بسلامة الملاحة في مضيق هرمز، مؤكداً أن عجز السفن وناقلات النفط عن المرور عبر هذا الممر الحيوي سيؤدي إلى وصول البرميل لـ 150 دولاراً خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. ويعد المضيق الشريان الرئيسي الذي يربط كبار منتجي النفط في الخليج بالأسواق العالمية عبر خليج عُمان وبحر العرب.

ولم تقتصر التحذيرات على النفط فقط، بل شملت قطاع الغاز الطبيعي، حيث رجح الوزير ارتفاع الأسعار إلى نحو 40 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. هذا الارتفاع الحاد من شأنه أن يضاعف فواتير الطاقة في أوروبا وآسيا، ويضع ضغوطاً هائلة على الصناعات الثقيلة التي تعتمد بشكل أساسي على الغاز كوقود ومادة خام.

وختم الكعبي تصريحاته بالتأكيد على أن المشهد الحالي يتطلب تحركاً سريعاً لتفادي كارثة طاقة عالمية، موضحاً أن التأثيرات المحدودة قد تكون ممكنة فقط في حال العودة للعمل خلال أسبوع واحد. أما في حال طال أمد النزاع، فإن العالم سيواجه مرحلة من عدم اليقين الاقتصادي قد تمتد لسنوات، مع تعطل مشاريع الطاقة المستقبلية التي يعول عليها العالم لتأمين احتياجاته.

فلسطين

الجمعة 06 مارس 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

المرأة الفلسطينية في زمن الحرب: دراسة ميدانية توثق الصمود في وجه الإبادة الإنجابية

صدر حديثاً عن مركز فينيق للبحوث والدراسات الحقلية في غزة كتاب بعنوان 'المرأة الفلسطينية زمن الحرب بين: تحديات الواقع الإنساني وتحولات الدور الاجتماعي'، للباحثين منصور أبو كريم ونورا زقوت. يقع الكتاب في 290 صفحة، ويقدم قراءة تحليلية معمقة مستندة إلى دراسة ميدانية شملت عينة واسعة من النساء في قطاع غزة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2025.

يسلط الكتاب الضوء على التناقض الصارخ في الخطاب الدولي الذي يتشدق بحقوق المرأة بينما يغض الطرف عن مأساة الفلسطينيات اللواتي يتعرضن للقتل والتهجير الممنهج. وتكشف الوقائع الواردة في الدراسة الوجه القبيح للقانون الدولي الذي يفشل في حماية الحق في الحياة، وهو أصل الحقوق وأولها، خاصة في ظل استهداف الاحتلال المباشر للنساء والأطفال.

تتناول فصول الدراسة الأربعة الحرب كزلزال بنيوي أعاد صياغة الأدوار الاجتماعية والسياسية في المجتمع الفلسطيني. وتبرز المرأة في هذا السياق كفاعل أساسي وحارسة للهوية والنسيج المجتمعي، خاصة مع انهيار المؤسسات الرسمية، حيث تحول جسدها وحياتها اليومية إلى ساحة للمقاومة والبقاء في قلب الصراع الوطني.

يؤرخ الكتاب للوعي النضالي للمرأة الفلسطينية الذي بدأ يتشكل منذ عهد الانتداب البريطاني، وتحديداً مع تأسيس أول جمعية للسيدات العربيات في القدس عام 1921. وقد تطور هذا الدور من العمل الخيري التقليدي إلى الانخراط المباشر في الثورات الشعبية، وصولاً إلى التميز النضالي الفريد إبان الانتفاضة الكبرى عام 1987.

يرصد الباحثان آثار عملية 'طوفان الأقصى' وما تلاها من عدوان إسرائيلي أدى إلى انهيار شامل في البنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية بقطاع غزة. وقد فرض هذا الواقع على الأمهات أعباءً قاسية، حيث اضطررن لتقنين وجباتهن وتجويع أنفسهن لضمان بقاء أطفالهن على قيد الحياة في ظل انعدام الأمن الغذائي.

يشير الكتاب بوضوح إلى مفهوم 'الإبادة الإنجابية' التي يمارسها الاحتلال من خلال الاستهداف المركز للنساء، بهدف تصفية الوجود الديموغرافي الفلسطيني. وقد تضاعفت هذه المعاناة مع النزوح القسري الذي جرد النساء من ممتلكاتهن ووسائل إنتاجهن، ووضعهن تحت وطأة أعباء الرعاية غير المدفوعة في مراكز الإيواء المكتظة.

على الصعيد الصحي، وثقت الدراسة الانهيار التام للمنظومة الطبية، حيث توقفت أغلب المستشفيات عن تقديم خدماتها الأساسية. وأدى ذلك إلى تفاقم معاناة الحوامل اللواتي اضطررن للولادة في ظروف تفتقر للأمان الصحي، فضلاً عن انتشار الأمراض الجلدية والمعدية نتيجة غياب المياه الصالحة للشرب والنظافة العامة.

تطرقت الدراسة إلى الجانب السيكولوجي، مؤكدة ارتفاعاً ملحوظاً في اضطرابات الصدمة والقلق المزمن بين النساء الغزيات. وقد تسببت مشاهد الدمار المتكررة وفقدان الأبناء في هز أركان التوازن النفسي، في ظل غياب شبه تام للخدمات المتخصصة في الصحة النفسية والدعم الاجتماعي المستدام خلال أوقات القصف.

أظهرت النتائج الميدانية للدراسة التي شملت 400 امرأة أن 86.5% من المشاركات لم يحصلن على رعاية صحية مناسبة خلال الحرب. وتعكس هذه النسبة الكبيرة حجم الكارثة الإنسانية وانهيار منظومة الرعاية الأولية، بالإضافة إلى التقييم السلبي لعدالة توزيع المساعدات الإنسانية التي شابتها الفوضى وغياب الرقابة.

فيما يتعلق بالدور السياسي، كشفت الإحصائيات أن 69.3% من النساء يشعرن بتهميش دورهن في مؤسسات منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. ويعزو الباحثان ذلك إلى انشغال المرأة التام بتدبير متطلبات البقاء اليومي وتأمين لقمة العيش لعائلاتها في ظل ظروف الحرب القاسية والمستمرة.

رغم هول التحديات، أظهرت الدراسة روحاً وثابة لدى النساء، حيث أعربت 60% من المشاركات عن رغبة قوية في تعزيز دورهن السياسي عقب انتهاء الحرب. ويشير هذا التحول إلى وعي وطني صامد يسعى للتمكين الاقتصادي الفعلي واستعادة مقومات الحياة الطبيعية والمشاركة في صنع القرار المستقبلي.

يعد هذا الكتاب وثيقة مرجعية مهمة تجمع بين التأصيل التاريخي والتحليل الميداني المعاصر لواحد من أعنف النزاعات في القرن الحادي والعشرين. وتتجلى قيمته في تحويل المعاناة الإنسانية إلى بيانات إحصائية وحقائق بنيوية تكشف الاستهداف الممنهج للمرأة الفلسطينية من قبل آلة الحرب الإسرائيلية.

قدم الباحثان في ختام دراستهما خارطة طريق واقعية للانتقال من مرحلة الإغاثة الطارئة إلى التعافي المستدام. وتركز التوصيات على ضرورة دمج النساء في كافة عمليات إعادة الإعمار، وتوفير دعم نفسي واقتصادي طويل الأمد لتمكينهن من تجاوز آثار الحرب المدمرة واستعادة دورهن الريادي.

يخلص الكتاب إلى أن صمود المرأة في غزة اليوم هو امتداد لإرث نضالي طويل، وهو صرخة في وجه نظام عالمي مختل وقيم أخلاقية مرائية. ويضع الكتاب المؤسسات الدولية أمام مسؤولياتها القانونية، مؤكداً أن استعادة عافية المجتمع الفلسطيني تبدأ من حماية المرأة وتمكينها سياسياً واجتماعياً.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 2:03 مساءً - بتوقيت القدس

مخاطر توسع المواجهة الإقليمية: هل تنجرف دول الخليج إلى ساحة الحرب؟

تشهد منطقة الشرق الأوسط تصاعداً غير مسبوق في حدة التوتر العسكري، مدفوعاً بسلسلة من الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت العمق الإيراني خلال الأيام القليلة الماضية. هذا التحول الدراماتيكي يعكس بوضوح انتقال القوى الفاعلة من استراتيجيات الردع التقليدية واحتواء الأزمات إلى مرحلة الانخراط الفعلي والمباشر في العمليات العسكرية الميدانية.

يكمن التحدي الأكبر في هذا التصعيد في إمكانية اتساع رقعة العمليات العسكرية لتشمل دول الخليج العربي، مما قد يحول المنطقة بأكملها إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة. إن طبيعة الأهداف المتبادلة تشير إلى أن المواجهة لم تعد محصورة في نقاط جغرافية معينة، بل باتت تهدد الاستقرار الإقليمي برمته.

تجد دول الخليج نفسها اليوم في موقع بالغ الحساسية والتعقيد ضمن معادلة الصراع الراهنة، نظراً لكونها تستضيف قواعد عسكرية أمريكية ومنشآت استراتيجية حيوية. هذه المنشآت تمثل جزءاً أساسياً من البنية العسكرية للوجود الغربي، مما يجعلها أهدافاً محتملة في أي سيناريو لتوسيع رقعة الرد الإيراني.

إلى جانب البعد العسكري، يلعب الموقع الجغرافي لدول الخليج دوراً حاسماً في زيادة منسوب المخاطر، حيث تقع هذه الدول على خط التماس المباشر مع إيران. هذا القرب يجعل الأراضي الخليجية عرضة للتداعيات الأمنية المباشرة لأي انفجار عسكري واسع النطاق، سواء عبر الصواريخ أو الطائرات المسيرة.

تضع هذه المعطيات العواصم الخليجية تحت ضغوط سياسية وأمنية هائلة للمفاضلة بين الانخراط في المواجهة أو اتخاذ مواقف أكثر حدة تجاه طهران. ومع ذلك، فإن أي انزلاق نحو المشاركة العسكرية قد يؤدي إلى تحويل المدن والمنشآت الخليجية إلى مسرح مباشر للعمليات القتالية، وهو ثمن باهظ تسعى هذه الدول لتجنبه.

لا تقتصر مخاطر جر الخليج إلى الحرب على الجوانب العسكرية فحسب، بل تمتد لتشمل تهديدات وجودية للأمن الاقتصادي العالمي. فالمنطقة تعد الشريان الرئيسي لإنتاج وتصدير الطاقة، وأي اضطراب أمني واسع سيؤدي حتماً إلى شلل في تدفقات النفط والغاز نحو الأسواق الدولية.

يبرز مضيق هرمز كأحد أكثر النقاط حرجاً في هذا الصراع، حيث يمثل الممر المائي الأهم للتجارة العالمية والطاقة. إن أي تهديد لأمن الملاحة في هذا المضيق سيعني دخول الاقتصاد العالمي في نفق مظلم من الأزمات المتلاحقة وارتفاعاً جنونياً في أسعار الوقود.

تعتمد الرؤى الاقتصادية الطموحة لدول الخليج بشكل جوهري على الاستقرار الإقليمي المستدام لجذب الاستثمارات الأجنبية وتنشيط حركة التجارة. لذا، فإن اندلاع مواجهة مسلحة سيؤدي إلى تآكل الثقة في البيئة الاستثمارية للمنطقة، مما يهدد المشاريع التنموية الكبرى التي تم التخطيط لها لسنوات.

من خلال قراءة سلوك طهران في الردود الأخيرة، يظهر بوضوح أنها تحاول حتى الآن إبقاء المواجهة ضمن قواعد اشتباك مدروسة ومحدودة. تهدف هذه الاستراتيجية الإيرانية إلى توجيه رسائل ردع قوية للولايات المتحدة وإسرائيل دون الانزلاق الكامل نحو حرب شاملة قد لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

في ظل هذه الظروف، يصبح الموقف الخليجي الجماعي عاملاً حاسماً في كبح جماح التصعيد ومنع انفجار الموقف. إن تبني سياسات تعتمد على الحذر الشديد وضبط النفس في التعامل مع الاستفزازات المتبادلة يمثل صمام الأمان الوحيد لمنع تحول الضربات المحدودة إلى حرب إقليمية كبرى.

إن إدارة الأزمة بحكمة تتطلب من دول المنطقة موازنة دقيقة بين التزاماتها الأمنية مع الحلفاء الدوليين وبين ضرورة الحفاظ على أمنها القومي. فالتصعيد المتبادل قد يفتح أبواباً لمواجهات يصعب احتواؤها لاحقاً، مما يجعل الدبلوماسية الوقائية ضرورة ملحة في الوقت الراهن.

الحروب في هذه البقعة الجغرافية من العالم لا تظل حبيسة الحدود العسكرية، بل تتحول سريعاً إلى أزمات إنسانية واقتصادية عابرة للقارات. لذا، فإن استقرار الخليج ليس شأناً محلياً فحسب، بل هو ركيزة أساسية للأمن والسلم الدوليين في ظل الترابط الاقتصادي العالمي.

يؤكد المحللون أن الخطر الحقيقي في المرحلة الحالية يتجاوز مجرد الضربات العسكرية المتبادلة بين الأطراف الثلاثة الرئيسية. الخطر يكمن في 'ديناميكية التدحرج' التي قد تجبر أطرافاً أخرى على الدخول في الصراع دفاعاً عن مصالحها أو أراضيها، مما يوسع دائرة النار.

ختاماً، يبقى تجنب الانجرار إلى المواجهة المباشرة هو التحدي الأبرز أمام القادة في المنطقة لمنع تحول الشرق الأوسط إلى ساحة صراع دولي. إن كلفة الحرب في الخليج ستكون باهظة جداً على كافة المستويات، مما يجعل من خيار التهدئة المسار الوحيد العقلاني لتجاوز هذه المرحلة الحرجة.

فلسطين

الجمعة 06 مارس 2026 1:33 مساءً - بتوقيت القدس

مؤشرات عسكرية وسياسية ترجح وقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران خلال أسبوعين

دخلت المواجهة العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران أسبوعها الثاني، وسط مؤشرات ميدانية وسياسية توحي باحتمالية توقف العمليات في غضون أقل من أسبوعين. ورغم التصريحات الرسمية التي تشير إلى استعداد الأطراف لحرب استنزاف طويلة الأمد، إلا أن المعطيات على الأرض تفرض واقعاً مختلفاً قد يدفع نحو إنهاء مبكر للقتال.

بدأت هذه الجولة من الصراع في الثامن والعشرين من فبراير 2026، وشهدت منذ ساعاتها الأولى تصعيداً غير مسبوق شمل اغتيال قيادات إيرانية عليا على رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي. ومع ذلك، أظهرت طهران قدرة سريعة على ترميم هيكلها القيادي والرد عسكرياً عبر استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، مما أربك الحسابات التي كانت تراهن على انهيار سريع للنظام.

يبرز العامل السياسي المرتبط بشخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كأحد أهم محركات التهدئة المحتملة، حيث يميل ترامب إلى إعلان النصر السريع لتجنب التورط في حروب استنزاف. وقد بدأ البيت الأبيض بالفعل في التمهيد لهذا السيناريو عبر الادعاء بأن الضربات الجوية دمرت القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية بشكل سيستغرق عقداً من الزمن لإعادة بنائه.

على الصعيد العسكري، تواجه إسرائيل وحلفاؤها في المنطقة تحدياً خطيراً يتمثل في النقص الحاد في مخزونات أنظمة الدفاع الجوي، وخاصة منظومات 'ثاد' و'آرو'. وأفادت مصادر بأن وتيرة استهلاك الصواريخ الاعتراضية تفوق بكثير قدرة المصانع الأمريكية على التعويض، مما يترك الأجواء عرضة للاختراق في حال استمرار الرشقات الإيرانية المكثفة.

اعترف وزير الدفاع الأمريكي بيث هغسيث في جلسات مغلقة أمام الكونغرس بأن الطائرات المسيرة الإيرانية، ولا سيما طراز 'شاهد'، تشكل تحدياً تقنياً وعملياتياً يصعب احتواؤه بشكل كامل. هذا الاعتراف يتزامن مع تحذيرات أطلقها مسؤولون سابقون، مثل أنتوني بلينكن، من خطر استنزاف الترسانة العسكرية الأمريكية الاستراتيجية إذا طال أمد المواجهة.

اقتصادياً، تسببت الحرب في هزة عنيفة للأسواق العالمية، حيث قفزت أسعار الطاقة بنسبة 25% نتيجة التهديدات المباشرة لحركة الملاحة في مضيق هرمز. وتضغط قوى دولية كبرى مثل الصين والهند واليابان على واشنطن لوقف العمليات العسكرية، نظراً لاعتمادها الكلي على نفط الخليج الذي بات في مرمى النيران الإيرانية.

داخلياً، تتكبد إسرائيل خسائر اقتصادية فادحة تقدر بنحو 9.4 مليارات شيكل أسبوعياً، وهو ما يضع ضغوطاً هائلة على الموازنة العامة والجبهة الداخلية. وفي المقابل، تبلغ تكلفة العمليات العسكرية الأمريكية نحو مليار دولار يومياً، وهو رقم يثير استياءً متزايداً داخل الرأي العام الأمريكي الرافض للتدخلات العسكرية الخارجية.

تشير تقارير استخباراتية إلى أن الرهان على سقوط النظام الإيراني من الداخل يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن، رغم وجود معارضة نشطة. فالجذور العميقة لأنصار الثورة وقدرة النظام على امتصاص الصدمات الأولى للاغتيالات أثبتت أن سيناريوهات تغيير النظام بالقوة العسكرية المباشرة تواجه تعقيدات ميدانية واجتماعية هائلة.

يظهر الانقسام الغربي بوضوح في الموقف الأوروبي، حيث تقود إسبانيا جبهة معارضة للحرب وتطالب بوقف فوري للتصعيد العسكري. وحتى الحلفاء التقليديون مثل بريطانيا، يبدون تردداً واضحاً في الانخراط المباشر في العمليات القتالية، مكتفين بتقديم الدعم اللوجستي والاستخباراتي، خوفاً من تداعيات الحرب على أمن القارة العجوز.

يبقى السيناريو الأكثر رعباً لصناع القرار في واشنطن هو لجوء طهران إلى 'خيار شمشون' في حال شعورها بتهديد وجودي حقيقي. هذا السيناريو يتضمن تدمير منشآت الطاقة في دول الجوار وحرق حقول النفط، مما قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية غير مسبوقة تفوق في آثارها الكارثية جميع الأزمات المالية التي شهدها القرن الحالي.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 12:48 مساءً - بتوقيت القدس

سنن الاستبداد والزوال: كيف يقرأ التاريخ والقرآن مصائر الظالمين؟

تؤكد الشواهد التاريخية والنصوص القرآنية أن لله تعالى سنناً ثابتة لا تتخلف في التعامل مع الظالمين وأعوانهم، حيث تسري هذه القوانين على الحضارات الكبرى كما تسري على الأفراد. إن زوال الأمم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعلو والطغيان والإجحاف في حقوق الخلق، وهو ما يفسر انهيار كيانات ظنت يوماً أنها منيعة.

لقد وثق القرآن الكريم مصائر أمم مثل عاد وثمود وفرعون، الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد، فكانت النتيجة صب سوط العذاب عليهم. هذه الآيات تقرر حقيقة كونية مفادها أن الفساد والتجبر هما المقدمة الطبيعية لكل دمار يلحق بالأمم التي تحيد عن طريق العدل.

وتشير المصادر إلى أن إرادة الهلاك تحل بالقرى عندما يفسق مترفوها ويعصون الأوامر الشرعية الداعية للصلاح، مما يحقق أسباب الانهيار الوشيك. فإذا ما فشا الظلم وانعدمت قيم العدالة، فإن سنة الله في الأخذ والتنكيل تصبح واقعاً لا مفر منه جزاءً وفاقاً لما اقترفته أيدي الظالمين.

إن تحريم الظلم هو أصل كوني، حيث جعله الله محرماً على نفسه وبين عباده، محذراً من اختلال الموازين التي تميز بين القوي والضعيف. وعندما يتحكم الأقوياء في رقاب المستضعفين وتضيع الحقوق، فإن المجتمع يدخل نفقاً مظلماً ينتهي بالهلاك الذي لا يحابي أحداً.

وقد بينت الأحاديث النبوية أن هلاك الأمم السابقة كان سببه التمييز في إقامة الحدود، حيث كان يترك الشريف ويقام الحد على الضعيف. هذا الخلل البنيوي في منظومة العدالة هو القاصمة التي تنهي شرعية أي نظام سياسي أو اجتماعي وتؤذن بزواله مهما بلغت قوته المادية.

وعلى الرغم من أن الناس قد يرون موجبات الانهيار دون أن يشهدوا الزوال الفوري، إلا أن للأمم آجالاً محددة لا تستأخر عنها ساعة. فالعمر الحضاري أطول من عمر الأفراد، لكن الكتاب المعلوم لكل أمة يظل قائماً حتى يستوفي الظلم مداه وتتحقق شروط الاستبدال.

إن الله ينزع الملك والتمكين من المتجبرين ليذيقهم مرارة الضعف بعد القوة، كما حدث في قصة جالوت الذي نزع الله ملكه ليمكن لداوود عليه السلام. هذه التحولات تحمل بشارات للمظلومين بأن دوام الحال من المحال، وأن الصبر والأخذ بأسباب التغيير هما مفتاح النصر.

وتعد تجربة بني إسرائيل نموذجاً تاريخياً على نفاذ هذه السنن، فبعد أن نصرهم الله على جالوت ومكن لهم، أدى انحرافهم عن منهج الأنبياء إلى عزلهم عن قيادة الإنسانية. لقد سجل التاريخ تعرضهم للسبي البابلي والدمار الروماني نتيجة جرائمهم التي لم تبقِ مجالاً لبقائهم في منصب القيادة.

وتشير سورة الإسراء بوضوح إلى أن القيادة الروحية والحضارية تنتقل من الأمم التي تملأ تاريخها بالغدر والظلم إلى أمم أخرى تتدفق بالخير والإصلاح. هذا الاستبدال الحضاري يهدف إلى حفظ التوازن في الأرض وضمان استمرار الرسالة الإنسانية القائمة على الحق والعدل.

ويعتبر الظلم المفهوم الشامل لفقدان التوازن في كافة مجالات الحياة، مما يؤدي إلى ظهور آفات اجتماعية واقتصادية مدمرة. فالحضارات لا تسقط إلا بظلم أهلها، بينما يظل الإصلاح صمام الأمان الذي يمنع وقوع العذاب والاستئصال كما ورد في المحكم من التنزيل.

وتمثل قصة قوم نوح المثال الأول في التاريخ البشري على سقوط حضارة كاملة بسبب استفحال الظلم والشرك. فقد أقام نوح عليه السلام الحجة على المعاندين، ولكن استمرارهم في الطغيان استوجب تدخل السنة الإلهية عبر الطوفان الذي طهر الأرض من دنس الظالمين.

إن إهلاك الأمم الظالمة ليس عبثاً، بل هو وسيلة لإنشاء أقوام آخرين يقومون بعمارة الأرض على أسس صحيحة وعقيدة سليمة. فالتجدد الحضاري يتطلب إزالة الخلايا التالفة من جسد الإنسانية لضمان بقاء العالم قائماً على قيم الخير والعدل والمساواة.

لقد بدأت سلسلة الهلاك التاريخي بقوم نوح واستمرت عبر القرون لتكون عبرة لمن يجيء بعدهم من الأمم والحضارات. إن الفصل بين الحق والباطل في الدنيا، بإنجاء المؤمنين وإهلاك المكذبين، هو حكمة ربانية تهدف إلى نصرة المظلومين وترسيخ هيبة العدالة الإلهية.

في الختام، يظل الوعي بسنن الله في المجتمعات ضرورة لفهم التحولات السياسية والاجتماعية المعاصرة، حيث أن المقدمات المتشابهة تؤدي حتماً إلى نتائج متماثلة. فالظلم مهما طال ليله، فإن فجر العدالة آتٍ بسنة الله التي لا تجد لها تبديلاً ولا تحويلاً.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 11:49 صباحًا - بتوقيت القدس

صواريخ 'كاسر خيبر' و'خرمشهر-4' تدخل خط المواجهة: تصعيد إيراني جديد في استهداف تل أبيب

شهدت الساحة العسكرية تصعيداً لافتاً مع نهاية الأسبوع الأول من المواجهات، حيث أعلنت طهران عن دمج منظومات صاروخية أكثر تطوراً في ترسانتها الهجومية. وتأتي هذه الخطوة في إطار الرد الإيراني المستمر على الهجمات التي استهدفت مصالحها، مما يشير إلى تحول في طبيعة الأسلحة المستخدمة وكثافتها التدميرية.

وأكد بيان صادر عن الحرس الثوري الإيراني، يتعلق بالموجة الصاروخية الحادية والعشرين أن مدينة تل أبيب كانت هدفاً مباشراً لصواريخ من طراز 'كاسر خيبر'. وجاء هذا الإعلان عقب ساعات قليلة من الكشف عن دخول صواريخ 'خرمشهر-4' الخدمة الفعلية في العمليات الميدانية الجارية، مما يرفع من مستوى التهديد الصاروخي للمنطقة.

وتشير البيانات التقنية إلى أن صاروخ 'كاسر خيبر' الذي استخدم لأول مرة في يونيو الماضي، يتمتع بمدى يصل إلى 1500 كيلومتر. ويحمل هذا الطراز رأساً حربياً يزن نصف طن، بينما تمنحه سرعته التي تتخطى 5 آلاف كيلومتر في الساعة قدرة عالية على اختراق الأجواء والوصول إلى أهدافه بدقة وسرعة فائقة.

أما صاروخ 'خرمشهر-4' فيعد من أثقل الصواريخ في المنظومة الإيرانية، حيث يحمل رأساً حربياً متفجراً يصل وزنه إلى 1500 كيلوغرام. وتكمن خطورة هذا الصاروخ في قدرته على الوصول إلى أهدافه في غضون 12 دقيقة فقط من لحظة الإطلاق، وهو ما يضع تحديات جسيمة أمام أنظمة الرصد والدفاع الجوي المعادية.

وفي سياق متصل، تظهر التقارير الاستخباراتية الغربية أن طهران نجحت في تطوير نحو 14 طرازاً مختلفاً من الصواريخ الباليستية المتنوعة. وتتراوح مديات هذه الصواريخ بين 200 و2500 كيلومتر، ومن أبرزها نماذج 'سجيل' و'شهاب' و'عماد' و'قدر' التي تشكل العمود الفقري للقوة الردعية الإيرانية.

وتقدر مصادر عسكرية غربية وإسرائيلية أن المخزون الصاروخي الإيراني لا يقل عن 3000 صاروخ جاهز للإطلاق في أي لحظة. وتعكس هذه الأرقام حجم الاستعدادات اللوجستية والعسكرية التي تمتلكها إيران في مواجهة أي سيناريوهات تصعيدية شاملة في المنطقة خلال الفترة المقبلة.

من جهتها، أفادت مصادر عسكرية بأن القوات الصاروخية أطلقت حتى اللحظة ما يقارب 500 صاروخ متنوع منذ بدء الجولة الحالية من القتال. وشملت هذه الرشقات صواريخ كروز وصواريخ فرط صوتية، في محاولة لتجاوز منظومات الاعتراض المتقدمة التي تنشرها القوات الأمريكية والإسرائيلية.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

صواريخ إيرانية تستهدف تل أبيب وتخلف حرائق وأضراراً واسعة

شهدت منطقة وسط إسرائيل وتل أبيب الكبرى مساء الخميس موجة جديدة من الهجمات الصاروخية المنطلقة من الأراضي الإيرانية، مما أثار حالة من الاستنفار الواسع. وأكدت مصادر ميدانية أن الرشقات الصاروخية الأخيرة كانت مكثفة وأدت إلى تفعيل صافرات الإنذار في مساحات واسعة من المركز، حيث سُمعت دوي انفجارات عنيفة ناتجة عن محاولات الاعتراض وسقوط المقذوفات.

وذكرت مصادر إعلامية أن الهجوم تسبب في وقوع أضرار مادية مباشرة واندلاع حرائق في ثلاثة مواقع على الأقل داخل مدينة تل أبيب ومحيطها الجغرافي. وقد هرعت طواقم الإطفاء والإنقاذ إلى أماكن سقوط الشظايا للسيطرة على النيران التي اشتعلت في منشآت ومناطق مفتوحة، وسط تقارير عن تضرر مبانٍ ومركبات في المواقع المستهدفة.

وأوضحت التقارير الفنية أن القوات الإيرانية استخدمت في هذه الضربة صواريخ من الطراز 'الانشطاري'، وهو نوع مصمم ليتوزع إلى شظايا متعددة عند الاعتراض أو قبيل الارتطام. هذا التكتيك العسكري ساهم في اتساع رقعة الأضرار الجانبية وانتشار الحرائق في أكثر من نقطة جغرافية، مما زاد من صعوبة السيطرة الميدانية الفورية على تداعيات القصف.

من جانبهم، أفاد شهود عيان في قلب تل أبيب بأنهم شاهدوا ألسنة اللهب تتصاعد من أحد المواقع الحيوية عقب سقوط حطام صاروخي كبير عليه. وأشار الشهود إلى أن الانفجارات كانت قوية لدرجة اهتزاز المباني السكنية المجاورة، مما تسبب في حالة من الذعر بين المستوطنين الذين هرعوا إلى الملاجئ المحصنة خوفاً من تجدد القصف.

وفي سياق متصل، تواصل السلطات الإسرائيلية فرض رقابة عسكرية مشددة وتعتيم إعلامي شبه كامل على التفاصيل الدقيقة المتعلقة بحجم الخسائر البشرية أو المادية الناتجة عن الهجمات. وتمنع الرقابة نشر الأعداد الدقيقة للصواريخ التي نجحت في اختراق المنظومات الدفاعية، كما تفرض قيوداً على تصوير المواقع الحساسة التي طالها القصف الإيراني الأخير.

يأتي هذا التصعيد العسكري المباشر في إطار مواجهة مفتوحة بدأت ملامحها تشتد منذ أواخر فبراير الماضي، عقب سلسلة من العمليات العسكرية التي استهدفت العمق الإيراني. وحسب مصادر مطلعة، فإن المواجهة الحالية تجاوزت قواعد الاشتباك التقليدية، حيث بات الطرفان يتبادلان الضربات الصاروخية والجوية بشكل يومي ومباشر دون وسائط.

وكانت هجمات سابقة شنتها إسرائيل بدعم أمريكي قد استهدفت مراكز قيادة وأهدافاً سيادية في طهران، مما أسفر عن سقوط ضحايا في صفوف القيادات العليا. وردت طهران على تلك العمليات بسلسلة من الرشقات الصاروخية والطائرات المسيرة التي استهدفت مدناً إسرائيلية ومصالح مرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة العربية، مما أدى لتضرر موانئ ومرافق مدنية.

وتشير المعطيات الراهنة إلى أن المنطقة دخلت في نفق مظلم من المواجهة المباشرة، حيث لم تعد الضربات تقتصر على الأهداف العسكرية بل امتدت لتطال البنية التحتية المدنية. وتؤكد المصادر أن استمرار استخدام الصواريخ الانشطارية والبعيدة المدى يرفع من كلفة المواجهة ويزيد من احتمالات انزلاق الأوضاع إلى حرب إقليمية شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها.

وعلى الصعيد الميداني، لا تزال فرق الطوارئ الإسرائيلية تعمل في المواقع المتضررة لرفع الأنقاض وتقييم حجم الدمار الذي خلفته الشظايا الإيرانية. وتتحدث تقارير غير رسمية عن وجود إصابات وحالات هلع بين المدنيين، إلا أن البيانات الرسمية لا تزال تلتزم الصمت حيال الحصيلة النهائية بانتظار انتهاء التقييمات الأمنية الجارية.

وفي ظل هذا التوتر المتصاعد، تترقب الأوساط السياسية والعسكرية طبيعة الرد الإسرائيلي المتوقع على استهداف تل أبيب، وسط تحذيرات دولية من مغبة استمرار هذا المسار. ويبقى المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات، خاصة مع إصرار طهران على مواصلة ردها الصاروخي رداً على ما تصفه بالاعتداءات المتكررة على سيادتها ورموزها الوطنية.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 10:48 صباحًا - بتوقيت القدس

كواليس الارتباك في البيت الأبيض: كيف دفع نتنياهو ترامب نحو مواجهة إيران؟

تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحديات جسيمة في تقديم رواية سياسية متماسكة ومقنعة للرأي العام بشأن المواجهة العسكرية الجارية مع إيران. وأفادت مصادر صحفية بأن تضارب التصريحات داخل أروقة البيت الأبيض حول أسباب وتوقيت الهجمات أثار حالة من الارتباك لدى الحلفاء الدوليين وفي الداخل الأمريكي على حد سواء.

وأوضح تقرير أعدته مصادر إعلامية في واشنطن أن ترامب كان يحتاج إلى وقت إضافي لتسويق خيار الحرب لقاعدته السياسية 'ماغا'، التي صوتت له بناءً على وعود بإنهاء التدخلات العسكرية الخارجية. وكان الاعتقاد السائد في البيت الأبيض أن إقناع هذه القاعدة يتطلب أسابيع من الرسائل الممنهجة التي قد تمتد حتى شهر نيسان القادم.

إلا أن مسار الأحداث شهد تحولاً دراماتيكياً مفاجئاً عقب اتصال هاتفي أجراه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع ترامب في الثالث والعشرين من شباط الماضي. حيث نقل نتنياهو معلومات استخباراتية تفيد بوجود اجتماع نادر يجمع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي مع كبار قادة الحرس الثوري في مبنى واحد بالعاصمة طهران.

واعتبر نتنياهو في حديثه مع الرئيس الأمريكي أن استهداف هذا الاجتماع يمثل 'فرصة عابرة' للقضاء على رأس الهرم القيادي في النظام الإيراني دفعة واحدة. هذا العرض الاستخباراتي وضع الإدارة الأمريكية أمام استحقاق عسكري عاجل تجاوز الخطط السياسية والإعلامية التي كانت موضوعة مسبقاً لتبرير أي تصعيد محتمل.

وقبل هذا التحول، كانت الإدارة الأمريكية ترسل إشارات متناقضة؛ فبينما كان الأسطول العسكري يتحرك نحو المنطقة، كانت التصريحات الرسمية تشدد على الرغبة في الحل الدبلوماسي. وانتهى هذا التوازن الدقيق بمجرد موافقة ترامب على مقترح استهداف القيادة الإيرانية، مما جعل المبررات اللاحقة تبدو غير مترابطة.

وفي خطاب ألقاه من منتجع مارالاغو، أعلن ترامب إطلاق عملية 'الغضب الملحمي'، مصوراً إياها كخطوة دفاعية استباقية لحماية الأمريكيين. وظهر ترامب مرتدياً قبعة بيسبول بيضاء، واصفاً النظام الإيراني بأنه 'جماعة شريرة' تشكل تهديداً وشيكاً للأمن القومي للولايات المتحدة.

وزادت تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو من حدة الغموض، حين أشار إلى أن واشنطن انخرطت في الحرب لعلمها المسبق باستعداد إسرائيل للهجوم بشكل منفرد. وأوضح روبيو أن المبادرة بالهجوم كانت ضرورية لتجنب خسائر أكبر في صفوف القوات الأمريكية في حال ردت إيران على التحرك الإسرائيلي.

هذه التصريحات أحدثت صدمة في الدوائر السياسية بواشنطن، كونها أوحت بأن إسرائيل هي من قادت الولايات المتحدة إلى مربع الحرب. وهو ما دفع ترامب لاحقاً لنفي هذا التفسير، مدعياً أنه هو من قد يكون أجبر الجانب الإسرائيلي على اتخاذ مواقف معينة في هذا الصراع.

من جانبه، دافع رئيس مجلس النواب مايك جونسون عن العمل العسكري، مؤكداً أن إسرائيل كانت مصممة على التصرف دفاعاً عن نفسها سواء بدعم أمريكي أو بدونه. وأشار جونسون إلى أن التهديد الوجودي الذي واجهته إسرائيل لم يترك خياراً سوى التحرك العسكري الاستباقي لمنع هجوم صاروخي إيراني واسع.

وتشير التقارير إلى أن الاستعدادات العسكرية لم تكن مكتملة في البداية، حيث عانى البنتاغون في منتصف يناير من نقص في حاملات الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي بالمنطقة. وطلب نتنياهو في مكالمات متكررة تأجيل العمليات العسكرية حتى تكتمل التجهيزات الدفاعية الإسرائيلية والأمريكية لضمان صد أي رد فعل إيراني.

وبحلول منتصف فبراير، كان البنتاغون قد أتم تجهيز قوة قادرة على إدارة حملة عسكرية تستمر لعدة أسابيع متواصلة. وفي تلك الأثناء، كان مبعوثو ترامب يجرون محادثات نووية غير مباشرة في جنيف، تهدف لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي أو صواريخ باليستية عابرة للقارات.

وأكدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية صحة المعلومات التي قدمها الموساد بشأن اجتماع القيادة الإيرانية، مما سرع من وتيرة اتخاذ القرار في البيت الأبيض. ورغم رغبة ترامب في انتظار خطاب حالة الاتحاد، إلا أن ضغط الأحداث الميدانية فرض نفسه على الجدول الزمني السياسي.

وقبيل ساعات من اندلاع المواجهة، قدمت طهران مقترحاً لاتفاق نووي اعتبرته واشنطن غير كافٍ ومليئاً بالثغرات الأمنية والتقنية. وغادر الفريق التفاوضي الأمريكي جنيف دون التوصل لنتائج، وسط مخاوف استخباراتية من قدرة إيران على رفع تخصيب اليورانيوم لمستويات عسكرية خلال أسابيع قليلة.

وخلص مراقبون إلى أن ترامب وجد نفسه أمام القرار الأكثر حسماً في ولايته الثانية، حيث أدت سرعة التطورات إلى إرباك الخطاب الرسمي. وبدلاً من بناء مبررات سياسية تدريجية، اضطر البيت الأبيض للدفاع عن ضربة عسكرية كبرى تمت الموافقة عليها تحت ضغط الفرص الاستخباراتية المباغتة.

فلسطين

الجمعة 06 مارس 2026 10:30 صباحًا - بتوقيت القدس

تحريك "شارل ديغول": رسائل فرنسية متعددة ودلالات استراتيجية عميقة

د. جمال حرفوش: إعلان ماكرون تأكيد لمكانة فرنسا كقوة قادرة على العمل خارج حدودها والدفاع عن مصالحها لكنه لا يعني الدخول المباشر بالحرب

نبهان خريشة: فرنسا تسعى للتأكيد على أنها شريك لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية مع حماية مصالحها وضمان حصتها بالنفوذ الإقليمي

محمد الرجوب: فرنسا تحاول التموضع كلاعب مستقل نسبياً عن واشنطن قادر على المناورة وإعادة تثبيت دور أوروبي فاعل في الشرق الأوسط

د. ولاء قديمات: التدخل العسكري المباشر يظل مرهوناً بمدى تعرض المصالح الفرنسية لخطر فعلي أو بفشل تشكيل تحالف دولي لحماية أمن الملاحة

محمد هواش: إرسال فرنسا حاملة الطائرات لحماية مصالحها خصوصاً المرتبطة بمصادر الطاقة حيث تُعد الحرب تهديداً لها ولإمدادات النفط العالمية

عوني المشني: المساهمة الأوروبية في هذه الحرب ستقتصر على الضغط السياسي والاقتصادي على إيران وليس الانخراط العسكري المباشر

رام الله – خاص بـ"القدس"-

يثير إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توجيه حاملة الطائرات "شارل ديغول" إلى الشرق الأوسط تساؤلات حول مدى احتمال انخراط باريس في الحرب الدائرة ضد إيران، وما إذا كانت الخطوة تمهد لدخول عسكري مباشر أم تندرج في إطار الردع السياسي والعسكري فقط لحماية مصالحها.

ويجمع كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، على أن التحرك الفرنسي يحمل رسائل قوة واضحة، لكنه لا يعني بالضرورة قراراً بالمشاركة في الحرب، مشيرين إلى أن إرسال حاملة الطائرات يعكس تموضعاً استراتيجياً يهدف إلى تثبيت الحضور الفرنسي في لحظة إقليمية مفصلية، مع تصاعد احتمالات المواجهة الواسعة.

ويرون أن الحاملة تمثل أداة ردع متقدمة وقاعدة جوية عائمة، وتحريكها يؤكد جاهزية باريس لحماية مصالحها، خاصة في ملفات الطاقة وأمن الملاحة، دون أن يشكل إعلان حرب مباشر.

ويرجحون أن السيناريو الأقرب يتمثل في بقاء الدور الفرنسي ضمن إطار الردع والاحتواء، أو المشاركة المحدودة في مهام حماية الملاحة والدعم اللوجستي والاستخباري، مع الإبقاء على هامش دبلوماسي يسمح لباريس بلعب دور سياسي في أي تسوية محتملة، وتمهيداً لتقاسم محتمل إن حدث بعد الحرب، أما انخراط باريس في حرب إقليمية واسعة، فيظل احتمالاً ضعيفاً ومرهوناً بتعرض المصالح الفرنسية الحيوية لخطر مباشر، أو بفشل الجهود الدولية في منع توسع الصراع، في ظل حرص أوروبي واضح على تجنب كلفة عسكرية واقتصادية جديدة.



أبعاد جيوسياسية واستراتيجية متعددة


يعتبر أستاذ مناهج البحث العلمي والدراسات السياسية في جامعة المركز الأكاديمي للأبحاث في البرازيل د.جمال حرفوش أن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توجيه حاملة الطائرات إلى الشرق الأوسط يحمل أبعاداً جيوسياسية واستراتيجية متعددة، تتداخل فيها رسائل الردع، وإعادة التموضع الأوروبي، ومحاولة إعادة تعريف الدور الأوروبي في المنطقة التي لطالما شكلت مسرحاً لتوازنات القوى الدولية.

ويوضح أن القرار الفرنسي يحمل رسالة ردع استراتيجية، مشيراً إلى أن حاملات الطائرات ليست مجرد قطع بحرية، بل منصات قوة عائمة قادرة على إسقاط القوة الجوية والبحرية في آن واحد، وعندما تتحرك حاملة الطائرات إلى منطقة ما، فهذا يعني أن الدولة المرسلة تريد التأكيد على حضورها وقدرتها على التأثير في مسار الأحداث.


تثبيت حضور فرنسا كقوة فاعلة


ويشير حرفوش إلى أن إرسال "شارل ديغول" يُظهر أن باريس تسعى لتثبيت حضورها كقوة فاعلة في معادلات الأمن الإقليمي، ولا تريد البقاء متفرجة على التطورات في الشرق الأوسط.

ويرى أن التحرك الفرنسي يعكس محاولة أوروبية لاستعادة استقلالية سياسية وعسكرية نسبية عن الولايات المتحدة، فقد بقيت أوروبا خلال العقود الماضية في كثير من الملفات على مستوى الشرق الأوسط في موقع تابع للقيادة الأمريكية، إلا أن التحولات الدولية، خاصة التنافس بين القوى الكبرى، تدفع بعض العواصم الأوروبية للبحث عن مساحة أوسع من الاستقلالية الاستراتيجية.

وبحسب حرفوش، يُمكن قراءة التحرك الفرنسي أيضاً كرسالة مفادها أن أوروبا لا تريد أن تختزل دورها في المراقبة فقط، بل تسعى لضمان مصالحها المباشرة في ملفات الأمن والطاقة والهجرة ومواجهة الإرهاب واستقرار الجوار المتوسطي.

ويشير إلى البُعدين الرمزي والسياسي الداخلي للقرار، مشدداً على أن فرنسا، كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن وذات تاريخ استعماري طويل في المنطقة، تحرص على إبقاء حضورها في الشرق الأوسط حيّاً عبر الدبلوماسية والقوة العسكرية على حد سواء.

ويعتبر حرفوش أن تحريك حاملة الطائرات يُعد تأكيداً لمكانة فرنسا الدولية كقوة قادرة على العمل خارج حدودها والدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، لكنه لا يعني بالضرورة نية الدخول المباشر في حرب.


سيناريو الردع والاحتواء


ويلفت حرفوش إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو سيناريو الردع والاحتواء، حيث تبقى الحاملة جزءاً من إظهار القوة والجاهزية دون الانخراط في عمليات قتالية مباشرة، بهدف منع توسع الصراع واحتواء أي تهديد للملاحة الدولية أو المصالح الأوروبية.

أما السيناريو الثاني، وفق حرفوش، فهو المشاركة المحدودة في عمليات عسكرية تشمل حماية الملاحة، أو تقديم دعم استخباراتي ولوجستي، مما يسمح لأوروبا بالمساهمة في إدارة الأزمة دون تحمل كلفة حرب شاملة.

أما السيناريو الثالث، بحسب حرفوش، فهو الأقل رغبة وخطورة، فيتعلق بتوسع الصراع إلى حرب إقليمية واسعة، قد تضطر فيه القوى الأوروبية للانخراط بشكل أوسع إذا تعرضت مصالحها الاستراتيجية المباشرة، مثل أمن الطاقة وخطوط الملاحة في البحر الأحمر وشرق المتوسط للخطر.

ويوضح حرفوش أن السيناريو الرابع يتمثل في الدور السياسي والدبلوماسي، حيث تسعى فرنسا لاستثمار وجودها العسكري لتعزيز الوساطة السياسية، من خلال الجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة لضمان دورها كوسيط أو ضامن لأي تسوية محتملة.

وبحسب حرفوش، فإن تحرك حاملة الطائرات الفرنسية يعكس حقيقة أساسية في العلاقات الدولية: الفراغ الاستراتيجي لا يبقى فراغاً، وعند تصاعد الأزمات تتسابق القوى الدولية لإعادة ترتيب مواقعها لحماية مصالحها وضمان ألا يُعاد رسم خرائط النفوذ دون مشاركتها. ويعتقد حرفوش أن الخطوة الفرنسية تشير إلى عودة أوروبا تدريجياً إلى المسرح الاستراتيجي في الشرق الأوسط بطريقة حذرة ومتوازنة، تجمع بين الحضور العسكري والرهان على الحلول السياسية، مؤكداً أن الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة صراع بل مفترق طرق لمصالح العالم، وأن كل تحرك فيه يحمل رسائل تتجاوز حدود المنطقة إلى النظام الدولي بأسره.


قوة فاعلة في معادلات الأمن الإقليمي


يرى الكاتب الصحفي نبهان خريشة أن قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توجيه حاملة الطائرات نحو الشرق الأوسط يمثل خطوة استراتيجية تتجاوز بعدها العسكري المباشر، مؤكداً أن باريس تسعى منذ سنوات لإعادة تثبيت موقعها كقوة فاعلة في معادلات الأمن الإقليمي، خصوصاً في ظل احتمال اندلاع حرب مفتوحة على إيران وإعادة رسم خرائط النفوذ في الإقليم سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

ويوضح خريشة أن تحريك الحاملة يأتي كرسالة متعددة الاتجاهات، تجمع بين البعد السياسي والرمزي والعسكري.

وبحسب خريشة، فإن السؤال الرئيسي يكمن في ما إذا كانت هذه الخطوة تمثل مساهمة فعلية في الجهد الأمريكي–الإسرائيلي لإسقاط النظام الإيراني، أم أنها مساهمة رمزية تهدف إلى حجز موقع لفرنسا في ترتيبات ما بعد الحرب.


معسكر الضغط على إيران


ويشير خريشة إلى أن الحاملة الفرنسية تمتلك قدرات جوية وبحرية متقدمة، لكنها لا تضاهي الثقل العسكري الأمريكي المنتشر في المنطقة، ما يجعل دورها في أي سيناريو لإزالة النظام الإيراني محدوداً.

ومع ذلك، يرى خريشة أن وجود الحاملة الفرنسية يعكس انخراط باريس في معسكر الضغط على إيران، مع الحفاظ على هامش دبلوماسي يميز فرنسا عن واشنطن، إذ تميل باريس تاريخياً إلى الجمع بين العصا والوساطة.

ويلفت خريشة إلى أن البعد الرمزي الاستراتيجي لا يقل أهمية، ففرنسا تسعى للتأكيد على أنها شريك أوروبي لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية، مع حماية مصالحها في شرق المتوسط والخليج، بما في ذلك أمن الطاقة وإعادة ترتيب التحالفات، مؤكداً أن المشاركة الفرنسية تهدف إلى ضمان حصتها في النفوذ الإقليمي أكثر من كونها اندفاعاً لإسقاط النظام الإيراني مباشرة.


تعبير عن قلق أوروبي


ويتطرق خريشة إلى السيناريوهات الدولية المحتملة للحرب على إيران، مشيراً إلى ثلاثة مسارات رئيسية: الأول، سيناريو الضربات المحدودة والمضبوطة، حيث تقتصر العمليات على استهداف البنية العسكرية والنووية مع تجنب الانزلاق إلى احتلال بري، وقد تلعب القوى الأوروبية دوراً في ضبط الإيقاع ومنع الانفجار الشامل.

ويلفت خريشة إلى السيناريو الثاني، وهو سيناريو الحرب الإقليمية الواسعة، مع انخراط أطراف غير مباشرة واتساع رقعة المواجهة إلى الخليج وشرق المتوسط وربما البحر الأحمر، حيث يصبح انتشار القطع البحرية الأوروبية جزءاً من معادلة ردع متبادل وحماية خطوط الملاحة والطاقة.

وبحسب خريشة، فإن السيناريو الثالث، هو سيناريو التدويل الكبير، في حال تدخل قوى كبرى مثل روسيا أو الصين سياسياً أو لوجستياً، ما يحول النزاع إلى صراع نفوذ عالمي، ويبرز الوجود الفرنسي كحركة لتثبيت موقع مستقل داخل الاستقطاب الدولي.

ويعتبر خريشة أن تحريك "شارل ديغول" ليس تفصيلاً عابراً، بل تعبير عن قلق أوروبي من التهميش ومحاولة لإعادة تثبيت الحضور الفرنسي في لحظة مفصلية، مشدداً على أن فرنسا قد لا تكون في طليعة مشروع إسقاط النظام الإيراني، لكنها بالتأكيد لن تكون خارج معادلة ما بعد الحرب مهما كانت نتائجها.


توازنات القوى في لحظة إقليمية حساسة


يوضح الأكاديمي والباحث في الإدارة العامة والعلوم السياسية محمد الرجوب أن إعلان الرئيس الفرنسي توجيه حاملة الطائرات إلى الشرق الأوسط يحمل دلالات استراتيجية عميقة تتصل بتوازنات القوى والرسائل السياسية في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

ويشير الرجوب إلى أن الدول الكبرى لا تحرك حاملات الطائرات بدافع الانفعال، بل وفق حسابات جيوسياسية وعسكرية دقيقة، مشيراً إلى أن حاملة الطائرات ليست مجرد قطعة بحرية، بل قاعدة جوية عائمة قادرة على تنفيذ عشرات الطلعات يومياً، ومزودة بأنظمة إنذار ورادارات ومرافقة بحرية متقدمة، ما يجعل تحريكها إعلان حضور عسكري محسوب يهدف أساساً إلى الردع.

ويبيّن الرجوب أن الخطوة الفرنسية تعكس رغبة في تثبيت الحضور بمسرح تتصاعد فيه الحرب على إيران، مؤكداً أن الردع هنا لا يعني بالضرورة التمهيد للحرب، بل قد يكون أداة لمنعها عبر رفع كلفة أي انزلاق نحو مواجهة أوسع.


التموضع كلاعب مستقل عن واشنطن


ويشير الرجوب إلى أن القرار يحمل أيضاً بعداً يتعلق بالاستقلالية الاستراتيجية التي يروّج لها ماكرون منذ سنوات، إذ تسعى باريس إلى ترسيخ صورتها باعتبارها القوة العسكرية الأوروبية الأكثر قدرة على العمل خارج حدود القارة الأوروبية، في ظل تراجع أدوار أوروبية تقليدية أخرى.

ويلفت إلى أن فرنسا تحاول التموضع كلاعب مستقل نسبياً عن واشنطن، قادر على المناورة بين المحاور، وإعادة تثبيت دور أوروبي فاعل في معادلات الشرق الأوسط، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

وفي ما يتعلق باحتمال انخراط عسكري مباشر لفرنسا، يعتبر الرجوب أن سيناريو الحرب الواسعة يبقى ضعيفاً في المدى المنظور، لافتاً إلى أن أوروبا، بما فيها فرنسا، تواجه إرهاقاً سياسياً واقتصادياً بعد أزمات متلاحقة من جائحة كورونا إلى حرب أوكرانيا، فضلاً عن أن الرأي العام الأوروبي لا يبدو مهيأً لخوض حرب جديدة في منطقة معقدة.

ويرجّح الرجوب أن يقتصر أي تدخل محتمل فرنسي، إن حدث، على مهام محدودة مثل حماية الملاحة، والدعم اللوجستي والاستخباراتي، أو عمليات الإجلاء عند الضرورة، معتبراً أن التمركز البحري يمنح باريس مرونة التصعيد أو الانسحاب وفق تطورات المشهد.


حماية المصالح الحيوية


ويشير الرجوب إلى البعد الاقتصادي المرتبط بأمن الطاقة والممرات البحرية، موضحاً أن أي اضطراب واسع في المنطقة سينعكس مباشرة على الاقتصاد الأوروبي عبر أسعار النفط وتعطيل سلاسل الشحن، ما يجعل التحرك العسكري الفرنسي جزءاً من استراتيجية حماية المصالح الحيوية.

ويرى الرجوب أن فكرة الدخول في حرب جماعية تبدو بعيدة بسبب التباينات العميقة بين الدول الأعضاء في مقاربات السياسة الخارجية، ما يجعل التحرك الأوروبي الموحد رهناً بتوافق سياسي معقد.


سياق تضامني دفاعي لا هجومي


تعتبر الكاتبة والباحثة السياسية د.ولاء قديمات أن التحرك الفرنسي الأخير في الشرق الأوسط وما أعلنه الرئيس ماكرون يأتي في سياق تضامني دفاعي لا هجومي، مؤكدة أن باريس لا تسعى إلى توسيع نطاق الحرب أو الانخراط المباشر فيها كقوة مؤثرة، بل تحاول تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تجرّها إلى كلفة سياسية واقتصادية باهظة.

وتوضح قديمات أن فرنسا دُفعت إلى هذا التحرك بفعل التصعيد المتسارع في المنطقة، وما نتج عنه من تهديد مباشر لمصالحها، إضافة إلى ما تعرض له حلفاؤها وشركاؤها الإقليميون.


الحضور الفرنسي المبكر


وتشير قديمات إلى أن باريس تدرك طبيعة التحولات التي قد تفرزها الحرب، سواء على مستوى توازنات القوى الإقليمية أو شكل النظام الدولي، ما يفسر حرصها على تأكيد حضورها مبكراً لضمان حماية مصالحها وعدم إقصائها عن ترتيبات ما بعد الحرب.

وترى قديمات أن الرئيس الفرنسي يتحرك ضمن استراتيجية واضحة قوامها حماية المصالح الوطنية والتضامن مع الحلفاء، مع إدراك المخاطر الاقتصادية المحتملة، خصوصاً ما يتعلق بأمن الملاحة وتهديد مضيق هرمز، وانعكاسات ذلك على الاقتصادين الفرنسي والأوروبي.

وتبيّن قديمات أن فرنسا تسعى لفرض تواجدها في منطقة ستُعاد صياغة مستقبلها بفعل الحرب، لكنها تشدد على أن التدخل العسكري الفرنسي المباشر يظل مرهوناً بمدى تعرض المصالح الفرنسية لخطر فعلي، أو بفشل الجهود في تشكيل تحالف دولي قادر على حماية أمن الملاحة خلال المرحلة المقبلة.


حماية مصالح فرنسا وعلاقاتها القديمة


يوضح الكاتب والمحلل السياسي محمد هواش أن إعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحريك حاملة الطائرات "شارل ديغول" إلى منطقة الشرق الأوسط يعكس موقف باريس المعقد بين الدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها وعدم الانجرار إلى حرب مباشرة مع إيران.

ويؤكد هواش أن فرنسا تمتلك تاريخاً طويلاً من التواجد العسكري والمصالح الاقتصادية والسياسية في الخليج وشرق البحر الأبيض المتوسط، ولها علاقات قوية مع عدة دول في المنطقة، ما يجعلها حريصة على البقاء نشطة هناك، لكن دون المشاركة الفعلية في أي صراع مسلح.

ويشير هواش إلى أن تحرك فرنسا يأتي في إطار حماية مصالحها وعلاقاتها القديمة، موضحاً أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حدد موقفه بوضوح بعدم الموافقة على شن حرب ضد إيران، لكنه في الوقت نفسه لم يستبعد احتمال تدخل فرنسا للدفاع عن مصالحها إذا اقتضت الضرورة.


الحفاظ على الأمن الأوروبي


ويرى هواش أن هذه الخطوة تتعلق أيضاً بالحفاظ على الأمن الأوروبي، خاصة بعد استهداف قاعدة "أكروتيري" في قبرص، وهي قاعدة تقع على أراضٍ أوروبية.

وحول إمكانية انخراط فرنسا فعلياً في الحرب، يؤكد هواش أن الموقف السياسي الفرنسي يتسم بترك مسافة واضحة عن السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى دعم سياسي وغطاء دولي أكثر من الحاجة إلى دعم عسكري أوروبي مباشر.


عدم الانجرار خلف المغامرات


ويلفت هواش إلى أن فرنسا الدولة النووية الوحيدة في القارة الأوروبية التي تحتفظ بسياسة مستقلة نسبياً عن الولايات المتحدة وتسعى لتعزيز مكانتها الدولية في ظل توترات إقليمية متصاعدة.

وبحسب هواش، فإن فرنسا تعزز من خلال خطوة تحريك حاملة الطائرات موقفها الاستراتيجي، إذ ستدخل الحرب فقط إذا اضطرّت لحماية مصالحها الحيوية في المنطقة، وهو ما يعكس حرص ماكرون على عدم الانجرار خلف مغامرات إسرائيلية أو أمريكية.

ويلفت هواش إلى وجود تباين في المواقف الأوروبية، حيث وصف ألمانيا بأنها تاريخياً أكثر تبعية للولايات المتحدة وتقترب من الموقف الأمريكي، بما في ذلك دعمها لإسرائيل، فيما تسعى فرنسا لموازنة النفوذ الأوروبي والسياسي في المنطقة.

ويوضح هواش أن بعض الدول الأوروبية، مثل إسبانيا، ترفض التعاون العسكري مع الولايات المتحدة في نزاعات مثل إيران وفلسطين، في حين تبدي بريطانيا بعض الاستقلالية في سياساتها الإقليمية، ما يعكس انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي حول المشاركة في الصراعات الإقليمية.

ويرى هواش أن إرسال فرنسا حاملة الطائرات لا يهدف لشن حرب، بل لحماية مصالحها الحيوية، خصوصاً تلك المرتبطة بمصادر الطاقة، التي تُعد الحرب تهديداً مباشراً لها ولإمدادات النفط العالمية.

ويوضح هواش أن باريس تسعى من خلال هذه الخطوة لضمان أن أي تصعيد في المنطقة لا يمس مصالحها، مع الحفاظ على وزنها السياسي والعسكري على الصعيد الدولي، بما يعكس إرثها الاستراتيجي والإمبراطوري في الشرق الأوسط.


اجتناب تورط أوروبا في حرب لا تخدم مصالحها


يعتبر الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لن يدفع أوروبا للانخراط العسكري، مؤكداً أن آخر ما تتمناه القارة الأوروبية هو تورطها في حرب لا تخدم مصالحها، خصوصاً في ظل العلاقة المتوترة حالياً بين واشنطن والاتحاد الأوروبي.

ويوضح أن الموقف الفرنسي، رغم إعلان التضامن اللفظي مع الولايات المتحدة، لا يتجاوز التعبير السياسي التقليدي، ومن غير المرجح أن تشارك باريس فعلياً في أي عمليات قتالية، ما لم يكن الأمر مرتبطاً بمجاملة سياسية لواشنطن، إلا إذا تعرضت مصالح باريس لأي خطر.

ويشير المشني إلى أن أوروبا تركز في المقام الأول على النزاع الروسي الأوكراني، معتبرة أنه الحرب الأولى لأوروبا حالياً، فيما تتصرف الولايات المتحدة بشكل مختلف، إذ لا تُعطي الحرب الروسية الأوكرانية أولوية، وهو ما يخلق شعوراً لدى الأوروبيين بأن السياسات الأمريكية أحياناً تضر بمصالح القارة الأوروبية.

ويرى المشني أن أوروبا، رغم استعدادها لدفع ثمن اقتصادي بسبب ارتفاع أسعار النفط والغاز جراء الحرب، لكنها لن تدفع الثمن العسكري، معتبرة أن الحرب المفروضة عليها لن تحقق مصالحها.


الحرب وتعميق الأزمة الأوروبية الأمريكية


ويشير المشني إلى أن هذه الحرب قد تعمق الأزمة بين أوروبا والولايات المتحدة، مستشهداً بالموقف الإسباني الأخير الذي رفض السماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها في الحرب ضد إيران، ما أثار موقفاً أمريكياً ثأرياً قد يصل إلى توتر العلاقات.

ويعتبر المشني أن المساهمة الأوروبية في هذه الحرب ستقتصر على الضغط السياسي والاقتصادي على إيران، وليس على الانخراط العسكري المباشر.

ويشير المشني إلى أن أوروبا، بقيادة فرنسا وألمانيا، ستسعى لموازنة التضامن السياسي مع واشنطن دون أن تُلزم نفسها بالمشاركة في حرب قد تكلفها اقتصادياً وسياسياً، مؤكداً أن الهدف الأوروبي الأساسي يتمثل في حماية مصالح القارة الأوروبية وضمان عدم دفع ثمن صراعات لا تحقق أهدافها الاستراتيجية.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:28 صباحًا - بتوقيت القدس

استغلال الحرب على إيران لتشكيل الشرق الأوسط… وإسرائيل فيه أولاً!

ليست الحروب الكبرى في الشرق الأوسط مجرد مواجهات عسكرية عابرة، بل لحظات مفصلية يُعاد فيها ترتيب موازين القوى وصياغة خرائط النفوذ. والحرب على إيران– إن اتسعت أو طال أمدها – قد تتحول إلى أداة لإعادة تشكيل الإقليم سياسياً وأمنياً، بما يضع إسرائيل في موقع القلب من هذا التشكيل. غير أن أي قراءة استراتيجية جادة لا يمكن أن تتجاهل السؤال الجوهري: ماذا عن الشعب الفلسطيني وقضيته، حجر الأساس في استقرار المنطقة أو اضطرابها؟

من منظور إسرائيلي، تمثل المواجهة مع إيران فرصة لإعادة صياغة البيئة الأمنية المحيطة بها. 

إضعاف طهران يعني تقليص نفوذها الإقليمي، وإعادة تثبيت معادلات ردع جديدة، وفتح المجال أمام منظومة تحالفات أوسع تُكرّس إسرائيل شريكاً أمنياً محورياً في الإقليم. 

وفي ظل مخاوف مشتركة من التهديدات العابرة للحدود، قد تتعزز شبكات التعاون العسكري والتقني، بما يمنح إسرائيل موقعاً متقدماً في أي بنية شرق أوسطية ناشئة.

لكن إعادة تشكيل المنطقة على وقع الحرب لا تتعلق فقط بإيران وإسرائيل. 

فثمة بعد سياسي أعمق يتمثل في موقع القضية الفلسطينية داخل هذا التحول. 

تاريخ الصراع يُظهر أن محاولات تجاوز هذه القضية أو القفز فوقها لم تُنتج استقراراً دائماً، بل أفرزت دورات متكررة من الانفجار. من هنا، فإن بناء شرق أوسط جديد يتجاهل إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس، لن يكون سوى إعادة إنتاج لأسباب التوتر ذاتها في صيغة جديدة.

إن أي نظام إقليمي يُراد له أن يكون مستقراً يحتاج إلى شرعية سياسية وأخلاقية، وهذه الشرعية لا يمكن أن تُستمد من ترتيبات أمنية صرفة أو تحالفات عسكرية عابرة. 

فالاستقرار الحقيقي يقوم على معالجة جذور الصراع، وفي مقدمتها الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وفق قرارات الشرعية الدولية ومبدأ حق تقرير المصير. 

وإلا فإن حالة الاحتقان ستظل كامنة تحت السطح، قابلة للاشتعال عند أول اختبار.

الحرب على إيران قد تُستخدم لإعادة ترتيب الأولويات الإقليمية، بحيث تتقدم ملفات الأمن ومواجهة النفوذ الإقليمي على حساب ملفات الحلول السياسية. 

غير أن هذا الترتيب، إن همّش القضية الفلسطينية، سيحمل في داخله بذور عدم الاستقرار. 

فالشعوب لا تنظر إلى خرائط التحالفات بقدر ما تنظر إلى العدالة والكرامة الوطنية، وأي نظام إقليمي لا يراعي ذلك سيبقى هشّاً مهما بدا متماسكاً في الظاهر.

ثم إن إسرائيل نفسها، رغم سعيها لتكريس تفوقها العسكري والاندماج الإقليمي، تدرك أن بقاء الصراع الفلسطيني دون حل عادل يُبقيها في حالة استنزاف دائم، أمنياً وسياسياً وأخلاقياً.

فالتطبيع والتحالفات لا يمكن أن تُغني عن تسوية تاريخية تُنهي الاحتلال وتؤسس لعلاقة طبيعية بين دولتين تعيشان على أرض واحدة، لكل منهما حقوق معترف بها دولياً.

من هنا، يصبح السؤال عن مصير الشعب الفلسطيني ليس ملحقاً بالتحليل، بل مركزه. 

فإذا كان الهدف من إعادة تشكيل الشرق الأوسط هو إنتاج نظام أكثر استقراراً وأقل عرضة للحروب، فإن تجاهل القضية الفلسطينية سيجعل هذا الهدف بعيد المنال. 

أما إذا جرى إدماجها في صلب أي ترتيبات جديدة، بوصفها أولوية لا عبئاً، فقد يشكل ذلك مدخلاً حقيقياً لمرحلة مختلفة.

في المحصلة، قد تسعى إسرائيل إلى أن تكون “أولاً” في هندسة ما بعد الحرب على إيران، لكن الشرق الأوسط لن يعرف استقراراً دائماً ما لم يكن الشعب الفلسطيني جزءاً أصيلاً من معادلة الحل، لا هامشاً فيها. 

فإما شرق أوسط يقوم على العدالة المتوازنة وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، وإما شرق أوسط يظل مشتعلاً بانفجارات متتالية، تعيد الجميع إلى نقطة الصفر مهما تغيرت الخرائط والتحالفات.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:27 صباحًا - بتوقيت القدس

من طهران إلى غزة: قراءة في تداعيات النزاع الإقليمي

يشكّل الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، محورًا أساسيًا لفهم الديناميات السياسية في الشرق الأوسط. فالمنطقة تعيش حالة تشابك أمني وسياسي تجعل من الصعب عزل أي تطور في دولة محورية عن محيطها الإقليمي. ومن هذا المنطلق، يبرز قطاع غزة كمؤشر مهم لقياس أثر النزاعات الإقليمية على الواقع الفلسطيني، سواء على صعيد الفصائل السياسية، أو البنية الاقتصادية والاجتماعية للقطاع.

إن استمرار الحرب على إيران، وإسقاط نظامها السياسي أو تعرضها لاستنزاف عسكري واقتصادي كبير، لن يكون حدثًا داخليًا صرفًا، بل ستكون له تداعيات مباشرة وغير مباشرة على عدد من الملفات، وفي مقدمتها الملف الفلسطيني، وقطاع غزة على وجه الخصوص. فقد ارتبطت طهران خلال العقود الماضية بعلاقات دعم سياسي ومالي وعسكري مع عدد من الفصائل الفلسطينية، خاصة تلك التي تتبنى خيار العمل المسلح. وبالتالي، فإن أي تراجع في قدرات إيران أو انشغالها بأزماتها الداخلية سيؤدي حتمًا إلى إعادة ترتيب أولوياتها الخارجية.

في هذا السياق، قد ينعكس إضعاف إيران على طبيعة الدعم المقدم إلى غزة، سواء من حيث التمويل أو الإسناد اللوجستي والسياسي. وهذا بدوره قد يفاقم الأزمات الاقتصادية التي يعيشها القطاع أصلًا، ويضع الفصائل أمام تحديات غير مسبوقة، خصوصًا فيما يتعلق بإدارة الحكم، وتأمين الموارد، والحفاظ على تماسك بنيتها التنظيمية والعسكرية.

كما أن ملف سلاح الفصائل سيصبح أكثر حساسية في حال تغيرت موازين القوى الإقليمية. فغياب أو تراجع الغطاء الإقليمي الداعم قد يفتح الباب أمام ضغوط دولية وإقليمية متزايدة لإعادة طرح مسألة نزع السلاح أو إعادة تنظيمه ضمن ترتيبات سياسية جديدة. وفي المقابل، قد تسعى بعض الأطراف إلى تعزيز حضورها في الساحة الفلسطينية لملء أي فراغ محتمل، ما يضيف عنصرًا جديدًا من التعقيد إلى المشهد.

على مدار العقود الماضية، ارتبطت إيران بعلاقات دعم متعددة الأبعاد مع فصائل فلسطينية، خاصة تلك التي تعتمد خيار العمل المسلح، سواء من حيث التمويل، أو الإسناد اللوجستي، أو الدعم السياسي والدبلوماسي. لذلك، فإن أي ضعف في قدرة إيران على ممارسة دورها الإقليمي، نتيجة أزمات داخلية أو صراع خارجي، سينعكس بشكل مباشر على هذه الفصائل وعلى قدرتها على إدارة ملف غزة داخليًا. إن تراجع الدعم الإيراني قد يؤدي إلى تقليص الموارد المالية والسياسية المتاحة للفصائل، وتفاقم الأزمات الاقتصادية في غزة، وزيادة الضغوط على الفصائل للحفاظ على التماسك التنظيمي والعسكري.

تغيّر موازين القوى نتيجة النزاعات الإقليمية يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط. ففي حال ضعف التأثير الإيراني، قد تزداد الضغوط الدولية والإقليمية على غزة لإعادة تنظيم ملف السلاح، بينما تسعى أطراف إقليمية أخرى لتعزيز حضورها في الساحة الفلسطينية وملء أي فراغ محتمل. ومنذ السابع من أكتوبر، شهدت المنطقة مرحلة إعادة تشكيل عميقة أعادت خلط التحالفات وإعادة تعريف الاصطفافات، ما يضع الحركات الفلسطينية والإسلامية أمام اختبار تاريخي في قدرتها على التكيف مع التحولات السريعة.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى غزة بمعزل عن محيطها الإقليمي. فأي تحول جذري في إيران- سواء كان عسكريًا أو سياسيًا - سيجد صداه في القطاع، بدرجات متفاوتة. والسؤال لم يعد ما إذا كانت النتائج ستنعكس على غزة، بل كيف ستتجلى هذه الانعكاسات، ومن سيكون الأكثر قدرة على التكيف مع المرحلة المقبلة.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:26 صباحًا - بتوقيت القدس

الحرب حين تدخل البيوت: كيف تغيّر الأسابيع الأولى نفس المجتمع والدولة؟ قراءة في التحولات النفسية والسياسية والاقتصادية زمن الأزمات

لا تبدأ الحروب في الميدان فقط، بل تبدأ لحظتها الحقيقية حين تدخل حياة الناس اليومية. ففي اللحظة التي تتحول فيها الأخبار إلى جزء من روتين الصباح، ويصبح القلق رفيق المساء، تدرك المجتمعات أن الحرب لم تعد حدثًا بعيدًا، بل واقعًا يلامس تفاصيل الحياة. وعندما تمتد الحرب لأسابيع، فإنها لا تبقى مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تتحول إلى تجربة إنسانية شاملة تعيد تشكيل النفس والمجتمع والدولة معًا.

في الأيام الأولى تسود حالة من الصدمة والترقب. يتابع الناس الأخبار بقلق، ويحاولون فهم ما يحدث حولهم. لكن مع مرور الوقت يبدأ المجتمع في التكيف مع واقع جديد لم يكن متوقعًا. هنا تظهر قدرة الإنسان اللافتة على التأقلم؛ إذ يحاول الحفاظ على إيقاع الحياة اليومية قدر الإمكان. فالعمل والدراسة واللقاءات العائلية تتحول في زمن الحرب إلى محاولة صامتة لحماية ما تبقى من الشعور بالحياة الطبيعية.

سياسيًا، تمثل الحرب لحظة اختبار حقيقية للدولة ومؤسساتها. ففي أوقات الأزمات تتقدم الاعتبارات الأمنية إلى الواجهة، وتصبح سرعة القرار ووضوح الرؤية عنصرين أساسيين في إدارة المرحلة. تميل الحكومات في هذه الظروف إلى تعزيز مركزية القرار وتوسيع صلاحياتها تحت عنوان الضرورة الوطنية. وفي المقابل، يصبح المجتمع أكثر حساسية تجاه أداء القيادة السياسية، لأن الحرب تكشف بوضوح قدرة القيادة على إدارة الأزمات وحدود تلك القدرة في الوقت نفسه. وعلى المستوى الدولي، تتحرك الدبلوماسية في فضاء معقد من الضغوط والمصالح، حيث تحاول الدول موازنة حسابات القوة مع الحاجة إلى الاستقرار.

أما على المستوى النفسي، فإن الحرب الممتدة تخلق حالة من التوتر الجمعي. يعيش الناس بين الخوف على أحبائهم والقلق من المجهول، ويصبح المستقبل أكثر غموضًا من أي وقت مضى. ومع ذلك، تمتلك النفس البشرية قدرة مدهشة على التكيف؛ فهي تبحث دائمًا عن معنى يسمح لها بمواصلة الحياة. لذلك يتمسك الناس بتفاصيل يومية صغيرة، لأنها تمنحهم شعورًا بالاستمرار وسط واقع مضطرب.

ومن المفارقات الإنسانية أن الأزمات كثيرًا ما تولد نوعًا من القرابة الوجدانية بين الناس. فحين يواجه المجتمع خطرًا مشتركًا، تتقارب المشاعر وتتوسع دوائر التعاطف. يصبح الألم تجربة مشتركة، ويشعر الأفراد بأنهم جزء من مصير واحد. في مثل هذه اللحظات تظهر مبادرات التضامن والعمل التطوعي، وتتحول القيم الإنسانية إلى قوة اجتماعية تساعد المجتمع على الصمود.

اجتماعيًا، تكشف الحرب طبيعة العلاقات داخل المجتمع. ففي الأوقات العادية قد تبدو الروابط الاجتماعية مألوفة أو عادية، لكن الأزمات تظهر قيمتها الحقيقية. تتقوى العلاقات العائلية، ويصبح الجيران أكثر قربًا من بعضهم، وتبرز مبادرات المساعدة التي تعزز روح التضامن. ومع ذلك، لا تخلو هذه المرحلة من توترات وضغوط، إذ قد تظهر اختلافات في المواقف أو شعور متزايد بالإرهاق نتيجة استمرار الأزمة.

اقتصاديًا، تمثل الأسابيع الأولى من الحرب مرحلة اضطراب واضحة. تتباطأ الأسواق، وتتراجع الاستثمارات، وتتجه الموارد نحو تلبية الاحتياجات الأمنية والعسكرية. وقد يشعر المواطنون بآثار ذلك في ارتفاع بعض الأسعار أو في تراجع فرص العمل. ومع مرور الوقت يحاول الاقتصاد التكيف مع الواقع الجديد، لكن الكلفة الاجتماعية للحرب تبقى حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

غير أن الأثر الأعمق للحرب لا يظهر فقط في القرارات السياسية أو المؤشرات الاقتصادية، بل في التحول الذي يحدث في وعي الناس. فالحروب تجعل الإنسان يعيد التفكير في أشياء كان يعتبرها بديهية: الأمن، الاستقرار، والطمأنينة اليومية. يكتشف الناس فجأة أن التفاصيل الصغيرة للحياة – لحظات الهدوء، اللقاءات العائلية، الحياة العادية – هي في الحقيقة أكثر ما يستحق الحماية.


وهكذا تكشف الحرب وجهين متناقضين في التجربة الإنسانية. فهي من جهة تبرز هشاشة الإنسان أمام الخوف والخسارة، لكنها من جهة أخرى تظهر قدرته العميقة على التضامن والصمود. وبين الألم والأمل تتشكل لدى المجتمعات خبرة إنسانية جديدة قد تدفعها إلى إعادة التفكير في معنى القوة ومعنى السلام.


وفي النهاية، قد تنتهي الحروب سياسيًا أو عسكريًا، لكن آثارها تبقى في الذاكرة الجماعية للشعوب. فهي تترك بصمتها في النفوس وفي طريقة نظر الناس إلى المستقبل. وربما يكون الدرس الأهم الذي تمنحه هذه التجارب هو أن السلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو الشرط الأساسي لحفظ إنسانية الإنسان.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:25 صباحًا - بتوقيت القدس

الإنسان قيمة عليا... شريك دائم في العمل البلدي لا رقمًا عابرًا

في انتخابات الهيئات المحلية، لا نختار فقط من يقدّم الخدمات، ولا نختار جهداً صادقًا ونوايا مخلصة فحسب، بل نختار روحًا تقود مجتمعًا. فالعمل البلدي، وإن كان يشمل تعبيد شارع، وإنارة طريق، وإنشاء مساحة خضراء، وتقديم خدمات أساسية على أهميتها، إلا أنه أعمق من ذلك بكثير. المجلس البلدي ليس مجرد جهة تنفيذية تنحصر مهامها في مواد قانون تحدد الصلاحيات، بل هو حاضنة اجتماعية وإنسانية لمواطنيه.
المجلس البلدي، في جوهره، أقرب إلى "وليّ أمر" معنوي لمدينته أو بلدته؛ يعنى بشؤون الناس العامة، ويصغي لهمومهم الخاصة، ويتفاعل مع احتياجاتهم الاجتماعية والإنسانية قبل أن يحيلها إلى بنود إدارية. إنه مسؤولية أخلاقية وأدبية ودينية وإنسانية قبل أن يكون مسؤولية قانونية.
من هنا، تصبح الانتخابات المحلية أكثر من مجرد منافسة على مقاعد. إنها اختيار لمن يحمل هذا الوعي: وعي أن المواطن ليس رقمًا يُستدعى يوم الاقتراع، ثم يُطلب منه الانتظار أربع سنوات بصمت. بل هو شريك حاضر بعقله وفكره، بملاحظاته ومقترحاته، بانتقاده كما بدعمه.
حين يُختزل دور المواطن في الإدلاء بصوته فقط، تُفرغ الشراكة من معناها. تتحول العلاقة إلى تفويض مؤقت، وتنحصر المشاركة في لحظة زمنية قصيرة. لكن العمل البلدي الحقيقي لا يقوم على التفويض الصامت، بل على التفاعل المستمر. فالمواطن يعيش تفاصيل القرار يوميًا، ومن حقه أن يكون جزءًا من صياغته.
الشريك يُستشار في الأولويات، ويُطلع على الموازنات، ويُدعى للحوار في القضايا الكبرى، ويُحترم رأيه حتى عند الاختلاف.
أما الاكتفاء بإطار قانوني جامد، دون روح إنسانية ترافقه، فيحوّل المؤسسة إلى إدارة باردة، ويجعل العلاقة مع الناس علاقة معاملات لا علاقة انتماء.
إن الالتزام تجاه المواطن لا يبدأ عند حدود النص القانوني ولا ينتهي عندها. فالقانون يضع الحد الأدنى من الواجب، أما الضمير فيرسم السقف الأعلى للمسؤولية. والمجلس الذي يستشعر مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية يتعامل مع الناس باعتبارهم أهله، لا مراجعين في طابور خدمة.
الانتخابات المحلية، إذًا، ليست اختيارًا لمن يُدير الملفات فقط، بل لمن يحمل حسّ الرعاية والاحتضان، ومن يؤمن بأن الإنسان قيمة عليا، لا أداة انتخابية. هي اختيار لنهج يرى في البلد مجتمعًا حيًا، لا مجرد مساحة جغرافية تُدار بقرارات مكتبية.
وفي النهاية، يبقى المعيار واضحًا: هل يشعر المواطن أن مجلسه البلدي قريب منه في أفراحه وأزماته، في قضاياه العامة والخاصة؟ هل يحضر صوته في كل مرحلة، أم في يوم الاقتراع فقط؟
العمل البلدي الذي ينجح هو ذاك الذي يجمع بين القانون والضمير، بين النص والالتزام الأخلاقي، وبين الإدارة والرعاية. هناك فقط يصبح الإنسان شريكًا دائمًا... لا رقمًا عابرًا في صندوق انتخابي.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:24 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين في قلب العاصفة… حين تتقاطع الجبهات وتضيق المساحة

المنطقة اليوم لا تعيش توتراً عابراً، بل تقف على حافة تحولات كبرى. المواجهة المفتوحة – أو شبه المفتوحة – بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد مجرد رسائل ردع متبادلة، بل باتت جزءاً من إعادة تشكيل موازين القوى في الإقليم.

وفي قلب هذه العاصفة تقف فلسطين، ليست طرفاً مباشراً في صراع المحاور، لكنها أول من يدفع ثمنه. فكلما اتسعت رقعة الاشتباك الإقليمي، ضاقت مساحة القضية الفلسطينية في الإعلام والسياسة الدولية، وتحولت من ملف مركزي إلى بند مؤجل في جدول أعمال مزدحم بالحروب.

الخطر هنا لا يكمن فقط في التهميش… بل في ما يمكن أن يحدث تحت غطاء هذا التهميش.


حين ينشغل العالم… تتحرك المشاريع الصامتة


التجربة التاريخية تقول إن الاحتلال يُجيد استثمار اللحظات الدولية المضطربة. كل أزمة كبرى في المنطقة كانت دائماً فرصة لإعادة ترتيب الوقائع على الأرض بعيداً عن الأضواء.

اليوم ومع انشغال العواصم الكبرى بحسابات الردع والرسائل العسكرية، يبرز احتمال أن تتحول غزة إلى ساحة تصفية حسابات مؤجلة، تحت عناوين “الأمن” و”محاربة الإرهاب”. وفي مثل هذا المناخ، تتراجع حساسية المجتمع الدولي تجاه حجم الخسائر الإنسانية، ويصبح الضغط السياسي أقل فاعلية.

أما في الضفة الغربية، فالمشهد أكثر تعقيداً وأقل صخباً. هناك، لا تدوي الانفجارات بالقدر ذاته، لكن تتقدم سياسات الضم الزاحف بثبات: توسع استيطاني، مصادرة أراضٍ، إعادة تعريف للصلاحيات الإدارية، وتآكل تدريجي لأي أفق سياسي لدولة مستقلة. كل ذلك يحدث بينما العالم يراقب خرائط الصواريخ، لا خرائط الجغرافيا التي يعاد رسمها بصمت.


أخطر ما في العاصفة: كيّ الوعي في زمن الإحباط


الحروب الكبرى لا تستهلك الجغرافيا فقط، بل تستنزف المعنويات أيضاً. حين يشعر الفلسطيني أن قضيته تتراجع في سلم الأولويات الدولية، قد يتسلل الإحباط إلى الوعي الجمعي. وهنا يُستثمر هذا المناخ لدفع المجتمع نحو أحد خيارين كلاهما مُرهق: إما الغضب غير المنضبط، أو الاستسلام البطيء لواقع يُقدَّم كقدر لا يمكن تغييره.

الحرب الإقليمية لا تؤثر فقط على الأرض، بل على النفس الجماعية أيضاً.

حين يشعر الفلسطيني أن قضيته تتراجع في أولويات العالم، وأن مصيره بات رهينة صراعات لا يملك قرارها، تتسلل حالة من الإحباط. وهنا تحديداً يبدأ الرهان الأخطر: رهان إنهاك الإرادة.

سياسات “كيّ الوعي” لا تحتاج إلى حملات دعائية صاخبة، يكفيها تراكم الأزمات، وضيق الأفق السياسي، وضغط الواقع الاقتصادي، حتى يتحول مطلب التحرر إلى مطلب “الاستقرار تحت أي سقف”.

بهذا المعنى، فإن التهميش الدولي ليس مجرد خسارة دبلوماسية، بل خطر استراتيجي على الروح الوطنية ذاتها.


بين المحاور… خطر التفكك الداخلي


الحروب الكبرى تعيد تشكيل التحالفات. والإقليم اليوم ليس استثناءً. في لحظات الاستقطاب الحاد، تُستدرج القوى المحلية إلى التموضع ضمن محاور متصارعة. وهنا يكمن اختبار النضج السياسي الفلسطيني: هل تتحول الساحة الفلسطينية إلى امتداد لصراع الآخرين؟ أم تحافظ على استقلالية قرارها الوطني؟

تفكك الجبهة الداخلية، أو تعميق الانقسام، هو الهدية الأغلى التي يمكن أن تُقدم للاحتلال في مثل هذه اللحظة. فالمشروع الوطني لا يحتمل أن يُدار بعقلية محاور إقليمية متصارعة، بل برؤية وطنية جامعة تعلو على الحسابات الضيقة.

الاستجابة لا يجب أن تكون انفعالية، بل واعية ومتدرجة:

أولاً: الوحدة ليست شعاراً أخلاقياً، بل ضرورة أمن قومي فلسطيني.

في لحظة إعادة تشكيل المنطقة، لا مكان لانقسام يُضعف الموقف الفلسطيني أو يُربك أولوياته.

ثانياً: الدبلوماسية يجب أن تتحرك كصوت مستقل، لا كصدى لمحور.

كسر حالة التهميش يتطلب خطاباً قانونياً وسياسياً يعيد التأكيد على أن فلسطين ليست ملفاً جانبياً، بل قضية تحرر وحق تقرير مصير وفق القانون الدولي.

ثالثاً: تعزيز الصمود ليس مسألة خدمات، بل استراتيجية بقاء.

في غزة كما في الضفة، تثبيت الناس في أرضهم، دعم الاقتصاد المحلي، حماية التعليم والثقافة، كلها أدوات مقاومة هادئة لكنها عميقة الأثر.

رابعاً: حماية السردية الوطنية أولوية قصوى. في زمن التضليل والاستقطاب، يصبح الحفاظ على الرواية الفلسطينية المتماسكة عملاً سيادياً بامتياز.

لا يجب أن نُبتلع في صراع لا نملكه، فلسطين ليست هامشاً في معادلة إقليمية، لكنها قد تتحول إلى ضحية جانبية إذا لم يُحسن التعامل مع اللحظة.

العاصفة قد تطول، ومحاور الصراع قد تتبدل، لكن الثابت الوحيد هو أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن أن يُعلّق بانتظار هدوء الإقليم.

السؤال ليس: هل تبتلع الحرب الإقليمية أحلام الدولة؟

السؤال الحقيقي هو: هل نملك من الوعي والوحدة ما يكفي لنمنع ابتلاعها؟

في زمن العواصف، لا تنجو السفن بالضجيج… بل بوضوح البوصلة.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:22 صباحًا - بتوقيت القدس

فلسطين: إشكالية الحقوق والسلاح

يقول المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة :إن الحقوق تؤخذ ولا تعطى. فالحق لا يمنح وخصوصا من محتل ومستعمر، وإنما تنتزع بالنضال والمقاومة الشرعية بكل أشكالها، والحقوق لها جانبان الأول والخاص بالعلاقة بالمحتل والمستعمر والذي يلغي كل الحقوق السياسية والتاريخية للشعب تحت الاحتلال وهنا الإنكار بإستخدام القوة المسلحة بكل درجاتها وهذا قمة اللاشرعية باللجوء للقوة والقتل والتشريد والتدمير ومصادرة الأرض وانتزاعها من اصحابها الحقيقين واستنادا لسرديات دينية ليس لها دليل او أدلة ثابته، وهذا ما نطق به السفير الأمريكي لإسرائيل مايك هاكابي بتصريحه الخطير الذي ينقي حق الشعوب في إراضيها وينتزع منها الحق في الحياة وبناء دولهم بقوله وتكراره لمقولة إسرائيل من النيل للفرات والتي تتطابق مع تصريحات نتنياهو بحلم إسرائيل الكبري، والمهم هنا إستخدام القوة المسلحة، وما نراه في غزه الأضعف والأصغر في العالم والتي يسكنها أكثر من مليونين منذي التاريخ وحربها التي تجاوزت العامين وكانت نتيجتها قتل ما يقارب المائة ألف واكثر من عشرين الف منهم أطفال ،  وعندما سئل السفير نفسه نفي هذا القتل المتعمد، وتدمير كل مقومات الحياة والبنية التحتية وتحويلهم للعيش في خيام لا تحمي من برد ومطر، وممارسة الحصار الكامل ومنع دخول الداء والطعام، وبالمقابل في الضفة الغربية تمارس إسرائيل الطرد والإستيطان الذي أنكرته كل القوانين الدولية وتدمير المنازل وطرد أصحابها لذرائع وحجج أمنية وإنكار صفة الاحتلال والتمسك بحق إسرائيل الكبري في البقاء والتمدد، وإنكار اي حق للشعب المحتل ان يمارس حقه في المقاومة حتي المسلحة التي أقرتها القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحده التي أعتبرت الإستيطان غير شرعي وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والإعتراف بدولته وإنهاء الاحتلال.

والجانب الأخر للحقوق الخاص بالعلاقة بين الحاكم والمحكوم وحق الشعوب بممارسة حقوقها المدنية والسياسية وفي حكم مدني ديموقراطي. حتى هذا الحق تعمل إسرائيل علي حرمان الشعب الفلسطيني من ممارسته بمنع الإنتخابات ووضع العراقيل، وعدم الإعتراف بحق السلطة بممارسة حقوقها السيادية والسياسية .والحقوق في كل جوانبها تحتاج إلي النضال والمقاومة بكل أشكالها المشروعة لأن الأساس في كل أنظمة الحكم المواطنه والحقوق المتساوية، فكيف لنا في اكثر من خمسة عشر مليون فلسطينيي يحرمون من ممارسة هذا الحق،  وكيف للمواطن في إسرائيل ذاتها يمارس حقوقه الكاملة في الوقت الذي يعيش فيه المواطن الفلسطيني وعلي نفس الأرض من حرمانه من ممارسة نفس الحقوق مما يعني ممارسة سياسة التمييز العنصري والتفوق العرقي وعدم الإعتراف بأدمية الإنسان الفلسطيني وتحويله لمجر تابع يبحث عن الأكل والشرب، علما ان هذا الشعب يملك كل مقومات المواطنة والحق في ممارسة حقوقه السياسية في ظل دولة مدنية ديموقراطية مستقله.

والمفارقة التاريخية اولا أن بريطانيا وفي سياق سياسة الانتداب التي مارستها علي كل فلسطين منذ 1916 حالت دون ان تمنح الشعب الفلسطيني الدولة الواحده المستقلة وفقا لتصنيف الإنتداب بان من حق الشعوب المتقدمة ان تمارس حقها في قيام دولتهاوعلي أساس كل مواطنيها، ولو فعلت بريطانيا وطبقت هذا الحق ما ظهرت القضية الفلسطينية ولقامت دولة واحده لكل مواطنيهـ لكنها وظفت إنتدابها لتنفيذ وعدا غير قانوني وهو وعد بلفور الذي نص علي قيام وطن قومي لليهود في فلسطين.

 والمفارقة التاريخية الثانية التي تمارسها إسرائيل منذ 1948 ورغم قرار الأمم المتحده رقم 181 والذي نص علي تقسيم فلسطين لدولة لليهود ودولة عربية، فلم يتم الإعترف بهذا الحق وحالت إسرائيل دون قيام هذه الدولة بدعم ومساندة أوروبية أمريكية فكانت الخرب الأولي عام 1948والتي أحتلت بموجبها إسرائيل لما يقارب 25 في المائة من المساحة المخصصة للدولة العربية وفقا للقرار181 ولتكتمل إحتلالها بحرب 1967 وتحتل كل الأراضي الفلسطينية ومنذ ذلك الوقت وترفض إسرائيل قيام الدولة الفلسطينية وتمارس سياسة الاحتلال والاستيطان والتهويد والتشريد والذي ادي إلي تشريد اكثر من 750 الف عام 1948 وليعيشعوا في مخيمات كلاجئيين في الدول العربية، اليوم نفس السياسة تتكرر في حرب العامين في غزه والضفة ، بحرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة في قيام دولته والتي قبل ان تكون فقط علي مساحة تقارب 22 في المائة من مساحة فلسطين وايضا التنازل عن نصف المساحة المخصصة وفقا للقرار 181.

وللفلسطينيين حقوق تاريخية في أرضهم، وهذه الحقوق تدعمها العديد من القرارات الدولية التي صدرت عن الأمم المتحدة، ومن أبرزها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإنهاء الاحتلال، وقيام الدولة الفلسطينية وعدم شرعية الاحتلال والإستيطان هذه الحقوق تعطي للشعب الفلسطيني الحق في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة. وهنا السؤال هل استخدام السلاح حق مشروع؟ وفقا للقانون الدولي نعم ولكن وفقعا لمعايير وشروط معينة. والإشكالية ليست في استخدام السلاح والذي وافقت السلطة الفلسطينية علي ضبطه والإلتزام بالمقاومة السلمية ،  ولكن في الحقوق المسلوبة والمحروم منها الشعب الفلسطيني بسبب الاحتلال وإصرار إسرائيل علي رفض قيام الدولة الفلسطينية ،  ورغم حرب العامين علي غزه ومقترح مجلس السلام تبقي الإشكالية قائمه مع هذا السلام المنقوص والذي تدعمه القوة ، فمجلس السلام يتكلم فقط عن نزع السلاح ولا يتكلم عن سلام الحقوق والدولة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال. المشكلة ليست في السلاح ولكن في تجاهل الشعب الفلسطيني وحقه في دولته.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:21 صباحًا - بتوقيت القدس

ترامب ونتنياهو يلاحقان سرابًا في إيران

شنّ دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو حملةً ضد إيران بأهدافٍ طموحة ووسائل محدودة. يتحدثان بلغة تغيير النظام، لكن الشروط السياسية والعسكرية والاجتماعية اللازمة لذلك غائبة. لن تُفضي هذه الحملة إلى تحوّلٍ في طهران، بل إلى دوامةٍ محفوفةٍ بالمخاطر نحو حربٍ مفتوحة قد تُغرق المنطقة وتنتهي بفشلٍ استراتيجي.


لا تتوفر حكومة بديلة جاهزة 

يتطلب تغيير النظام الناجح من الخارج وجود معارضةٍ منظمة وشرعية قادرة على ملء الفراغ. إيران تفتقر إلى ذلك. فالمعارضة مُشتتة، مُرتابة، وضعيفة التنسيق، لا سيما بين النشطاء داخل البلاد وفي الشتات. لا توجد قيادةٌ موحدة ولا برنامجٌ متماسك ولا قيادةٌ انتقالية متفق عليها يُمكن لحركةٍ وطنية أن تتكاتف حولها.

وعلى الرغم من ضخامة احتجاجات 2025-2026 وشجاعتها، إلا أنها افتقرت إلى قيادةٍ مركزية قادرة على تحويل التعبئة الشعبية إلى مسعىً مُنظم للوصول إلى السلطة. شخصيات بارزة مثل الحائزة على جائزة نوبل نرجس محمدي تقبع في السجن، بينما تُنبذ شخصيات رئيسية منفيّة مثل رضا بهلوي وتعجز عن حشد ولاء شعبي واسع.

في هذا السياق، تبدو دعوات ترامب للإيرانيين "بالانتفاض" مجرد كلام. فهي تتجاهل حقيقة أن الأنظمة الاستبدادية تكتسب نفوذًا أكبر عندما يبقى المنافسون منقسمين، إذ يمكن للانقسامات وضعف التنسيق أن يعززا صمود النظام. فبدون مركز قوة بديل موثوق، يُرجّح أن يؤدي الضغط الخارجي إلى قمع داخلي بدلًا من ثورة.


تغيير النظام دون تدخل عسكري 

الوهم الثاني هو الاعتقاد بأن القوة الجوية والبحرية وحدها قادرة على إسقاط نظام متصلب وإرساء نظام جديد. تُظهر تجربة العراق وأفغانستان أنه حتى في الحالات التي أُطيح فيها بالأنظمة بسرعة، فإن غياب قوات استقرار مستدامة وواسعة النطاق أدى إلى فراغات وتمردات وصراعات طويلة الأمد، لا إلى ديمقراطية ليبرالية تتماشى مع التوجهات الغربية.

لا يعتزم ترامب نشر القوات البرية وآليات بناء السلام طويلة الأمد اللازمة لإدارة المرحلة الانتقالية بعد قيام الجمهورية الإسلامية. وقد تحققت جزئيًا الأهداف التكتيكية مثل - تدمير المنشآت النووية والصاروخية، وإضعاف هياكل القيادة، واغتيال كبار القادة. لكن السؤال الأهم هو ما إذا كان تغيير النظام ممكنًا واقعيًا دون خطة جادة لما بعد النزاع ووجود عسكري مستدام وموارد كافية.


نظام مصمم للبقاء بعد قطع الرؤوس 

ثالثًا، يبدو أن ترامب ونتنياهو يفترضان أن اغتيال كبار القادة أو ضرب المراكز الرئيسية سيؤدي إلى إرباك النظام بشكل قاتل. وقد أمضت إيران سنوات في الإستعداد لإثبات خطأ هذا الإفتراض. وضع خامنئي إطارًا بديلًا من أربع طبقات للمناصب العسكرية والحكومية الحيوية، مصممة لمنع الشلل في حال مقتل كبار المسؤولين في الحرب. يُمكّن هذا الهيكل نخبةً محدودة من المسؤولين الموثوق بهم من اتخاذ قرارات مستقلة في ظروف الحرب أو انقطاع الإتصالات، مما يضمن استمرارية القيادة والسيطرة.

صُمّم الهيكل الدستوري والديني للجمهورية الإسلامية ليدوم بعد رحيل أي شخصية رئيسية. بإمكان مؤسسات مثل مجلس الخبراء والحرس الثوري الإسلامي وجهاز الأمن الداخلي الممتدّ إعادة تشكيل القيادة بشكل جماعي حتى بعد اغتيال خامنئي. ويهدف التخطيط للخلافة إلى ضمان استقرار النظام وفعاليته وقدرته على الاستمرار حتى بعد وفاته. قد يُرضي اغتيال خامنئي رغبات سياسية في واشنطن والقدس، لكنه لن يُؤدي إلى انهيار الدولة.


الشروط الأساسية المفقودة لتغيير النظام 

إلى جانب هذه العقبات الهيكلية، تغيب الشروط الأساسية اللازمة لنجاح تغيير النظام. تتطلب التحوّلات المستدامة تحالفًا واسعًا عابرًا للطبقات يربط بين الطبقات الوسطى الحضرية والعمال والمناطق المهمشة. لا يوجد دليل يُذكر على تفكك منهجي للحرس الثوري الإيراني أو قوات الباسيج. لا تزال أجهزة الدولة القمعية متماسكة وفعالة، وقدرتها على القمع لم تتضاءل، مما يحدّ بشدة من احتمالية ترجمة دعوات "الانتفاضة" إلى تغيير في النظام.

وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية العميقة، لا تزال طهران قادرة على تمويل أجهزتها الأمنية وشبكاتها الإقليمية، مما يحافظ على قدرتها على فرض الإكراه في الداخل والردع في الخارج. تشير التجارب التاريخية إلى أن الأنظمة لا تسقط عادةً بمجرد ضعفها، بل عندما تنقسم النخب الحاكمة. تركز التقارير الحالية على التنسيق بدلًا من الانقسامات العلنية، ومن غير المرجح أن يُقدم المواطنون على الإضراب ما لم يدركوا أن احتمالية النجاح تفوق المخاطر.


أربعة أخطاء استراتيجية 

كل هذا يصب في تغذية أربعة أخطاء مترابطة ارتكبها ترامب ونتنياهو:

أولًا، أخطأوا في تقدير عزيمة النظام في مواجهة الهجوم. فقد ظنّ ترامب ونتنياهو أن الضربات المحسوبة والدبلوماسية القسرية ستجبر طهران على التخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم، وبرنامجها الصاروخي، و"خطوطها الحمراء" الإقليمية. إلا أن القادة الإيرانيين أكدوا مرارًا وتكرارًا استعدادهم لتحمّل عقوبات كبيرة، لكنهم لن يستسلموا أبدًا.

ثانيًا، أساءوا فهم العلاقة بين القومية وصمود النظام. فالعدوان الخارجي يميل إلى ترسيخ الدعم الشعبي للدولة، لا تقويضه. وهو يُفعّل ديناميكيات "الالتفاف حول الراية" التي تسمح للقيادة بقمع المعارضة، بينما تُصوّر نفسها حاميةً للكرامة الوطنية في وجه العدوان الأجنبي.

ثالثًا، بالغوا في تقدير استعداد المعارضة لاستغلال الصدمة. فقد فُسّرت الاحتجاجات المتكررة على أنها شبه ثورية، بينما في الواقع لا تزال المعارضة منقسمة وقد طوّرت الدولة قمعًا محسوبًا  وتنازلات انتقائية وتحكمًا إعلاميًا يُدير الاضطرابات دون انهيار النظام.

وأخيرًا، استسلم كل من ترامب ونتنياهو لوهم السيطرة على التصعيد. يبدو أنهما يعتقدان أن بإمكانهما تصعيد الموقف عسكريًا وإضعاف القدرات الإيرانية بشدة مع منع نشوب حرب إقليمية خارجة عن السيطرة أو رد فعل انتقامي واسع النطاق. وقد حذرت طهران مرارًا وتكرارًا من أن أي تهديد وجودي للنظام أو برامجه الأساسية سيؤدي إلى رد فعل واسع النطاق وغير متكافئ. وقد أشعلت الحملة الحالية بالفعل صراعًا أوسع نطاقًا تزعم أنها تسعى لردعه.

 

نافذة ضعف نتنياهو وحدودها 

تستند حجة نتنياهو المزعومة لترامب إلى تفسير يبدو مقنعًا ظاهريًا: دفاعات إيران الجوية أضعف؛ و"محور مقاومتها" فقد مواقع في سوريا؛ واقتصادها يعاني من الركود؛ والإضطرابات الشعبية تتصاعد. وفقًا لهذا الرأي، فإن إيران أضعف من أي وقت مضى، والآن هو الوقت المناسب للضرب.

هذا التحليل ليس دقيقًا تمامًا. فقد واجهت دفاعات إيران الجوية  ووضعها الإقليمي واقتصادها ضغوطًا بالفعل. ولكن هذه النكسات لم تمحُ الركائز الأساسية لبقاء النظام: جهاز أمني متماسك، وقوة ردع صاروخية وطائرات مسيرة قوية، ودولة عميقة قادرة على استيعاب خسائر القيادة، ومعارضة عاجزة عن استغلال نقاط ضعف النظام.

من جانبه، فشل ترامب في الإجابة على سؤالين أساسيين في السياسة: لماذا الهجوم على إيران؟ ولماذا الآن؟ يستند تبريره العلني إلى "تهديدات وشيكة" تُشكلها برامج إيران النووية والصاروخية ووكلائها. ومع ذلك، أفادت التقارير في إحاطات لاحقة بأنه لا يوجد دليل على أن طهران على وشك البدء بالهجوم.

لذا، تبدو الحملة أقرب إلى حرب وقائية منها إلى دفاع عن النفس شُنّت على افتراض أن إيران الضعيفة ستنهار تحت الضغط. هذا الافتراض لا تدعمه الحقائق السياسية أو الاستراتيجية داخل الجمهورية الإسلامية.


مسار سياسي بعيدا ً عن الغطرسة 

الدرس واضح: يجب التخلي عن الخطاب حول تغيير النظام وحصر الأهداف في غايات واقعية وقابلة للدفاع عنها، وهي: الردع، والاحتواء، ووضع حدود قابلة للتحقق على أخطر أنشطة إيران. إن الاستمرار على النهج الحالي يُنذر بتكرار أسوأ إخفاقات مغامرات تغيير النظام في الماضي.

لا يُشترط على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تُحبا النظام في طهران، لكن عليهما أن تُدركا بجدية مدى صموده وأن تُصيغا سياساتهما وفقًا لذلك. يجب عليهما السعي إلى وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات. وقد صرّح وزير الخارجية الإيراني بوضوح أن بلاده مستعدة لذلك بمجرد أن تُنهي الولايات المتحدة وإسرائيل أعمالهما العدائية.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:20 صباحًا - بتوقيت القدس

مَن صاحبُ هَذي الحرب؟

تنفتح الحربُ على كلِّ جهاتِ الرّيحِ،

فتأخذُ عيلامَ،

وتأخذُ معها الأرْزةَ والفيحاءَ وأرضَ الزوراءَ،

وكثبانَ التيجانِ.. إلى قزوين.

النَطْحةُ جاءت! وهي الثانيةُ الماحقةُ،

تجرّ توابيتَ القتلِ، وتهوي بالمعدنِ في قاعِ البحرِ،

وتنعفُ مدنَ الليلِ، كحفنةِ جَمْرٍ،

وتغيب الشمسُ، وتنصهرُ الأفواهُ الظمأى،

تترمّدُ مدنٌ صاخبةٌ، وتُهاجرُ أخرى،

ويكون البلّورُ بقلبِ المرجلِ..

لن ينجو أحدٌ.. حتى يهلكَ مَن بالرَّحْمِ،

ويفنى الأمهقُ، وعباءاتُ الرملِ، وربُّ التّيهِ..

الداخلُ فيها لن يخرجَ منها،

الجوعُ يمدُّ خوانَ القبرِ،

من الساطورِ إلى السِّكّين.

وتلك الشافيةُ؛ الزلزالُ االرجراجُ العاتي،

 مَن سيعيدُ الماءَ إلى الصحراء،

وإن هدموا الميناءَ الأكبرَ،

سنرى المشهدَ مكتملاً بالقمرِ الهجريّ،

وقد يشرقُ شجرٌ، بعد فناءِ الغاباتِ الحجريةِ..

هذا ما يبدو..

حتى لو هجسَ به الجَفْرُ وحبقوقُ ودنيالُ وأسفارُ التكوين. 

ونسألُ؛ مَن صاحبُ هذي الحرب؟

التبس الأمرُ على الناسِ..

فمن صدّقَ راحَ، ومَن كذّبَ غابَ،

فتلك نهاياتُ الدنيا، وبداياتُ الفَزعِ،

فقد ذابت أحداقُ الموتى، من هَولِ الغيمِ النوويّ،

وقال الرّائي بانت أعمدةُ اللهبِ، وأشداقُ التنّين..

فهذا يومُ الواقعةِ الكبرى!

لا تسأل مَن صاحبُ هذا القتل..

ستُهزمُ بابلُ، وتحطّ عليها غربانُ الطارقِ،

وتغيبُ الأوثانُ..

ومهما جمحوا..سيميلُ التمثالُ، فلا أصنامَ ولا أزلامَ..

فهذا يومُ الدّين.

وأما الملحمةُ فلن تتوقّفَ حتى تُمحى القبّةُ،

ويجفّ النهرُ، وتسقط ألسنةُ التدوين..

يبابٌ يمتدّ إلى آخرِ ما رسموا،

إذ تتغيّرُ خارطةُ الدولِ المحروقةِ،

وسيأتي عَرْشٌ يتزيّا بالعَدْلِ،

ولا عدْلَ سوى ما ينبتُ من أعشابٍ،

بعد الحَمْلِ الكاذبِ، في الشامِ الكبرى!

هل كانت حقاً؟

وأكادُ أشكُّ..

فقد عفت النارُ تجاعيدَ الأرصفةِ وأبوابَ الناطحةِ،

ولم يتبقَ إلا الصورة.. كانت واحترقت!

عادت عادٌ وثمودٌ والأيكةُ،

والريحُ الصَرْصرُ، وانخسف الكونُ..

وتلك الساحاتُ المسلوقةُ تتهيّأ للثلجِ الآتي

مع درّاعةِ شيخٍ، في الكعبةِ،

وسيمشي حتى يبلغ بابَ اللّدِ،

لتبدأ بسْملةُ فلسطين.

لهذا؛ لن أبرحَ أرضيَ، سأظلّ هنا،

في قلبِ الجَنّةِ، أعني علّيين،

ومَن قالوا عنها أرضَ الجبّارين.

فلا تسأل مَن صاحبُ هذي الحرب؟

البادئُ أوّلُ مَن سيكون وقودَ الويلِ،

قبيل الراياتِ العصماءِ.

ومهما انقلبوا..خسروا..

إذ دقّت ساعاتُ الآتين.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:19 صباحًا - بتوقيت القدس

سرديات ما لا يُكتب في محاضر الجنود (3): المغير.. حيث تُؤجَّل المائدة وتبقى الكرامة


ليست كل القرى تُروى حكاياتها في الأخبار؛ بعض القرى تُكتب قصتها كل يومٍ على وجوه أهلها

في المغير، لا يبدأ النّهار حين تشرق الشمس، بل حين يفتح الناس أعينهم على سؤال النّجاة: ماذا سيحدث اليوم؟

ولا ينتهي المساء عند الغروب، بل حين ينجح القلب في عبور يومٍ آخر دون أن يُكسر تمامًا.

هذه القرية الصغيرة ليست مجرد مكان، بل اختبارٌ يوميّ لمعنى أن تبقى إنسانًا تحت وطأة القهر… ومع ذلك، فإنّ جدرانها — التي حفظت حكايات أهلها — أكبر من عمر هذا الاحتلال، وأصدق من كل ما يُكتب في تقاريره.

على مدخلها، يتكرر المشهد كقدرٍ ثقيل: حاجزٌ عسكري يزرع الخوف في الأرض، ومستوطِنون يتربّصون بالعابرين كأنّهم حرّاس الألم. الطريق لم تعد طريقًا، بل مساحة مفتوحة للاعتداء؛ حيث يُضرب المارّ لأنّه مرّ، ويُهان لأنّه حاضر، ويُستهدف لأنّه ببساطة… من هنا.

جنود الاحتلال يقفون، والمستوطنون يهاجمون، وبينهما يُترك الإنسان أعزل إلا من كرامته.

هذا كلّه… لا يُكتب في محاضر الجنود.

لا تُكتب تلك اللّحظة التي يلتفت فيها الأب خلفه ليتأكد أنّ ابنه ما زال واقفًا، ولا رعشة اليد التي تتمسك بكيس خبز كأنّه نجاة، ولا نظرة الإذلال التي تسبق الضربة.

في الدّاخل، لا تختلف الحكاية… بل تزداد قسوة.

اقتحامات لا تعرف وقتًا، جنود يقتحمون الشوارع والبيوت كما لو أنّ المكان بلا أصحاب، يفتّشون الوجوه قبل الجدران، ويعاملون كلّ من يصادفهم — طفلًا كان أم شيخًا، امرأة أو شابًا — كهدفٍ مؤجل للاعتداء.

في السوبرماركت، يصبح الخوف سلعة إضافية، وفي البيوت، يتحوّل الباب إلى تفصيل لا يمنع الاقتحام.

وهذا أيضًا… لا يُدوَّن.

لا يُكتب كيف يُوقَظ طفل من نومه على وقع الخوف، ولا كيف تبحث أمّ عن صوتٍ يطمئنها فلا تجد، ولا كيف يطول اللّيل حتّى يتعب القلب من احتماله.

حتّى الصوت الذي يعلو للصّلاة لم يَسلم.

إمام المسجد الشيخ درويش، تعرّض لاعتداءٍ بالضرب المبرح على يد جنود الاحتلال والمستوطنين، لا لشيء إلا لأنّه يمثّل ما تبقى من سكينة.

وحين يُضرب الإمام… لا تُسجَّل الحقيقة كاملة.

لا يُكتب أنّ اليد التي امتدت عليه امتدت على ما تبقى من طمأنينة في القرية، ولا أنّ الصمت الذي تلا ذلك كان أثقل من الضرب نفسه.

ومع رمضان، تتكثّف المأساة.

قبل الإفطار، حين تتهيأ القلوب لسكينةٍ قصيرة، تتصاعد الاعتداءات كأنها تعرف متى يكون الإنسان أكثر هشاشة.

التمر ينتظر، والماء يبرد، لكنّ الطرقات تشتعل، والقلوب تنشغل بالخوف بدل الدعاء.

وفي المغير، لم يعد الزمن يُقاس فقط بحركة الشمس أو بنداء المؤذن.

فالساعة هنا تخضع أحيانًا لمنطق القوة لا لمنطق السماء.

موعد الإفطار لا يرتبط دائمًا بالأذان، بل وفي مخالفة للطبيعة، باللحظة التي يقرّر فيها الجنود فتح الحاجز على مدخل القرية.

هناك، عند ذلك الحاجز، يتوقف الزمن قليلًا، وكأنّ الحياة كلّها معلّقة على إيماءة جندي.

يصل بعض الناس إلى بيوتهم بعد الأذان بدقائق، أو ربما بعده بوقتٍ أطول، فيفطرون متأخرين… لا لأنّهم نسوا الوقت، بل لأنّ الطريق نفسها صارت جزءًا من امتحان الوجود.

وهكذا، يصبح الإفطار هنا تجربة فلسفية في معنى الزمن المقهور؛ زمنٍ تُحاول سلطة الاحتلال بالقوة أن تعيد تشكيله وفق إرادتها،

لكنّ الإنسان يعيد تعريفه بمعنى الصبر والكرامة.

بعضهم أفطر على القلق، وبعضهم تأخر عن مائدته لأنّ الطريق لم تكن آمنة، وبعضهم حمل خوفه إلى المائدة بدل الخبز.

ولا يُكتب… أنّ الإفطار قد يُؤجَّل، لكنّ الكرامة لا.

ومع ذلك… لا تنحني المغير.

تبقى كزيتونةٍ تعرف سرّ البقاء، جذورها أعمق من كل اقتلاع، وأغصانها تحفظ اتجاه الضوء.

بيوتها عامرة، لا لأنّها لم تُمسّ، بل لأنّها ترفض أن تُفرغ.

وأهلها لا يقيسون الصمود بالكلمات، بل بقدرتهم على الاستمرار.

وهذا أيضًا… لا يُكتب في محاضر الجنود.

لا يُكتب أنّ هذه القرية، رغم كل ما يقترفه بحقها جنود الاحتلال والمستوطنين، ما زالت تنبض بأهلها، ولا أنّ الجدران التي شهدت الألم… ما زالت تقف، شاهدةً أنّ الوجع لم ينتصر بعد.

في المغير، قد لا تُروى الحكاية كاملة في التقارير، لكنّها تُحفَظ في القلوب، وفي ذاكرة المكان التي تعرف أكثر مما يُقال.

وكأنّ القرية كلّها تهمس بما قاله نيتشه:

"ما لا يقتلني يجعلني أكثر قوة."

فلسطين

الجمعة 06 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

عمليات 'العلم الزائف': تساؤلات حول تورط الاحتلال في هجمات غامضة بالمنطقة

تتصاعد في الآونة الأخيرة تساؤلات جوهرية حول طبيعة الهجمات الغامضة التي استهدفت مواقع حساسة في عدة دول بالمنطقة، وسط مؤشرات تشير إلى تورط محتمل للاحتلال الإسرائيلي في هذه العمليات. ويسعى الاحتلال من خلال هذه التحركات إلى تأجيج الصراعات الإقليمية واستغلال حالة التوتر القائمة بين إيران والولايات المتحدة لتحقيق مكاسب استراتيجية بعيدة المدى.

وشهدت الساعات الماضية تعرض كل من تركيا وأذربيجان وقبرص لقصف مفاجئ بالطائرات المسيرة والصواريخ، وهو ما أثار ارتباكاً أولياً في تحديد هوية المنفذ. ورغم التكهنات التي اتجهت نحو طهران، إلا أن الجيش الإيراني والحرس الثوري سارعا لنفي أي صلة لهما بهذه الهجمات، مما يعزز فرضية وجود طرف ثالث يسعى لخلط الأوراق.

وفي سياق متصل، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أن الطائرة المسيرة التي استهدفت إحدى قواعدها في جزيرة قبرص لم تنطلق من الأراضي الإيرانية. هذا الإعلان يضع إسرائيل في دائرة الاتهام المباشر نظراً للقرب الجغرافي وامتلاكها القدرات التقنية اللازمة لتنفيذ مثل هذه العمليات المعقدة بعيداً عن الأضواء.

المشهد تكرر في منطقة الخليج العربي، حيث تداول نشطاء شهادات ميدانية حول قصف طال ميناءً بحرياً في مدينة دبي، مؤكدين أن مصدر النيران كان من داخل المدينة وليس هجوماً خارجياً. وتتطابق هذه الروايات مع تقارير تشير إلى محاولات اختراق أمني تهدف إلى زعزعة الاستقرار في المراكز الاقتصادية الكبرى بالمنطقة.

من جانبها، نفت الخارجية الإيرانية بشكل قاطع استهداف حقل 'رأس تنورة' التابع لشركة أرامكو السعودية، وهو الهجوم الذي وصفته مصادر عسكرية بأنه نموذج كلاسيكي لعمليات 'العلم الزائف'. وتهدف هذه العمليات إلى إلصاق التهمة بخصوم إسرائيل لدفع القوى الإقليمية والدولية نحو مواجهة عسكرية مباشرة مع طهران.

وفجر الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون مفاجأة من العيار الثقيل حين كشف عن إحباط السعودية وقطر لعمليات تخريبية كان يخطط لها عملاء يتبعون جهاز الموساد. وأوضح كارلسون أن الهدف من هذه التفجيرات كان صرف انتباه المجتمع الدولي عن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال داخل الأراضي الفلسطينية وفي العمق الإيراني.

وتشير المعطيات الاستخباراتية إلى أن ميناء الفجيرة في دولة الإمارات قد يكون الهدف القادم ضمن سلسلة عمليات التخريب الإسرائيلية المحتملة. وتأتي هذه التحذيرات في وقت تسعى فيه تل أبيب إلى توسيع دائرة النار لتشمل منشآت الطاقة الحيوية في الخليج، مما يهدد أمن الملاحة وإمدادات النفط العالمية.

التاريخ الإسرائيلي حافل بالعمليات السرية التي لم يتم الكشف عنها إلا بعد عقود، مثل الهجمات التي استهدفت كنيساً يهودياً في بغداد مطلع الخمسينيات. وقد كشف المؤرخ آفي شلايم عن أدلة قاطعة تثبت تورط الصهيونية في تلك التفجيرات الإرهابية التي هدفت حينها إلى دفع يهود العراق نحو الهجرة القسرية إلى فلسطين المحتلة.

وفي العصر الحديث، تبرز اتهامات جديدة تتعلق بحادثة سقوط طائرة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي، حيث رصدت أنظمة الملاحة طائرة شحن عسكرية أمريكية في أجواء أذربيجان. ويرجح خبراء أن هذه الطائرة استخدمت تقنيات تشويش متطورة بالتنسيق مع الاحتلال للتسبب في تحطم الطائرة الإيرانية في منطقة جبلية وعرة.

ولم تتوقف العمليات الإسرائيلية عند الاغتيالات السياسية، بل امتدت لتشمل ضرب المفاعلات النووية في المنطقة العربية والإسلامية لضمان التفوق العسكري المطلق. ومن أبرز هذه العمليات تدمير مفاعل 'تموز' العراقي عام 1981، وقصف منشأة 'الكُبر' السورية في دير الزور عام 2007 تحت ذرائع أمنية واهية.

كما كثفت إسرائيل في السنوات الأخيرة من هجماتها السيبرانية والميدانية ضد المنشآت النووية الإيرانية، بما في ذلك السطو على الأرشيف النووي واغتيال العلماء. وتعد هذه التحركات جزءاً من استراتيجية 'المعركة بين الحروب' التي تنتهجها تل أبيب لإضعاف قدرات خصومها دون الانزلاق إلى حرب شاملة ومعلنة.

استهداف ناقلات النفط في عرض البحر يمثل فصلاً آخر من فصول التورط الإسرائيلي، حيث شهد عام 2019 سلسلة من الهجمات الغامضة بالألغام البحرية. ورغم توجيه أصابع الاتهام لإيران في البداية، إلا أن تقارير غربية لاحقة كشفت عن دور استخباراتي ولوجستي إسرائيلي في تدبير بعض تلك الحوادث لتبرير تشديد العقوبات على طهران.

إن لجوء الاحتلال إلى أساليب 'العمليات القذرة' يعكس حالة من القلق الاستراتيجي تجاه التحولات الجيوسياسية في المنطقة وفشل الخيارات العسكرية التقليدية. وتظل هذه الهجمات الغامضة وسيلة فعالة في يد الموساد لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية بأقل التكاليف الممكنة، مع ضمان الإنكار المستمر للمسؤولية.

ختاماً، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة دول المنطقة على كشف هذه المخططات والتصدي لها قبل فوات الأوان. فالتاريخ يثبت أن إسرائيل لا تتردد في التضحية بأمن واستقرار حلفائها أو جيرانها إذا كان ذلك يخدم أجندتها التوسعية ويضمن بقاءها كقوة مهيمنة وحيدة في الشرق الأوسط.

أقلام وأراء

الجمعة 06 مارس 2026 10:18 صباحًا - بتوقيت القدس

لماذا تُغلق غزة في وجه الصحافة العالمية بعد سقوط السردية الإسرائيلية؟

في كل حرب تشنها إسرائيل تحاول أن تُمسك بالسلاح وبالصورة معاً لأن السيطرة على الميدان لم تعد كافية من دون السيطرة على الرواية، ومن هنا لا يمكن فهم قرار منع الصحفيين الدوليين من دخول غزة باعتباره إجراءً أمنياً، بل كخيار سياسي واعٍ يهدف إلى حجب الحقيقة ومنع العالم من رؤية ما لا تريد إسرائيل أن يُرى.

الذريعة الإسرائيلية الجاهزة هي الدواعي الأمنية، وهي عبارة استُهلكت حتى فقدت معناها، إذ كيف يمكن لدولة تزعم أنها تملك واحداً من أقوى الجيوش في العالم وأحدث أنظمة المراقبة والاستخبارات أن تخشى من الصورة أو من قلم يكشف الحقيقة، أن الخوف ليس من خطر أمني، بل من خطر أخلاقي وسياسي يتمثل في انكشاف حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، وفي مقدمتها التدمير الشامل والإبادة المفتوحة التي باتت سياسة مُعلنة لا مجرد نتائج جانبية للحرب.

إن منع الصحافة الدولية من دخول الى غزة يعكس تحوّلاً عميقاً في صورة إسرائيل ومكانتها في العالم، فالكيان الذي بنا سرديته لعقود على فكرة الدفاع عن النفس والديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط بات اليوم يدرك أن هذه الرواية لم تعد قابلة للتسويق أمام صور قتل الأطفال والمجوعيين والمستشفيات المدمرة، والمخيمات التي تحولت إلى مقابر جماعية لأن الصورة أقوى من أي بيان عسكري وأصدق من أي رواية رسمية.

لقد أدركت إسرائيل أن وجود الصحفيين في غزة يعني انتقال المعركة إلى ساحة الوعي العالمي،  حيث لا تفيد الدعاية ولا تنفع اللغة القانونية الملتوية، فالكاميرا ستنقل الدمار كما هو، والعدسة ستلتقط تفاصيل الإبادة اليومية التي لا يمكن تبريرها تحت أي عنوان أمني أو عسكري، وهو ما يفسر هذا الإصرار على العزل والتعتيم واحتكار الرواية عبر ناطقين رسميين ومنصات إعلامية منحازة.

الخوف الإسرائيلي من الصحافة هو خوف من الشهادة، لأن الصحفي ليس مجرد ناقل خبر بل شاهد تاريخي يوثق اللحظة ويمنع طمسها، ومن هنا يصبح منع الصحفيين جزءاً من الجريمة نفسها لأنه محاولة لقتل الحقيقة بالتوازي مع قتل الإنسان، فحين يُمنع الشاهد يُفتح الباب واسعاً أمام ارتكاب المزيد من الفظائع بعيداً عن أعين العالم.

إن ما يجري في غزة اليوم لم يعد مجرد حرب بالمعنى التقليدي بل اختبار حقيقي للضمير العالمي ولحرية الإعلام ولقدرة الحقيقة على الصمود في وجه القوة الغاشمة، ومنع الصحفيين من الدخول ليس دليلاً على قوة إسرائيل بل على هشاشة سرديتها وعلى خوفها العميق بعد أن سقط القناع نهائياً وظهرت صورتها الحقيقية كقوة احتلال تمارس الإبادة وتخشى أن يراها العالم على حقيقتها.

ولهذا فإن معركة الصحفيين لدخول غزة ليست قضية مهنية فحسب، بل معركة سياسية وأخلاقية تتعلق بحق الشعوب في أن تُروى قصتها، وبحق الضحايا في أن يُسمع صوتهم، لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه إسرائيل اليوم ليس سلاح المقاومة وحده بل الحقيقة حين تُنقل بلا فلترة وبلا رقابة وبلا خوف.

في النهاية لا يمكن فصل منع الصحفيين عن السياق الأشمل لمحاولة التحكم بالتاريخ او نقل الحقيقة كما هي قبل أن تكتب، فحين تُغلق الأبواب في وجه الحقيقة لا يكون الهدف حماية المجرمين فقط، بل حماية الرواية من الانهيار لأن ما يجري على أرض غزة أكبر من أن يُحتوى في بيانات عسكرية أو يُبرَّر بلغة الأمن، ولذلك تختار إسرائيل العتمة سلاحاً أخيراً في مواجهة الضوء، غير أن العتمة لا تصمد طويلاً، فالحقيقة وإن حوصرت تجد دائماً طريقها إلى العالم، وما يُمنع اليوم من التوثيق سيتحوّل غداً إلى إدانة مكتملة الأركان، وإلى شهادة تاريخية على مرحلة حاول فيها الجلاد أن يكسر المرآة ظناً منه أنه سيُخفي وجهه لكنه لم يفعل سوى تأجيل لحظة الانكشاف.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

ليلة عنيفة في ضاحية بيروت: غارات إسرائيلية مكثفة ورد صاروخي من حزب الله

عاشت الضاحية الجنوبية لبيروت ليلة هي الأعنف منذ بدء التصعيد، حيث واصل الطيران الحربي الإسرائيلي شن سلسلة من الغارات الجوية المكثفة التي استهدفت أحياء سكنية ومنشآت مختلفة. وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف طال بلدات عديدة في العمق الجنوبي، شملت صريفا وعيتا الشعب وتولين والصوانة ومجدل سلم، مما أدى إلى دمار واسع في البنية التحتية والممتلكات.

وفي تطور ميداني لافت، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي أن سلاح الجو نفذ نحو 26 غارة جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت منذ انطلاق العمليات العسكرية الأخيرة. وأشار البيان العسكري إلى أن الضربات الليلية استهدفت ما لا يقل عن عشرة مبانٍ، زاعماً أنها تضم مقرات قيادية وبنى تحتية تابعة لحزب الله في مناطق مكتظة بالسكان.

وتركزت الهجمات الجوية بشكل أساسي على منطقة حارة حريك التي نالت النصيب الأكبر من القذائف الصاروخية، بالإضافة إلى استهداف مناطق الغبيري والكفاءات والحدث. وتصاعدت سحب الدخان الكثيفة في سماء العاصمة بيروت، حيث استمرت الحرائق في الاندلاع لساعات طويلة عقب الغارات التي تلت إنذارات إخلاء إسرائيلية غير مسبوقة للسكان.

وعلى الصعيد الإنساني، شهدت الضاحية الجنوبية موجة نزوح جماعية كبرى، حيث فر آلاف المواطنين من منازلهم باتجاه المناطق المجاورة ووسط العاصمة بيروت. وتحولت الساحات العامة والشوارع الرئيسية في بيروت إلى مراكز إيواء مفتوحة، حيث افترش النازحون الأرض في ظل ظروف مناخية صعبة ونقص حاد في المستلزمات الأساسية.

وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن الجهات اللبنانية إلى أن مراكز الإيواء استقبلت ما يقارب 100 ألف نازح، وهي أرقام لا تشمل آلاف العائلات التي لجأت إلى منازل أقاربها. وتتفاقم الأزمة الإنسانية مع انخفاض درجات الحرارة ونقص الرعاية الصحية والمواد الغذائية، مما يضع ضغطاً هائلاً على المؤسسات الإغاثية المحدودة الموارد.

ميدانياً، رد حزب الله على التصعيد الإسرائيلي بإطلاق رشقات صاروخية وقذائف مدفعية استهدفت تجمعات لجيش الاحتلال ومواقعه العسكرية قرب الحدود اللبنانية الفلسطينية. وأكد الحزب في بيان له أن هذه العمليات تأتي في إطار الرد الطبيعي على المجازر التي يرتكبها الاحتلال في المدن والبلدات اللبنانية والضاحية الجنوبية.

وأوضح بيان الحزب أن المقاتلين نفذوا هجوماً صاروخياً دقيقاً في تمام الساعة الثانية وعشر دقائق من فجر اليوم الجمعة، مستهدفين نقاطاً عسكرية حساسة. ودوت صافرات الإنذار في المستوطنات الشمالية والمواقع الحدودية، فيما أكدت مصادر أن الحزب حذر سكان المستوطنات الواقعة ضمن نطاق 5 كيلومترات بضرورة الإخلاء الفوري.

وفي سياق متصل، لم يقتصر العدوان الإسرائيلي على الجنوب والضاحية، بل امتد ليشمل منطقة البقاع شرق لبنان، حيث استهدفت غارة جوية بلدة دورس فجر اليوم. وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع محاولات توغل بري محدود بدأها جيش الاحتلال يوم الثلاثاء الماضي، والتي جوبهت بمقاومة عنيفة من قبل مقاتلي حزب الله على الحافة الأمامية.

ووفقاً لآخر تحديثات وزارة الصحة اللبنانية، فقد ارتفعت حصيلة الضحايا لتصل إلى 123 شهيداً و683 جريحاً منذ فجر يوم الإثنين الماضي جراء الغارات المتواصلة. وتعاني المستشفيات اللبنانية من ضغط هائل في التعامل مع أعداد المصابين، خاصة في ظل استهداف بعض المرافق الصحية القريبة من مناطق النزاع.

ويبقى المشهد الميداني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، حيث يواصل الاحتلال تدمير البنية التحتية والمناطق السكنية، بينما يصر حزب الله على مواصلة ضرباته الصاروخية. وتؤكد الرسائل الصادرة عن المقاومة اللبنانية أن العدوانية الإسرائيلية المدعومة أمريكياً لن تمر دون رد، وأن الميدان هو الفيصل في كبح جماح هذا التصعيد المستمر.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 10:04 صباحًا - بتوقيت القدس

تحقيقات عسكرية أميركية ترجح مسؤولية واشنطن عن مجزرة مدرسة البنات في إيران

كشف مسؤولون أميركيون عن ترجيحات أولية لدى محققين عسكريين تشير إلى احتمال مسؤولية القوات الأميركية عن الهجوم الدامي الذي استهدف مدرسة للبنات في مدينة ميناب جنوبي إيران. وأوضح المسؤولون أن التحقيقات لا تزال في مراحلها الأولى ولم تصل إلى نتائج نهائية حاسمة بشأن نوع الذخيرة المستخدمة أو الدوافع وراء استهداف منشأة تعليمية مدنية.

وقع الهجوم المأساوي يوم السبت الماضي، تزامناً مع انطلاق العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية المشتركة ضد الأراضي الإيرانية. وبحسب تصريحات سفير إيران لدى الأمم المتحدة في جنيف، علي بحريني، فإن القصف أسفر عن استشهاد 150 طالبة، مما أثار موجة تنديد دولية واسعة بمستوى الضحايا المدنيين في اليوم الأول للعدوان.

من جانبه، أقر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث بفتح تحقيق رسمي في الواقعة، مؤكداً خلال مؤتمر صحفي أن الجيش الأميركي يراجع كافة التفاصيل المتعلقة بالضربة. وشدد هيغسيث على أن السياسة العسكرية لبلاده لا تضع المدنيين ضمن بنك أهدافها، إلا أن مراجعة الوقائع الميدانية باتت ضرورة ملحة بعد التقارير الواردة من الجنوب الإيراني.

وفي سياق متصل، صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن الولايات المتحدة لا يمكن أن تستهدف مدرسة بشكل متعمد، مشيراً إلى أن وزارة الدفاع ستتحمل مسؤولية التحقيق الكامل. وأضاف روبيو أن نتائج التحقيق ستحدد الإجراءات التالية في حال ثبت تورط القوات الأميركية في تنفيذ هذه الضربة الجوية التي وصفت بالأكثر دموية.

وأحالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) كافة الاستفسارات المتعلقة بالحادثة إلى القيادة المركزية للجيش، التي فضلت التزام الصمت المؤقت. وقال المتحدث باسم القيادة، تيموثي هوكينز إن التعليق على تفاصيل الهجوم سيكون غير مناسب في الوقت الراهن لضمان نزاهة وسير التحقيقات العسكرية الجارية.

وعلى صعيد البيت الأبيض، تجنبت المتحدثة كارولاين ليفيت التعليق المباشر على نتائج التحقيق الأولي، مكتفية باتهام النظام الإيراني باستهداف شعبه. وقالت ليفيت في بيان صحفي إن وزارة الدفاع تتابع المسألة، لكنها اعتبرت أن المسؤولية الأخلاقية تقع على عاتق طهران في حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة.

وأشارت مصادر مطلعة إلى أن التقييم الحالي الذي يربط القوات الأميركية بالهجوم قد يتغير مع ظهور أدلة تقنية جديدة من موقع القصف. وأوضحت المصادر أن هناك احتمالات قائمة لظهور معطيات قد تبرئ واشنطن أو تشير إلى أطراف أخرى شاركت في العمليات الجوية المكثفة التي شهدتها المنطقة الجنوبية يوم السبت.

وفيما يخص التنسيق العسكري، كشف مسؤول إسرائيلي كبير أن القوات الأميركية والإسرائيلية تعمل وفق خطة توزيع أهداف جغرافية دقيقة داخل إيران. ووفقاً لهذا التنسيق، تتولى إسرائيل ضرب منصات الصواريخ في الجهة الغربية، بينما تتركز الهجمات الأميركية على الأهداف البحرية والصاروخية في المناطق الجنوبية، حيث تقع المدرسة المستهدفة.

دولياً، دخلت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على خط الأزمة، مطالبة بإجراء تحقيق شفاف ومستقل في المجزرة. وقالت المتحدثة باسم المفوضية، رافينا شامدساني إن مسؤولية التحقيق والمحاسبة تقع قانونياً على عاتق القوات التي نفذت الهجوم، دون أن تسمي جهة بعينها في انتظار جلاء الحقائق.

وبث التلفزيون الرسمي الإيراني مشاهد مؤثرة لتشييع جثامين الطالبات، حيث ظهرت مئات التوابيت الصغيرة المغطاة بالعلم الوطني وسط حشود غفيرة من المواطنين. وسادت حالة من الغضب الشعبي العارم في مدينة ميناب والمدن الإيرانية الأخرى، وسط دعوات لمحاكمة المسؤولين عن استهداف المنشآت التعليمية.

ويحذر خبراء قانونيون من أن ثبوت تورط واشنطن في هذا الهجوم قد يشكل جريمة حرب بموجب القانون الإنساني الدولي الذي يحظر استهداف المدارس والمستشفيات. وإذا ما تأكدت مسؤولية القوات الأميركية، فإن هذه الحادثة ستصنف كواحدة من أكثر العمليات العسكرية دموية بحق المدنيين في تاريخ التدخلات الأميركية في الشرق الأوسط.

عربي ودولي

الجمعة 06 مارس 2026 7:03 صباحًا - بتوقيت القدس

العدوان على إيران في يومه السابع: غارات تطال طهران والحرس الثوري يقصف تل أبيب

تواصلت العمليات العسكرية الواسعة التي تشنها القوات الإسرائيلية والأمريكية على الأراضي الإيرانية لليوم السابع على التوالي، حيث تركزت الغارات الجوية الأخيرة على مواقع استراتيجية وحيوية في قلب العاصمة طهران. وأفادت مصادر ميدانية بأن أصوات الانفجارات دوت في أرجاء المدينة بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران الحربي الذي استهدف بنى تحتية ومواقع عسكرية أعلن الجيش الإسرائيلي عن بدء موجة ضربات واسعة ضدها.

وشملت الهجمات الجوية أهدافاً مدنية وعامة داخل طهران، حيث أكد التلفزيون الرسمي تعرض مبنى سكني في شارع 'جمهوري' الحيوي وسط العاصمة لقصف مباشر أدى إلى وقوع أضرار جسيمة. كما طال القصف قاعة رياضية تقع في المنطقة الجنوبية الشرقية من المدينة، مما يعكس توسع دائرة الاستهداف لتشمل مناطق مأهولة ومرافق غير عسكرية في إطار الضغط العسكري المتصاعد.

ولم تقتصر الغارات على العاصمة فحسب، بل امتدت لتشمل أطراف مدينتي رشت وأصفهان، حيث ذكرت تقارير إعلامية أن هجمات مشتركة استهدفت منشآت ومواقع في محيط هاتين المدينتين. وتأتي هذه التطورات في ظل استمرار العملية العسكرية التي انطلقت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، والتي خلفت حتى الآن مئات القتلى والجرحى في صفوف الإيرانيين.

في المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني فجر اليوم الجمعة عن تنفيذ عملية رد واسعة النطاق استهدفت مدينة تل أبيب ومحيطها باستخدام أسراب من الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية. وأوضح البيان الرسمي أن الهجوم تضمن إطلاق وابل من صواريخ 'خيبر' المتطورة، مؤكداً أن الصواريخ نجحت في الوصول إلى أهدافها في قلب المركز التجاري والسياسي لإسرائيل.

من جهتها، أقرت مصادر عبرية بسقوط شظايا صواريخ اعتراضية ومقذوفات في مناطق متفرقة من 'تل أبيب الكبرى'، ما تسبب في اندلاع حرائق في ثلاثة مواقع على الأقل. وأشارت القناة 12 العبرية إلى وقوع أضرار مادية ملموسة في الممتلكات، وسط حالة من الاستنفار الأمني والمدني في كافة المستوطنات والمدن الإسرائيلية تحسباً لمزيد من الرشقات الصاروخية.

وتشير التقارير الواردة من الداخل الإيراني إلى أن العدوان المستمر منذ أسبوع أسفر عن إصابة ومقتل عدد من كبار المسؤولين، من بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي وقيادات أمنية رفيعة المستوى. وتعد هذه الإصابات تحولاً دراماتيكياً في مسار المواجهة، حيث تسعى واشنطن وتل أبيب إلى تقويض هيكل القيادة والسيطرة في الجمهورية الإسلامية بشكل كامل.

على الصعيد السياسي، أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتصريحات مثيرة للجدل، أعرب فيها عن رغبته الصريحة في إنهاء هيكل القيادة الحالي في إيران. وأشار ترمب في مقابلة تلفزيونية إلى أن لديه رؤية واضحة لشكل القيادة القادمة في طهران، مؤكداً أن بلاده تتخذ خطوات فعلية لضمان نجاة بعض الشخصيات التي يراها مناسبة لقيادة المرحلة المقبلة.

ورد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بلهجة حادة على تصريحات ترمب، معتبراً أن الرهانات الأمريكية على انهيار الدولة الإيرانية قد فشلت تماماً. وقال عراقجي إن ما وصفها بـ'الخطة أ' التي اعتمدت على الضربات الجوية المكثفة لم تحقق أهدافها السياسية، مشدداً على أن أي خطط بديلة ستواجه بذات المصير من الفشل أمام صمود القوات المسلحة والشعب الإيراني.

وكشف رئيس الدبلوماسية الإيرانية عن استعداد بلاده لكافة السيناريوهات الأسوأ، بما في ذلك احتمال قيام الولايات المتحدة بشن غزو بري للأراضي الإيرانية. وأكد عراقجي أن القوات الإيرانية وضعت خططاً دفاعية شاملة لمواجهة أي توغل أرضي، مجدداً رفض طهران القاطع للدخول في أي مفاوضات مع الإدارة الأمريكية تحت وطأة القصف والتهديد العسكري.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار طهران في استهداف ما تصفه بالمصالح الأمريكية في المنطقة العربية، حيث شنت هجمات بالمسيرات والصواريخ على مواقع ومنشآت تعتبرها مرتبطة بالدعم اللوجستي للعدوان. وقد أسفرت هذه العمليات عن تضرر مرافق مدنية وموانئ في عدة دول، مما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي ويدفع المنطقة نحو حافة حرب شاملة.

وفي ظل هذا التصعيد غير المسبوق، تعاني العاصمة طهران من انقطاعات في الخدمات الأساسية وحالة من النزوح الداخلي من المناطق القريبة من المواقع العسكرية المستهدفة. وتعمل فرق الإنقاذ الإيرانية في ظروف صعبة لانتشال الضحايا من تحت أنقاض المباني السكنية التي طالها القصف، وسط تحذيرات دولية من كارثة إنسانية وشيكة إذا ما استمرت وتيرة الغارات.

ويبقى المشهد الميداني مفتوحاً على كافة الاحتمالات، مع إصرار الجانبين الأمريكي والإسرائيلي على مواصلة العمليات حتى تحقيق 'تغيير جذري' في السلوك الإيراني، بينما تواصل طهران تعزيز دفاعاتها الجوية وإطلاق رشقات صاروخية بعيدة المدى لإثبات قدرتها على الردع رغم الخسائر الكبيرة في صفوف قيادتها العليا.