أقلام وأراء

الثّلاثاء 10 يناير 2023 10:22 صباحًا - بتوقيت القدس

في اربعينية عمر مناع .. كراهيته للاحتلال فاقت محبته للفرن

بقلم : حمدي فراج


تقتحم "أربعينية" الشهيد اليافع العامل الفران عمر مناع ، اربعينية الطبيعة التي لطالما شهدت عصفا في الاجواء امطارا و ثلوجا و سيولا ، و لطالما عجز اللاجئون في خيامهم كف شرها عنهم ، فأتت على اطفالهم و دوابهم ، مع ذلك كانوا يسبشرونها و يستسبقونها ، شحّت هذا العام شحا مركبا في فلسطين المنقسمة سياسيا و فكريا واخلاقيا حتى في ظل حكومة احتلالية تباهي العالم بتطرفها .
و لكن هل سكن عمر في المخيم صدفة ، حيث مسقط رأس أبيه يوسف مناع الذي اختار ان يتزوج من ابنة عمه "ناريمان" من الاردن ، كان بإمكان "يوسف" ان يقطن هناك ، و يترك خلفه همّ النضال لغيره ، كما يفعل الكثيرون ، لكنه استحضر زوجته كي تضع "عمر" حملها الثاني - الحمل الاول "يزن" حيث اعتقل في نفس ليلة الاستشهاد و ما زال رهن الاعتقال - فيتشرب نضال أبيه و بقية أفراد العائلة ، و في المقدمة منهم الجد المناضل حسن جبريل مناع "ابو جودت" الذي بدأ حياته شيوعيا و ذاق عذاب "الجفر" منذ خمسينيات القرن الماضي ، و تواصل عذاب السجنين الاردني والاسرائيلي حين حكم عليه و قد ناهز السبعين من عمره بالسجن الفعلي اربع سنوات اواخر ثمانينيات القرن الماضي .
هل كان استشهاده عملا صدفيا ؟ رصاصة طائشة في البيت او الفرن الذي يعمل فيه ؟ أمثاله كثيرون ، لا يستشهدون برصاصة طائشة في البيت ، عمر مناع احد ابرز حراس المخيم الذي كان يشارك في التصدي لجنود الاحتلال في كل اقتحام ، صحوا و مطرا ، و نقل عنه ذات مرة انه تغيب عن احدى المواجهات ، و لما سئل عن ذلك قال انه كان مريضا ، مردفا بسخرية : ممنوع الانسان يمرض ؟
في استدعاء مدير الشاباك المسؤول عن قتل عمر لأحد معارفه ، اعرب عن أسفه لمقتله ، فهو لم يكن مطلوبا ، شقيقه "يزن" هو المطلوب ، لكن عمر طاردنا بالمولوتوف وحاصر ثلاثة جنود فيما يشبه الحفرة ، مما شكل خطورة على حياتهم ، ما اضطرهم لقتله بست رصاصات و معه اثنين من رفاقه الخلّص ، احدهما "محمد شمروخ" ما زال نزيل المستشفى حتى اليوم جراء اصابته اصابة بالغة . لم يقل الكابتن ان جنوده ظنوا انه مات بدوره ، والا كانوا قد أجهزوا عليه ايضا ، لكنه قبل نهاية الاربعينية قنص جنوده طفلا اسمه آدم عياد ، كان مقربا من عمر ، و يوزع احيانا الخبز الذي يخبزه .
عمر مناع ، أصبح اليوم شهيدا ، يترأى لبقية رفاقه في كل مواجهة في المخيم و ما بعد المخيم ، و بقية القرى المجاورة لقريته زكريا ، المتمثلة في أترابه المنحدرين من نحو اربعين قرية . مقداما خلوقا بهيا ايثاريا غيورا متطلعا محبا يتراءى على أجمل وأعظم ما يكونه الانسان ، في كل زقاق ، في كل مطاردة و مع كل رشقة حجر . و كما عرفته ، أحب عمر الحياة حتى لو كانت داخل فرن ، يعمل فيه منذ نعومته ، لأنه من داخله يصنع الخبز للآخرين ، لكن كراهيته للاحتلال كانت تفوق محبته للفرن .
"بتصرف من كتيب التأبين" .

دلالات

شارك برأيك

في اربعينية عمر مناع .. كراهيته للاحتلال فاقت محبته للفرن

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.