عربي ودولي

الأحد 12 يوليو 2026 1:53 مساءً - بتوقيت القدس

تصاعد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران: هل فشل الردع التقليدي في كسر استراتيجية 'الحروب غير المتماثلة'؟

دخلت المواجهة العسكرية بين طهران وواشنطن مرحلة جديدة من التصعيد الميداني المباشر، حيث أعلنت القيادة المركزية الأمريكية 'سنتكوم' عن تنفيذ عمليات جوية واسعة استهدفت نحو 140 موقعاً عسكرياً في العمق الإيراني. وجاءت هذه التحركات العسكرية رداً على هجوم استهدف سفينة تجارية في مضيق هرمز، مما يعكس توتراً متزايداً في ممرات الملاحة الدولية الاستراتيجية.

في المقابل، لم تتأخر طهران في إظهار قدرتها على الرد، حيث شن الحرس الثوري الإيراني سلسلة من الهجمات الصاروخية وبالطائرات المسيرة استهدفت مواقع وقواعد تابعة للقوات الأمريكية في عدد من دول الخليج. وأكدت مصادر عسكرية أن الرد الإيراني شمل أيضاً منشآت للدعم اللوجستي في ميناء الدقم بسلطنة عُمان، في إشارة واضحة إلى اتساع رقعة المواجهة.

ويرى خبراء عسكريون أن الرواية الرسمية الأمريكية بالغت في تقدير نتائج العمليات العسكرية الأخيرة، خاصة مع تصريحات الرئيس دونالد ترمب وقادة الجيش حول تحقيق نجاحات حاسمة. واعتبر المحلل العسكري اللواء محمود الصمادي أن هذه التقديرات لا تتطابق مع الواقع الميداني الذي يظهر احتفاظ إيران بقدرات ردع مؤثرة رغم كثافة النيران الأمريكية.

وتشير القراءات التحليلية إلى أن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية، ذهب بعيداً في قوله إن إيران فقدت قدرتها على التأثير الإقليمي. فالمعطيات على الأرض تؤكد أن طهران بنت عقيدتها العسكرية على أساس 'الحروب غير المتماثلة'، وهو أسلوب يتيح لها امتصاص الضربات التقليدية الكبرى والاستمرار في استنزاف الخصوم لفترات طويلة.

وتلعب الجغرافيا دوراً حاسماً في تعزيز الصمود الإيراني، حيث تمنحها الحدود البرية الممتدة مع سبع دول وسواحلها الطويلة بدائل لوجستية واقتصادية متعددة. هذه المزايا الجغرافية تحد بشكل ملموس من فاعلية سياسات الحصار والعقوبات الدولية، رغم الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي تفرضها واشنطن على الداخل الإيراني.

وعلى الصعيد التصنيعي، لم تؤدِ العمليات العسكرية المكثفة إلى شلل في القدرات الإنتاجية العسكرية الإيرانية، بل استمرت المصانع في تزويد القوات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. هذا الاستمرار في الإنتاج يمثل حجر الزاوية في استراتيجية الردع الإيرانية، حيث يضمن تدفق السلاح اللازم لتنفيذ عمليات متزامنة وواسعة النطاق في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الهجمات الأخيرة التي طالت قواعد أمريكية ومنشآت في سلطنة عُمان تعد دليلاً ملموساً على اهتزاز قوة الردع الأمريكية في المنطقة. فبالرغم من تنفيذ آلاف الضربات الجوية، لم تنجح واشنطن حتى الآن في تحقيق هدفها السياسي الجوهري المتمثل في تغيير السلوك الاستراتيجي للنظام الإيراني أو إجباره على التراجع.

وتتجاوز الأهداف الأمريكية في هذا الصراع مجرد الرد العسكري المباشر، إذ تسعى واشنطن للحفاظ على هيمنتها المطلقة ومنع بروز أي قوة إقليمية قادرة على تحدي نفوذها. ويرتبط هذا التوجه بشكل وثيق بالصراع العالمي الأوسع مع الصين، حيث تسعى الولايات المتحدة لتأمين سيطرتها على منابع الطاقة وخطوط الإمداد الحيوية في الشرق الأوسط.

إن استمرار التصعيد العسكري الحالي يعكس حالة من الاستعصاء السياسي، حيث يرفض الطرفان تقديم تنازلات جوهرية تؤدي إلى تهدئة مستدامة. ورغم الخسائر المادية والبشرية التي تكبدتها الأطراف المختلفة، إلا أن معادلة الحسم النهائي لا تزال غائبة، مع إصرار طهران على مواصلة نهج المقاومة العسكرية للضغوط الخارجية.

في نهاية المطاف، يبقى الشرق الأوسط ساحة مفتوحة على كافة الاحتمالات في ظل فشل السلاح التقليدي المتطور في فرض إرادة سياسية وحيدة. وتؤكد التطورات الأخيرة أن المواجهة بين واشنطن وطهران مرشحة للاستمرار كحرب استنزاف طويلة الأمد، تتداخل فيها الحسابات الإقليمية بالصراعات الدولية الكبرى على النفوذ والطاقة.

دلالات

شارك برأيك

تصاعد المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران: هل فشل الردع التقليدي في كسر استراتيجية 'الحروب غير المتماثلة'؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.