وصال أبو عليا
هناك تجارب لا تُقاس بطولها، بل بما تتركه في الأرواح. أربعة أيام فقط قضاها أطفالي الثلاثة؛ باسل، وكرمل، ويوسف، في المخيم الصيفي الثالث "شهداء الواجب الوطني – حماية وطن" الذي نظمته هيئة التدريب العسكري لأبناء منتسبي الأجهزة الأمنية، لكنها كانت كافية لأن يعودوا يحملون شيئا لا يُرى بالعين... ويُدركه القلب.
حين ذهبوا للمخيم، ظننت أنهم سيعودون بذكريات جميلة، وصور جماعية، وبعض الحكايات العابرة. لكنهم عادوا وفي داخل كل واحد منهم تجربة نضج صغيرة، وتجربة حياة يصعب أن تمنحها الكتب أو الشاشات.
كان المخيم، على امتداد أربعة أيام، أشبه بمعسكر مصغر لحياة العسكري. يبدأ النهار قبل شروق الشمس، بالاستيقاظ المبكر وصلاة الفجر، ثم تدريبات اللياقة البدنية، فالمسير النظامي، حيث يتعلم الأطفال أن الانضباط ليس قيدا، بل أسلوب حياة، وأن احترام الوقت والنظام والعمل بروح الفريق قيمٌ تُبنى بالممارسة قبل أن تُحفظ بالكلمات.
وفي كل مساء، كنت أكتشف من أحاديثهم أن ما يتعلمونه هناك أكبر بكثير من مجرد تدريبات بدنية. فقد خاضوا تدريبات عملية حول آليات التعامل مع الحرائق، وتعرفوا إلى أسس الوقاية والسلامة العامة، وكيفية التصرف في حالات الطوارئ. شعرت أن هذه الدروس لا تمنحهم مهارة فحسب، إنما تمنحهم وعيا، فالإنسان الذي يعرف كيف يحمي نفسه والآخرين، يمتلك أول مفاتيح المسؤولية.
ولأن بناء الإنسان لا يكتمل بالتدريب وحده، جاء البرنامج الثقافي والتوعوي ليمنح التجربة بعدا آخر. اصطحب المخيم الأطفال إلى قصر هشام، حيث ساروا بين حجارة تحكي تاريخ فلسطين وحضارتها، وزاروا المتحف الروسي، فاقتربوا من التاريخ والثقافة بعين الطفل الفضولي، كما زاروا مصنعا للألبان، وشاهدوا كيف يتحول العمل اليومي إلى إنتاج، وكيف يقف خلف أبسط ما نستهلكه جهدٌ وعلمٌ وإتقان.
ولم يغفل المخيم بناء الجانب الإنساني والنفسي. فمن خلال جلسات الدعم النفسي والأنشطة التفاعلية، التي شارك في جزء منها الهلال الأحمر الفلسطيني، تعلم الأطفال الثقة بالنفس، والتواصل، والعمل الجماعي، والتكيف مع الآخرين، ليكتشفوا أن القوة لا تكمن في الجسد وحده، بل في النفس التي تعرف كيف تتعاون، وتحترم، وتواجه التحديات بثبات.
لكن أكثر ما لمسني لم يكن تفاصيل البرنامج، بل ذلك التغيير الهادئ الذي عادوا به إلى البيت.
بعد انتهاء المخيم، جلست مع أطفالي الثلاثة، وسألتهم سؤالا واحدا:
"لو أُعيدت التجربة... هل ستشاركون مرة أخرى؟"
لم يتردد باسل، الأكبر بينهم، وقال بثقة:
"نعم."
إجابة قصيرة، لكنها كانت كافية لتختصر رضاه الكامل.
أما كرمل، فابتسمت وقالت:
"نعم... لكن ما يصحونا بكير."
وجاء يوسف، الأصغر، ليقول بعفويته الجميلة:
"نعم... لكن ما يكون في أريحا."
ضحكت من ملاحظاتهم، لكنني توقفت طويلا عند الكلمة التي سبقت كل الملاحظات...
"نعم."
فالطفل لا يعرف المجاملة، ولا يتقن صناعة الانطباعات. إن أحب تجربة قال ذلك بكل صدق، وإن لم يحبها رفضها دون تردد. أما أن يجتمع ثلاثة أطفال، لكل منهم شخصيته المختلفة، على الرغبة في العودة، فهذا يعني أن المخيم نجح في أن يترك في قلوبهم أثرا حقيقيا.
أدركت حينها أن نجاح مثل هذه المخيمات لا يُقاس بعدد الأنشطة أو الرحلات أو ساعات التدريب، بل بما تزرعه في نفوس الأطفال من قيم تبقى معهم بعد انتهاء البرنامج. فقد عادوا وهم أكثر إدراكا لمعنى الانضباط، وأكثر احتراما للنظام، وأكثر وعيا بالسلامة والمسؤولية، وأقرب إلى تاريخ وطنهم وتراثه، وأكثر قدرة على العمل مع الآخرين، والأهم أنهم عادوا وهم يشعرون بالفخر لأنهم عاشوا، ولو لأيام قليلة، تجربة تشبه حياة من يحملون مسؤولية حماية الوطن.
أربعة أيام فقط...
لكنها كانت كافية ليكتشفوا أن الوطن ليس كلمة تُقال في المناسبات، بل سلوك يومي، وانضباط، ومعرفة، وعمل، وشعور بالمسؤولية تجاه النفس والآخرين.
وربما كانت هذه هي الهدية الأجمل التي عاد بها أطفالي من المخيم؛ أنهم لم يعودوا فقط بثياب تحمل غبار التدريبات، بل بقلوب أكثر نضجا، وعقول أكثر وعيا، وذكريات سترافقهم طويلا... وستبقى في قلبي شاهدا على أن الإنسان قد يكبر حقا... في أربعة أيام.





شارك برأيك
أربعة أيام... وعادوا أكبر مما ذهبوا