أعتقد أن الخريطة الجيوسياسية لكرة القدم العالمية قد تغيّرت على صعيد المنتخبات والأندية نتيجة عوامل تتعلق بالبنية التحتية والاستثمار الذكي، اللذين أسهما في بناء أجيال متكاملة وعصرية تتوافق مع متطلبات كرة القدم الحديثة. وهذا ما يؤكد منطقية عدم تأهل إيطاليا وخروج هولندا وألمانيا والبرازيل من كأس العالم 2026، إذ إن الماضي لا يتكرر، والكرة الأرضية في حالة حركة مستمرة، كما أن التاريخ الكوني يعيش صيرورة متقلبة أعادت تشكيل مفهوم الإرث الكروي.
ولا يقتصر هذا التحول على الانطباعات العامة، بل تؤكده أيضًا الإحصاءات الحديثة في كرة القدم، التي أصبحت تقيس معدلات الضغط العالي، وشدة الركض، والمسافات المقطوعة، ونسب الافتكاك، ودقة التمرير، وجودة الفرص المصنوعة، ومؤشرات الأهداف المتوقعة (xG)، وغيرها من البيانات التي باتت تشكل أساسًا في تقييم اللاعبين والفرق. كما أصبحت الأندية والمنتخبات تعتمد على تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وعلوم الأداء الرياضي في اكتشاف المواهب وإدارة الأحمال البدنية وبناء الخطط التكتيكية.
ويُعدّ المنتخبان المغربي والنرويجي مثالًا واضحًا على هذا التحول؛ فالمغرب نجح في بناء مشروع كروي متكامل قائم على تطوير البنية التحتية والأكاديميات والاستثمار في المواهب، بينما استفادت النرويج من التخطيط طويل الأمد وتطوير اللاعبين وفق أساليب علمية حديثة، وهو ما انعكس على قدرتهما على منافسة منتخبات تمتلك إرثًا كرويًا أعرق، بل والتفوق عليها في بعض المحطات.
لقد أصبح قانون اللعبة الجديد قائمًا على التكتيك، والقوة البدنية، والتكتل الدفاعي، والاعتماد على طريقة اللعب (4-3-3)، التي جعلت الأجنحة هم نجوم الفريق، وهمّشت دور المهاجم التقليدي داخل منطقة الجزاء. وهذا يؤكد أن كرة القدم قد انتقلت إلى فلسفة تتبنى مفهوم القوة والنفعية أكثر من الأداء الفني الممتع، مع توظيف العلم في اكتشاف المواهب وتطويرها بما يتناسب مع عالم كرة القدم الجديد.





شارك برأيك
التحول الجيوسياسي في كرة القدم العالمية