فَرَغْتُ اليوم من قراءة كتاب نفيس، بل هو أنفس الكتب الحديثة التي تناولت النّحو والإعراب في اللّغة العربيّة، هو كتاب «النّحو الوافي» للعلّامة المصريّ عبّاس حسن. وقد أنفقتُ في قراءته ثلاث سنوات!! فلا تعجبْ من هذه الرّحلة الطّويلة التي قضيتُها مع هذا الكتاب؛ لأنّه يقع في أربعة مُجلّدات، يستغرق كلُّ واحد منها ما يزيد على خمسمئة صفحة.
كنتُ أقرأه قراءةً مُتأنّيةً مُتعمّقة، وكنتُ أصحَبُهُ في أسفاري المختلفة من بلد إلى بلد، فأطالعه ما أتاحت لي الظّروفُ ساعةً أو بعضَ ساعة في طَرَفَيِ النّهار، حين أنقطع إلى مطالعة الكتب التي أريد مطالعتها.
والحقُّ أنّي قد قرأتُ هذا الكتاب في غُلَوَاءِ الشّباب ورَيِّقِهِ، يوم كنتُ طالبًا في السّنوات الأولى من دراستي الجامعيّة، ويوم كنتُ أَغذو حافظتي وعاقلتي بدراسة أهمّ المصادر في اللّغة العربيّة، وأتوفّر على درس كتب النّحو، والصّرف، والبلاغة، والبيان، والشّعر، والنّقد، وغيرها في كلّ فروع الأدب العربيّ.
ولكنّي عدتُ إلى هذا الكتاب قبل حين، وأخذتُ أَدرُسُهُ درسًا عميقًا فيه كثيرٌ من النّظر والتّأمّل، أقف عند دقائقه، وأتبحّر في معرفة الأساليب اللّغويّة والنّحويّة التي انتهجها العرب القدماء في التّعبير عمّا في نفوسهم، وأستملي من هذه المادّة الغزيرة الوافرة ما وسعني الاستملاء؛ ألتمس في هذا كلّه أن أُطوّف تَطوافًا واسعًا حول أسرار اللّغة العربيّة، وأحيط بالأسباب التي دعت العرب إلى استعمال هذا الأسلوب أو ذاك.
وليس من شكّ في أنّ المرء – مهما يكن مُتضلّعًا من اللّغة العربيّة، محيطًا بأشياء كثيرة من ضوابطها وأسرارها – لا بدّ له من أنْ يُجدِّد عهدَهُ بها، وأن يعود إلى مطالعة المصادر القديمة والحديثة؛ ليَرُدَّ إلى حافظته أشياء كثيرة قد ألمَّ بها، ولكنّ رياح الخطوب والشّواغل قد تعاورَتْها وطوتها في أعماق الذّاكرة تحت رماد الأيّام.
ولو أتيح لي أن أُسجّل ملاحظاتي عن كتاب «النّحو الوافي»، لملأتُ الصّفحات الكثيرة، حتّى تستوي بحثًا مُفصَّلًا يتناول قيمة هذا الكثاب وأثره في دراسة النّحو. فالكتاب آيةٌ من آيات البحث القويم والدّرس العميق؛ لأن صاحبه يتناول الموضوعات النّحويّة بالبحث المستفيض، ويتبسّط في شرح أقوال النُّحاة وآرائهم المتعدّدة في كلّ موضوع، ثمّ يَعرض رأيَهُ فيها، ويُنبَّه على ما يَسوغ وما لا يَسوغ في لغتنا العربيّة الحديثة. فلا أغالي إذا قلتُ إنّ هذا الكتاب هو أهمُّ الكتب الحديثة في علم النّحو، وهو يُغْني عن قراءة كثير من الكتب التي وُضعتْ في العصر الحديث، والتي يَشوبها التّكرار وتعتورها الأخطاء والمزالق.
وإنّي لَآسَفُ أشدَّ الأسف حين أسمع أصوات الذين يريدون أنْ يتخلّى العرب عن النّحو والقواعد والإعراب، وأن يهمل الطّالب العربيّ دراسة الموضوعات النّحويّة طمعًا في التّسهيل عليه، أو رغبةً في صرف عنايته إلى الفهم والتّحليل!! أوليست دراسةُ النّحو تحليلًا يزيد الطّالب تعمّقًا في النّصوص، وفهمًا لها، وتبصرةً بمقاصدها!! وقد ازدادت هذه المحنة بلاءً في عصرنا الحديث، عصر الذّكاء الصّناعيّ، وهو الذي يُعطّل القوّة العاقلة في أكثر الأحيان، ويُفسد مَلَكة التّعبير والتّحليل والنّقد، ويلغي الطّبع السّليم، حتّى تستريح العقول وتنقطع المواهب، وينصرف أكثرُ الشّباب عن الجِدّ إلى الدَّعَة، والكدّ إلى الخمول، والتّفكير الخلّاق إلى الرّاحة المُفسدة.
ولهذا كلّه، أجد دراسة النّحو من أوجب الواجبات على الطّالب العربيّ، وهي فوق هذا كلّه تُمتّنُ صلتَهُ بلغته وتراثه وأدبه، وتبعث في نفسه إحساسًا عميقًا بالاعتزاز بها؛ لأنّ اللّغة ليست حروفًا وكلمات فحسب، وإنّما هي جذورٌ وكرامةٌ وانتماء! وإذا أراد الطّالب أن يتبحّرَ في دراسة اللّغة ويكتنهَ أساليبَها وأسرارَها، فليَعُدْ إلى المصادر القديمة ويَرجع إلى كتاب «النّحو الوافي» لينظر في الموضوعات من أوجهها المختلفة.
انقضتْ رحلتي مع كتاب «النّحو الوافي» وفي نفسي تجلّةٌ عظيمةٌ وإكبار شديد للبحّاثة الألمعيّ عبّاس حسن، وقد أسدى إلى اللّغة العربيّة هذا الفضل العظيم الذي سيبقى أثرًا خالدًا في تاريخ الأدب العربيّ. وإنّ لمصر من نفسي مكانةً أثيرة؛ وهي التي أنجبتْ جِلّةً من العلماء النُّبغاء النّحارير، الذين حَمَلوا لواءَ اللّغة العربيّة وقدّموا الدّراسات والبحوث المهمّة فيها، منهم عبّاس حسن، وعبد السّلام هارون، ومحمّد محيي الدّين عبد الحميد، وسيّد المرصفي، وطه حسين، وأحمد محمّد شاكر، ومحمود محمّد شاكر، وعائشة عبد الرّحمن، وعلي الجارم، وزكي مبارك. وإنّ اللّغة العربيّة لَتتقدّمُ وتَرقى بأبنائها النّجباء البررة، الذين يخدمونها بألسنة أقلامهم، ويكشفون عن روعة جمالها وسحر فصاحتها، فيَسطع نورُها الشّعشاعُ في الآفاق البعيدة، ويَتضوّع عبقُها بين الشّعوب كما يتضوّع العبقُ من الزّهرة الأَرِجَة.





شارك برأيك
رحلتي مع كتاب النّحو الوافي للعلّامة المصريّ عبّاس حسن