تشهد حركة الملاحة في مضيق هرمز حالة من الترقب المشوب بالحذر، حيث أظهرت بيانات تتبع السفن استمرار بعض الناقلات في استخدام ممر ملاحي غير معتمد من قبل السلطات الإيرانية. وتأتي هذه التحركات رغم وقوع هجمات استهدفت سفناً تجارية مؤخراً، مما يضع أمن الطاقة العالمي أمام اختبار جديد في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة بالمنطقة.
وأفادت بيانات صادرة عن منصة 'كبلر' المتخصصة في تتبع الشحنات، بأن نحو 42 سفينة بضائع عبرت المضيق يوم الخميس الماضي، وهو رقم يقل عن اليوم الذي سبقه والذي سجل عبور 57 سفينة. وقد توزعت هذه الحركة بين دخول 10 سفن إلى مياه الخليج ومغادرة 32 أخرى، حيث اختار نصف هذه السفن سلوك الممر الجنوبي المحاذي للساحل العماني.
وبحلول ظهيرة يوم الجمعة، استمرت وتيرة العبور بنحو 29 سفينة، حيث استخدمت 17 منها المسار العماني المثير للجدل بالنسبة لطهران. ويأتي هذا الإصرار على استخدام الممر رغم إبلاغ سفينة حاويات ترفع علم سنغافورة عن تعرضها لهجوم مسلح أثناء عبورها المنطقة يوم الخميس، وفقاً لتقارير مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني.
من جانبه، صعد الحرس الثوري الإيراني من لهجته التحذيرية، معتبراً أن سلطنة عمان والمنظمة البحرية الدولية أعلنتا عن هذا الممر الجديد دون التنسيق مع طهران. وأكدت القيادة العسكرية الإيرانية أن المسارات الوحيدة المصرح بها للملاحة هي تلك التي تحددها إيران حصراً، محذرة السفن الدولية من مغبة استخدام ممرات غير معترف بها رسمياً من قبلها.
هذا التصعيد الأمني أدى بشكل مباشر إلى عرقلة الجهود الإنسانية واللوجستية في المنطقة، حيث أعلنت المنظمة البحرية الدولية عن تعليق برنامج طارئ كان يهدف لإجلاء نحو 11 ألف بحار عالقين. وكان هؤلاء البحارة قد تقطعت بهم السبل في مياه الخليج نتيجة العمليات العسكرية المستمرة، مما يزيد من تعقيد الأزمة الإنسانية للطواقم البحرية.
وعلى الرغم من قرار التعليق، كشفت المنظمة التابعة للأمم المتحدة أنها تمكنت في وقت سابق من إخراج 115 سفينة ونحو 2500 بحار عبر المضيق قبل توقف العمليات. وأوضح الأمين العام للمنظمة، أرسينيو دومينغيز أن قرار وقف الإجلاء جاء بعد مشاورات مكثفة مع دول المنطقة لضمان سلامة الأفراد في ظل التهديدات الراهنة.
المضيق قد يكون أكثر ازدحاماً الآن، لكنه ليس أكثر أماناً، والعودة للوضع الطبيعي تظل أمنية حتى اتضاح شروط ما بعد وقف إطلاق النار.
وتشير الإحصاءات الميدانية إلى أن حركة الملاحة بدأت بالانتعاش تدريجياً منذ منتصف يونيو الجاري، حيث سجلت ذروة العبور يوم الأربعاء الماضي بنحو 70 عملية. ومع ذلك، لا تزال هذه الأرقام بعيدة عن مستويات أوقات السلم التي كانت تصل فيها عمليات العبور اليومية إلى نحو 125 سفينة، مما يعكس استمرار القلق لدى شركات الشحن العالمية.
ويرى خبراء في قطاع النقل البحري أن هذه الزيادة في الحركة لا تعني بالضرورة استقرار الأوضاع الأمنية، بل هي ناتجة عن تراكم الطلب خلال فترات التوقف السابقة. ولفت الخبراء إلى أن المفاوضات الجارية بين القوى الدولية وإيران لم تصل بعد إلى صيغة نهائية تضمن حرية الملاحة بشكل كامل ودائم في هذا الممر المائي الاستراتيجي.
وفي هذا السياق، صرح ريتشارد ميد، رئيس تحرير مجلة 'لويدز ليست' المتخصصة، بأن ما يشهده المضيق حالياً هو 'انفراجة مؤقتة' تشبه التدفق المفاجئ للسلع بعد فترة انحباس. وحذر ميد من أن الازدحام الحالي لا يعني توفر الأمان، مشدداً على أن العودة الحقيقية للوضع الطبيعي تتطلب التزاماً واضحاً بشروط مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار.
وتظل الأنظار متجهة نحو الممر العماني الذي بات يشكل نقطة خلاف سيادي وأمني بين مسقط وطهران، في حين تحاول السفن التجارية إيجاد بدائل آمنة بعيداً عن الاحتكاك المباشر. وتؤكد مصادر ملاحية أن استمرار استخدام هذا المسار قد يؤدي إلى مزيد من الاحتكاكات البحرية إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات إقليمية تضمن سلامة الممرات.
إن التحديات التي تواجهها المنظمة البحرية الدولية في تأمين خروج البحارة العالقين تعكس حجم المخاطر التي تحيط بمضيق هرمز في الوقت الراهن. فبينما تسعى المنظمات الدولية لتجنيب المدنيين ويلات الصراع، تفرض الحسابات العسكرية والسياسية واقعاً معقداً يصعب معه التنبؤ بمسار الأحداث في الأيام القليلة المقبلة.
ختاماً، يبقى مضيق هرمز شرياناً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه يظل رهينة للتجاذبات السياسية والتهديدات العسكرية المتبادلة. ومع استمرار السفن في اختبار المسارات البديلة، يظل المجتمع الدولي مطالباً بالتدخل لضمان عدم تحول الممر المائي إلى ساحة صراع مفتوحة تهدد استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الملاحة الدولية.





شارك برأيك
تحدي التحذيرات الإيرانية: سفن الشحن تواصل عبور مضيق هرمز عبر المسار العماني