كرر الرئيس الأمريكي في خطاباته الأخيرة، تزامناً مع مراسم توقيع مذكرات التفاهم مع طهران، ما اعتبره حجة اقتصادية دامغة لصالح هذا المسار الدبلوماسي. وادعى ترامب أن التوقيع سيؤدي حتماً إلى انخفاض حاد في أسعار النفط العالمية، مما سيحفز طفرة في سوق الأسهم ويعيد الازدهار الاقتصادي المفقود.
أبدى الرئيس الأمريكي استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية للنظام الإيراني، مبرراً ذلك بالرغبة في تجنب ما وصفه بـ 'الكارثة الاقتصادية العالمية'. وأشار إلى أن استمرار التوتر في مضيق هرمز قد يؤدي إلى انهيار سلاسل إمداد الطاقة، مما يسبب كساداً عالمياً وبطالة جماعية وموجات تضخم لا يمكن السيطرة عليها.
هذه التبريرات وجدت صدى واسعاً لدى بعض المستثمرين والسياسيين الذين استعادوا ذكريات أزمات النفط المريرة في السبعينيات. إلا أن مصادر تحليلية تشير إلى أن هذا الخطاب يتجاهل التحولات الجذرية التي شهدها قطاع الطاقة العالمي خلال العقود الخمسة الماضية، والتي قللت من سطوة النفط السياسية.
في عام 1980، كان النفط يساهم بنحو 40% من إنتاج الكهرباء العالمي، بينما تشير البيانات في الربع الأخير من عام 2025 إلى أن هذه النسبة تراجعت لمستوى ضئيل لا يتجاوز 2%. هذا التحول يعني أن تقلبات أسعار الخام لم تعد تؤثر بشكل مباشر وعميق على تكاليف الإنتاج والخدمات كما كان يحدث في السابق.
النظام في إيران يقترب من حافة الانهيار، وهو غير قادر فعليًا على تهديد أمريكا أو الاقتصاد الغربي، إنه يُلوّح بمسدس ماء.
شهد قطاع النقل العالمي بدوره ثورة في كفاءة الطاقة، حيث زاد الاعتماد على السيارات الكهربائية والهجينة بشكل مطرد. وأدى هذا التطور إلى خفض استهلاك النفط بنسب كبيرة لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي، مما جعل الاقتصاد العالمي أكثر حصانة أمام التهديدات بإغلاق الممرات المائية.
على عكس ادعاءات الإدارة الأمريكية، أظهرت أسواق الأسهم استقراراً وارتفاعاً خلال أشهر النزاع في مضيق هرمز، بينما سجلت انخفاضاً بنسبة 4% فور توقيع الاتفاق. هذا التناقض يضعف الحجة القائلة بأن الاتفاق مع طهران كان ضرورة حتمية لإنقاذ الأسواق المالية العالمية من الانهيار الوشيك.
تؤكد الأرقام الاقتصادية أن إيران تعاني من أزمات داخلية خانقة، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي 3400 دولار، وهو ما يمثل كسراً ضئيلاً مقارنة بالدخل الأمريكي. هذا الضعف الهيكلي يجعل من قدرة الحرس الثوري على تهديد حرية الملاحة الدولية مجرد مناورة إعلامية أكثر منها تهديداً وجودياً حقيقياً.
يبدو أن ترامب اختار بوعي تضخيم المخاوف الاقتصادية لتكون غطاءً سياسياً لتحوله المفاجئ تجاه طهران وتفضيله الحوار على المواجهة. إن هذا الخيار السياسي، رغم مشروعيته، كان يمكن تسويقه دون الحاجة إلى اختلاق مبررات اقتصادية يصفها مراقبون بأنها غير واقعية وتتجاهل حقائق العصر الرقمي.





شارك برأيك
خلف ستار الاقتصاد.. هل استسلم ترامب للتهديدات الإيرانية بـ 'مسدس ماء'؟