أقلام وأراء

الأربعاء 01 يوليو 2026 9:40 صباحًا - بتوقيت القدس

لقمة العيش تُدفع بالدم



لم يعد جدار الفصل العنصري الذي يطوق مدينة القدس المحتلة مجرد حاجز إسمنتي يفصل الأرض عن أهلها، بل تحول إلى ما يمكن وصفه بـ"جدار الموت"، حيث يدفع العمال الفلسطينيون أثمانًا باهظة في سبيل الوصول إلى أماكن عملهم، في ظل سياسات الاحتلال التي تضيق عليهم سبل الحياة وتغلق أمامهم الخيارات الاقتصادية.
فخلال الأشهر الستة من هذا العام، ارتقى شهيدان وأصيب أكثر من 32 عاملًا فلسطينيًا برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء محاولتهم اجتياز الجدار المحيط بمدينة القدس، خاصة في بلدة الرام شمال القدس، في مشهد يتكرر بصورة تكاد تكون يومية، ويعكس حجم المخاطر التي يواجهها آلاف العمال الباحثين عن فرصة عمل تكفل لهم ولعائلاتهم حياة كريمة.
ولا تأتي هذه الحوادث بمعزل عن واقع اقتصادي فرضه الاحتلال على الفلسطينيين، إذ حوّلت القيود المفروضة على حرية الحركة، ونظام التصاريح المعقد، والإغلاقات المتكررة، العمل داخل القدس أو الأراضي المحتلة عام 1948 إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، فالكثير من العمال يجدون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما البطالة والفقر، أو المخاطرة بحياتهم لعبور الجدار بطرق وعرة هربًا من الملاحقة.
وتشير متابعات محافظة القدس إلى أن قوات الاحتلال لا تتعامل مع هؤلاء العمال باعتبارهم مدنيين يسعون إلى تأمين لقمة العيش، بل تستخدم بحقهم الرصاص الحي والمطاطي ووسائل القوة المختلفة، ما أدى إلى سقوط شهداء وعشرات الإصابات، فضلًا عن حالات الاعتقال والملاحقة اليومية.
هذا الاستهداف لا يمكن فصله عن منظومة السيطرة التي يفرضها الاحتلال على القدس ومحيطها، حيث يُستخدم الجدار ونظام الحواجز والتصاريح كأدوات للضغط الاقتصادي والاجتماعي، بما يعمق حالة التبعية ويزيد من معاناة الأسر الفلسطينية التي يعتمد دخلها بصورة أساسية على العمل داخل القدس والأراضي المحتلة.
ورغم المخاطر المتزايدة، يواصل آلاف العمال شق طريقهم قبل ساعات الفجر، متجاوزين الجدار والحواجز، مدفوعين بمسؤولياتهم تجاه أسرهم، في مشهد يلخص معادلة قاسية عنوانها أن البحث عن لقمة العيش قد يتحول في أي لحظة إلى رحلة قد تنتهي بالإصابة أو الاعتقال أو الشهادة.
سقوط شهيدين وإصابة اثنين وثلاثين عاملًا خلال فترة وجيزة ليس مجرد أرقام في سجل الانتهاكات، بل هو مؤشر على واقع إنساني خطير يستوجب تحركًا دوليًا جادًا لضمان حماية المدنيين الفلسطينيين، ومساءلة سلطات الاحتلال عن استخدام القوة المميتة بحق عمال لم يكن "ذنبهم" سوى السعي إلى تأمين قوت يومهم.
يبقى جدار الفصل في القدس شاهدًا حيًا على معاناة يومية يرزح تحتها العمال الفلسطينيون؛ فمع كل معبر يُغلق، وكل رصاصة تُطلق، وكل عامل يرتقي على أعتابه، تتجسد حكاية شعب يسعى لانتزاع حقه في الحياة والعمل والكرامة، في مواجهة منظومة احتلال حوّلت درب الرزق إلى مسار محفوف بالموت.

دلالات

شارك برأيك

لقمة العيش تُدفع بالدم

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.