تشهد منطقة برك سليمان التاريخية الواقعة جنوب مدينة بيت لحم حراكاً شعبياً واسعاً، حيث يتوافد مئات الشبان والعائلات الفلسطينية للتواجد في الموقع الأثري. ولم يعد الهدف من الزيارة مجرد الاستجمام الصيفي، بل تحول إلى فعل مقاومة شعبية يهدف إلى إثبات الحق الفلسطيني في المكان ومواجهة محاولات المستوطنين المتكررة للسيطرة عليه.
على حواف البرك الثلاث الضخمة، يقف الشبان بملابس السباحة مستعدين للقفز في المياه التي كانت يوماً المصدر الرئيسي لتزويد مدينة القدس بمياه الشرب. ويؤكد المرتادون أن وجودهم الدائم هو الرسالة الأقوى في وجه التهديدات الإسرائيلية الرسمية التي تصاعدت مؤخراً بضم هذا المعلم التاريخي والأثري الهام إلى السيادة الاحتلالية.
وتعود جذور التوتر الحالي إلى شهر مايو الماضي، حينما أقدم وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش على اقتحام الموقع وإطلاق تصريحات علنية بضرورة فرض السيطرة الإسرائيلية عليه. وأثارت هذه الخطوة تنديداً واسعاً من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية، التي أكدت أن البرك هي وقف إسلامي خالص ومسجل قانونياً وتاريخياً.
بالنسبة لسكان المنطقة المحيطة، تمثل البرك جزءاً لا يتجزأ من ذاكرتهم الجمعية وتراثهم العربي والإسلامي الذي لا يقبل القسمة. ويستذكر كبار السن في قرية أرطاس كيف كانت هذه البرك مقصداً للفلسطينيين من كافة المحافظات، بما في ذلك عائلات قطاع غزة التي كانت تحرص على زيارتها قبل التوجه للصلاة في المسجد الأقصى المبارك.
ويشير الشبان المرتادون للمكان إلى أن تكثيف وجودهم في الآونة الأخيرة جاء رداً طبيعياً على تزايد اقتحامات المستوطنين للمنطقة تحت حماية قوات الاحتلال. ويرى هؤلاء أن الحفاظ على الطابع العربي للمكان يتطلب حضوراً بشرياً دائماً يحول دون استفراد الجماعات الاستيطانية بالموقع وتحويله إلى مزارات تلمودية.
من الناحية التاريخية، يمثل النظام المائي في برك سليمان معجزة هندسية بدأت ملامحها في العهد الروماني قبل الميلاد واستمر تطويرها في العصور الإسلامية المتعاقبة. وقد بلغت ذروة الاهتمام بها في عهد السلطان المملوكي الظاهر خوشقدم عام 1460 ميلادية، حين تم بناء البركة الثالثة لتعزيز القدرة الاستيعابية للنظام المائي.
برك سليمان هي تاريخ فلسطيني قديم، ونحن نأتي إلى هنا لنحيي المكان ونمنع المستوطنين من السيطرة عليه.
ويمتد النظام المائي الفريد من وادي أرطاس وصولاً إلى قلب مدينة القدس على مسافة تقدر بنحو 44 كيلومتراً من القنوات الملتوية. هذا الربط الجغرافي والتاريخي بين بيت لحم والقدس يجعل من السيطرة على البرك هدفاً استراتيجياً للاحتلال الساعي لقطع الروابط الجغرافية والتاريخية بين المدن الفلسطينية.
وحذر سامر شاهين، نائب رئيس مجلس قروي أرطاس، من أن برك سليمان باتت في 'عين العاصفة' نتيجة قرار إسرائيلي ممنهج للسيطرة على كافة المواقع الأثرية ومصادر المياه في الضفة الغربية. وأوضح أن المجلس القروي والجهات الرسمية يمتلكون كافة الوثائق التي تثبت ملكية الأوقاف للموقع منذ العهد العثماني وحتى يومنا هذا.
وتتكون البرك من ثلاث منشآت ضخمة متدرجة الارتفاع، حيث تبلغ سعتها الإجمالية أكثر من ربع مليون متر مكعب من المياه، مما يجعلها مخزناً مائياً استراتيجياً. وتتراوح أعماق هذه البرك بين 8 و23 متراً، وهي محاطة بطبيعة خلابة تجعل منها المتنفس الوحيد المتبقي لأهالي محافظة بيت لحم في ظل التوسع الاستيطاني.
ولا يقتصر الحراك الشعبي على السباحة فقط، بل يشمل تنظيم فعاليات ثقافية واجتماعية وأنشطة صيد للهواة داخل البرك لتعزيز الارتباط بالمكان. ويؤكد المشاركون أن التمسك بهذه المعالم هو جزء من معركة البقاء والحفاظ على الهوية الوطنية الفلسطينية التي تتعرض لمحاولات طمس وتزوير مستمرة من قبل مؤسسات الاحتلال.
وفي ظل التضييق المستمر على المتنفسات السياحية الطبيعية في الضفة الغربية، تبرز برك سليمان كنموذج للصمود الشعبي العفوي الذي يرفض الاستسلام للأمر الواقع. ويبقى التواجد الفلسطيني الكثيف هو الضمانة الوحيدة لحماية هذا الإرث التاريخي من مخططات التهويد التي تستهدف الحجر والبشر في الأراضي المحتلة.





شارك برأيك
برك سليمان في بيت لحم: حراك شعبي فلسطيني لمواجهة مخططات التهويد والضم