فلسطين

الأحد 28 يونيو 2026 5:15 مساءً - بتوقيت القدس

سياسة الانتقام في الضفة الغربية: حصار شامل وقتل خارج القانون منذ أكتوبر

يرى الكاتب في صحيفة هآرتس، جدعون ليفي أن عبارة 'لا أبرياء في غزة' لم تكن مجرد زلة لسان سياسية، بل تحولت إلى مفتاح أخلاقي أطلق يد الاحتلال لممارسة العقاب الجماعي الذي تمدد ليشمل الضفة الغربية. فبمجرد نزع صفة البراءة عن المجتمع الفلسطيني، لم يعد الاحتلال بحاجة لإثبات ذنب فردي، بل أصبحت الهوية الفلسطينية بحد ذاتها تهمة تستوجب العقاب.

لقد قلبت أحداث السابع من أكتوبر موازين الحياة في الضفة الغربية رأساً على عقب، حيث لم يعد هناك مكان بين جنين والخليل يشبه ما كان عليه الحال قبل ذلك التاريخ. والمفارقة الصارخة تكمن في أن الفلسطينيين في الضفة لم ينخرطوا في عمل عسكري مباشر آنذاك، ومع ذلك نالهم من التنكيل ما لم يشهده الشعب الفلسطيني منذ نكبة عام 1948.

تتعامل سلطات الاحتلال مع الجغرافيا الفلسطينية كوحدة واحدة في العقاب، حيث يُحمل سكان الضفة وزر أحداث غزة في إطار سياسة انتقامية شاملة. ويصف ليفي هذا الوضع بأنه 'حكم بالسجن المؤبد' فُرض على ملايين الفلسطينيين الذين لم يشفع لهم هدوؤهم النسبي أمام آلة القمع التي ترى في وجودهم خطيئة كبرى.

منذ بدء الحرب، انفلتت القيود الأمنية والسياسية في الضفة الغربية، واستغل المستوطنون انشغال العالم والمجتمع الإسرائيلي بالقتلى والأسرى لتنفيذ مخططاتهم المؤجلة. وقد وفرت رغبة الانتقام غطاءً كثيفاً للمستوطنين لممارسة أفعال كان يصعب تمريرها سابقاً تحت ضوء الرقابة الدولية أو القانونية.

أحكمت قوات الاحتلال إغلاق المدن والقرى الفلسطينية عبر مئات البوابات الحديدية الصفراء، مما حول التجمعات السكانية إلى معازل محاصرة. ولم تنجُ نابلس أو رام الله أو الخليل من هذا الخنق، حيث أُجبر المواطنون على سلوك طرق ترابية وعرة وبديلة، بينما ظلت الطرق المعبدة امتيازاً حصرياً للمستوطنين.

يؤكد ليفي أن هذا الحصار الخانق لا يرتبط بضرورات أمنية حقيقية، بل هو أداة للتنكيل اليومي، وهو ما أقر به المستشار القانوني للجيش الإسرائيلي حين وصف تقييد الحركة بأنه غير قانوني. ومع ذلك، يظل هذا الاعتراف القانوني بلا قيمة فعلية على الأرض، إذ تستمر سياسة الإغلاق دون أي تغيير ملموس.

لم يتوقف الخنق عند حدود الحركة والتنقل، بل امتد ليضرب لقمة عيش الفلسطينيين من خلال منع عشرات الآلاف من العمال من الوصول إلى أماكن عملهم داخل الخط الأخضر. هذا الإجراء أدى إلى كارثة اقتصادية واجتماعية، حيث حوصر الفلسطيني في رزقه وخبزه اليومي تماماً كما حوصر في مدينته وقريته.

تزامنت هذه الإجراءات مع تصاعد وتيرة المداهمات العسكرية العشوائية التي ينفذها الجيش، والتي ترافقت مع ظهور ما يسمى 'فرق التأهب' في المستوطنات. هذه الفرق ليست سوى مليشيات مسلحة تمنح المستوطنين سلطة مطلقة على حياة الفلسطينيين وممراتهم، مما حول كل مستوطن إلى صاحب قرار أمني.

تشير التقارير إلى ظهور نحو 150 بؤرة عنف استيطانية جديدة منذ أكتوبر، تمكنت من السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي تتجاوز ما حققته المشاريع الاستيطانية الرسمية لسنوات. هذا التوسع الاستيطاني العنيف يجري تحت حماية الجيش وبدعم سياسي واضح من أقطاب الحكومة اليمينية المتطرفة.

يبرز اسم إيتمار بن غفير كعنوان لمرحلة جديدة من التنكيل بالأسرى الفلسطينيين، حيث تحولت السجون إلى مراكز تعذيب مروعة تفتقر لأدنى المقومات الإنسانية. ويشير ليفي إلى أن سياسات التجويع والإذلال المتعمد أصبحت جزءاً أصيلاً من بنية العقاب داخل المعتقلات التي تضم آلاف السياسيين والمحتجزين بلا محاكمة.

على صعيد القتل الميداني، جعل الجيش الإسرائيلي قواعد إطلاق النار أكثر مرونة، مما أدى إلى استشهاد أكثر من ألف فلسطيني في الضفة منذ أكتوبر، بينهم ما يزيد عن 200 طفل. هؤلاء الضحايا سقطوا في سياق إطلاق نار منفلت، رغم أن معظمهم لم يشكلوا أي تهديد فعلي للقوات الإسرائيلية أو المستوطنين.

في ختام رؤيته، يتساءل ليفي عن الجدوى الأخلاقية والسياسية لاستمرار هذا التنكيل العشوائي في ظل غياب نشاط مسلح واسع في الضفة الغربية. ويضع المجتمع الدولي والإسرائيلي أمام مسؤولياتهم، متسائلاً إن لم يكن قد حان الوقت لقول كلمة 'كفى' لهذا النزيف المستمر منذ ما يقارب ثلاث سنوات بلا نهاية تلوح في الأفق.

دلالات

شارك برأيك

سياسة الانتقام في الضفة الغربية: حصار شامل وقتل خارج القانون منذ أكتوبر

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.