أقلام وأراء

السّبت 27 يونيو 2026 11:55 صباحًا - بتوقيت القدس

المحتوى المشبع بالدهون الصلبة: حين يتحول الضجيج الرقمي إلى أزمة عائلية واجتماعية

صدقي ابوضهير / باحث ومستشار بالاعلام والتسويق الرقمي

لم تعد أزمة المحتوى الرقمي في كثافته أو سرعة انتشاره فقط، بل في طبيعته الغذائية إن صح التعبير. فكما أن الجسد يتأثر بما يتناوله من طعام، يتأثر العقل والوجدان والسلوك بما يستهلكه الإنسان يوميًا من محتوى. ومن وجهة نظري، فإن جزءًا واسعًا مما نراه اليوم على منصات التواصل، وخاصة في الريلز والمقاطع القصيرة، أصبح يشبه الطعام المشبع بالدهون الصلبة؛ يمنح إحساسًا سريعًا بالامتلاء والانفعال والمتعة، لكنه يترك وراءه عقلًا مرهقًا، وذائقة مشوهة، وقدرة أضعف على الحوار، وسلوكًا اجتماعيًا أكثر توترًا وحدة.

المحتوى المشبع بالدهون الصلبة هو ذلك المحتوى الذي لا يبني معرفة، ولا يفتح أفقًا، ولا يربي ذوقًا، ولا يعمق فهمًا، بل يكتفي بإثارة الغريزة والانفعال. هو محتوى سريع، صاخب، مباشر، مبالغ فيه، يعتمد على الصوت العالي، والعنوان المستفز، والمعلومة غير المكتملة، والانفعال المصطنع، واليقين السهل. يمر أمام العين بسرعة، لكنه يترك أثره في النفس ببطء. وهذه هي خطورته؛ أنه لا يظهر كخطر مباشر، بل يتسلل إلى داخل العائلة والمجتمع والسلوك العام، حتى يصبح الصراخ طبيعيًا، والتسرع رأيًا، والسطحية معرفة، والادعاء ثقة.

في السابق، كانت العائلة تجتمع حول حديث يومي، حتى لو كان بسيطًا. كان هناك وقت للنقاش، ومساحة للسؤال، وفرصة للتفاهم، وربما خلاف ينتهي بشرح أو اعتذار أو صمت محترم. أما اليوم، فقد أصبحت كثير من البيوت ممتلئة بالأجساد الفارغة من الحضور الحقيقي. الأب في شاشة، والأم في شاشة، والأبناء في شاشات متعددة، والصوت الأعلى في البيت لم يعد صوت العائلة، بل صوت الريلز. لم يعد الهاتف جهازًا في اليد فقط، بل أصبح طرفًا في الجلسة، يقطع الحديث، يغير المزاج، يفرض الإيقاع، ويسحب الانتباه من العلاقات الحقيقية إلى علاقات افتراضية عابرة.

الصوت العالي في الريلز ليس مجرد خلل في الذوق، بل هو جزء من اقتصاد الانتباه. المنصة تريد أن توقفك، وصانع المحتوى يريد أن يخطفك، والخوارزمية تكافئ من يرفع مستوى الإثارة. لذلك أصبح كل شيء عاليًا: الموسيقى، طريقة الكلام، الحركة، النص على الشاشة، التعبير، وحتى الغضب. ومع كثرة التعرض لهذا النمط، يفقد الإنسان تدريجيًا قدرته على تقبل الكلام الهادئ. يصبح النقاش الهادئ مملًا، والتحليل المتزن طويلًا، والرأي العاقل باردًا، أما الصوت العالي فيبدو أكثر إقناعًا فقط لأنه أكثر ضجيجًا.

وهنا تبدأ الأزمة العائلية. حين يعتاد الإنسان على محتوى قصير ومتوتر وسريع الإيقاع، يصبح أقل قدرة على الاستماع داخل البيت. الزوج لا يصبر على شرح زوجته، والزوجة لا تحتمل نقاشًا طويلًا، والأبناء يهربون من الحوار إلى الشاشة، والآباء يشتكون من انقطاع التواصل دون أن ينتبهوا أحيانًا إلى أنهم جزء من المشكلة. برأيي، لم تعد الفجوة بين الأجيال ناتجة عن اختلاف العمر فقط، بل عن اختلاف البيئة الإدراكية التي يعيش فيها كل طرف. هناك من يريد حوارًا إنسانيًا بطيئًا، وهناك من أصبح عقله مبرمجًا على مقطع لا يتجاوز ثلاثين ثانية.

هذا التحول انعكس أيضًا على مفهوم التفاهم. التفاهم يحتاج إلى صبر، والصبر يحتاج إلى هدوء داخلي، والهدوء الداخلي يحتاج إلى مسافة من الضجيج. لكن المحتوى القصير يلتهم هذه المسافة. الإنسان الذي يبدأ يومه بمقاطع صاخبة، وينهيه بمقاطع أكثر صخبًا، يدخل إلى علاقاته وهو مشحون أصلًا. قد ينفجر بسبب كلمة بسيطة، أو يسيء فهم نبرة عادية، أو ينسحب من النقاش لأنه لم يعد يحتمل الاستماع. وهكذا لا تصبح المشكلة في موضوع الخلاف نفسه، بل في النفس التي فقدت لياقتها الحوارية.

ومن أخطر أشكال هذا المحتوى، ذلك الذي يوظف الدين والغيبيات بطريقة سطحية ومربكة. نحن بحاجة إلى محتوى إيماني صادق، عاقل، رحيم، يعيد الإنسان إلى القيم، ويقربه من المعنى، ويهذب سلوكه، ويذكره بمسؤوليته الأخلاقية. لكن ما ينتشر أحيانًا ليس تدينًا واعيًا، بل استعراض ديني سريع، يتحدث فيه أشخاص بثقة مبالغ فيها عن الغيب، والرزق، والعقاب، والابتلاء، والعلامات، وكأنهم يملكون حق توزيع الطمأنينة والخوف على الناس. المشكلة هنا ليست في الدين، بل في تحويل الدين إلى مادة انفعالية تخضع لقواعد المشاهدة والتفاعل.

برأيي، أخطر ما في هذه المقاطع أنها تعطي المتلقي يقينًا سهلًا دون علم، وخوفًا واسعًا دون فقه، وحكمًا سريعًا دون ورع. وحين يتحدث غير المؤهل في الدين بلهجة الواثق، وحين تقدم الخرافة بثوب الإيمان، وحين تتحول الغيبيات إلى مادة يومية للاستهلاك، يصبح المجتمع أكثر قابلية للقلق، وسوء الظن، والتفسير السطحي للأحداث. بدل أن يقود الدين الإنسان إلى الرحمة والتوازن والعمل والأخلاق، يتحول في بعض هذه المقاطع إلى مصدر توتر ومراقبة وخوف وحكم على الآخرين.

هذه المسألة تمس المجتمع كله، لأنها لا تقف عند حدود الفرد. فالفرد المشحون بالخوف والضجيج والسطحية ينقل ذلك إلى البيت، والعمل، والشارع، والنقاش العام. السلوك العام أصبح في كثير من الأحيان أكثر خشونة. الناس تتسرع في الحكم، تقاطع أكثر مما تسمع، تسخر أكثر مما تناقش، وتدين أكثر مما تفهم. كأننا أصبحنا نعيش بمنطق التعليقات لا بمنطق الحياة. في التعليقات يمكن للإنسان أن يقسو بلا مسؤولية، ويسخر بلا مواجهة، ويتهم بلا دليل. وحين ينتقل هذا السلوك من الشاشة إلى الواقع، يصبح المجتمع أكثر توترًا وأقل إنسانية.

الأثر الأخلاقي لهذا المحتوى لا يقل خطورة عن أثره المعرفي. فالمحتوى الذي يطبع السخرية يجعل الإهانة مقبولة. والمحتوى الذي يطبع الصراخ يجعل الهدوء ضعفًا. والمحتوى الذي يطبع الادعاء يجعل الجهل واثقًا من نفسه. والمحتوى الذي يطبع التفاهة يجعل الجدية ثقيلة. ومع الوقت يتغير معيار التقدير الاجتماعي؛ لا يُنظر إلى الأعمق بوصفه أكثر قيمة، بل إلى الأعلى صوتًا، والأسرع انتشارًا، والأكثر قدرة على إثارة الناس. وهذه من أكبر أزمات الوعي الرقمي في مجتمعاتنا.

لا أرى أن الحل يكون في شيطنة المنصات أو الدعوة إلى الانقطاع الكامل عنها، فهذا طرح غير واقعي. المنصات أصبحت جزءًا من الحياة الحديثة، والمحتوى الرقمي يمكن أن يكون أداة معرفة وتعليم وتسويق وتوعية وتواصل. لكن المشكلة في غياب الحصانة الرقمية. نحن نتعامل مع المحتوى كما لو كان شيئًا عابرًا، بينما هو في الحقيقة يعيد تشكيل وعينا وسلوكنا وعلاقاتنا. كل مقطع لا يمر فقط أمام العين، بل يترك أثرًا في طريقة التفكير، وطريقة الكلام، وطريقة الحكم على الناس، وطريقة إدارة الخلاف.

لذلك أرى أننا بحاجة إلى انتقال جاد من ثقافة الاستهلاك الرقمي العشوائي إلى ثقافة الوعي الرقمي. على العائلة أن تسأل: ماذا يدخل إلى البيت عبر الشاشات؟ لا يكفي أن نقلق على أبنائنا من الغرباء في الشارع، بينما نتركهم لساعات أمام غرباء يصنعون أفكارهم ومخاوفهم ولغتهم ومزاجهم. وعلى المدرسة أن تتعامل مع التربية الإعلامية والرقمية كضرورة، لا كترف. وعلى المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية أن تواجه المحتوى السطحي لا بالصراخ المضاد، بل بإنتاج بديل رصين وجذاب ومفهوم.

من المهم أيضًا أن نعيد الاعتبار للصوت الهادئ. ليس كل من يصرخ يملك حقيقة. وليس كل من ينتشر يملك معرفة. وليس كل من يتحدث بثقة يستحق الثقة. نحن بحاجة إلى تدريب اجتماعي جديد على التمييز بين العالم والمدعي، بين المؤثر والخبير، بين النصيحة والاستعراض، بين الإيمان والخرافة، بين المحتوى الذي يوقظ الوعي والمحتوى الذي يخدر العقل. وهذا التمييز لم يعد مهارة ثقافية فقط، بل أصبح شرطًا لحماية العائلة والمجتمع.

إن المحتوى المشبع بالدهون الصلبة لا يهدم البيت في يوم واحد، لكنه يضعف روابطه يومًا بعد يوم. يقلل الحوار، يرفع التوتر، يسحب الانتباه، يسطح التفكير، ويجعل الإنسان أقل احتمالًا للآخر. وحين تفقد العائلة قدرتها على النقاش، يفقد المجتمع قدرته على التفاهم. وحين يصبح الدين مادة استهلاكية بيد غير المؤهلين، يفقد الناس جزءًا من طمأنينتهم وبوصلتهم. وحين يصبح الصراخ نموذجًا للتأثير، يصبح السلوك العام أكثر عنفًا ولو دون عنف مباشر.

في تقديري، نحن أمام سؤال ثقافي كبير: هل نريد أن نبقى مجرد مستهلكين لمحتوى يصنع مزاجنا بالنيابة عنا، أم نريد أن نستعيد حقنا في اختيار ما يغذي عقولنا وبيوتنا؟ فكما لا يمكن لجسد أن يبقى سليمًا وهو يعيش على طعام رديء، لا يمكن لعائلة أن تبقى متماسكة، ولا لمجتمع أن يبقى متوازنًا، وهو يتغذى يوميًا على محتوى صاخب، متوتر، سطحي، ومشبع بدهون رقمية صلبة. حماية الوعي اليوم تبدأ من سؤال بسيط لكنه حاسم: ماذا نسمح أن يدخل إلى عقولنا قبل أن يدخل إلى بيوتنا؟

دلالات

شارك برأيك

المحتوى المشبع بالدهون الصلبة: حين يتحول الضجيج الرقمي إلى أزمة عائلية واجتماعية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.