أقلام وأراء

الجمعة 26 يونيو 2026 10:40 صباحًا - بتوقيت القدس

عتبة التخرج ووهم المظاهر: لماذا تحتاج القدس إلى التميز المهني لا الوجاهة الاجتماعية؟

تشهد شوارع القدس هذه الأيام حراكاً يفيض بالبهجة والآمال؛ طوفان من خريجي المدارس يتدفقون نحو عتبة جديدة من الحياة الواعدة. زغاريد الأمهات، وفخر الآباء، ويافطات التهنئة تملأ المدى. لكن خلف هذا المشهد الاحتفالي البهيج، تقف الحقيقة العارية لتطرح سؤالاً مصيرياً يؤرق مستقبل الجيل الجديد وبنيتنا المجتمعية: هؤلاء الخريجون، إلى أين هم ذاهبون؟ والأهم، برغبة مَنْ؟ ولصالح أي مستقبل؟

إن أكبر خطيئة ترتكبها بعض العائلات اليوم في حق أبنائها وفي حق البنية الاقتصادية للمدينة، هي تحويل منصات التخرج إلى ساحات للمفاخرة الاجتماعية و"البرستيج" العائلي. حيث يخضع الشاب- تحت ضغط العاطفة أو الإجبار المبطن- لطموح أهله، فيُساق سوقاً نحو تخصصات أكاديمية تقليدية (كالطب، والهندسة، والحقوق) لا لشيء، إلا لتقال كلمة "دكتور" أو "مهندس" في المجالس والصالونات، دون أدنى التفات لمتطلبات سوق العمل الحقيقي.

وهم "البرستيج" وثمنه الباهظ

إن إقحام الطالب في مسار جامعي لا يشبه شغفه، ولا يمثل رغبته الحقيقية، هو اغتيال مبكر لروح الإبداع. النتيجة الحتمية لهذا الخضوع هي انعكاسات كارثية تظهر آثارها بعد سنوات، لعل أبرزها:

• طالب متعثر نفسياً وأكاديمياً: يقضي سنوات دراسته يصارع مواد لا يحبها، فقط ليرضي غرور المحيطين به.

•         خريج مشوه مهنياً: ينتهي به المطاف بشهادة معلقة على الجدار، وينضم مجبراً إلى طوابير البطالة المقنعة.

•        هدر للطاقات والوقت البشري: في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى استثمار كل ثانية وكل طاقة شاب مقدسي في بناء مجتمعه وتثبيت وجوده.

إن النجاح الحقيقي ليس في "اسم" التخصص، بل في مدى التميز والإبداع فيه. فخريج بلا شغف هو عبء على التنمية، بينما مهني محترف ومبدع في مجاله هو رافعة حقيقية لبلده وأهله ومجتمعه.

الواقع المجتمعي: ماذا تحتاج المدينة فعلياً؟

دعونا نتحدث بلغة الواقع الديموغرافي والاقتصادي لمدينة القدس؛ فالمدينة لا تعاني من نقص في حملة الشهادات الأكاديمية العليا والمنظرين، بل تعاني من تخمة في تخصصات مشعبة وراكدة، مقابل جفاف حاد في الكوادر المهنية والتقنية والخدماتية الماهرة.

القدس، بخصوصيتها الثقافية، ووضعها السياحي الفريد، ومكانتها التاريخية العالمية، في أمسّ الحاجة اليوم إلى "منظومة مهنية متكاملة" قادرة على إدارة عجلتها الاقتصادية والحفاظ على إرثها الحضاري. إنها بحاجة ماسة إلى:

•        خبراء السياحة والفندقة المحترفين: ليديروا المرافق الحيوية ويعكسوا الصورة المشرقة للمدينة أمام العالم.

•         المرشدين السياحيين وأصحاب المهارات اللغوية: لحماية التاريخ الثقافي والإرث الإنساني ونقله بأمانة للأجيال.

•        الفنيين والتقنيين المهرة: في مجالات تكنولوجيا المعلومات، الترميم المعماري للمباني الأثرية والتاريخية، الإدارة الرقمية، والمهن التطبيقية الحديثة.

إن تحويل بوصلة التعليم نحو "التعليم المهني والتقني المتقدم" ليس تقليلاً من شأن العلم، بل هو قمة الوعي وحُسن القراءة لمتطلبات العصر؛ فالكادر المهني المؤهل في القدس اليوم هو الركيزة الأساسية لاستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.

صرخة استنهاض: أين المؤسسات والمعنيون؟

إن هذا التغيير الثقافي والمجتمعي لا يمكن أن يقع على عاتق الطالب وعائلته وحدهم، بل هو مسؤولية جماعية تتطلب استنفاراً من كافة المؤسسات المقدسية:

•        المؤسسات التعليمية والمدارس: مطالبة فوراً بتفعيل أقسام "الإرشاد المهني" منذ المراحل الإعدادية، وعدم اقتصار دورها على حشو المناهج، بل توجيه الطلبة نحو حاجة السوق الحقيقية واكتشاف مواهبهم التطبيقية مبكراً.

•         المراكز الثقافية والمجتمعية: عليها تبني حملات توعية واسعة النطاق لكسر "التابو" والوصمة الاجتماعية المرتبطة بالتعليم المهني، وإبراز النماذج الناجحة للمبدعين المهنيين كقادة مجتمعيين.

•         القطاع الخاص ورجال الأعمال: إن استثماركم في دعم وتأسيس معاهد تقنية ومهنية حديثة في القدس، وتوفير حاضنات ومشاريع صغيرة لهؤلاء الشباب، ليس مجرد استثمار اقتصادي، بل هو واجب وطني وأخلاقي لحماية الهوية الاقتصادية للمدينة.

رسالة إلى الخريج وأهله

أيها الخريج: هذه حياتك أنت، وليست امتداداً لأحلام الآخرين غير المحققة. اعرف مهاراتك، وادرس السوق بذكاء، واتبع شغفك المبني على منطق وحاجة، وامتلك الشجاعة لتقول: "هذا أنا وهذا خياري".

أيها الأهل: إن حبكم لأبنائكم لا يمنحكم الحق في صياغة مصائرهم وفق مقاييس المظاهر الكاذبة. البرستيج الحقيقي لا يصنعه لقب يُكتب قبل الاسم، بل يصنعه ابن مستقر نفسياً، ناجح عملياً، ومؤثر إيجابياً في محيطه.

خلاصة القول:

إن القدس بحاجة إلى سواعد تبني، وعقول تبتكر، وكوادر تسد الاحتياجات الاقتصادية والسياحية والخدماتية. توقفوا عن ضخ "العاطلين عن العمل بشهادات فاخرة"، وافسحوا الطريق لجيل يختار بوعي، ليعمل بشغف. لنهبّ جميعاً –مؤسسات وأفراداً– لنصرة هذا التوجه، ولننهض بمدينة لا تحميها المظاهر الجوفاء، بل تحميها المهارة، والإنتاجية، والانتماء المجتمعي الحقيقي.


دلالات

شارك برأيك

عتبة التخرج ووهم المظاهر: لماذا تحتاج القدس إلى التميز المهني لا الوجاهة الاجتماعية؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.